﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اِتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٣) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاّ أَنْ قالُوا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (٥) فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنّا غائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩) وَلَقَدْ مَكَّنّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (١٠)﴾
قوله: ﴿كِتابٌ﴾ خبر عن ﴿المص﴾ إذا قلنا: إنه اسم للسورة أو اسم القرآن، أو (كتاب) خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا كتاب، و﴿وَذِكْرى﴾ مرفوع المحل عطفها على (كتاب) أو: منصوب مفعولا من أجله معطوف على ﴿لِتُنْذِرَ﴾ أو مجرور معطوف على موضع ﴿لِتُنْذِرَ﴾ أي: للإنذار والذكرى. ما في قوله: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ زائدة ﴿قَلِيلًا﴾ نعت مصدر محذوف، أي: تتذكرون تذكرا قليلا. و﴿وَكَمْ﴾ مرفوع المحل أو منصوبه، من باب اشتغال الفعل عن المفعول وضميره.
فإن قلت: القياس: جاءها بأسنا فأهلكناها. فجوابه: أن قوله: ﴿أَهْلَكْناها﴾ أي:
أردنا إهلاكها. ﴿أَوْ هُمْ قائِلُونَ﴾ من القيلولة، كقوله: ﴿إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتًا أَوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (^١) قال الزمخشري (^٢): يجوز أن يكون ﴿دَعْواهُمْ﴾ مرفوع المحل؛ اسم كان. و﴿أَنْ قالُوا﴾ في موضع نصب، ويجوز العكس على القاعدة في باب كان. وفيه نظر؛ لأنه إنما جاز في باب كان في المعرفتين تقديم الخبر، لفهم المعنى بالإعراب، وأما ﴿دَعْواهُمْ﴾ و﴿أَنْ قالُوا﴾ لا يظهر فيهما إعراب (^٣) فهو كمسألة: ضرب موسى عيسى.
_________________
(١) سورة يونس، الآية (٥٠).
(٢) ينظر: الكشاف للزمخشري (٢/ ٨٨).
(٣) يعني أن قوله: (أن قالوا) مصدر مؤول، وقوله: (دعواهم) اسم مقصور، وكلاهما معربان بعلامة مقدرة غير ظاهرة.
[ ١ / ٢٧٤ ]
قال الزمخشري (^١): ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ الحق: صفة للوزن؛ أي: الوزن الحق يومئذ.
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ أي: ثقلت موزونات حسناته ﴿وَمَنْ خَفَّتْ﴾ موزوناته، والكافر يوزن له ولا مقابل للموزون من الحسنات؛ ليظهر نقص حاله وخسران عاقبته.
واختلف في الموزون ما هو؟ فقيل: الأعمال، يجعل الله للحسنات صورة منيرة بثقل يرضاها المكلف، ويجعل للسيئات صورة مظلمة بثقل يرضاها المكلف. وقيل: الموزون الصحف، تجعل صحف الحسنات في كفة، وصحف السيئات في كفة، ويدل عليه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «يؤتى برجل يوم القيامة فيخرج له تسعة وتسعون سجلا، كل سجل مد البصر، مملوء من السيئات، فيوقن بالهلاك، فيقول الله تعالى: إنك لا تظلم، ويؤتى بصحيفة فيها: لا إله إلا الله. فتوضع في كفة الحسنات، فترجح على التسعة والتسعين سجلا» (^٢).
﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ (١١) قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ (١٣) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾
﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ أي: خلقنا أباكم آدم ثم صورناه ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ تعظيما له، وذلك مما تختلف فيه الشرائع، وقد رفع يوسف ﴿أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾.
(لا) في قوله ﴿أَلاّ تَسْجُدَ﴾ زائدة. قوله تعالى: ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ احتج به من اعتقد أن الأمر للوجوب، واحتج به من زعم أنه على الفور؛ لقوله ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ وقوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ تعليل للجواب وليس هو الجواب؛ بل التقدير: منعني معرفتي بأنه لا يذل الشريف لمن هو دونه، وأنا خير من آدم، فلذلك امتنعت. وزعم أن النار تحكم على الطين وتحرقه، ونسي
_________________
(١) ينظر: الكشاف للزمخشري (٢/ ٨٨) وعبارته: «ورفعه» أي: الوزن على الابتداء، وخبره «يومئذ»، و«الحق» صفته، أي: والوزن يوم يسأل الله الأمم ورسلهم الوزن الحق، أي: العدل».
(٢) رواه أحمد (٢٢١، ٢/ ٢١٣)، والترمذي رقم (٢٦٣٩)، وابن ماجه رقم (٤٣٠٠)، وابن حبان في صحيحه رقم (٢٢٥)، والحاكم في المستدرك (٥٢٩، ١/ ٦)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وصححه الشيخ الألباني - ﵀ - في السلسلة الصحيحة رقم (١٣٥).
[ ١ / ٢٧٥ ]
أن الطين أصل في التربية والنمو ويحرم التكبر فيها وفي غيرها، لكن السماء محل الطاعة والتسبيحات والأذكار، فلا يدخل فيها متكبر. والصغار: الذل؛ كقوله: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ﴾ (^١).
وأراد إبليس ألا يموت بقوله: ﴿أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ لأموت بعد البعث، فقيل:
﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ المؤخرين ﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ (^٢) وهي النفخة الأولى التي يموت بها كل حي.
﴿فَبِما أَغْوَيْتَنِي﴾ أي: بسبب إغوائك لي ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ نصب بحذف حرف الجر، أي: على صراطك، كقوله: [من الكامل]:
كما عسل الطّريق التّعلب (^٣)
﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ (٢١) فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾ ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية (١٢٤).
(٢) سورة الحجر، الآية (٣٨).
(٣) هذا عجز بيت لساعدة بن جؤية الهذلي يصف رمحا بأنه لين يضطرب صلبه في كفه بسبب هزه فلا يبس فيه كما اضطرب الثعلب في الطريق، وصدره: لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه فيه وينظر في: خزانة الأدب للبغدادي (٨٦، ٣/ ٨٣)، التصريح للأزهري (١/ ٣١٢)، شرح أشعار الهذليين (ص: ١١٢٠)، شرح الأشموني للألفية (١/ ١٩٧) الكشاف للزمخشري (٢/ ٩٢)، لسان العرب (عسل) مغني اللبيب لابن هشام (١/ ١١).
[ ١ / ٢٧٦ ]
﴿وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾
أي: عسل في الطريق، والعسلان: ضرب من السعي.
﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ ولقد صدقه الله في ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١) والمذؤوم: المعيب، والمدحور: المطرود.
﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُورًا﴾ (^٢) أي: طردا. اللام في ﴿لِيُبْدِيَ﴾ لام كي، ويجوز أن تكون لام العاقبة؛ كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ (^٣).
﴿إِلاّ أَنْ تَكُونا﴾ إلا كراهة أن تكونا. ﴿وَقاسَمَهُما﴾ حالفهما ﴿إِنِّي﴾ ناصح ﴿لَكُما﴾ من الناصحين ﴿فَدَلاّهُما﴾ توصل إلى إضلالهما كتوصل من يدلي دلوه في البئر ليتوصل به إلى أخذ الماء. ﴿يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ يجعلان بعضه على بعض ليستر سوءتهما.
﴿قالَ اهْبِطُوا﴾ آدم وحواء وإبليس. وقيل: والحية. وقيل: ﴿اِهْبِطُوا﴾ خطاب لآدم وحواء خاصة؛ لقوله في مكان آخر: ﴿قالَ اهْبِطا﴾ (^٤) وإنما جمعه لأن آدم وحواء أصل لجميع البشر. ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ مكان، أو استقرار. ﴿فِيها تَحْيَوْنَ﴾ أي: في الأرض. ﴿وَرِيشًا﴾ شبه لباس الثياب بريش الطائر الذي يستره ويزينه.
ومن قرأ (لباس) بالنصب، فهو إخبار عن الله بأن الله جعل لباس التقوى خيرا.
ومن قرأ ﴿وَلِباسُ التَّقْوى﴾ فهو مبتدأ خبره ﴿خَيْرٌ﴾ (^٥) وقوله ﴿ذلِكَ﴾ يتنزل منزلة قوله هؤلاء. ﴿يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ هو كقوله: ﴿كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ بأن زين لهما
_________________
(١) سورة سبأ، الآية (٢٠).
(٢) سورة الصافات، الآيتان (٩، ٨).
(٣) سورة القصص، الآية (٨).
(٤) سورة طه، الآية (١٢٣).
(٥) قرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو جعفر «ولباس التقوى»، وقرأ الباقون «ولباس التقوى». تنظر في البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٢٨٣)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٥٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٢٥٣)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٨٠)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٩٧)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٦٨).
[ ١ / ٢٧٧ ]
أكل الشجرة المنهي عنها فكان ذلك سببا في خروجهما، وذلك تسبب في نزع اللباس؛ لأنه لم يباشر خلع ثيابهم؛ بل تسبب إلى ذلك.
﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠) يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾
وكانت الحمس يطوفون بالبيت عراة ويقولون: لا نطوف بيت الله بثياب عصينا الله - تعالى - فيها، وكانوا لا يعيرون ثيابهم لمن يجيء حاجّا إلا بشيء كثير يأخذونه منه، فنزلت: ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ الآية (^١).
﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ تقولون: إن الله أمركم؛ فلا يدخل فيه مسائل الفقه المظنونة، فإنها ليست معلومة؛ لأنها مستثناة بعمل الصحابة - ﵃ - بالقياس وهو ظن. ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ تبعثون غرلا (^٢) حتى لو قطع عضو من آدمي في حياته بعث يوم القيامة كامل الأعضاء. ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ قيل: هي اللباس.
وقيل: تسريح اللحية، قال بعضهم: وجمع الله طبّ الأولين والآخرين في قوله:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية يعني: هي للمؤمنين في الدنيا يشاركهم فيها الكفار، وفي الآخرة تخلص للمؤمنين ﴿وَالْإِثْمَ﴾ هو المعصية؛ لأنه يوجبه. وقيل: الإثم: الخمر؛ قال الشاعر [من الوافر]:
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٨/ ١٥٤)، وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٤٣٦) لابن المنذر وأبي الشيخ عن ابن عباس - ﵄.
(٢) الغرل - بضم الغين المعجمة وإسكان الراء - معناه: غير مختونين، جمع أغرل وهو الذي لم يختن وبقيت معه غرلته وهي قلفته، وهي الجلدة التي تقطع في الختان. ينظر: لسان العرب (غرل).
[ ١ / ٢٧٨ ]
شربت الإثم حتّى ضلّ عقلي كذاك الإثم تذهب بالعقول (^١)
وهذا ضعيف؛ لأنه غريب في الاستعمال؛ ولأن هذه السورة مكية، ولم تحرم الخمر إلا بعد الهجرة إلى المدينة (^٢). ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾ أي: ما لم يقم به حجة وبرهانا.
﴿يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧) قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إِذَا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ (٤١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢)﴾ ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي﴾
_________________
(١) البيت أنشده الأصمعي ينظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٢/ ١٥٧)، تاج العروس للزبيدي (إثم)، تهذيب اللغة للأزهري (١٥/ ١٦١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٢٦٣، ١/ ٢٨٥)، روح المعاني للألوسي (٨/ ١١٢) لسان العرب (أثم)، النكت والعيون للماوردي (٢/ ٢٥).
(٢) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٣٢، ١٠/ ٣١): قال أبو جعفر النحاس: وقول من قال: إن الخمر تسمى الإثم لم نجد له أصلا في الحديث ولا في اللغة ولا دلالة أيضا في قول الشاعر: شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم تذهب بالعقول فإنه أطلق الإثم على الخمر مجازا بمعنى أنه ينشأ عنها الإثم. وقال السمين الحلبي في الدر المصون (٣/ ٢٦٣): والذي قاله الحذاق: أن الإثم ليس من أسماء الخمرة؛ قال ابن الأنباري: الإثم لا يكون اسما للخمر؛ لأن العرب لم تسم الخمر إثما في جاهلية ولا إسلام وكيف يكون ذلك، وكانت الخمر حين نزول هذه السورة حلالا؛ لأن السورة مكية، وتحريم الخمر إنما كان في المدينة بعد «أحد»، وأما ما أنشده الأصمعي من قوله: فقد نصوا أنه مصنوع شربت الإثم حتى ضل عقلي
[ ١ / ٢٧٩ ]
﴿هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ (٤٤)﴾
(ما) في ﴿إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ زائدة، وقوله: ﴿فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ﴾ شرط جوابه ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ وهذا الشرط وجوابه جواب ﴿إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾. ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ﴾ أي: مما كتب لهم من خير وشر. ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ أي: يتوفون أزواجهم. ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ غابوا عن أعيننا فلا نراهم، وقد رأوهم في موقف العرض؛ لقوله: ﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ﴾ الآية (^١). ﴿اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أي: مع أمم، أو في زمرة أمم. ﴿اِدّارَكُوا فِيها﴾ أي: تداركوا ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ﴾ التي دخلت أخيرا ﴿لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا﴾ يعني: الأكابر والسادات من المشركين، كانوا يدعونهم إلى الضلال فيتبعونهم، ولو آمن الرؤساء لآمن هؤلاء الأتباع. ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ﴾ أي: لا تفتح لدعائهم، أو لا تفتح لأعمالهم التي تصعد بها الحفظة و﴿الْجَمَلُ﴾ هو الحيوان المعروف، وقيل: ﴿سَمِّ الْخِياطِ﴾: ثقب الإبرة، والمراد إبعاد فتح السماء لهم. وقوله: ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ خبر عن ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾. وقوله: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها﴾ جملة معترضة بين المبتدأ والخبر، ووجه اعتراضها أنه يقول: لا يظن في قول الذين آمنوا وعملوا الصالحات استغراق جميع الأوقات في العمل، بل المراد في حق كل مكلف ما يليق به.
﴿هَدانا لِهذا﴾ أي: لعمل حصل منه هذا. ﴿أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يريد المنازل المخصوصة، فإنها تترتب على الأعمال؛ لقوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ (^٢) وأما دخول الجنة فإنه بفضل الله وبرحمته، وقال عن المؤمنين: ﴿قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا﴾ وفي حق الكفار:
﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ﴾ فإن الكفار يتألمون بنعيم المؤمنين، كما يتألمون بألم أنفسهم.
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٤٧)﴾ ﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا﴾
_________________
(١) سورة النحل، الآية (٨٦).
(٢) سورة الأحقاف، الآية (١٩).
[ ١ / ٢٨٠ ]
﴿يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩) وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١) وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣) إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤)﴾
﴿يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ يعرضون عنها أو يمنعون الناس من سلوكها. ﴿يَعْرِفُونَ كُلاًّ﴾ من أهل السعادة والشقاوة. ﴿بِسِيماهُمْ﴾ أي: بعلامتهم من بياض الوجوه وسوادها أو غير ذلك. ﴿وَنادى﴾ أو وينادى أصحاب الأعراف ﴿أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾. وقوله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ أي: المؤمنون المسلم عليهم. وقيل: هم أصحاب الأعراف، إذا قلنا هم أصحاب اليمين، أو هم الشهداء، أو أولاد المؤمنين، أو أولاد الكافرين الذين لم يبلغوا ﴿تِلْقاءَ﴾ أي: جهة.
﴿ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ يجوز أن تكون (ما) نافية، وأن تكون استفهاما بمعنى الإنكار.
﴿أَهؤُلاءِ﴾ أشاروا به إلى فقراء الصحابة، كخبّاب وسلمان وبلال وابن مسعود.
﴿حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ﴾ منعهم منها كقوله: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها﴾ (^١).
وجاءت: ﴿وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾ ﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ﴾ ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ﴾ بلفظ الماضي؛ لأن أمور القيامة وغيرها من المستقبلات معلوم عنده علم يقين؛ لأن علم الله ليس فيه ماض ولا استقبال، فاختير لفظ الماضي؛ لأنه أدل على التحقيق في عرف استعمالنا.
﴿اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا﴾ قيل: أراد به أعياد الكفار. وقيل: إن الرجل منهم كان يعبد الصنم فإذا رأى صنما أحسن منه ترك الأول ﴿فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ﴾ نجازيهم على نسيانهم بما أهملوا العمل للقاء يومهم هذا، وبكونهم بآيات الله يجحدون. ﴿هُدىً وَرَحْمَةً﴾ يجوز أن يكون مصدرا محذوف الفعل، وأن يكون مفعولا من أجله، ويجوز أن يكون حالا من
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية (٩٥).
[ ١ / ٢٨١ ]
ضمير جئنا (^١) للفاعل أو المفعول. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ إلا عاقبته، يؤمن به الكفار حين لا ينفعهم الإيمان. وقوله: ﴿فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ﴾ تمنّ من الكفار، ولا ينفع في حق الكفار شفاعة، كما أن ردهم إلى الدنيا ممتنع. ﴿ثُمَّ اسْتَوى﴾ ثم قهر واستولى (^٢)؛ كقوله [من الرجز]:
_________________
(١) يعني في قوله - تعالى: جِئْناهُمْ في أول الآية.
(٢) اختلف الناس في الاستواء المذكور هنا فقالت المعتزلة: معناه: الاستيلاء بالقهر والغلبة واحتجوا بقول الشاعر: قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق قال ابن بطال: فأما قول المعتزلة فإنه فاسد لأنه لم يزل قاهرا غالبا مستوليا وقوله: ثم استوى يقتضي افتتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن ولازم تأويلهم أنه كان مغالبا فيه فاستولى عليه بقهر من غالبه وهذا منتف عن - الله سبحانه - وقالت المجسمة: معناه الاستقرار. قال ابن بطال: وأما قول المجسمة ففاسد أيضا؛ لأن الاستقرار من صفات الأجسام ويلزم منه الحلول والتناهي وهو محال في حق الله - تعالى - ولائق بالمخلوقات لقوله - تعالى: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ وقوله: لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ قال: وقال بعض أهل السنة: معناه: ارتفع، وبعضهم معناه: علا، وبعضهم معناه: الملك والقدرة ومنه استوت له الممالك يقال لمن أطاعه أهل البلاد. وقيل: معنى الاستواء: التمام والفراغ من فعل الشيء، ومنه قوله - تعالى: وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى فعلى هذا فمعنى استوى على العرش: أتم الخلق، وخص لفظ العرش لكونه أعظم الأشياء. وقيل: إن (على) في قوله: عَلَى الْعَرْشِ بمعنى إلى فالمراد على هذا: انتهى إلى العرش أي: فيما يتعلق بالعرش؛ لأنه خلق الخلق شيئا بعد شيء. قال ابن بطال: وأما تفسير استوى علا فهو صحيح وهو المذهب الحق وقول أهل السنة؛ لأن الله - سبحانه - وصف نفسه بالعلي، وقال: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ * وهي صفة من صفات الذات. وأما من فسره: ارتفع ففيه نظر؛ لأنه لم يصف به نفسه، قال: واختلف أهل السنة هل الاستواء صفة ذات أو صفة فعل؟ فمن قال: معناه علا. قال: هي صفة ذات. ومن قال غير ذلك قال: هي صفة فعل، وإن الله فعل فعلا سماه استوى على عرشه لا أن ذلك قائم بذاته لاستحالة قيام الحوادث به. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وقد ألزمه من فسره بالاستيلاء بمثل ما ألزم هو به من أنه صار قاهرا بعد أن لم يكن فيلزم أنه صار غالبا بعد أن لم يكن والانفصال عن ذلك للفريقين بالتمسك بقوله - تعالى: وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * فإن أهل العلم بالتفسير قالوا: معناه: لم يزل كذلك، وقد نقل أبو إسماعيل الهروي في كتاب الفاروق بسنده إلى داود بن علي بن خلف قال: كنا عند أبي عبد الله بن الأعرابي يعني محمد بن زياد اللغوي فقال له رجل: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى فقال: هو على العرش كما أخبر، قال: يا أبا عبد الله إنما معناه: استولى، فقال: اسكت لا يقال: استولى على الشيء إلا أن -
[ ١ / ٢٨٢ ]
قد استوى بشر على العراق (^١)
يجعل الليل غاشيا للنهار، ومغط له، وكل واحد منهما كالطالب للآخر ﴿يَطْلُبُهُ﴾ طلبا ﴿حَثِيثًا﴾ الطلب هاهنا استعارة. ومن نصب الشمس والقمر والنجوم فقد عطفه على
_________________
(١) = يكون له مضاد. وقال غيره: لو كان بمعنى استولى لم يختص بالعرش؛ لأنه غالب على جميع المخلوقات، ونقل محيي السنة البغوي في تفسيره عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن معناه: ارتفع. وقال أبو عبيد والفراء وغيرهما بنحوه. وأخرج أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة من طريق الحسن البصري عن أمه عن أم سلمة أنها قالت: «الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإقرار به إيمان والجحود به كفر». ومن طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن: «أنه سئل كيف استوى على العرش؟ فقال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول وعلى الله الرسالة وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم». وأخرج البيهقي بسند جيد عن الأوزاعي قال: «كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله على عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته». وأخرج الثعلبي من وجه آخر عن الأوزاعي: «أنه سئل عن قوله - تعالى: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ فقال: هو كما وصف نفسه». وأخرج البيهقي بسند جيد عن عبد الله بن وهب قال: «كنا عند مالك فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى كيف استوى؟ فأطرق مالك فأخذته الرحضاء ثم رفع رأسه فقال: الرحمن على العرش استوى كما وصف به نفسه ولا يقال: كيف وكيف عنه مرفوع وما أراك إلا صاحب بدعة أخرجوه». نقول: والمذهب الصحيح في جميع ذلك: الاقتصار على ما ورد به التوقيف دون التكييف وإلى هذا ذهب المتقدمون ومن تبعهم من المتأخرين وقالوا: الاستواء على العرش قد نطق به الكتاب في غير آية ووردت به الأخبار الصحيحة وقبوله من جهة التوقيف واجب، والبحث عنه وطلب الكيفية له غير جائز، وهذا هو مذهب السلف الصالح وما عليه أئمة المسلمين من الأئمة الأربعة والثوري والأوزاعي وغيرهم من أئمة المسلمين: وهو إمرار هذا الآية في الاستواء وما شاكلها من آيات الصفات كما أتت دون تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تكييف. وينظر في ذلك: الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد للبيهقي (١/ ١١٥)، تفسير ابن كثير (٢/ ٢٢٠)، تفسير القرطبي (٧/ ٢١٩)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (ص: ٢٠٠)، فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٤٠٥ - ٤٠٧).
(٢) هذا صدر بيت للأخطل وعجزه: من غير سيف ودم مهراق وليس في ديوانه، ينظر في: البحر المحيط لأبي حيان (١/ ١٣٤)، تاج العروس للزبيدي (سوا)، تفسير القرطبي (١/ ١٧٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (١/ ١٧٢)، رصف المباني للمالقي (ص: ٣٧٢)، لسان العرب (سوا)، النكت والعيون للماوردي (٢/ ٣٢).
[ ١ / ٢٨٣ ]
السماوات والأرض، ومن رفعها (^١) فهي مبتدأ، و﴿مُسَخَّراتٍ﴾ الخبر ﴿أَلا لَهُ﴾ الإيجاد والتصرف في الموجودات بالأمر والنهي ﴿تَبارَكَ اللهُ﴾ جاء بكل بركة. وقيل: تبارك بمعنى تعالى.
﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾
قوله: ﴿وَخُفْيَةً﴾ يدل على تفضيل دعاء السر؛ كقوله: ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ (^٢) ﴿لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ المجاوزين الحد في رفع الصوت. وقيل: هو عام في النهي عن كل اعتداء ومجاوزة حدّ. ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالكفر بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل. وقيل:
الفساد في الأرض: إهلاك الحرث والنسل وسائر أنواع الظلم بعد إصلاح الله إياها بالأمر بالعدل.
﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ﴾ ذات قرب.
من قرأ (نشرا) بضم الشين فهو جمع نشور بفتح النون؛ كصبور وصبر. ومن سكن الشين فهو تخفيف، كعضد في عضد، ومن قرأ ﴿بُشْرًا﴾ فإنها تبشر بالمطر (^٣)؛ كقوله:
﴿يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ (^٤). ﴿حَتّى إِذا أَقَلَّتْ﴾ حملت ﴿سَحابًا ثِقالًا﴾ كثيرة الماء، دانية من الأرض ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ المنبت ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ الأرض الملح، وهذا مثل ضربه الله للقلوب [يعرض] عليها القرآن فيثمر لبعضها الخضوع والانقياد ومعرفة الله بالوحدانية
_________________
(١) قرأ ابن عامر بالرفع هنا في الأعراف وفي النحل، ووافقه حفص عن عاصم في النحل، وقرأ الباقون بالنصب في الموضعين، وقرأ أبان بن تغلب برفع «النجوم» وما بعدها. تنظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٢٨١)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٨٣)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٨٣).
(٢) سورة مريم، الآية (٣).
(٣) قرأ عاصم «بشرا»، وقرأ ابن عامر «نشرا»، وقرأ حمزة والكسائي وخلف «نشرا»، وقرأ الباقون «نشرا» تنظر القراءات في: إتحاف فضلاء البشر للبنا (٢/ ٥٢)، البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٣١٦)، التبيان للعكبري (١/ ٢٧٦)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٥٧)، الحجة لأبي علي الفارسي (٣٢/ ٤، ٣١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٢٨٥، ٣/ ٢٨٤)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٨٣)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٧٠).
(٤) سورة الروم، الآية (٤٦).
[ ١ / ٢٨٤ ]
والقدرة وعظم الملك، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا. لما قال: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ ببعثة الرسل شرع في قصص الأنبياء وما جاؤوا به من الإصلاح وما قابلهم به قومهم من العناد.
﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِدًا كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨) لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤) وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٧٠) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١)﴾
ولقد صرح بهذا في قصة شعيب حيث قال: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ ﴿الْمَلَأُ﴾ الأشراف، وقد ذكر اشتقاقه في سورة البقرة (^١) جعلوا نوحا منغمسا في الضلالة قد أحاطت به وصارت ظرفا له، وكما بالغوا في ذلك بالغ نوح في التبري، فأتى بالباء التي للإلصاق، فكأنه يقول: والله ما التصقت بي ضلالة قط ولا مسّتني. وأيضا نسبوه إلى الضلال، المصدر الذي يصلح للقليل والكثير، فبالغ نوح فقال: ما مستنى ضلالة واحدة، ويلزم من نفي المتعدد نفي الواحد، ومثله في قصة عاد، قالوا لهود: ﴿إِنّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾ أكفرتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر بذكر وموعظة
_________________
(١) عند قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ الآية (٢٤٦).
[ ١ / ٢٨٥ ]
أو شرف؛ كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ (^١) أي: شرف ﴿عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ تعرفون صدقه ودينه، فهو أحق بالاتباع من أن يجيئهم رجل غريب لا يعرفون صدقه فيما سبق من عمره. ﴿عَمِينَ﴾ جمع (عم). ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ﴾ نعمه، أنكروا توحيد الإله وأنكروا على من اعتقده وطلب من الناس من يتابعه عليه، وهو كقوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ (^٢) ﴿قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: قرب وقوعه؛ كقوله: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ (^٣) والرجس هاهنا: العذاب، كالرجز، بالزاي. ﴿وَغَضَبٌ﴾ هذا يقوى قول من زعم أن غضب الله انتقامه وبطشه، أما من زعم أنه إرادة الانتقام فيبعده هذه الآية؛ لأن الإرادة قديمة لا توصف بالوقوع ﴿أَتُجادِلُونَنِي﴾ في تسمية الأصنام آلهة وهو مما لم ينزل الله به حجة، ومضى ذكر الدابر في الأنعام (^٤).
﴿فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢) وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ (٧٩) وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)﴾
_________________
(١) سورة الزخرف، الآية (٤٤).
(٢) سورة ص، الآية (٥).
(٣) سورة النحل، الآية (١).
(٤) يعني في سورة الأنعام عند قوله تعالى: دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الآية (٤٥).
[ ١ / ٢٨٦ ]
﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤) وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥)﴾
أي: وأرسلنا ﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا﴾ فقال: يا قوم اعبدوا الله. ﴿آيَةً﴾ نصب على الحال، والعامل فيه اسم الإشارة. ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ﴾ يريد أن الناقة ناقته، والأرض ملكه أفتمنعون ناقته أن ترعى في ملكه! ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أسكنكم فيها ومكنكم من التصرف، وأصله من باء: إذا رجع، فجعل الأرض مباءة ترجعون إليها في حوائجكم ومنه ﴿بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ (^١) ﴿بُيُوتًا﴾ حال؛ لأنها صارت بالنحت بيوتا، وهو كقوله: بريت الأنبوبة قلما. ﴿تَعْثَوْا﴾ من عثي يعثي، وهو كقولك: لا ترضوا، من رضي يرضى. ﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ عن الإيمان.
﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ بدل بعض من الكل بإعادة العامل وهو اللام؛ كقوله: ﴿لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾ (^٢) بخلاف قوله: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ﴾ (^٣) و﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ (^٤) فإنه لم يعد العامل فيهما. العاقر للناقة واحد، ونسب الفعل إلى الجماعة؛ لأنهم كانوا راضين به. ﴿جاثِمِينَ﴾ باركين على الركب.
﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ (٨٨)﴾ ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ﴾
_________________
(١) سورة يونس، الآية (٩٣).
(٢) سورة الزخرف، الآية (٣٣).
(٣) سورة آل عمران، الآية (٩٧).
(٤) سورة البقرة، الآية (٢١٧).
[ ١ / ٢٨٧ ]
﴿أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩) وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣) وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرّاءُ وَالسَّرّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾
﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ غني بالمكان إذا أقام به، وتسمى المنازل المغاني. ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ﴾ مخاطبا لهم وهم موتى متحزنا متأسفا على هلاكهم: ﴿يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي﴾ وقد رتب قوم لوط على الوصف ضد مقتضاه، فإنهم إذا كانوا أناسا يتطهرون من الخبائث وأفعال السفهاء، فكان ينبغي أن يتقرب إلى قلوبهم، وأن يكرموا.
قيل في قوله: ﴿وَأَمْطَرْنا﴾ إن أمطر في الشر، ومطر في الخير. ولم يبين بينة شعيب، فقيل: إنه كان أعمى ثم أبصر ثم عمي ثم أبصر، وهذا ضعيف؛ لأن البصر بعد العمى يقع لنفر من المسلمين، ولنفر من الكفار فلا يكون معجزا، وكذلك قالوا في معجزة نوح:
إنه عاش ألف سنة وستين سنة، وهذا فاسد؛ لأنه إذا ادعى النبوة بعد أربعين من عمره قالوا له: ما معجزاتك؟ قال: إني أعيش ألف سنة، فيقولون له: حتى تستكملها ونعلم حينئذ صدقك، والصواب ما جاء في الحديث: «إذا استأثر الله بشيء فاله عنه» (^١). فإذا لم يذكر الله معجزتهم لم نختلقها.
﴿وَتَصُدُّونَ﴾ وتمنعون، والمفعول ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ﴿وَتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ وتطلبون بها اعوجاجا. ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ من الأمم الذين قبلكم، فإنهم كذبوا فأهلكناهم. ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا﴾ أي: لابد من وقوع أحد أمرين؛ إما إخراجنا إياكم، وإما رجوعكم إلى اعتقادنا. الواو في ﴿أَوَلَوْ﴾ واو الحال، أي: تخرجوننا ولو كنا كارهين، وتحتمل أن تكون واو عطف على محذوف، أي: أتخرجوننا إذا كنا
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٢/ ٣٦٨)، وابن الأثير في النهاية في غريب الأثر (٤/ ٢٨٣) وقال: فاله عنه، أي: اتركه وأعرض عنه ولا تتعرض له.
[ ١ / ٢٨٨ ]
طائعين، وتخرجوننا إذا كنا كارهين، ويصح الإكراه مع الكراهية والطواعية.
وقوله: ﴿إِنْ عُدْنا﴾ يريد به: إن صرنا. وكذلك ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ﴾ فإن من آمن معه لم يكونوا في ملتهم حتى يعودوا إليها، وكذلك قوله: ﴿أَنْ نَعُودَ فِيها﴾.
﴿وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أي: وسع علمه كل شيء. ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ الحاكمين. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ كرره للنداء عليهم بوصف التكذيب.
﴿فَكَيْفَ آسى﴾ فكيف أحزن؟ ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ﴾ إلا ابتلي أهلها بالبأساء ليظهر كيف صبرهم؟ ثم ابتلوا بالنعماء، فيظهر كيف شكرهم؟ المراد بالحسنة هاهنا: ما يحسن عندهم من صلاح الأحوال وسعة الأرزاق، والمراد بالسيئة ما يسوؤهم، كالأعلال والأمراض والغلاء وغير ذلك. ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ حتى كثروا. قوله: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ توكيد لمعنى بغتة، أي: أجهل أهل القرى فأمنوا أن يأتيهم بأسنا وهو نائمون غافلون، أو وهم ضاحكون لاعبون؟ ثم بين أن الأمن من مكره مطلقا لا يفعله إلا الخاسرون. أو لم بين لمن جاء بعدهم أنا لو شئنا أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا أولئك فطبعنا على قلوبهم فلا يوفقون لصلاح أعمالهم.
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتًا وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (١٠٦)﴾
﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ و﴿الْقُرى﴾ صفة. و﴿نَقُصُّ﴾ الخبر، ويجوز أن يكون ﴿تِلْكَ﴾ منصوبة بفعل مضمر من باب اشتغال الفعل عن المفعول بضميره، ويجوز أن يكون
[ ١ / ٢٨٩ ]
﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ و﴿الْقُرى﴾ خبرا و﴿نَقُصُّ﴾ حالا، أي: تلك القرى مقصوصا عليك من أنبائها، وإن كان المعنى على الحال؛ كقوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً﴾ (^١) ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (^٢). لأنه ليس المقصود الإخبار بأن هذه بيوتهم، وأن هذا بعلها، بل الإخبار بخواء البيوت وشيخوخة البعل. ﴿مِنْ عَهْدٍ﴾ أي: من وفاء عهد؛ كقوله: ﴿لا أَيْمانَ لَهُمْ﴾ (^٣) أي: لا وفاء بالأيمان؛ كقول الشاعر [من الطويل]:
وإن حلفت لا تنقض الدّهر عهدها فليس لمخضوب البنان يمين (^٤)
أي: ليس لها وفاء يمين، وإلا فهي قد حلفت، ومنه: ﴿فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ﴾ (^٥) في فتح همزة «أيمان» فلا وفاء أيمان لهم. «إن» في ﴿وَإِنْ وَجَدْنا﴾ مخففة من الثقيلة، واللام في ﴿لَفاسِقِينَ﴾ هي الفارقة بينها وبين النافية، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي:
من بعد إهلاكهم، وهو توكيد لمعنى ﴿ثُمَّ﴾ فإن «ثم» دلت على المهلة والترتيب، ولم يزدد معنى بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ إلا قوة. ضمن ﴿فَظَلَمُوا﴾ معنى ﴿كَذَّبُوا﴾ فعداه بالباء؛ كقوله [من الرجز]: قد قتل الله زيادا عني (^٦).
ضمن قتل معنى صرف، فعداه بعن، يجوز أن تكون ﴿كانَ﴾ تامة، و﴿عاقِبَةُ﴾ هي الفاعل، ويجوز أن تكون ناقصة، و﴿كَيْفَ﴾ خبر مقدم؛ لأنه استفهام، و﴿عاقِبَةُ﴾ اسم كان ﴿حَقِيقٌ عَلى﴾ ضمن حقيقا معنى واجب في قراءة من قرأ ﴿عَلى﴾ بالتشديد، ومن قرأ ﴿عَلى﴾ فمن كان حقيقا بشيء كان ذلك الشيء حقيقا به (^٧) وقوله:
_________________
(١) سورة النمل، الآية (٥٢).
(٢) سورة هود، الآية (٧٢).
(٣) سورة التوبة، الآية (١٢).
(٤) ينظر البيت في: تفسير القرطبي (٨/ ٧٦)، خزانة الأدب للبغدادي (١/ ٢٣٧)، ديوان الحماسة للمرزوقي (٢/ ١٠٧)، صبح الأعشى للقلقشندي (١٤/ ٣١٣)، المستقصى في أمثال العرب للزمخشري (٢/ ٣٠٧).
(٥) سورة التوبة، الآية (١٢).
(٦) الرجز للفرزدق، وقبله: كيف تراني قالبا مجني أقلب أمري ظهره للبطن. ينظر في: تاج العروس (ظهر، قتل، جنن)، شرح الأشموني (١/ ٢٠٠)، لسان العرب (ظهر، قتل، جنن)، المحتسب لابن جني (١/ ٥٢)، مغني اللبيب لابن هشام (٢/ ٦٨٦).
(٧) قرأ نافع من العشرة "حقيق عليّ "، وقرأ باقي العشرة "حقيق على". تنظر في: البحر المحيط -
[ ١ / ٢٩٠ ]
﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ﴾ يجوز أن تكون الباء للحال؛ كقوله: خذ هذا الفرس بسرجه ولجامه. ويجوز أن تكون الباء للتعدية، أي: أحضر البينة إن كنت جئت بآية. ﴿فَأْتِ بِها﴾ ليس تكرارا، بل معناه: إن كنت مدعيا مجيئك بالآية فأظهر ما ادعيت مجيئك به، وقوله:
﴿إِنْ كُنْتَ﴾ من باب دخول الشرط على الشرط؛ كقوله: ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ (^١) وكقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ (^٢) وكقول الرجل لزوجته: أنت طالق إن ركبت إن لبست، فإن ركبت ثم لبست لم تطلق، وإن لبست ثم ركبت طلقت على الصحيح من المذهب خلافا للإمام أبي المعالي (^٣)، فإنه أوقع الطلاق في الحالتين (^٤).
ذكر هاهنا أنها ثعبان وفي موضع ﴿فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ﴾ (^٥) وفي موضع ﴿تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ﴾ (^٦) يسأل عن وجه الجميع، وجوابه من وجهين: أحدهما: أنها كانت كبيرة الجثة كالثعبان وخفيفة في الحركة كالجان والحية. والثاني: أن كل موضع ذكر فيه الجان والحية فهو في عود العصا كذلك بين يدي الله ﷿ في حال مخاطبة موسى لربه في الطور، وكل موضع ذكر فيه الثعبان المراد به بين يدي فرعون حين طلب السحرة بلقف عصاه حيتهم، والجان والحية: الصغير من هذا النوع، والثعبان الكبير منه.
_________________
(١) = لأبي حيان (٤/ ٣٥٥)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٥٩)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٢٨٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٣١٣)، السبعة (ص: ٢٨٧)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٧٩)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٧٠).
(٢) سورة هود، الآية (٣٤).
(٣) سورة الأحزاب، الآية (٥٠).
(٤) هو الإمام الكبير إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني ثم النيسابوري الشافعي صاحب التصانيف. كان إمام الأئمة على الإطلاق مجمعا على إمامته شرقا وغربا. توفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، ومن مصنفاته: كتاب نهاية المطلب في المذهب، والإرشاد في أصول الدين، والرسالة النظامية في الأحكام الإسلامية، والشامل في أصول الدين، والبرهان في أصول الفقه وغيرها. تنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٨/ ٤٦٨).
(٥) ينظر في ذلك: المغني لابن قدامة (٨/ ٣٥٣)، مغني المحتاج للشربيني (٣/ ٣١٣)، المهذب للشيرازي (٣/ ٣١).
(٦) سورة طه، الآية (٢٠).
(٧) سورة النمل، الآية (١٠).
[ ١ / ٢٩١ ]
﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ (١٠٨) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)﴾
وقرئ ﴿فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ﴾ (^١) وهذا يدل على أمرين:
أحدهما: أن (إذا) التي للمفاجأة ظرف مكان حتى يصح كونه خبرا عن ﴿هِيَ﴾ فإنها جثة، وظرف الزمان لا يكون خبرا عن الجثث.
والثاني: صحة قول الكسائي (^٢): كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو إياها (^٣). ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ أي: من درعه. وقوله: ﴿بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ وهي بيضاء لمن نظر، ولمن لم ينظر. لكن يريد بذلك أنها خرجت بيضاء بياضا يستوقف الناظرين للتعجب منه، وهو بياض شديد له شعاع، والظاهر أن الملأ عرفوا أن هذا ليس من صنع البشر، وأنه صنع الله الذي أتقن كل شيء، ولهذا قالوا: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ فهل سمعوا قط أن ساحرا أخذ مملكة من صاحبها وأخرج ملك المملكة من مملكته؟
_________________
(١) قال مكي بن أبي طالب في مشكل إعراب القرآن (١/ ٢٩٧): ويجوز نصب "ثعبان" على الحال.
(٢) هو علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي، الكوفي، أبو الحسن الكسائي، إمام في اللغة والنحو والقراءة يعد إمام الكوفيين في النحو واللغة، وأحد القراء السبعة المشهورين، وكان مؤدب الرشيد وابنه الأمين. قيل عنه: كان أعلم الناس، ضابطا، عالما بالعربية، قارئا صدوقا من تصانيفه: معاني القرآن، القراءات، النوادر، المصادر، الحروف وغيرها. مات سنة تسع وثمانين ومائة علي خلاف في سنة موته ١٨٩ هـ. تنظر ترجمته في: بغية الوعاة للسيوطي (٢/ ١٦٢ - ١٦٤)، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١١/ ٤٠٣).
(٣) وهذه مسألة نحوية مشهورة تعارف النحاة على تسميتها بالمسألة الزنبورية، لورود لفظة الزنبور فيها، ومجمل المسألة: أن الكسائي يجيز نصب الضمير في (فإذا هو إياها) وعامل النصب عنده ما في معنى (إذا) من المفاجأة، علي حين لا يجيزه سيبويه، وقد دبر الكسائي مكيدة لسيبويه واحتج ببعض العرب الذين اتفقوا معه على الكيد لسيبويه عند الخليفة هارون الرشيد فقالوا: القول ما قال الكسائي، فرجع سيبويه مغتما فمرض في طريق ولم يكمله، بل مات كمدا. تنظر في: الإنصاف لابن الأنباري (٢/ ٢٠٩)، اللباب في علل البناء والإعراب للعكبري (١/ ٤٩٧)، المغني لابن هشام (١/ ١٢١).
[ ١ / ٢٩٢ ]
قوله: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ يقوله بعض الملأ لبعض. ﴿أَرْجِهْ﴾ (^١) أخره، والحاشر:
الجامع، ويوم الحشر: يوم الجمع، و﴿نَحْنُ﴾ في ﴿نَحْنُ الْغالِبِينَ﴾ فصل أو عماد.
﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ يعني: لا أقنع لكم بحصول الأجر، بل تكونون أول داخل عليّ وآخر خارج عني. تأدبوا مع موسى، فجعلوا الخيرة له إدلالا منهم بأنهم غالبون كيف وقع الأمر.
﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾
﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ خوفوهم. ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ ما يكذبون أي: ما يأفكون فيه. ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ أي: تبين وظهر. ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ﴾ أي: في ذلك الموضع، أو في ذلك الزمان.
﴿صاغِرِينَ﴾ ذليلين. ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ خروا على وجوههم ساجدين كأن ملقيا ألقاهم لسرعة وقوع جبهتهم على الأرض. قيل: كشف لهم في حال تلك السجدة عن جزاء
_________________
(١) هذه قراءة أبي عمرو بضم الهاء من غير إشباع مع الهاء، وقرأ ابن عامر بالهمز أيضا ولكن مع كسر الهاء من غير إشباع أيضا، وقرأ ابن كثير وهشام عن ابن عامر بالهمز مع الواو بعد الهاء، فهذه ثلاث قراءات مع الهمز وهناك ثلاث قراءات أخر مع غير الهمز. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٣٥٩)، حجة القراءات لابن زنجلة (٢٨٩ - ٢٩١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٣١٧)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٨٧)، الكشاف للزمخشري (٢/ ١٣٩).
[ ١ / ٢٩٣ ]
المؤمنين وجزاء الكافرين فآمنوا عن عيان، وصمموا على الثبوت حتى أجابوا فرعون حين قال: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾. ﴿قالُوا إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ﴾ أي: ما تعيب وتكره منا إلا الإيمان، وهو شيء لا يكره، وهو كقوله:
﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (^١) ﴿وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٢) ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ (^٣) وكقول الشاعر [من الطويل]:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم بهنّ فلول من قراع الكتائب (^٤)
وفلول السيف من قراع الكتائب ليس عيبا فيهم، وفي قوله: ﴿لَمّا جاءَتْنا﴾ إشارة إلى سرعة انقيادهم، وسجودهم لله عند مجيء الآية لم يبطئوا ولم يتلعثموا.
﴿أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ اصببه علينا حتى يكون كثيرا شاملا لأجسادنا. ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ قيل: كان لفرعون آلهة يأمر الناس بعبادتها ويقول: أنا ربكم الأعلى وإله الآلهة، وقرئ ﴿وَآلِهَتَكَ﴾ (^٥) أي: وعبادتك ﴿قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ شكوا ذلك إلى موسى، فقال لهم موسى: ﴿اِسْتَعِينُوا بِاللهِ﴾ الآية. و﴿وَالْعاقِبَةُ﴾ الحسنى ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾.
﴿قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾ ﴿فَأَرْسَلْنا﴾
_________________
(١) سورة البروج، الآية (٨).
(٢) سورة التوبة، الآية (٧٤).
(٣) سورة المائدة، الآية (٥٩).
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة المائدة، الآية (٥٩).
(٥) قرأ بها علي وابن عباس والضحاك وأبو رجاء والجحدري. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٣٦٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٣٢٥)، فتح القدير للشوكاني (٢/ ٢٣٥)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٨٣)، المحتسب لابن جني (١/ ٢٥٦)، مختصر الشواذ لابن خالويه (ص: ٤٥)، معاني القرآن للفراء (١/ ٣٩١).
[ ١ / ٢٩٤ ]
﴿عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦)﴾
﴿قالُوا أُوذِينا﴾ بقتل الأبناء واستحياء النساء ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ﴾ بعثتك رسولا وهو كقوله: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ (^١) ﴿فَيَنْظُرَ﴾ أي: فنرى. ﴿بِالسِّنِينَ﴾ أي: بالقحط ويقال لمن أصابهم القحط: أصابتهم السنة. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى﴾ فيقولوا: ما جاءنا هذا البلاء إلا من حيث رأيناك وهو كقول قوم صالح: ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ (^٢) وقول أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون: ﴿إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ (^٣). ﴿أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ أي:
يصيبهم ذلك عند الله فعليهم عقوبة على تكذيب الرسل. ﴿الطُّوفانَ﴾ قيل: عذاب أطاف بهم وقيل: أراد النيل حتى عم البقاع، وصار الماء يأخذهم إلى حلوقهم، وابتلوا بضفادع فملأت أوانيهم وأوعيتهم حتى كان الضفدع يلقي نفسه في القدر وهي تغلي.
﴿وَالدَّمَ﴾ صار الماء لآل فرعون دما، ولبني إسرائيل ماء، كان القبطي يقول للإسرائيلي: ضع الماء في فيك ومجّه في فيّ، فإذا مجّه فيه صار في فم القبطي دما، والرجز:
العذاب. ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ﴾ هذه الفاء للتفسير؛ لأنه لم يتأخر الإغراق عن الانتقام بل هو نفس الانتقام، ويقرب منه: قال فلان فأحسن، وخطب فأوجز. ﴿وَكانُوا عَنْها﴾ أي: عن تدبرها ﴿غافِلِينَ﴾.
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧) وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾
_________________
(١) سورة غافر، الآية (٢٥).
(٢) سورة النمل، الآية (٤٧).
(٣) سورة يس، الآية (١٨).
[ ١ / ٢٩٥ ]
﴿إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١) وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾
﴿مَشارِقَ﴾ أرض مصر ومغاربها. وقيل: مصر والشام. وقوله: ﴿ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ﴾ يحتمل أن يكون ﴿فِرْعَوْنَ﴾ فاعل يصنع وأن يكون ﴿كانَ﴾ فيها ضمير الشأن، وأن يكون ﴿يَصْنَعُ﴾ خبرا مقدما، و﴿فِرْعَوْنَ﴾ اسم كان، وأن يكون كان زائدة، ومثله ﴿وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾ (^١) ﴿عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾ (^٢) ﴿تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ (^٣) ﴿بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ (^٤) لكن لا يجيء الوجه الثاني في قوله: ﴿يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾ لأنه لو كان خبرا مقدما لقال: عما كان يعبدون. والعكوف على الشيء: ملازمته طاعة كان أو معصية، ولهذا قال: ﴿يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ﴾ و﴿ما﴾ في ﴿كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ كافة كفت الكاف عن الجر؛ كما في قوله:
﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ﴾ (^٥) وهيأتها لدخولها على الجمل والأفعال.
﴿قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ عظمة الله. ﴿مُتَبَّرٌ﴾ مهلك مكسر، ومنه التبر؛ لأنه قطع مكسرة. ﴿وَفِي ذلِكُمْ﴾ الإنجاء ﴿بَلاءٌ﴾ أي: أو وفي ذلك السوم، وقتل الأبناء واستحياء النساء بلاء، أي: نعمة، وتقول: سمته خسفا، أي: كلفته إياه، قال عمرو بن كلثوم [من الوافر]:
_________________
(١) سورة الجن، الآية (٤).
(٢) سورة سبأ، الآية (٤٣).
(٣) سورة إبراهيم، الآية (١٠).
(٤) سورة التوبة، الآية (١١٧).
(٥) سورة الحجر، الآية (٢).
[ ١ / ٢٩٦ ]
إذا ما الملك سام الناس خسفا أبينا أن نقرّ الخسف فينا (^١)
والخسف: الظلم. ﴿وَواعَدْنا مُوسى﴾ وضربنا لموسى ميقاتا لكلامه عند انقضاء الميقات فصام ثلاثين يوما، فوجد من فيه رائحة كريهة من الخلوف (^٢)؛ قيل: فمضغ عشبا، ليذهب الخلوف. وقيل: تسوّك فأوحى الله إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم عندي أطيب من ريح المسك، صم عشرا أخر ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (^٣) الميقات يجوز نسبته إلى الله وإلى موسى، لكن لما قال: ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ﴾ قال: ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ وقياسه أن يقول: وكلمناه، لكن فيه التفات. لما سمع موسى الكلام هاج به الشوق وطلب الرؤية من غير استئذان على طلبها، فقيل له: سنتجلّى لما هو أقوى منك فإذا لم يستقر فأنت أضعف من ذلك، وقرئ ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (^٤) والدكاء: الناقة التي لا سنام لها، أي: جعل مكانه مستويا بالأرض. ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ مغشّيا عليه من غير موت، ولهذا قال: ﴿فَلَمّا أَفاقَ﴾ وقال في حق السبعين: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ (^٥) فكانت صعقة أولئك موتا ﴿قالَ سُبْحانَكَ﴾ لا ينبغي لأحد أن يطلب ما لم يؤذن له فيه، وكذلك قال لنوح: ﴿فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وقال نوح: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ (^٦). ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ﴾ باجتماع أمرين: بالرسالة والكلام، وغيره من الأنبياء السابقين وإن أرسل فلم يكلم من غير واسطة ﴿وَكَتَبْنا﴾ تقديره وكنا قد كتبنا؛ لأن كان قد استصحبها مكتوبة، والواو لا تقتضي الترتيب (^٧). ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج إليه في أمر المعاش والمعاد. ﴿فَخُذْها﴾
_________________
(١) البيت من معلقته، ينظر في: تفسير القرطبي (١/ ٤٢٤)، خزانة الأدب للبغدادي (١/ ٤٢٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (١/ ٢١٨)، شرح المعلقات لابن الخطيب التبريزي (ص: ٣٩٥)، الكشاف للزمخشري (١/ ١٣٧).
(٢) الخلوف: تغير طعم الفم لتأخر الطعام. ينظر: لسان العرب (خلف).
(٣) ذكره البغوي في تفسيره معالم التنزيل (١/ ٢٧٥)، والزمخشري في الكشاف (٢/ ١٥١).
(٤) هذه قراءة حمزة والكسائي وخلف، وقرأ باقي العشرة "دكا". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٣٨٤)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٦٣)، حجة أبي زرعة (ص: ٢٩٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٣٣٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٩٣)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٩١)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٧١).
(٥) سورة البقرة، الآيتان (٥٦، ٥٥).
(٦) سورة هود، الآيتان (٤٧، ٤٦).
(٧) تقدم الكلام على ذلك عند تفسير الآية (٥٥) من سورة آل عمران.
[ ١ / ٢٩٧ ]
﴿بِقُوَّةٍ﴾ واعمل بما فيها بجد واجتهاد. قوله: ﴿بِأَحْسَنِها﴾ قيل: هي المأمورات كلها. وقيل:
إذا جاز العفو والقصاص يؤخذ بأحسن الأمرين.
﴿قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥) سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧) وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨)﴾
﴿سَأُرِيكُمْ﴾ وقرئ (سأورثكم) (^١) لقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ الآية (^٢) وقال: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ إلى أن قال: ﴿وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ (^٣).
﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ (^٤) ﴿دارَ الْفاسِقِينَ﴾ قيل: المراد مصر والشام. واعلم أن ذلك لا يفيد نقصا لا في مصر ولا في الشام. وقيل: دار الفاسقين جهنم. ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ﴾ تدبر ﴿آياتِيَ﴾. والتكبر قد يكون [مباحا] كالتكبر على الذمي وأن يلجأ إلى أضيق الطرق، ولا يبدأ بالسلام، ترفعا عليه بحق. ﴿وَلِقاءِ الْآخِرَةِ﴾ أي:
ولقائهم للآخرة، والآخرة صفة لموصوف محذوف وهي الدار؛ لقوله: ﴿وَلَلدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ (^٥) وقيل: النشأة؛ لقوله: ﴿ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ (^٦) ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعد
_________________
(١) هذه قراءة ابن عباس وقسامة بن زهير، وقرأ الحسن "سأوريكم"، وقرأ الجمهور "سأريكم". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٣٨٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٣٤٢)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٩٣)، المحتسب لابن جني (١/ ٢٨٥)، النكت والعيون للماوردي (٢/ ٥٧).
(٢) سورة الأعراف، الآية (١٣٧).
(٣) سورة الدخان، الآيات (٢٥ - ٢٨).
(٤) سورة الشعراء، الآية (٥٩).
(٥) سورة الأنعام، الآية (٣٢).
(٦) سورة العنكبوت، الآية (٢٠).
[ ١ / ٢٩٨ ]
انطلاقه إلى الجبل، قيل: كان عجلا ذا لحم ودم. وقيل: بقي على لونه ذهبا أو فضة من حلي القبط، ولما ألقى فيه السامري من تراب حافر فرس جبريل صار له خوار. وقرئ (جؤار) بالجيم وهمزة الواو (^١)، أي: رفع صوت، ومنه: ﴿لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾ (^٢).
﴿وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩) وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (١٥٠) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (١٥١) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣) وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥)﴾
يقال لمن ندم على أمر فاته استدراكه: سقط في يده. وقيل: إن أصله أن من جرى له ذلك يكبّ على يديه يعضهما ندما. ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ لأنه كان خليفته على القوم؛ لقوله: ﴿اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ قيل: أخذ بأذنيه، احتج به من زعم أن الأذنين من الرأس، وهو ضعيف؛ لأنه يتوقف على ثبوت النقل، وهو منقطع، وبيننا وبينه أكثر من ألفي عام. ترقق له بالنسب إلى الأم، وكان هارون أخاه شقيقه ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ إلها ﴿سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ﴾ ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ على الله. ﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ قيل: سكت بمعنى سكن. وقيل: إن الغضب جعل كآمر يقول له: ألق الألواح، خذ برأس أخيك. فلما سكنت فورة الغضب سكت
_________________
(١) قرأ علي بن أبي طالب وأبو السمأل "له جؤار"، وقراءة الجمهور "خوار". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٣٩٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٣٤٤)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٩٤).
(٢) سورة المؤمنون، الآية (٦٥).
[ ١ / ٢٩٩ ]
ذلك الآمر. دخلت اللام في ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ لضعف عمل الفعل بتقدم معموله، ومثله ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ﴾ (^١) كما يدخل في معمول اسم الفاعل والمصدر لضعف عملهما.
﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ ﴿فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ حين سألوا رؤية الله تعالى. ﴿أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ يعني الذين طلبوا الرؤية هم بعضنا لا كلنا، وأنت أهلكت الجميع. ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ﴾ أي: امتحانك واختبارك. ﴿أَنْتَ وَلِيُّنا﴾ أنت متولينا أو متولانا. هاد يهود إذا رجع. ﴿مَنْ أَشاءُ﴾ وقرئ (من أساء) (^٢) والمشهود لمذهب أهل السنة؛ لأنهم يعتقدون أن الله - تعالى - له تعذيب البريء، وموافق لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ (^٣).
﴿وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١)﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ﴾
_________________
(١) سورة يوسف، الآية (٤٣).
(٢) قرأ بها الحسن البصري وزيد بن علي وطاوس وسفيان بن عيينة. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٤٠٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٣٥٣)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٩٧)، المحتسب لابن جني (١/ ٢٦١).
(٣) سورة النساء، الآية (٤٨).
[ ١ / ٣٠٠ ]
﴿السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢) وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾
قيل: لما نزلت ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ طمع فيها كل أحد حتى إبليس، فلما نزلت ﴿فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أيس منها إبليس ومردة الشياطين، وطمع فيها اليهود والنصارى فلما نزلت ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ علم أنها لأمة محمد ﷺ (^١) وأميته ﷺ من تمام معجزته؛ لأنه لو كان يقرأ ويكتب لكان يقال: إنه طالع القصص والأخبار من الكتب ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (^٢) الذين يجدون نعته مكتوبا. قوله: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ﴾ هذه قاعدة الشافعي في باب الأطعمة؛ فإنه جعل كل ما استخبثته العرب حراما (^٣).
والإصر: الثقل ﴿رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا﴾ (^٤) وسمي العهد إصرا لثقل الوفاء به، ومنه: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي﴾ (^٥) أي: عهدي، ومضى الكلام على عزر في المائدة في قوله: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ (^٦). قوله: ﴿إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ جملة فصل بها بين الصفة والموصوف. والأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب وكالشعوب في العجم.
(انبجس الماء) خرج بكثرة. وسلهم سؤال تقريع وتوبيخ ﴿عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ وهي أيلة. ﴿إِذْ يَعْدُونَ﴾ يتجاوزون ما أمروا به في السبت، نسب الحيتان إليهم بقوله: ﴿حِيتانُهُمْ﴾ لأنهم ابتلوا بها. ﴿شُرَّعًا﴾ ظاهرة.
﴿وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)﴾ ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً﴾
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٨٠، ٩/ ٧٩).
(٢) سورة العنكبوت، الآية (٤٨).
(٣) ينظر: الأم للشافعي (٢/ ٣٧٧).
(٤) سورة البقرة، الآية (٢٨٦).
(٥) سورة آل عمران، الآية (٨١).
(٦) سورة المائدة، الآية (١٢).
[ ١ / ٣٠١ ]
﴿خاسِئِينَ (١٦٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢)﴾
انقسم أهل القرية ثلاث فرق: فرقة تعدت وأكلت، وفرقة نهت، وفرقة سكتت؛ فنجت الناهية، وهلكت المخالفة، واختلف في الساكتة. وحكى عكرمة (^١) مباحثة له مع ابن عباس في الفرقة الساكتة ظهر بها لابن عباس أنها نجت فأعجبه البحث، وكساه ثوبين (^٢).
(قالوا معذرة) وقرأ حفص (^٣) ﴿مَعْذِرَةً﴾ بالنصب (^٤) على المفعول من أجله.
و﴿تَأَذَّنَ﴾ أعلم. وقوله: ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ وضع الظاهر في موضع المضمر
_________________
(١) هو عكرمة بن عبد الله البربري، أبو عبد الله مولى ابن عباس، يروي عن ابن عباس وعائشة وأبي هريرة - ﵃ أجمعين - وهو ثقة عالم بالتفسير، توفي بالمدينة سنة ١٠٤ هـ. تنظر ترجمته في: غاية النهاية لابن الجزري (١/ ٥١٥)، طبقات المفسرين للداودي (١/ ٣٨٠).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٩/ ٩٤)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٥٩٠) لعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: قال ابن عباس: «ما أدري أنجا الذين قالوا: لم تعظون قوما أم لا؟ قال: فما زلت أبصره حتى عرف أنهم قد نجوا فكساني حلة».
(٣) هو حفص بن سليمان، أبو عمر الأسدي الكوفي البزاز أعلم أصحاب عاصم بقراءته، كان ربيبه ابن زوجته، ثقة في الإقراء ثبت ضابط بروايته يقرئ أهل المشرق، قال يحيى بن معين: الرواية الصحيحة التي رويت عن قراءة عاصم هي رواية حفص بن سليمان. تنظر ترجمته في: غاية النهاية لابن الجزري (١/ ٢٥٤)، تهذيب التهذيب لابن حجر (٢/ ٤٠٠).
(٤) قرأ جمهور القراء: أبو عمرو ونافع وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر عنه وأبو جعفر وخلف ويعقوب «معذرة»، وقرأ حفص عن عاصم «معذرة». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٤١٢)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٦٦)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٣٠٠)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٩٦)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٧٢).
[ ١ / ٣٠٢ ]
تقديره: إنا لا نضيع أجرهم، لكن أفاد هذا الوضع أنهم مصلحون ومثله ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^١). أي: لا يضيع أجرهم، وأفاد دخولهم في حيز المحسنين. ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ أي: سحابة، وقلنا: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ واجتهاد، وليكن منكم على ذكر. جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: «إن الله - تعالى - لما خلق آدم استخرج من ظهره فرقتين: فرقة من الجانب الأيمن وهم المؤمنون، وفرقة من الجانب الأيسر وهم الكفار، وأخذ عليهم العهد بأنه ربهم لا إله غيره، فشهدوا كلهم بذلك وأقروا به» (^٢). فاختلف المفسرون فقال بعضهم: هو المراد بهذه الآية، وقال المحققون: الحديث صحيح، ولكن ليس المراد بهذه الآية؛ لأن في الحديث أنه استخرج من ظهر آدم، والذي في الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ ولأن بقية الآية وهو قوله: ﴿إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾ لا يجوز أن يكون مرادا بالخبر؛ لأن أحدا لا يتذكر ذلك الميثاق حتى يتوجه عليه اللوم، بل المراد بالآية: واذكروا إذ استخرج الله ذرية آدم بطنا بعد بطن، وقرنا بعد قرن، وركز في عقولهم أدلة الوحدانية كما قال [من المتقارب]:
وفي كلّ شيء له آية تدلّ على أنّه واحد (^٣)
﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥)﴾
﴿فَانْسَلَخَ مِنْها﴾ قيل إنه رجل أعطاه الله اسمه الأعظم، فقصده جماعة أن يدعو على
_________________
(١) سورة يوسف، الآية (٩٠).
(٢) رواه أحمد في المسند (١/ ٤٤)، وأبو داود رقم (٤٧٠٣)، والترمذي رقم (٣٠٧٥)، وابن حبان في صحيحه رقم (٦١٦٦)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٢٤) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر رجلا مجهولا، وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الترمذي رقم (٥٩٤).
(٣) البيت لأبي العتاهية، وقيل: لابن المعتز وقبله: فيا عجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد ينظر في: الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (٤/ ٣٩)، تفسير القرطبي (٤/ ٣٠١)، روح المعاني للألوسي (١/ ٧٨)، صبح الأعشى للقلقشندي (١٢/ ٤١٣).
[ ١ / ٣٠٣ ]
موسى وقومه، وأعطوه رشوة جزيلة، فركب دابته وجاء إلى جبل الحسبان يشرف على الغور، وكان موسى وبنو إسرائيل في غور الحسبان، فجاء ذلك الرجل وقال لأصحابه في الطريق: إني أرى الملائكة تضرب وجه دابتي تصرفها عن هذا القصد حتى أشرف على موسى وقومه فدعا عليهم بالاسم الأعظم فوقع موسى وقومه في التيه، وتدلى لسان ذلك الداعي وسلب ما كان معه من اسم الله الأعظم (^١).
وقيل: هو رجل أعطاه الله ثلاث دعوات مستجابات، وكانت له زوجة قد صارت عجوزة، فسألته أن يهبها دعوة من الثلاث؛ سألته أن تعود شابة جميلة الصورة فدعا لها بذلك، فترفعت عليه على عادة النساء الشباب في كراهة الأزواج الشيوخ فتضجر منها، ودعا عليها الدعوة الثانية أن تصير كلبة نباحة، فصارت كذلك، فبكى بنوها وقالوا: نعير بأن أمنا صارت كذا وكذا، وسألوه وبكوا بين يديه، فدعا لها بأن صارت عجوزا كما كانت فذهبت الدعوات الثلاث، وبقي كما كان (^٢).
ويجوز ألا يكون المراد شخصا معينا بل كل من أوتي فهما في آيات الأنبياء ولم يعمل بما فهمه منها؛ فهو مراد بهذه الآية (^٣). ومعنى انسلخ: خرج منها؛ كما تخرج الحية من جلدها.
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٩/ ١٢٣ - ١٢٤).
(٢) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٦٠٨) لابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن ابن عباس - ﵄.
(٣) قال أبو جعفر الطبري في تفسيره (٩/ ١٢٣): «والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله - تعالى - ذكره أمر نبيه ﷺ أن يتلو على قومه خبر رجل كان الله آتاه حججه وأدلته وهي الآيات، وجائز أن يكون الذي كان الله آتاه ذلك بلعم بن باعوراء، وجائز أن يكون أمية بن أبي الصلت وكذلك الآيات إن كانت بمعنى الحجة التي هي بعض كتب الله التي أنزلها على بعض أنبيائه فتعلمها الذي ذكره الله في هذه الآية وعناه بها فجائز أن يكون الذي كان أوتيها بلعم وجائز أن يكون أمية؛ لأن أمية كان فيما يقال قد قرأ من كتب أهل الكتاب وإن كانت بمعنى كتاب أنزله الله على من أمر نبي الله ﵊ أن يتلو على قومه نبأه أو بمعنى اسم الله الأعظم أو بمعنى النبوة فغير جائز أن يكون معنيا به أمية لأن أمية لا تختلف الأمة في أنه لم يكن أوتي شيئا من ذلك، ولا خبر بأي ذلك المراد وأي الرجلين المعني يوجب الحجة ولا في العقل دلالة على أن ذلك المعني به من أي، فالصواب أن يقال فيه ما قال الله ويقر بظاهر التنزيل على ما جاء به الوحي من الله».
[ ١ / ٣٠٤ ]
﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩) وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠) وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾
﴿وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: مال إلى الدنيا ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ في استواء حاليه في الحمل عليه وترك الحمل، فإنه يلهث في الحالين جميعا، كذلك هذا، سواء عليه أفهم أم لم يفهم، فهو لا يعمل بمقتضى الآيات. واعلم أن الأمثال يقصد بها إيضاح المعنى، وقد يقصد بها الإهانة مع ذلك؛ فيضرب له المثل بأحسن الأشياء، قال الله - تعالى: ﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ (^١) ولم يقل كأنهم غزلان، فإن الغزال في النفور كحمار الوحش، لكن قصد إهانتهم بتشبيههم بحيوان يضرب به المثل في البلادة، وقال - تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ﴾ (^٢).
وقال هاهنا بعد تشبيههم بالكلب: ﴿ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ ﴿ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾. ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ خلقهم ليدخلوا النار. قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ لأنهم أوتوا ما يفهمون به فضيعوه، والأنعام لم يؤتها الله ما يحصل به الفهم، فكانوا أضل من الأنعام، وقال: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ بغير واو؛ وقال في البقرة:
_________________
(١) سورة المدثر، الآيتان (٥٠، ٤٩).
(٢) سورة الجمعة، الآية (٥).
[ ١ / ٣٠٥ ]
﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (^١) بالواو؛ لأن كونهم على هدى من ربهم وصف حالهم في الدنيا، ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وصف حالهم في الآخرة، فالوصفان متغايران، وأما هاهنا فتشبيه بالأنعام ووصف بالغفلة. وقوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ تقوية لذلك المعنى الأول فلا معنى للعطف. ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ﴾ فيسمون اللات من تأنيث اسم الله والعزى من العزيز، ومناة من المنان، فيميلونها عن معانيها. واللحد في اللغة: الميل، ومنه لحد القبر، لكن لا يستعمل إلا في الشر، وكذلك الزيغ بخلاف الحنف، فإن أصله الميل، ولا يستعمل إلا في الخير. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ سننقلهم درجة بعد درجة بكثرة المال والأولاد والخصب. ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أمهلهم زمانا، والملاوة ومنه الملوان في الليل والنهار.
﴿ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ أي: جنون ﴿وَأَنْ عَسى﴾ أي: وفي أن عسى.
﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاّ ما شاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾
قرئ ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ بالجزم عطفا على موضع الفاء في قوله: ﴿فَلا هادِيَ لَهُ﴾ وبالرفع (^٢) عطفا على ما بعد الفاء؛ كقوله: ﴿وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ﴾ (^٣) ومثله قوله: ﴿وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ﴾ ﴿وَيُكَفِّرُ﴾ (^٤) ﴿أَيّانَ مُرْساها﴾ متى ثبوتها واستقرارها؟ ثقل علمها على أهل السماوات والأرض، فلا يعلمها أحد منهم. ﴿كَأَنَّكَ﴾
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٥).
(٢) تقدم تخريجها في تفسير سورة البقرة، الآية (٢٧١).
(٣) سورة المائدة، الآية (٩٥).
(٤) سورة البقرة، الآية (٢٧١).
[ ١ / ٣٠٦ ]
﴿حَفِيٌّ عَنْها﴾ كأنك قد أكثرت السؤال وأحفيت في المسألة عنها. ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ واجتنبت الشر.
﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ آدم ﴿وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها﴾ حواء ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ وطئها.
﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ في أول الحمل ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ فذهبت وجاءت ولم يثقلها الحمل.
﴿فَلَمّا أَثْقَلَتْ﴾ دعا آدم وحواء ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا﴾ ولدا ﴿صالِحًا﴾ وقيل: إن إبليس جاء إلى حواء، وكانت قد مات لها أولاد، فقال لها: أنتم تسمون أولادكم بعبد الله، وعبد الرحمن وإذا كان عبد الله أخذه سيده، فسموا أولادكم: عبد الحارث، وكان إبليس اسمه الحارث فسموا فعتبوا بهذه الآية، وهذا بعيد؛ لأن مجرد التسمية من غير اعتقاد لا ينبغي أن يقال لمن فعله ﴿فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ وقيل: هو الذي خلقكم يا معشر العرب من نفس واحدة، وهي قصي، وجعل من جنسها زوجها إلى أن قال: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ فسموا أولادهم عبد مناف وعبد شمس وعبد الدار، وهذا مال إليه الزمخشري (^١)، وهذا لا يبقى عليه سؤال إلا بعد اللفظ عن إرادة قصي بن كلاب بن مرة. قوله: ﴿أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ﴾ ولم يقل: أم صمتم؛ كقوله: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ﴾ (^٢) فإن ذكر اسم الفاعل يدل على استقرار الأمر وثبوته بخلاف الفعل الماضي، فإنه يصدق بمرة واحدة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ تدعونهم ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ آلهة ﴿عِبادٌ أَمْثالُكُمْ﴾ في كونهم عبيدا. وقوله:
﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ استهزاء، فإنهم لو كانت لهم أرجل يمشون بها وأيد يبطشون بها، وأعين يبصرون بها، وآذان يسمعون بها - ما استحقوا العبادة، ولم يقتصر على هذه الأعضاء، بل قال ينتفعون بها، لأن الصنم تصور له هذه الأعضاء ولكن لا ينتفع بها.
قوله: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ﴾ إن متولي أمري هو الله، ولا يجيء: إنني أتولى الله؛ كقوله أولا:
﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ إن الله يتولى أمري، وكقوله بعد ذلك: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾.
_________________
(١) ينظر: الكشاف للزمخشري (٢/ ١٨٧).
(٢) سورة الشعراء، الآية (١٣٦).
[ ١ / ٣٠٧ ]
﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾
النظر بقلب الحدقة إلى المرئي سواء حصل رؤيتهم أم لم تحصل، تقول: نظرت إلى الهلال فلم أره، ولا تقول: أبصرته فلم أره. ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أي: ما صفا من أخلاق الناس. قال الشاعر [من الطويل]:
خذي العفو منّي تستديمي مودّتي ولا تنطقي في سورتي حين أغضب (^١)
النزغ: النخس ﴿فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ وجه الصواب ﴿وَإِخْوانُهُمْ﴾ من الشياطين، قرئ «يمدّونهم» و«يمدّونهم» (^٢) وهو رد لقول من زعم أن الإمداد في الخير والمد في الشر لقوله في الخير: ﴿وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ﴾ (^٣) ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ﴾ (^٤) وقال: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (^٥) فقراءة ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ هاهنا ترد على هذا القول.
_________________
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة، الآية (٢١٩).
(٢) قرأ نافع وأبو جعفر "يمدّونهم"، وقرأ باقي العشرة "يمدّونهم". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٤٥١)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٣٠٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٣٩٠)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٠١)، الكشاف للزمخشري (٢/ ١١١)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٧٥).
(٣) سورة الطور، الآية (٢٢).
(٤) سورة نوح، الآية (١٢).
(٥) سورة البقرة، الآية (١٥).
[ ١ / ٣٠٨ ]
﴿وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾
﴿اِجْتَبَيْتَها﴾ اختلقتها، والآصال: جمع أصيل، وهو ما بين المغرب والعشاء.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ هو كقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ (^١).
***
_________________
(١) سورة فصلت، الآية (٣٨).
[ ١ / ٣٠٩ ]