﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣)﴾
﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ عبر بالحساب عن المجازاة وكان اقترابه ما حل بهم في وقعة بدر من القتل والأسر. وقيل: أراد حساب يوم القيامة، وفي قربه وجهان:
أحدهما: أنه آت، وكل ما هو آت قريب.
والثاني: أن معناه أن زمان بقاء العالم قد بقي أقلّه وهو انقضاء أيام البقاء في الدنيا.
وقوله: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ﴾ أي: اقترب منهم. ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ المراد بقوله: ﴿يَلْعَبُونَ﴾ أي: يشتغلون بدنياهم، وقال - تعالى:
﴿إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ (^١) وقيل: ﴿يَلْعَبُونَ﴾ أي: يلهون. وقيل: يشتغلون بالقدح فيه والاعتراض عليه. وقوله: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ جملة حالية، وقوله: ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ جملة أخرى، فالأولى حال من واو ﴿اِسْتَمَعُوهُ﴾ والثانية فيها وجهان:
أحدهما: أنها حال من واو ﴿اِسْتَمَعُوهُ﴾.
والثاني: أنها حال من الضمير في ﴿يَلْعَبُونَ﴾ فتكون الحالان متداخلتين، وعلى الأول تكونان مترادفتين.
وفي معنى ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ وجهان:
أحدهما: مشتغلين عن الذكر بالطعن في القرآن.
والثاني: مشتغلين بالباطل عن الحق.
وفيه وجه ثالث قاله المتصوفة: أنها غافلة عما يراد بها ومنها.
_________________
(١) سورة محمد، الآية (٣٦).
[ ١ / ٥٥١ ]
وقوله - ﷿: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ أي: أخفوا فيما بينهم التناجي بالباطل.
وقيل: أسروه: أظهروه. قال الماوردي (^١): وأسرّ يستعمل في الإخفاء والإظهار، وإن كان الظاهر استعماله في الإخفاء حقيقة إلا بدليل.
قوله: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ﴾ قيل: أفتقبلونه وأنتم تعلمون أنه سحر؟ وقيل: أفتعدلون إلى الباطل وأنتم تعلمون الحق؟ الواو في ﴿وَأَسَرُّوا﴾ يجوز أن تكون دالة على جمع الفاعلين ولا تكون ضميرا. وقيل: هي على لغة من يقول: أكلوني البراغيث (^٢).
وقيل: أسروها للذين ظلموا فحذف الجار ومثله ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ (^٣) والتقدير: قائلين: ﴿هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾.
﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠) وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣) قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (١٤)﴾
وقوله: ﴿أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾ أي (١٢٥ /ب) تهاويل أحلام. وقيل: ما لا يفسر من الأحلام ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ قيل: هم أهل التوراة والإنجيل. وقيل: علماء المسلمين. وقيل:
من أسلم من علماء اليهود والنصارى.
قوله - تعالى: ﴿وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا﴾ الآية قيل: معناه وما جعلنا الأنبياء قبلك أجسادا ﴿لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ ولا يموتون كذلك، فعلى هذا يكون الجسد ما لا يأكل ولا يشرب، ويكون قوله: ﴿لا يَأْكُلُونَ﴾ تفسيرا ل «جسد».
_________________
(١) ينظر: النكت والعيون للماوردي (٣/ ٣٧).
(٢) تقدم في تفسير سورة البقرة، الآية (٧١).
(٣) سورة المائدة، الآية (٧١).
[ ١ / ٥٥٢ ]
وقيل: المراد أنهم ليسوا أجسادا، والجسد ما يأكل ويشرب، وأفرد الجسد؛ لأن المراد التمييز بهذا الجنس، وهو كقوله - تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ (^١) قوله - ﷿: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: شرفكم؛ لنزوله بلغتكم أولا، مشتمل على ذكر مصالحكم في دينكم ودنياكم.
قوله: ﴿مِنْها﴾ أي: من القرية. وقيل: من العذاب. قوله: ﴿أُتْرِفْتُمْ﴾ أي: نعّمتم.
قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ﴾ أي: من دنياكم شيئا قالته الملائكة استهزاء بهم (^٢).
وقال ابن بحر (^٣): لعلكم تسألون عما كنتم تعملون من الذنوب حتى استوجبتم هذا التعذيب (^٤).
﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدًا خامِدِينَ (١٥) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩)﴾
قوله - ﷿: ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ﴾ بالثبور والويل حتى هلكوا. وقوله: ﴿تِلْكَ دَعْواهُمْ﴾ معرفتان يجوز جعل كل واحدة منهما اسما ل ﴿فَما زالَتْ﴾ والأخرى خبرا والحصيد: الاستئصال، والخمود: الهمود، يقال: خمدت النار إذا انطفأت، فشبّه خمود الحياة بخمود النّار، كما يقال لمن مات: قد طفي. قوله: ﴿لَهْوًا﴾ قيل: ولدا. وقيل: زوجة. وقيل:
المراد الداعي إلى الشهوات، وأنشد الماوردي [من الطويل]:
وللهو داع دائب غير غافل (^٥)
_________________
(١) سورة غافر، الآية (٦٧).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ٨)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٦١٨) لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.
(٣) هو ابن بحر بن بري البابسيري يروي عن ابن عيينة توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين (٢٣٤ هـ). تنظر ترجمته في: اللباب في تهذيب الأنساب (١/ ١٠٠).
(٤) ذكره الماوردي في النكت والعيون (٣/ ٣٩) عن ابن بحر.
(٥) هذا عجز بيت للأحوص، وصدره: ويلحينني في اللهو ألا أحبّه ينظر في: تفسير الطبري (١/ ١١٢)، روح المعاني للألوسي (١/ ٩٥)، النكت والعيون للماوردي (٣/ ٣٩).
[ ١ / ٥٥٣ ]
قوله ﷿: ﴿مِنْ لَدُنّا﴾ أي: من عندنا. قال ابن جريج (^١): أي: لاتخذنا ولدا ونساء من أهل السماء لا من الأرض (^٢). قوله: ﴿إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ أي: لاتخذناه من السماء بحيث يخفى علمه عليكم. قوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ الحق هو المشروع، والباطل هو المدفوع. وقيل: الحق: القرآن، والباطل: إبليس.
وقيل: الحق المواعظ، والباطل: المعاصي، جعل الباطل كصورة صنم سقط عليه حجر ثقيل فوصل إلى دماغه فهلك (١٢٦ /أ) والشجة إذا وصلت إلى أم الدماغ وخرقتها تسمى دامغة، جعل ذلك مثلا لهلاك الباطل وأمن لمآثر الإسلام، والباطل الشرك. ﴿زاهِقٌ﴾ أي:
هالك.
قوله: ﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ لا يتعبون ولا يعيون، يقال: حسر البعير: إذا أعيا، ومنه قوله: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (^٣) قوله: ﴿يُنْشِرُونَ﴾ أي: يحيون الموتى، ومنه قوله - تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ﴾ (^٤) وقوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ (^٥) ومعناه: أن الإله يجب أن يكون قادرا على إحياء الموتى.
﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ (٢٢) لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣)﴾ ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ﴾
_________________
(١) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الإمام العلامة الحافظ شيخ الحرم أبو خالد وأبو الوليد القرشي الأموي المكي صاحب التصانيف وأول من دون العلم بمكة، كان ثقة حافظا لكنه كان يدلس بلفظة "عن" وقد كان صاحب تعبد وتهجد وما زال يطلب العلم حتى كبر وشاخ، ومات سنة خمسين ومائة. تنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء للذهبي (٦/ ٣٢٥).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٠).
(٣) سورة الملك، الآية (٤).
(٤) سورة عبس، الآية (٢٢).
(٥) سورة البقرة، الآية (٢٥٩) وهذه قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو "ننشرها" بالراء، وقرأ الباقون "ننشزها" بالزاي. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٢/ ٢٩٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (١/ ٦٢٧)، السبعة لابن مجاهد (ص: ١٨٩)، الكشاف للزمخشري (١/ ٣٠٧).
[ ١ / ٥٥٤ ]
﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ (٢٩) أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾
قوله: (إلاّ الله) قيل: (إلاّ) بمعنى سوى. وقيل: بمعنى الواو، تقديره: لو كان فيهما آلهة إلا الله ومعهم الله لفسدتا، فعلى الأول يكون إبطالا لاتخاذ الشريك، وعلى الثاني يكون إبطالا لإلهية غير الله لعجزه عما يقدر الله عليه.
قوله تعالى: ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ قيل: لا يسأل عن قضائه، والخلق يسألون. قوله: ﴿هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ أي: بإبطال الشريك ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ أهل الكتاب، يشهدون بالتوحيد. قوله: ﴿ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: من أمر الآخرة ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ من أمر الدنيا. وقيل: ما قدّموا وأخروا. وقيل: ما قدموا: ما عملوا، وما أخروا: ما لم يعملوا.
قوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ﴾ أي: في الدنيا ﴿إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ وقيل: في الآخرة.
قوله: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ أي: من الملائكة ﴿إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ دون الله، احتجّ به قوم زعموا أن الأنبياء ليسوا بمعصومين، وكذلك قصة هاروت وماروت، وقصة إبليس وامتناعه من السجود لآدم. قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ﴾ معناه: أو لم يعلم، فإنهم علموا ذلك من جهة الوحي. قوله: ﴿أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا﴾ متصلتين ففتق بين السماوات والأرض بالهواء. وقيل: كانت كل واحدة من السماوات ومن الأرضين مرتتقة متصلة، ففتق بينهن. وقيل: المعنى بفتق السماوات إنزال المطر من السماوات، وإخراج النبات من الأرض. قوله - ﷿: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ قيل: جعل حياة كل الحيوان بالماء. وقيل: جعل كل حيوان مخلوقا من النطفة. وقيل: جعل بقاء الحيوانات بالماء وهو عام مخصوص (١٢٦ /ب).
﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾ ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ﴾
[ ١ / ٥٥٥ ]
﴿الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥) وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنّا يُصْحَبُونَ (٤٣)﴾
﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ﴾ أي: ثابتات. وقيل: مثبتات، فإن الجبال هي التي أرست الأرض. ﴿أَنْ تَمِيدَ﴾ أي: تضطرب. وقيل: تزول. الفجاج: الطريق الواسعة بين جبلين. وقيل: إنها الأعلام التي يهتدى بها، وفي السبل وجهان:
أحدهما: الطرق. والثاني: طرق الاعتبار.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ أي: من أن تقع على الأرض.
وقيل: محفوظا من الشياطين. قوله - ﷿: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ قيل: الفلك السماء. وقيل: هو القطب المستدير يدور بدورانه الفلك، ثم قيل: إن السماء تستدير فتستدير بدورانها الكواكب والشمس والقمر. وقيل: السماء لا تتحرك، إنما المتحرك هو الفلك الدائر بالنجوم والكواكب.
وقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾ أي: نعاملكم معاملة المختبر. قوله ﴿بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ قيل:
الشدة والرخاء. وقيل: الشر: الفقر والمرض. والخير: الغنى. وقيل: الشر: غلبة الهوى على النفس. والخير: العصمة. وقيل: ما تحبون وما تكرهون؛ ليعلم شكركم فيما تحبون وصبركم على ما تكرهون.
قوله ﷿: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ قيل: الإنسان آدم، خلقه ولم ينفخ فيه الروح فسأل ربه إحياءه. وقيل: العجل الطين، قال الشاعر [من البسيط]:
[ ١ / ٥٥٦ ]
والنخل تنبت بين الماء والعجل (^١)
قوله تعالى: ﴿يَكْلَؤُكُمْ﴾ أي: يحفظكم، قال الشاعر [من المنسرح]:
إنّ سليمى والله يكلؤها ضنّت بشيء ما كان يرزؤها (^٢)
وظاهر الآية الاستفهام، ومعناها النفي، أي: لا يكلؤكم أحد. قوله - تعالى: ﴿وَلا هُمْ مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ أي: لا يجارون، ومنه قوله: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ (^٣).
وقيل: يحفظون. وقيل: ينصرون. وقيل: ولا يصحبون من الله بخير.
﴿بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤) قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (٤٦) وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠) وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤) قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاّعِبِينَ (٥٥) قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾ ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذاذًا إِلاّ كَبِيرًا﴾
_________________
(١) هذا عجز بيت وصدره: النبع في الصخرة الصماء منبته ينظر في: تهذيب اللغة للأزهري (١/ ٣٦٩)، فتح القدير للشوكاني (٣/ ٥٨٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١١٧)، لسان العرب (عجل)، النكت والعيون للماوردي (٣/ ٤٥) والنبع: شجر تتخذ منه القسي، والصماء: الصلبة، والعجل: الطين بلغة حمير.
(٢) البيت لابن هرمة، ينظر في: الأغاني للأصفهاني (٣/ ٢٣٦)، البيان والتبيين للجاحظ (١/ ٣٢٠)، تاج العروس للزبيدي (كلأ)، تفسير القرطبي (١١/ ٢٥٥)، لسان العرب (كلأ)، النكت والعيون للماوردي (٣/ ٤٥).
(٣) سورة المؤمنون، الآية (٨٨).
[ ١ / ٥٥٧ ]
﴿لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ (٥٩) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ (٦٤)﴾
قوله - تعالى: ﴿نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها﴾ قيل: بفتح بلاد المشركين. وقيل: بنقصان أهلها وقلة بركتها. وقيل: بموت فقهائها وعلمائها، والقول الثاني والثالث مشكلان، أما الثاني فلقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ ولم يكن قد ظهر على المسلمين فتح بلاد؛ لأن هاتين الآيتين من سورتين مكيتين، ولم يحصل فتح في ذلك الزمان. وأما الثالث وهو موت الفقهاء فأي فقيه يتأثر الناس بموته مع حياة رسول الله ﷺ. (١٢٧ /أ)
﴿الْفُرْقانَ﴾ في أصله مصدر فرق يفرق، ويجوز إطلاقه على كل فرق. فقيل: هو التوراة. وقيل: هو البرهان الذي أتى به موسى، ففرق بين حقّ موسى وباطل فرعون (^١). ﴿وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقيل: موعظة. وقيل: هو نصر موسى وأشياعه وهلاك فرعون وأتباعه. قوله: ﴿آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ هو النبوة. وقيل: هو أن أوتي العلم صغيرا، فجادل قومه في إبطال مذهبهم بالكوكب والقمر والشمس.
قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل إيتاء النبوة. وقيل: من قبل موسى وهارون. ﴿وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ وكنا بصلاحيته للنبوة وإيتاء الرشد عالمين. قوله: ﴿جُذاذًا﴾ أي: قطعا. قوله:
﴿عَلى أَعْيُنِ النّاسِ﴾ أي: بمرأى منهم. قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ أي: يشهدون بما جرى من إبراهيم من الحجة، ومن النمرود من الجدال بالباطل.
وقيل: لعلهم يشهدون عليه بما جرى منه من انتقاص أصنامهم. قوله - تعالى:
﴿كَبِيرُهُمْ هذا﴾ مشروط بشرط، هو ﴿إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ أي: إذا صلحوا للجواب عن ذلك صلحوا لكسر الأصنام. قوله - ﷿: ﴿فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ﴾ قيل:
هو حقيقة أن فكّر كلّ واحد في نفسه وشاور رفيقه في ذلك. وقيل: رجع بعضهم إلى بعض؛ كقوله: ﴿وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ﴾ (^٢) أي: لا يخرج بعضكم بعضا.
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ٣٤).
(٢) سورة البقرة، الآية (٨٤).
[ ١ / ٥٥٨ ]
قوله - ﷿: ﴿فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ في عبادة من لا يستطيع جوابا.
﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٧) قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩)﴾
﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ﴾ رجعوا إلى الباطل بعد اعترافهم بالحق. وقيل: رجعوا إلى مجادلة إبراهيم وقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ وقيل: طأطأوا رؤوسهم حين وردت عليهم حجة إبراهيم، فإمّا أن يكون ذلك تعظيما لما جاء به إبراهيم، أو تحقيرا له.
قوله - تعالى: ﴿ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا﴾ إن سألتموه النفع ﴿وَلا يَضُرُّكُمْ﴾ إن تركتم عبادته. ﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾ مذكور في سبحان (^١). قوله - تعالى: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تعريض بنسبتهم إلى الجهل، أي: من جادل هذه المجادلة فلا عقل له. وقال ابن عمر ومجاهد وابن جريج: القائل كان كرديّا مقيما ببلاد فارس. وقيل: إنه رجل قال ذلك فخسف الله به الأرض - قاله الماورديّ - فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة (^٢). (١٢٧ /ب).
وقيل: إن إبراهيم لما أوثق ليلقى في النار قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك (^٣). وقال ابن عمر: كانت كلمة إبراهيم حينئذ: حسبي الله ونعم الوكيل (^٤). وقيل: فما أحرقت النار منه إلا وثاقه (^٥). قال ابن جريج: ألقي إبراهيم في النار وعمره ست وعشرون سنة (^٦). قال الكلبي: بنوا له أتونا وألقوه فيه بعد أن ملئ نارا، ثم
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية (٢٣).
(٢) ينظر: النكت والعيون للماوردي (٣/ ٤٨) ورواه الطبري في تفسيره (١٧/ ٤٣) عن مجاهد.
(٣) ذكره الماوردي في النكت والعيون للماوردي (٣/ ٤٨).
(٤) وقع في الأصل ابن عمر، وهو ما ذكره الماوردي في النكت والعيون (٣/ ٤٨)، وذكره في السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٦٣٩) ونسبه لابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر عن عبد الله بن عمرو. ورواه البخاري رقم (٤٢٨٨) عن ابن عباس قال: "كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار حسبي الله ونعم الوكيل".
(٥) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ٤٤) عن قتادة، ورواه كذلك وذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٦٣٩) ونسبه لابن أبي شيبة وابن المنذر عن كعب.
(٦) ذكره الماوردي في النكت والعيون (٣/ ٤٨) بهذا اللفظ، ورواه الطبري في تفسيره (١٧/ ٤٥) -
[ ١ / ٥٥٩ ]
فتحوه من الغد، فإذا هو لم يحترق منه شيء، وأرض الأتون باردة (^١).
قال أبو العالية: لو لم يقل: ﴿وَسَلامًا﴾ لأتلفته ببردها، ولو لم يقل: ﴿عَلى إِبْراهِيمَ﴾ لكانت بردا على الناس كلهم إلى يوم القيامة (^٢).
﴿وَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْناهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣) وَلُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ (٧٥) وَنُوحًا إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧) وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨)﴾
ولوط هو ابن أخي إبراهيم، فآمن بإبراهيم، ومنه قوله - تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ (^٣) وهاجر معه لوط إلى أرض الشام ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ قيل: هي مكة. وقيل: بيت المقدس. وقيل: من أرض العراق إلى أرض الشام. وفي بركتها وجوه:
أحدها: أن أكثر الأنبياء بعثوا من بيت المقدس. وقيل: بكثرة خصبها ونموّ نباتها.
وقيل: بعذوبة مائها وتفرقه في الأرض من تحتها. وعن بعضهم: ما من عين تظهر في الأرض إلا وينبوعها من بيت المقدس. ﴿نافِلَةً﴾ ولد الولد، وكان يعقوب ولد ولد إبراهيم، والمراد هاهنا ذلك. وقيل: إنها الزيادة في العطاء وإسحاق ويعقوب كلاهما نافلة؛ لأن إبراهيم دعا بطلب الولد فأجيب دعاؤه.
قوله: ﴿وَلُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا﴾ قيل: هو القضاء بالحق. وقيل: النبوة ﴿وَعِلْمًا﴾ يعني
_________________
(١) = عن شعيب الجبائي قال: "ألقي إبراهيم في النار وهو بن ست عشرة سنة".
(٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون (٣/ ٤٨).
(٣) ذكره الماوردي في النكت والعيون (٣/ ٤٨) بهذا اللفظ. ورواه الطبري في تفسيره (١٧/ ٤٥) عن أبي العالية بنحو ذلك، ورواه عن كعب وغيره بنحو ذلك.
(٤) سورة العنكبوت، الآية (٢٦).
[ ١ / ٥٦٠ ]
فقها. قوله - تعالى: ﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ﴾ قيل: هو اللواط.
وقيل: كانوا يتضارطون في مجالسهم، ويفعلون الفاحشة التي هي اللواط بحضرة بعضهم لا يتحاشون من إظهارها (^١). ﴿وَنُوحًا إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل إبراهيم قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّارًا﴾ (^٢).
﴿الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ والخسف بمدائنهم ورميهم بالحجارة، ويحتمل: ونجّاه من أذى قومه بإغراقهم، ويحتمل أن نجّاه من رؤية المعاصي في الأرض. قوله - تعالى: ﴿وَنَصَرْناهُ﴾ خلصناه، وإذا جاء معها "من" فهي للتخليص، وإن جاء معها "على" فهي للظهور والاستعلاء. ﴿فِي الْحَرْثِ﴾ كان زرعا وقعت فيه الغنم ليلا. وقيل: كان كرما ظهرت عناقيده. ﴿نَفَشَتْ فِيهِ﴾ رعته (١٢٨ /أ) والنفش: الرعي ليلا، والهمل: رعي النهار (^٣).
قوله - تعالى: ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ فيه قولان:
أحدهما، وهو قول الأكثرين: أن حكم داود وسليمان كان حكما واحدا صوابا اختلف فيه الفهم، فأصاب سليمان، وخفي الصواب عن داود، والأنبياء لا يعصمون من الخطأ ولكن لا يقرون عليه. والثاني: أنه كان حكما اتفقا عليه؛ لأن الله - تعالى - أثنى عليهما.
﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢) وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (٨٣)﴾
وقوله: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ ففضله على داود؛ لأن سليمان أوتي الحكم صغيرا، وداود أوتيه كبيرا، وكان داود قد قضى بالغنم لصاحب الزرع، استدراكا لما أفسدته غنمه، وأما سليمان فرأى أن يكلف صاحب الغنم أن يزرع زرعا، فإذا أدرك الزرع وصار بمنزلته يوم رعي أعيدت الغنم لصاحبها، واستقر الزرع بيد الآخر. وهذه الأحكام كانت في
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٠/ ١٤٥) عن عائشة - ﵂.
(٢) سورة نوح، الآية (٢٦).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ٥٣) عن قتادة.
[ ١ / ٥٦١ ]
شريعة من قبلنا فلا يلزمنا العمل بها.
قوله: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾ قيل: كان تسبيحها أن تسير معه إذا سار.
وقيل: صلواتها معه (^١). وقيل: هو تسبيح مسموع مفهوم كان داود يسمعه؛ لأنه أوتي علم منطق الطير. قوله - ﷿: ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ قيل: اللبوس الدروع. وقيل: آلات الحرب كلها. ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ إذا حاربتم أعداءكم. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ استبطاء لشكرهم، وهو استفهام معناه الأمر. ﴿عاصِفَةً﴾ شديدة. وقيل: أصلها أن الريح العاصفة تحمل التبن وتفرقه في أماكن. والعصف: اسم للتبن، ومنه قوله: ﴿رِيحٌ عاصِفٌ﴾ (^٢) ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ﴾ (^٣) ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (^٤).
﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ ببعث الأنبياء؛ فإن أكثرهم مبعوث من الشام، أو لأن سائر منابع الماء في الأرض أصله من تحت صخرة بيت المقدس. وقيل: بالخصب والبركات.
قوله - ﷿: ﴿وَأَيُّوبَ﴾ كان له مال وولد فهلك جميعهم ونحل جسده، وانقطع عنه من كان يزوره، وسعى الدود في جسده وهو لا يقطع ذكر الله وتسبيحه، فاستشار إبليس ذريته فيما يبتلي به أيوب، فقالوا له: إنما عصى آدم من قبل ما وسوست لزوجته فافعل مثل ذلك بأيوب وكانت امرأة أيوب تتصدّق من الناس وتطعم أيوب، فجاء إبليس (١٢٨ /ب) على صورة عظيمة، فقال لها: لولا أن ربك غضب على أيوب ما ابتلاه بهذا البلاء، اذبحوا على اسمي وأنا أبرئه لك من المرض، فجاءت إلى أيوب وقالت: يا أيوب أين المال وأين الولد وأين لونك؟ اذبح هذه السخلة على اسم أبي مرة. فقال لها: أتاك الشيطان ووجدك قد أصغيت إليه، والله لئن عوفيت لأجلدنك مائة جلدة، وحرام عليّ أن آكل مما تحضريه شيئا، فانقطعت عنه وبقي ملقى على كناسة، فسجد لله وقال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فأصلح الله جسده، وردّ من فقد من أولاده.
وقوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ قيل: هو المرض. وقيل: انقطع عنه الوحي أياما فخشي على
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ٥٤) عن قتادة.
(٢) سورة يونس، الآية (٢٢).
(٣) سورة الرحمن، الآية (١٢).
(٤) سورة الفيل، الآية (٥).
[ ١ / ٥٦٢ ]
نفسه هجران ربه. وقيل: هو الشيطان؛ لقوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ﴾ (^١).
﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤) وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ (٨٦) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ (٨٧)﴾
وأفتى الله أيوب أن يضربها بشيء من الضغث وهو الحشيش البالي، ويكون عدده مائة ضغثا ففعل ذلك، وأحيا الله ذريته على ما وصفنا، أحياهم بأعيانهم، ورزقه مثلهم معهم وقيل: أعاد له أمثالهم ولم يعدهم بأعيانهم.
قوله: ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ قيل: هو نبي وهو اليسع. وقيل: ليس نبيّا، بل كان قد كفل لنبي قيل: إنه اليسع بأن يقوم مقامه فوفى بذلك. وقوله - تعالى: ﴿مُغاضِبًا﴾ أي: للملك، وكان رجلا لا بأس به. وقيل: مغاضبا لقومه. وقيل: لربه. ﴿وَذَا النُّونِ﴾ أي: وصاحب الحوت؛ كقوله: ﴿وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ﴾ (^٢) وسبب مغاضبته لقومه أنه كان من شرعهم أن من كذب قتل، وكان يونس قد وعد قومه بمجيء العذاب بعد ثلاثة أيام، ثم رفع الله عنهم العذاب بدليل قوله: ﴿إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ (^٣) وقيل:
مغاضبته أنه كان في خلقه حرج فتوجه ذاهبا عن قومه من غير استئذان لربه، فكانت تلك معصيته. وقيل: لما حمّل النبوة تفسخ تحتها تفسخ الرّبع (^٤) تحت الحمل الثقيل، وقال:
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ (^٥). وقوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: لن نضيق، وقرأ ابن عباس: ﴿أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ بالتشديد (^٦) ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ ظلمة
_________________
(١) سورة ص، الآية (٤١).
(٢) سورة القلم، الآية (٤٨).
(٣) سورة يونس، الآية (٩٨).
(٤) الرّبع: الفصيل ينتج في الربيع، والفصيل: ولد الناقة أو البقرة بعد فطامه، انظر المعجم الوسيط (مادة: ربع).
(٥) سورة القلم، الآية (٤٨).
(٦) قرأ بها ابن عباس والزهري وعمر بن عبد العزيز، وقرأ يعقوب من العشرة "يقدر"، وقرأ باقي العشرة "نقدر" تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٣٣٥)، تفسير القرطبي (١١/ ٣٣٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ١٠٥)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٣١)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٢٤).
[ ١ / ٥٦٣ ]
الليل والبحر وبطن الحوت. وقيل: إن حوتا ابتلع الحوت الذي فيه يونس، وأجاز الماوردي (^١) أن يراد ظلمة الخطيئة والشدة والوحدة، لكن فيه حمل المشترك على معانيه، وهو لا يجوز (١٢٩ /أ) على المختار ولم يكن ابتلاء يونس عقوبة؛ لأن الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا، بل كان تأديبا، وقد يؤدب من لا عقاب عليه، واستجابة الداعي ثواب من الله للداعي.
﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَزَكَرِيّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠)﴾
قوله - تعالى: ﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ قيل: هو من ظلمة الخطيئة، وقيل: من غمّ بطن الحوت، وروي أن الله - تعالى - أوحى إلى الحوت ألا يكسر له عظما ولا يخدش له جلدا، وأني جعلت حبسه تأديبا، وجعلت بطنك محبسا له، ولم أجعله غذاء لك (^٢).
قيل: أقام في بطنه أربعين يوما (^٣). وقيل: ثلاثة أيام. وقيل: من ارتفاع النهار إلى آخره (^٤). وقيل: أربع ساعات (^٥). قوله - تعالى: ﴿وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ قيل: كانت عاقرا فصارت ولودا. وقيل: كانت سيئة الخلق فحسّن الله خلقها له. ﴿يُسارِعُونَ﴾ يبادرون ﴿رَغَبًا﴾ في ثوابنا ﴿وَرَهَبًا﴾ من عقابنا. وقيل: ﴿رَغَبًا﴾ ببطون الأكف، و﴿وَرَهَبًا﴾ بظهورها، ويحتمل: رغبة في الخير واستدفاعا للشر، قاله الماورديّ (^٦).
﴿خاشِعِينَ﴾ متواضعين. وقيل: هو وضع اليمين على الشمال والنظر إلى موضع
_________________
(١) ينظر: النكت والعيون للماوردي (٣/ ٥٩).
(٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون (٣/ ٥٨).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٢٣/ ١٠١) ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ١٢٧) لابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن السدي عن أبي مالك.
(٤) رواه ابن أبي حاتم في تفسير (١٠/ ٣٢٢٩)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ١٢٧) لعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن الشعبي قال: "التقمه الحوت ضحى ولفظه عشية ما بات في بطنه".
(٥) ذكر بقية الأقوال الماوردي في النكت والعيون للماوردي (٣/ ٥٨ - ٥٩).
(٦) ينظر: النكت والعيون للماوردي (٣/ ٥٩).
[ ١ / ٥٦٤ ]
السجود في الصلاة.
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١) إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤) وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾
﴿أَحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ بالعفاف، فامتنعت عن الفاحشة. وقيل: منعت جيب درعها من جبريل قبل أن تعلم أنه رسول الله - ﷿.
قوله - ﷿: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا﴾ أضاف الروح إليه تشريفا. قيل: نفخ جبريل في جيب درعها فحملت لوقتها.
قوله - ﷿: ﴿وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ لأنها حملت من غير مسّ ذكر، وتكلم في المهد بالوحدانية، وبراءة والدته عن الفاحشة، فجعل مجموع ذلك آية، ولو قال:
آيات. لجاز. قيل: ﴿أُمَّتُكُمْ﴾ دينكم، ومعناه: أنكم كلكم أمة واحدة فلا تكونوا إلا على دين واحد. قوله - ﷿: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ اختلفوا في أديانهم.
قوله - ﷿: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ قيل: معناه: وحرام على قرية وجدناها هالكة بالذنوب أنهم لا يرجعون إلى التوبة. وقيل: لا يرجعون إلى الدنيا.
﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ أي: فتح سدّهم. وعن أم سلمة: «استيقظ رسول الله ﷺ من نوم محمرة عيناه، فقال: لا إله إلا الله (١٢٩ /ب) ثلاثا، ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه الإبهام والتي تليها» (^١). يأجوج ومأجوج من أولاد نوح، واسمهما مشتق من: أجّة النار: صوتها إذا اشتعلت. وقيل: من الماء الأجاج.
وهما بعيدان؛ لأن يأجوج ومأجوج غير مصروفين، وهما أعجميان، فكيف يشتق العجم من لغة العرب؟ وكذلك قال من اشتق إبليس من الإبلاس ونوحا من النياحة وقابيل وهابيل وغيرهما من الأسماء الأعجمية.
وقيل: إنهم يزيدون على من سواهم بالضّعف. الحدب: ما ارتفع من الأرض.
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٣٤٦)، ومسلم رقم (٢٨٨٠) عن أم سلمة - ﵂.
[ ١ / ٥٦٥ ]
وقيل: الحدب الفجاج والطرف وهو مأخوذ من حدب الظهر. ﴿يَنْسِلُونَ﴾ يسرعون، والنسلان: ضرب من السّير، وفي الذين ينسلون وجهان:
أحدهما: يأجوج ومأجوج يخرجون إذا فتح ردمهم.
والثاني: أنهم الناس يحشرون إلى الموقف.
﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنّا ظالِمِينَ (٩٧) إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾
قيل: الواو في ﴿وَاقْتَرَبَ﴾ زائدة؛ لأنها جواب الشرط ولا مدخل للواو فيه (^١).
﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قيل: وقودها. وقيل: حطبها، وقرأ ابن مسعود (حضب جهنّم) بالضاد المعجمة الساقطة (^٢) يقال: حضبت النار، إذا ألقيت فيها ما يشعلها بعد همودها ﴿سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ قيل: الطاعة لله - تعالى - وقيل: السعادة من الله - تعالى.
وقيل: الجنة. وقيل: قبول التوبة وهو احتمال للماوردي (^٣). ﴿مُبْعَدُونَ﴾ أي: عن جهنم
_________________
(١) ذهب الكوفيون إلى أن الواو العاطفة يجوز أن تقع زائدة وإليه ذهب أبو الحسن الأخفش وأبو العباس المبرد وأبو القاسم بن برهان من البصريين، وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز. ينظر تفصيل المسألة في: الإنصاف في مسائل الخلاف لابن الأنباري (١/ ٤٠٧)، المسألة (٦٤)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٩٣)، المغني لابن هشام (١/ ٥٨١).
(٢) قرأ بها ابن عباس. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٣٤٠)، تفسير القرطبي (١١/ ٣٤٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ١١٣)، فتح القدير للشوكاني (٣/ ٤٢٨)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٣٦)، المحتسب لابن جني (٢/ ٦٦)، النكت والعيون للماوردي (٣/ ٦٢). قال الفراء: ذكر لنا أن الحضب في لغة أهل اليمن: الحطب، ووجه إلقاء الأصنام في النار مع كونها جمادات لا تعقل ذلك ولا تحس به: التبكيت لمن عبدها وزيادة التوبيخ لهم وتضاعف الحسرة عليهم.
(٣) ينظر: النكت والعيون للماوردي (٣/ ٦٢).
[ ١ / ٥٦٦ ]
قيل: هم عيسى والعزير والملائكة الذين عبدوا من دون الله كارهين (^١).
وقيل: هم عثمان وطلحة والزبير، رواه النعمان بن بشير عن علي بن أبي طالب (^٢).
وقيل: هي عامة في كل من سبقت له من الله - تعالى - الحسنى (^٣).
قيل: لما نزل قوله - تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قال المشركون: فقد عبدت الملائكة وعيسى والعزير فلآلهتنا بهم أسوة، فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ (^٤). ﴿الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ ذبح الموت. وقيل: النفخة الأخيرة.
وقيل: إطباق جهنم على من فيها.
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١) قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١١٢)﴾
﴿السِّجِلِّ﴾ الصحيفة تطوى على ما فيها من الكتابة، قيل: ملك يكتب أعمال العباد.
وقيل: هو رجل إنسي كان يكتب لرسول الله ﷺ. ﴿الزَّبُورِ﴾ الكتب التي أنزلها الله - تعالى - على جميع الأنبياء و﴿الذِّكْرِ﴾ (١٣٠ /أ) التوراة وقيل: ﴿الزَّبُورِ﴾ زبور داود و﴿الذِّكْرِ﴾ توراة موسى.
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ٩٦) عن مجاهد وأبي صالح.
(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٦٨١) ونسبه لابن أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه عن النعمان ابن بشير ﵁.
(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ٩٦).
(٤) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ٩٧)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٦٧٩) للفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبي داود في ناسخه والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس - ﵄.
[ ١ / ٥٦٧ ]
قوله - ﷿: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ أرض الجنة (^١). وقيل: هي الأرض المقدسة (^٢). وقيل: هي أرض الدنيا ترثها أمة نبينا ﷺ (^٣).
﴿إِنَّ فِي هذا﴾ أي: القرآن. وقيل: التوراة ﴿لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ يثبطهم عن المعاصي ويرغبهم في الطاعة. عابدون: مطيعون. وقيل: عالمون. ﴿رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ هي الهداية والتوفيق. وقيل: هي ما رفع عن هذه الأمة من عذاب الاستئصال.
فإن قيل: من المراد بالرحمة؟ قلنا: إن كان المراد بالهداية الرحمة فالمراد الخصوص، وهم المؤمنون. وإن كان المراد ما رفع عنهم من عذاب الاستئصال فهو باق على عمومه. قوله - تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: عن الرسول، أو عن القرآن. قوله - تعالى: ﴿عَلى سَواءٍ﴾ أي:
على استواء في الإعلام به، والهاء في ﴿لَعَلَّهُ﴾ تشير إلى تأخير العذاب. ﴿فِتْنَةٌ﴾ أي:
هلاك. وقيل: امتحان. ﴿وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ قيل: المراد إلى القيامة. وقيل: إلى الموت. وقيل: إلى أن يحكم الله فيهم بما يشاء.
قوله - ﷿: ﴿قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ (^٤) أي: عجّل الحكم بالحق. وقيل: افصل بيننا وبين المشركين بما تظهر به الحق للجميع.
﴿عَلى ما تَصِفُونَ﴾ قيل: على ما تكذبون. وقيل: على ما تكتمون.
***
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٠٤) عن ابن عباس وغيره.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٠٥).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٠٥).
(٤) قرأ حفص عن عاصم (قال) بالماضي، وقرأ عامة القراء (قل) بالأمر. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٣٤٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ١١٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٣١ - ٤٣٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٤٠).
[ ١ / ٥٦٨ ]