﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (٣) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦) وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠)﴾
قوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ يدل على أن الظلمات مخلوقة، خلافا لمن زعم أن الظلمة عدم النور؛ فإن الظلمة لا تفتقر إلى سبب سوى منع أسباب النور (^١).
﴿ثُمَّ قَضى أَجَلًا﴾ مدة العمر. ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ مدة بقاء الدنيا. ﴿تَمْتَرُونَ﴾ تشكون قيل: ﴿فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ متعلقة ب «يعلم» أي: ليعلم سركم وجهركم في السماوات والأرض. وقيل: قوله: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ﴾ أي: أمره وسلطانه، كقوله:
﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ﴾ (^٢).
_________________
(١) ينظر: التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (١/ ٤٩٢).
(٢) سورة الملك، الآية (١٦) وعقيدة السلف الصالح من أصحاب النبي ومن تبعهم بإحسان من الأئمة الأربعة وغيرهم في مثل هذه الآية هي: إمرار الصفات الذاتية التي وصف الله - تعالى - بها نفسه أو وصفه بها نبيه ﷺ في أحاديثه الثابتة الصحيحة - من غير تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تكييف، وفي إطار قوله - تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، وقد دل على صفة الفوقية لله - تعالى - وأنه تعالى فوق السماء السابعة على عرشه وهو بائن من خلقه وقدرته وعلمه في كل مكان - العديد من الآيات القرآنية الكريمة منها هذه الآية، كما ثبت في السنة الصحيحة ذلك ومنه ما رواه مسلم في صحيحه -
[ ١ / ٢٤٣ ]
﴿مِنْ آيَةٍ﴾ «من» زائدة ﴿مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ﴾ «من» للتبعيض. ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ آثار من ﴿أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قوله: ﴿فَلَمَسُوهُ﴾ اجتمع لهم رؤية نزول الكتاب ولمسه باليد ومثله:
﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ (^١) ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ لأن نزول الملك آية خارقة، فإذا لم يؤمنوا بها عذبوا، ولم يؤخروا. ولو جعلنا الرسول ملكا، فإما أن يبقى على صورته، فلا يستطيعون النظر إليه. ولما رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته التي خلق عليها سقط مغشيّا عليه (^٢)، فما ظنك بغيره، ولو حولناه إلى صورة البشر لم يعلموا كونه ملكا، فملبس عليهم.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١) قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ (١٩)﴾
أمروا بالسير ليروا آثار المهلكين ﴿قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فإن لم يجيبوك فقل أنت: لله. وإذا كان الجواب مجيبا معلوما فسواء قال المدعي أو السامع. ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ﴾
_________________
(١) = رقم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي وفيه: «وكانت لي جارية ترعى غنما لي قبل أحد والجوانية فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون لكني صككتها صكة فأتيت رسول الله ﷺ فعظم ذلك علي قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها. قال: «ائتني بها» فأتيته بها فقال لها: «أين الله؟» قالت: في السماء. قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». ينظر: اعتقاد أهل السنة للبيهقي (ص: ٤٠١).
(٢) الحجر، الآية (١٤).
(٣) رأى النبي ﷺ جبريل ﵇ على صورته مرتين وقد ثبت ذلك في صحيح البخاري رقم (٣٠٦٣)، وصحيح مسلم رقم (١٧٤).
[ ١ / ٢٤٤ ]
﴿الْقَيِّمَةِ﴾ أي: ليجمعنكم في البرزخ جيلا بعد جيل إلى أن ينفخ في الصور. وقيل: ﴿إِلى﴾ بمعنى في. ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ نصب على الذم، أو رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: أنتم الذين. ﴿وَلَهُ ما سَكَنَ﴾ من السكنى. ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ﴾ (^١).
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لكل مسموع ﴿الْعَلِيمُ﴾ بكل مسموع. وقوله ﴿أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ﴾ فصل بها بين الموصوف الذي هو اسم الله، والصفة التي هى فاطر. وقرئ ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ (^٢) والضمير يعود إلى غير الله. زعم الرمانى (^٣) أن قوله: ﴿إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ جملة معترضة بمعنى الحال، ولا جواب ل «إن» وهذا خلاف المشهور (^٤) ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ المستعلي عليهم علوا معنويا. ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ﴾ يدل على أن الله - تعالى - يسمى شيئا ومنهم من منع ذلك؛ لأن الله - تعالى - له الأسماء الحسنى، ولفظ الشيء لا مدح فيه. قوله: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ كل من سمع القرآن، فهو مخاطب به من جهة الله - تعالى.
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾
_________________
(١) سورة إبراهيم، الآية (٤٥).
(٢) القراءة المشهورة وهي قراءة العامة من القراء: «وهو يطعم ولا يطعم» والضمير لله - تعالى - والمعنى: وهو يرزق ولا يرزق. وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد والأعمش وتروى عن أبي عمرو بن العلاء «ولا يطعم» بمعنى: ولا يأكل، والضمير لله - تعالى - أيضا. وقرأ ابن أبي عبلة ويمان العماني وتروى عن يعقوب «وهو يطعم ولا يطعم» والضمير عائد على غير الله كما ذكر هنا. وهناك قراءات أخرى تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨٦، ٤/ ٨٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٢١)، فتح القدير للشوكاني (٢/ ١٠٤)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٩)، مختصر الشواذ لابن خالويه (ص: ٣٦).
(٣) هو علي بن عيسى بن علي بن عبد الله النحوي، أبو الحسن الرماني، إمام في اللغة والنحو، صنف كتبا كثيرة منها شرح كتاب سيبويه في سبعين مجلدا وكتاب الحدود ومعاني الحروف وشرح أصول ابن السراج، مات سنة ٣٨٤ هـ. تنظر ترجمته في: بغية الوعاة للسيوطي (٢/ ١٧٠)، البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة للفيروزبادي (ص: ١٥٤) رقم (٢٤٠)، معجم الأدباء لياقوت الحموي (١٤/ ٧٣).
(٤) والمشهور في إعراب إن عصيت أنها شرط حذف جوابه؛ لدلالة ما قبله عليه، ولذلك جيء بفعل الشرط ماضيا، وهذه الجملة الشرطية فيها وجهان: أحدهما: أنها معترضة بين الفعل أخاف وبين مفعوله عذاب والثاني: أنها في محل نصب على الحال. قال أبو حيان: كأنه قيل: إني أخاف عاصيا ربي. وفيه نظر؛ إذ المعنى يأباه. ينظر: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٨٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٢٢).
[ ١ / ٢٤٥ ]
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ (٢١) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ (٢٣) اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٢٦) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٢٨) وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ أي: لا أحد في المفترين أظلم ممن افترى على الله كذبا، كما أنه ليس في المانعين أظلم ممن منع مساجد الله. الهاء في ﴿إِنَّهُ﴾ ضمير الشأن. ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا﴾ أو لم تكن فتنتهم إلا قولهم، ضمن ﴿يَسْتَمِعُ﴾ معنى يصغي، فعداه ب إلى والأكنة: جمع كنان، كراهة أن يفقهوه.
﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ما سطره الأولون، والأساطير: جمع أسطورة، كالأحاديث والأعاجيب جمع أحدوثة وأعجوبة. وكان أبو طالب عم النبي ﷺ يمنع النبي ويذب عنه، ويأبى أن يوافقه في الدين، فنزلت ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ (^١).
من قرأ ﴿وَلا نُكَذِّبَ﴾ بالرفع فقد التزموا عدم التكذيب مطلقا، ومن قرأ ﴿وَلا نُكَذِّبَ﴾ (^٢) جعله شرطا والتقدير: إن رددتنا لم نكذب قال سيبويه (^٣): إذا قال اللص:
أطلقني ولا أعود بالنصب، كان تقديره: إن أطلقتني لم أعد. ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا﴾ تمثل بحال
_________________
(١) رواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣١٥)، والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ١٣٣)، وابن جرير الطبري في التفسير (٧/ ١١٠).
(٢) قرأ حفص وحمزة ويعقوب «ولا نكذب» - ونكون «وقرأ ابن عامر» ولا نكذب ونكون «وقرأ باقي العشرة» ولا نكذب - ونكون. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ١٠٢)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٣٧)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٢٤٥)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٥٥)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٥٧).
(٣) ينظر: الكتاب لسيبويه (٣/ ٢٢).
[ ١ / ٢٤٦ ]
الجاني إذا وقف بين يدي رب الأمر وهو ذليل منكّس الرأس. وقيل: هو من مجاز الإضمار، تقديره: إذ وقفوا على جزاء ربهم، والهمزة في (أليس) للإنكار.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ حَتّى إِذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٧) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (٤١)﴾
﴿فَرَّطْنا فِيها﴾ أي: في العمل لها. قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ فإنهم كانوا يسمونه محمدا الأمين. وقال أبو طالب [من الكامل]:
ولقد علمت بأنّ دين محمد من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبّة لوجدتني سمحا بذاك مبينا (^١)
فعرف الحق وامتنع من قبوله، ومثله: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ﴾ (^٢).
﴿وَلكِنَّ الظّالِمِينَ﴾ وضع الظاهر موضوع المضمر، والتقدير: ولكنهم. ﴿وَأُوذُوا﴾ معطوف على ﴿كُذِّبُوا﴾ وليس معطوفا على قوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ﴾. وقوله: ﴿وَلَقَدْ جاءَكَ﴾
_________________
(١) تنظر الأبيات في: روح المعاني للألوسي (٧/ ١٢٧)، الكشاف للزمخشري (٢/ ١٤)، لسان العرب (كفر)، النكت والعيون للماوردي (١/ ٥١٧).
(٢) سورة النمل، الآية (١٤).
[ ١ / ٢٤٧ ]
﴿مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: نبأ من نبأ المرسلين. وقيل: «من» للتبعيض، والتقدير: جاءك بعض نبأ المرسلين. ﴿وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾. سببا تصل به إلي إقبالهم عليك فأت به ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى﴾ فلا يخف عليك ذلك فإنك متي كنت مستحضرا لذلك خف عليك الحزن. ﴿إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ أيأسه بذلك وعلله بأنهم لا يسمعون، ثم أضاف إلى ذلك عدم الحياة بقوله: ﴿وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ﴾ ثم إلى دار جزائه يحشرون. ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ اقترحها. قل: إنما اختيار الآيات إلى الله، وهو القادر على الإتيان بها، وليس ذلك إلى اختياري ولا اختياركم. وقيل: هو القادر على إنزال ما تقترحونه. وقوله: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ تصوير لهيئة طيرانه التي أقدره الله عليها، كأنك تشاهده وهو يطير. كقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ (^١) ﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: في القرآن من شيء يحتاج إليه العباد في أمر معاشهم وسعادتهم.
وقيل: أراد بالكتاب اللوح المحفوظ، وقد كتب فيه كل ما هو كائن إلى يوم القيامة استعار الصّمم والبكم والسير في الظلمات للكفار؛ لأنه لم ينتفع بسمعه ولا بنطقه، ولا بالنور الذي أنزل على رسوله. ﴿مَنْ يَشَأِ اللهُ﴾ إضلاله ﴿يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يجعله كذلك. الكاف والميم في أرءيتكم ليست باسم ولا مفعول، وإنما هي موضوعة للخطاب؛ كقوله: ﴿أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ (^٢) وقوله: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ (^٣) و﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾ (^٤) ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أن له شريكا في الإلهية، بل تخصونه بالعبادة فيفعل ما يشاء من إجابتكم أو رد دعائكم، ﴿ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (^٥).
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٥)﴾ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ﴾
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٧٩).
(٢) سورة الإسراء، الآية (٦٢).
(٣) سورة يوسف، الآية (٢٣).
(٤) سورة الأنبياء، الآية (٦٧).
(٥) سورة النحل، الآية (٥٤).
[ ١ / ٢٤٨ ]
﴿وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظّالِمُونَ (٤٧) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨)﴾
ثم سلّى رسوله وهدد الكفار ووعد المسلمين النصرة عليهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وذكر أنه ابتلاهم بالشدة ليتضرعوا، وابتلاهم بالنعمة ليشكروا فخالفوا المطلوب في الحالين، وقال: ﴿فَلَوْلا﴾ فهلا ﴿إِذْ جاءَهُمْ﴾ أي: وقت مجيء الناس ﴿تَضَرَّعُوا﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ ما ذكروا به من الشدة وإزالتها ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ﴾ النعمة والرخاء والسعة وكل شيء يحتاجون إليه ﴿حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً﴾ ففاجأهم بالإبلاس، وأراد بالفرح البطر، وإلا فما تخلو نفس من السرور بما عود به الله من الخير.
والدّابر: الآخر. ولما كان إهلاك الدابر إنما يتأتى بعد قطع ما دونه، جعل قطع الدابر كناية عن إهلاك الجميع، وعن ابن عطية (^١): الدابر من الطائر الصائد، كالإبهام في يد الإنسان، فإذا قبض الطائر بمخالبه شيئا أخذه بإبهامه، كالمطبق عليه كما يطبق الكف بالإبهام، وإذا قطع دابر الصائد من الطائر لم يقدر على الاصطياد، فجعل قطع الدابر كناية عن إثخانهم بالجراح، وعجزهم عن القتال بسببها، وقد حمد الله نفسه على إهلاك الظلمة.
﴿يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ أي: بذلك، والقياس بها. صدف عن الأمر: أعرض. ﴿بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ بكونهم يصدفون ﴿بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً﴾ مصدران في موضع الحال. ﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ وإنما عليهم البلاغ، احتج بعضهم على أن الملك أفضل من البشر بهذه الآية. أي: لا أدعي ما لم أعط فلا ﴿أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ وقد سبق جوابه في أواخر سورة النساء (^٢)، فكما لا يستوي الأعمى والبصير لا
_________________
(١) ينظر: المحرر الوجيز لابن عطية (٦/ ٥٢) وهو أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية الأندلسي، عالم مفسر فقيه عارف بالأحكام والحديث واللغة والنحو والأدب. توفي سنة ٥٤١ وقيل ٥٤٦ هـ. ومن أشهر مصنفاته: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز. تنظر ترجمته في: بغية الوعاة للسيوطي (ص: ٢٩٥)، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للمقري (٩/ ٣٠٧).
(٢) عند تفسير الآية (١٧٢) قوله - تعالى: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ.
[ ١ / ٢٤٩ ]
يستوي المسلم والكافر. ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩) قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ (٥٢) وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ (٥٣) وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧)﴾
وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ حال من ضمير «يحشرون».
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ متعلق ب «أنذر» وكان الفقراء من المؤمنين أكثر مجالسة للنبي ﷺ من الأغنياء، فقال الأغنياء: لو أفردت لنا مجلسا نسألك عما في أنفسنا ولا يكون للفقراء في مجلسنا نصيب، فنزلت ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾ (^١) ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي ذاته (^٢). ﴿ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ فتطردهم. وقوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ متعلق بقوله: ﴿وَلا تَطْرُدِ﴾.
_________________
(١) رواه مسلم رقم (٢٤١٣)، وابن ماجه في سننه رقم (٤١٢٨)، وابن جرير في تفسيره (٧/ ١٢٨)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ٢٢٠، ٢١٩) رقم (٤٣١ - ٤٣٤).
(٢) هذه من آيات الصفات التي يذهب المصنف - ﵀ - إلى تأويلها وصرفها عن ظاهرها، ولعله - يرحمه الله - يريد التنزيه وعدم التشبيه، وقد سبق غير مرة أن نبهنا إلى مذهب السلف الصالح من أهل السنة والجماعة في مثل هذه الآيات التي تخبر عن صفات الله - تعالى - وهو الإثبات لكل ما أخبر الله - تعالى - عن نفسه، وما صح من حديث النبي ﷺ في ذلك من غير تشبيه ولا تمثيل ومن غير تكييف ولا تعطيل.
[ ١ / ٢٥٠ ]
﴿فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ ابتلى الغني بالفقير؛ لينظر كيف صبر هذا وشكر هذا، وقوله:
﴿لِيَقُولُوا﴾ أي: ليقول الأغنياء عن الفقراء: ﴿أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا﴾ فرد الله عليهم: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ الهاء في ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ﴾ ضمير الشأن.
﴿بِجَهالَةٍ﴾ أي: بإقدام وقلة نظر في العاقبة.
وقوله: ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ليس جوابا للشرط والتقدير: من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده فإن الله غفور رحيم. ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ﴾ السبيل هي الفاعلة، والسبيل كالطريق تذكر وتؤنث، وقرئ ﴿سَبِيلُ﴾ بالنصب (^١). والتقدير: ولتستبين يا محمد سبيل المجرمين وهي مفعولة. ﴿يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ وقرئ ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ (^٢) أي: يخبر الخبر الحق.
﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظّالِمِينَ (٥٨) وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٥٩) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (٦٢)﴾
﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ﴾ استعارة، أي: يطلع على الغيوب كما يطلع من بيده المفاتح على ما حوته مفاتحه. عبر بقوله: ﴿فِي كِتابٍ﴾ عن قوله: ﴿إِلاّ يَعْلَمُها﴾ ولا يجوز أن يتعلق ﴿فِي كِتابٍ﴾ ب تسقط فإنه يصير التقدير: لا يسقط شيء من ذلك إلا في الكتاب، وليس ذلك
_________________
(١) قرأ نافع وأبو جعفر «ولتستبين سبيلَ»، وقرأ شعبة وحمزة والكسائي وخلف «وليستبين سبيلُ»، وقرأ باقي العشرة «وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ١٤١)، حجة أبي زرعة (ص: ٥٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٧٦)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٥٨) الكشاف للزمخشري (٢/ ١٧)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٥٨).
(٢) قرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو جعفر «يقصّ الحقّ»، وقرأ باقي العشرة «يقض الحقّ». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ١٤٣)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٤٠)، حجة أبي زرعة (ص: ٢٥٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٧٧٣)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٥٩)، الكشاف للزمخشري (٢/ ١٨)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٥٨).
[ ١ / ٢٥١ ]
مرادا ﴿جَرَحْتُمْ﴾ أي: كسبتم بالنهار ومنه ﴿اِجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] وجوارح الصيد: كواسبه ﴿لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ وهو أجل الحياة ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ﴾ المستعلي على عباده علوّا معنويّا (^١). ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ يكتبون أعمالكم. قال هاهنا: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ وفي أخرى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ (^٢) وفي أخرى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ (^٣) فالأعوان يعالجون الروح حتى تصل إلى الشراسيف (^٤) فيتجلّى لها ملك الموت فتخرج، والله هو الذي سبب ذلك، فنسب ذلك إليه؛ لأنه المسبب، وإلى الأعوان؛ لأنهم المعالجون، وإلى ملك الموت؛ لأنه المباشر فإذا قبضت الروح من الرجل الصالح صعد بها إلى السماء فتفتح لها أبوابها. وأما روح الكافر فتغلق دونها أبواب السماء، وتلقى إلى حيث جاءت منه.
﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ احتج به من زعم أن إخفاء الأذكار أفضل من إظهارها. وقد قال في حق زكريا: ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾.
﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٦٨) وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ ﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا﴾
_________________
(١) يسير المصنف - ﵀ - على ما عليه معتقده في صفات الله - تعالى - التي يرى أن إثباتها يوهم تشبيها لصفاته - تعالى - بصفات المخلوقين، وفي هذه الآية يؤول صفة العلو لله - تعالى - وقد مضى الكلام على ذلك غير مرة، وبيان عقيدة السلف من أهل السنة والجماعة في ذلك.
(٢) سورة السجدة، الآية (١١).
(٣) سورة الزمر، الآية (٤٢).
(٤) الشرسوف: واحد الشراسيف وهي أطراف الأضلاع المشرفة على البطن. وقيل: هو غضروف معلق بكل بطن ينظر: النهاية في غريب الأثر لابن الأثير (٢/ ٤٥٩)، لسان العرب (شرسف).
[ ١ / ٢٥٢ ]
﴿يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾
روي أنه لما نزل ﴿عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال النبي ﷺ: «أعوذ بوجهك» ولما نزل ﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: «أعوذ بوجهك» ولما قال: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ أي: فرقا ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ بالحرب، قال: النبي ﷺ: «هذه أهون» (^١) ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ أي: يفهمون.
﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ استقرارا، أو: موضع قرار، أو: زمن قرار. ﴿حَتّى يَخُوضُوا﴾ لأن يخوضوا، «ما» في ﴿وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ﴾ زائدة. الضمير في ﴿مِنْ حِسابِهِمْ﴾ للذين يخوضون. لكن ذكرناهم ذكرى.
﴿اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ قيل: أعيادهم ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ تؤخذ نظير كسبها، وإن تفد كل فدية لا يقبل منها.
والعدل: الفدية وما يعادل به المفدي. الحميم: الماء الحار. ﴿ما لا يَنْفَعُنا﴾ إن عبدناه.
﴿وَلا يَضُرُّنا﴾ إن تركناه. ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ﴾ كالذي تاه عن الطريق، وأصحابه الذين على الطريق ينادونه: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنا﴾ [الأحزاب: ١٨] الطريق معنا، والجن ينادونه:
إلينا، فإن الطريق معنا. ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ﴾ أي: أن نسلم. ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ مبتدأ وخبر، ولا يكون ﴿قَوْلُهُ﴾ اسم كان؛ إذ كان يجب نصب الحق، وكان يلزم حدوث قوله ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ دائما، وإنما خص يوم النفخ في الصور بالملك؛ لأنه انقطعت فيه دعاوى المدعين؛ كقوله: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ (^٢) مع أن الأمر له دائما. ﴿آزَرَ﴾ اسم أبي إبراهيم.
ومثل ما أرينا إبراهيم الحق وبطلان عبادة الأصنام نريه ﴿مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٧٣١٣، ٤٦٢٨)، والترمذي رقم (٣٠٦٥) عن جابر بن عبد الله - ﵄.
(٢) سورة الانفطار، الآية (١٩).
[ ١ / ٢٥٣ ]
ليستبصر ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ أو: وفعلنا ذلك؛ ليكون. أو: ليكون من الموقنين فعلنا ذلك.
﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ (٧٧) فَلَمّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحًا هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾
جن الليل أي: ستر بظلامه، ومنه سمي الجن؛ لاستتارهم. والجنة: البستان؛ لستره بالأوراق والتفاف الأغصان.
﴿فَلَمّا أَفَلَ﴾ أي: غاب. ابتدأ بألطف العبارة بقوله: ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا﴾ طالعا من المشرق، ثم شدد الأمر يسيرا فقال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ﴾ فلما أفلت الشمس أغلظ لهم القول وتبرأ من قومه. ﴿وَجْهِيَ﴾ أي: عملي وقصدي.
﴿فَطَرَ السَّماواتِ﴾ أنشأها على غير مثال سبق ﴿حَنِيفًا﴾ مائلا إلى الحق. وجادله قومه بالباطل فرد عليهم بقوله: ﴿أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ﴾ وفي ﴿(أَتُحاجُّونِّي)﴾ ثماني كلمات. الهمزة للإنكار، والتاء حرف مضارعة، وحج أي: أقام الحجة وغلب، وألف حاج للمفاعلة بين اثنين، والواو ضمير الفاعل، والنون الأولى المدغمة في النون الثانية علامة رفع، والنون الثانية نون الوقاية، والياء: ضمير المفعول.
[ ١ / ٢٥٤ ]
﴿فِي اللهِ﴾ أي: في دين الله وفي توحيده، وكان قومه قد هددوه بأن آلهتهم تهلكه فقال:
﴿وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾. وقوله: ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ تمييز محول، أي:
وسع علمه كل شيء. ﴿وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ﴾ أنتم من أنكم أشركتم بالله ما لم تتم به حجة ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ أنا أو أنتم، ثم بين الأحق بالأمن بقوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ الآية. وهذه المحاجة ﴿حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾. وقرئ ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ (^١) على أنه ظرف مكان أو أنه المصدر، كقوله ضربته سوطا.
قال الفقهاء: لو أوصى لبنيه أو لأولاده لم يدخل أولاد البنات، ولو أوصى لذريته دخل أولاد البنات؛ لقوله - تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ إلى قوله ﴿وَعِيسى﴾ (^٢).
﴿ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (٨٩) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (٩٠) وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وَهُدىً لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩٢)﴾
﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا﴾ لحبطت أعمالهم؛ كقوله: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا﴾ (^٣) وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ﴾ (^٤) وذلك بشرط الموت
_________________
(١) قرأ عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف «نرفع درجات من نشاء» بالتنوين، وقرأ باقي العشرة «نرفع درجات من نشاء» بالإضافة. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ١٧٢)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٤٤)، حجة أبي زرعة (ص: ٢٥٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ١١٤)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٦١)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٢٥)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٦٠).
(٢) ينظر: بدائع الصنائع للكاساني (٦/ ٤٣٩)، مغني المحتاج للشربيني (٢/ ٣٨٦).
(٣) سورة الفرقان، الآية (٢٣).
(٤) سورة إبراهيم، الآية (١٨).
[ ١ / ٢٥٥ ]
على الكفر؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ﴾ (^١) ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ﴾ فإن الله غني عنهم، فقد وكل ﴿بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ كقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ (^٢) قال العلماء: لم يكن النبي ﷺ متعبدا بشريعة أحد من الأنبياء قبل النبوة ولا بعدها؛ لأنه لو كان كذلك لاجتمع بعلماء تلك الشريعة وسألهم عن أوضاعها، وهذا هو الأصح. وقيل: تعبد بشريعة الجميع؛ لقوله بعد عدد من الأنبياء هنا: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ وقيل: تعبد بشريعة إبراهيم؛ لقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ (^٣) وقيل: بشريعة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى لقوله - تعالى:
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا﴾ (^٤) الآية. الهاء في ﴿اِقْتَدِهْ﴾ للسكت؛ كقوله:
﴿وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ﴾ (^٥) ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ (^٦) هي بهذا الموضع أحق؛ لأنها كالعوض من حرف العلة المحذوف.
﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على التبليغ، ويدل عليه السياق. ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ﴾ مفرقة حتى تكون بصدد الضياع.
وقوله: ﴿قُلِ اللهُ﴾ احتج به قوم على ما يعتمدونه من ذكر الله غير موصوف بصفة من صفاته، فيقولون: الله، الله، الله، ولا حجة فيه؛ لأن قوله: ﴿قُلِ اللهُ﴾ جواب لقوله:
﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ﴾ فإن لم يجيبوك فقل أنت: الله، فإعراب اسم الله في قوله: ﴿اللهَ﴾ مبتدأ، التقدير: الله أنزله. يرد على من قال من المتأخرين: إن النكرة إذا وصفت بجمل ومفردات تعينت البداية بالمفردات فتقول: مررت برجل فاضل يكتب، ولا تقول: برجل يكتب فاضل. وقد جاء القرآن بخلافه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ﴾ (^٧) وقال هاهنا:
﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ الذي مضى قبله من التوراة والإنجيل
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٢١٧).
(٢) سورة فصلت، الآية (٣٨).
(٣) سورة النحل، الآية (١٢٣).
(٤) سورة الشورى، الآية (١٣).
(٥) سورة القارعة، الآية (١٠).
(٦) سورة الحاقة، الآية (٢٩).
(٧) سورة المائدة، الآية (٥٤).
[ ١ / ٢٥٦ ]
وسائر الكتب المنزلة؛ لتقرأه ولتنذر به، أو لتنذر فعلنا ذلك، أو: فعلنا ذلك لتنذر به ﴿أُمَّ الْقُرى﴾ مكة. ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ جميع العالم.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤) إِنَّ اللهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾
﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ﴾ هذه الآية بجملتها دالة على كيفية تقاضي الملائكة إخراج روح الكفار بالعنف والغلظة، كما يقول صاحب الدين الألد لغريمه: أدّ حقي إليّ وإلا نزعته من أحداقك.
﴿وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ﴾ فيه منتقلا عنكم، فهو كالمخلف قبل الظّهر. والبين: الوصل، كقوله: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ (^١) أي: وجعلنا تواصلهم في الدنيا مهلكا. فالمعنى هاهنا:
لقد تقطعت أسباب وصلكم. ومن قرأ «بينكم» بالنصب (^٢)، فقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ﴾ معطوف على تقطّع والفاعل ﴿ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ وقد تنازعه ﴿تَقَطَّعَ﴾ ﴿وَضَلَّ﴾. وإن قيل: لم قال ﴿وَمُخْرِجُ﴾ ولم يقل: (ويخرج)؟ قلت: لأن قوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ تفسير ل ﴿فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى﴾ أي: إن الله فالق الحب والنوى بإخراج الحي من الميت.
وأما قوله: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ فهو معطوف على قوله: ﴿فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى﴾ وهو عطف اسم فاعل على اسم فاعل، وهو أنسب (^٣).
_________________
(١) سورة الكهف، الآية (٥٢).
(٢) قرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وخلف ويعقوب «بينكم»، وقرأ باقي العشرة «بينكم». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ١٨٢)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٤٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ١٢٦)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٦٣)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٢٨)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٦٠).
(٣) هذه مسألة خلافية حيث أجاز بعض النحاة عطف الاسم على الفعل إذا اتحد المعطوف والمعطوف عليه -
[ ١ / ٢٥٧ ]
﴿تُؤْفَكُونَ﴾ يقلبون عن الحق إلى الباطل.
﴿فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩) وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣) قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) اِتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧) وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ ذوي حسبان. ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ في أرحام النساء ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ في أصلاب الرجال والمستودع: أرحام الأمهات.
_________________
(١) = بالتأويل بأن كان الاسم يشبه الفعل، وهو رأي ابن مالك، واختاره السيوطي في الهمع وقال: يجوز في الأصح. ومنع المازني والمبرد والزجاج عطف الاسم على الفعل وعكسه؛ لأن العطف أخو التثنية فكما لا ينضم فيها فعل إلى اسم، فكذا لا يعطف أحدهما على الآخر. وقال السهيلي: يحسن عطف الاسم على الفعل ويقبح عكسه؛ لأنه في الصورة الأولى عامل لاعتماده على ما قبله فأشبه الفعل، وفي الثانية لا يعمل فتمحض فيه معنى الاسم ولا يجوز التعاطف بين فعل واسم لا يشبهه ولا فعلين اختلفا في الزمان. ونميل إلى رأي القائلين بالجواز؛ لما علله السهيلي. وينظر تفصيل ذلك في: الإملاء للعكبري (٢/ ٢٥٦)، البيان لابن الأنباري (٢/ ٤٢٢)، شرح التسهيل لابن مالك (٣/ ٣٨٣)، همع الهوامع للسيوطي (١٩٢، ٣/ ١٩١).
[ ١ / ٢٥٨ ]
وقيل: المستقر: ظهر الأرض، والمستودع: القبور؛ كقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ (^١) وقيل: المستقر ظرف زمان، أي: زمن استقرار. وقيل: ظرف مكان.
وقيل: مصدر، أي: ولكم في الأرض استقرار (يخرج منه) أي: من ذلك الخضر ﴿حَبًّا مُتَراكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ وقوله: ﴿وَجَنّاتٍ﴾ معطوف على قوله: ﴿فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِرًا﴾ ويقال: أينعت الثمرة: إذا طاب أكلها. ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ﴾ قدم أحد مفعولي «جعل» ليكون الإنكار متوجها، أي: اتخاذ الشركاء جنّا كانوا أو إنسا، ولو قدم الجن لكان الإنكار على اتخاذ الجن دون غيرهم. ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ﴾ أي: بديعة سماواته. من أن يكون له ولد ولم تكن له صاحبة. ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ ولا تحيط به، ولا يلزم من نفي الإحاطة نفي الرؤية، أو يقال: الأبصار جمع معرف فيقتضي الاستغراق والأمر كذلك. ليس كل الأبصار تدركه. قال في حق الكفار: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (^٢).
(دارست) أي: اشتغلت بالدروس مع من يشتغل به. فجاءت المدارسة من اثنين فأكثر.
ومن قرأ (درست) لم يكن فيه مفاعلة، ومن قرأ (درست) (^٣) أي: أخبار قديمة قد درس أثرها ﴿كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ من خير أو شر؛ كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ﴾ (^٤) قل لهم: إنما الآيات عند الله، وما يدريكم أنها إذا جاءت تؤمنون؛ فإن الله قادر على تقلب القلوب والأبصار، وعلى صرف دواعيهم إلى الشر، كما صرفها عن الإيمان قبل نزول الآية.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾ ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ﴾
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٣٦).
(٢) سورة المطففين، الآية (١٥).
(٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بن العلاء دارست، وقرأ عاصم ونافع وحمزة والكسائي درست، وقرأ ابن عامر درست. تنظر القراءات في: إتحاف فضلاء البشر للبنا (٢/ ٢٥)، البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ١٩٧)، حجة ابن خالويه (ص: ١٤٧)، حجة أبي علي الفارسي (٣/ ٣٧٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ١٥١)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٣٣)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٦١).
(٤) سورة النمل، الآية (٤).
[ ١ / ٢٥٩ ]
﴿فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾
و«لا» في ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ زائدة، وقرئ إنّها بالكسر وتكون خبرا مستأنفا من جهة الله - تعالى - بذلك. وقيل: «لا» زائدة (^١) في قوله «أنها» بالفتح (^٢). و«أنّ» بمعنى لعل، تقول العرب: اذهب إلى السوق أنك تشتري لنا لحما، أي: لعلك (^٣).
﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ﴾ كما قلبناها من قبل، فلم يؤمنوا بها. ﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ نتركهم في مجاوزة الحد ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون. والعمه في البصيرة، والعمى: يستعمل في البصر والبصيرة. رد الله سبحانه على الذين أقسموا ﴿لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ فقال:
القلوب بيد الله، وما يشعركم أنه يصرفها عن الحق، ولو جاءت الآيات المقترحة، فقال:
﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ﴾ كما زعموا في قوله: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ (^٤) وقوله:
(قبلا) من قرأها بكسر القاف فمعناها معاينة، ومن قرأ بضمها وضم الباء (^٥) ففيها وجهان، أحدهما: أنه مأخوذ من القبيل وهو الكفيل. يقال: قبيل وضمين وكفيل وزعيم بمعنى.
والوجه الثاني: أن المراد قبيلته قبيله. وقيل: أراد مقابلة لما حصل إيمانكم. ﴿إِلاّ أَنْ﴾
_________________
(١) هذا قول الفراء في معاني القرآن (١/ ٣٥٠)، وغلّطه الزجّاج في معاني القرآن (٢/ ٢٨٣).
(٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالكسر «إنها» واستجودها الخليل وغيره؛ لأن معناها إخبار بعدم إيمان من طبع على قلبه ولو جاءتهم كل آية. وقرأ عامة القراء بالفتح «أنها». تنظر القراءة في: إتحاف فضلاء البشر للبنا (٢/ ٢٦)، البحر المحيط لأبي حيان (٢٠٢، ٤/ ٢٠١)، حجة ابن خالويه (ص: ١٤٧)، حجة أبي علي الفارسي (٣٧٦، ٣/ ٣٧٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ١٥٤)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٣٤)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٦١).
(٣) حكاها الخليل عن العرب. ينظر: الكتاب لسيبويه (٣/ ١٢٣).
(٤) سورة الأنعام، الآية (٨).
(٥) قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر من العشرة «قبلا»، وقرأ الباقون «قبلا». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٢٠٥)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٤٨)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٢٦٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ١٥٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٦٥)، الكشاف للزمخشري (٣٥/ ٢)، النشر لابن الجزري (٢٦١، ٢/ ٢٦٢).
[ ١ / ٢٦٠ ]
﴿يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ يعني: الكفار. وقيل: بعض ضعفاء المؤمنين. ﴿يَجْهَلُونَ﴾ فيعتقدون أنهم لو جاءت الآيات المقترحة لآمنوا.
﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ أي: ومثل ما جعلنا لك أعداء جعلنا ذلك لمن قبلك من الأنبياء. والعدو: لفظ يصلح للجمع والمفرد. قال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ (^١) وقال:
﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ (^٢) ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ﴾ يوسوس. وفي قوله:
﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ وجهان: أحدهما: أنه شياطين الجن الذين مع الإنس. والثاني:
أنه مردة الجن والإنس مطلقا. و﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ ما زينوه بباطلهم. الهاء في ﴿فَعَلُوهُ﴾ وفي ﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: يرجع إلى جعل الأعداء للأنبياء. والثاني:
لإيجاد زخرف القول والغرور.
﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾
﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ﴾ ولتميل إليه قلوب الضعفاء. الحكم: هو المتقن للحكم، ولا يطلق إلا على من يحكم بالحق. والحاكم: على المحق والمبطل فالحكم أمدح، قاله الماوردي (^٣).
﴿فَلا تَكُونَنَّ﴾ أيها السامع لهذا الكلام من الشّاكّين في ذلك. وقيل: هو كقولك لابنك:
إن كنت ابني فأطعني. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ (^٤) القرآن. وقيل: جميع الوحي على جميع من
_________________
(١) سورة الشعراء، الآية (٦٧).
(٢) سورة الزخرف، الآية (٣٧).
(٣) ينظر: النكت والعيون للماوردي (١/ ٥٥٦).
(٤) هذه قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالجمع «كلمات»، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب والحسن والأعمش «كلمة» بالإفراد. تنظر في: إتحاف فضلاء البشر للبنا (١/ ٢٨)، البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٢٠٩)، الحجة لابن خالويه (ص ١٤٨)، الحجة لأبي علي الفارسي (٣/ ٣٨٧) الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ١٦٥)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٣٦)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٦٢).
[ ١ / ٢٦١ ]
أوحي إليه ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ في تقليد آبائهم. وقيل: في قولهم: ما لكم تأكلون ما قتلتموه وذبحتموه، ولا تأكلون ما قتله الله من الميتة وهذا الذي أوحته الشياطين إلى أوليائهم ليجادلوا به المؤمنين. وقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ﴾ مشكل؛ لأن أفعل التفضيل إذا أضيفت كانت جزءا مما بعدها. وإن نصبت بالتمييز لم تكن جزءا، تقول: هذه النخلة أطيب رطبا، ولا يجوز: أطيب رطب، فإنه يلزم أن تكون النخلة رطبا، فقوله: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى﴾ (^١) لا إشكال فيه؛ لأن الله جاء بالهدى، ولا يجوز أن يكون أعلم من يضل.
فقيل في تأويله: إنه جاء في لغة إجمال اسم الفاعل في المفعول بإضمار من جنسه قال الشاعر [من الطويل]:
وأضرب منّا بالسيوف القوانسا (^٢)
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧) فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَما لَكُمْ أَلاّ تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١) أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾
أي: يضرب القوانس كذلك هاهنا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ﴾ يعلم من يضل (^٣).
_________________
(١) سورة القصص، الآية (٣٧).
(٢) هذا عجز بيت لعباس بن مرداس وصدره: أكر وأحمى للحقيقة منهم ينظر في: الأشباه والنظائر للسيوطي (١/ ٣٤٤)، الأصمعيات (ص: ٢٠٥)، خزانة الأدب للبغدادي (٣٢١، ٨/ ٣١٩)، التصريح للشيخ الأزهري (١/ ٣٣٩)، ديوان عباس بن مرداس (ص: ٦٩)، شرح الأشموني للألفية (١/ ٢٩١)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٧٠٦)، المغني لابن هشام (٢/ ٦١٨).
(٣) وهذا قول بعض الكوفيين، والزجاج، ونسبه السمين الحلبي في الدر المصون للكسائي والمبرد ومكي. قال السمين: والراجح نصبها بمضمر، وهو قول الفارسي، وقواعد البصريين موافقة له. ينظر: الدر المصون (٣/ ١٦٧)، معاني القرآن للزجاج (٢/ ٢٨٦)، معاني القرآن للفراء (١/ ٣٥٢)، مشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب (١/ ٢٦٦).
[ ١ / ٢٦٢ ]
وظاهر الإثم: ما أعلن، وباطنه: ما أسر. وقيل: ظاهر الإثم: ما فعل، وباطنه: ما أضمر، نقله الماوردي (^١). وقيل: ظاهر الإثم: الزنى بالبغايا. وباطنه: ذوات الأخدان.
استحسن الماوردي (^٢) أن لا تؤكل الذبائح إلا إذا سمي الله عليها، لما يرى في الآية من التشديد، والمذاهب فيها ثلاثة: أحدها: مذهب الشافعي يجوز أكل متروك التسمية سهوا وعمدا. والثاني: مذهب ابن سيرين (^٣) وداود: يحرم متروك التسمية سهوا وعمدا.
والثالث: مذهب أبي حنيفة: يحرم متروكا عمدا ويحل سهوا (^٤).
﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ مشكل؛ فإن الشرط المجرد عن القسم لا يجاب إلا بأحد ثلاثة أمور: إما بالفعل، أو بالفاء، أو بإذا التي للمفاجأة وقد جاء هاهنا عاريا عن الثلاثة، فقيل في تأويله: ولئن أطعتموهم، فقدر لام القسم محذوفة وغلب القسم، فأجاب بجواب القسم. وإن صح باب هذا الاعتذار لم يصح اشتراط أحد الأمور الثلاثة في الجواب، بل مهما فقدت الثلاثة أوّلناها بهذا التأويل.
﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (١٢٣) وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤) فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي﴾
_________________
(١) ينظر: النكت والعيون للماوردي (١/ ٥٥٧).
(٢) ينظر: النكت والعيون للماوردي (١/ ٥٥٧).
(٣) هو محمد بن سيرين البصري الأنصاري بالولاء أبو بكر، إمام زمانه في علوم الدين بالبصرة، اشتهر بالورع وتعبير الرؤيا توفي سنة ١١٠ هـ. ومن أشهر مصنفاته: تعبير الرؤيا وتفسير الأحلام. تنظر: ترجمته: الأعلام (٦/ ١٥٤)، وفيات الأعيان (٤/ ١٨١).
(٤) ينظر: بدائع الصنائع للكاساني (٤/ ١٦٦)، بداية المجتهد لابن رشد (١/ ٦٣٢)، المغني لابن قدامة (١١/ ٤)، مغني المحتاج للشربيني (٤/ ٢٦٥)، المهذب للشيرازي (١/ ٣٦).
[ ١ / ٢٦٣ ]
﴿أَجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاّ ما شاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (١٣٠)﴾
يطلق المثل ويراد به الصفة؛ كقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ﴾ (^١) أي: هذه صفتها، كذلك قوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ﴾ (^٢) ثم قال: ﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى﴾ (^٣) أي:
الصفة العليا.
الياء في ﴿مُجْرِمِيها﴾ إما علامة الجر بالإضافة، وإما علامة النصب بالمفعولية. أي:
جعلنا مجرميها أكابر. والصغار: الذل. ﴿كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ﴾ كأنما يحاول أمرا معجوزا عنه، والرّجس ها هنا: العذاب.
و﴿دارُ السَّلامِ﴾ الجنة، سميت بذلك؛ لأنها دار الله، والله هو السلام، أو دار السلام من الآفات، أو دار يحيي بعضهم بعضا بالسلام، وتحييهم الملائكة حين يدخلون عليهم من كل باب. ويحييهم الله - ﷿ - بالسلام: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (^٤).
﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ واتخذتموهم أتباعا. وقيل: المراد: استعاذة الإنس بالجن على ما يأتي شرحه في سورة ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ (^٥).
﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ هو مسافة تحويلهم من الجحيم إلى الزمهرير. وقيل: من الجحيم إلى الحميم ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ (^٦) ومثل ذلك القول ﴿نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾.
_________________
(١) سورة محمد، الآية (١٥).
(٢) سورة النحل، الآية (٧٤).
(٣) سورة النحل، الآية (٦٠).
(٤) سورة يس، الآية (٥٨).
(٥) يعني سورة الجن، وذلك عند تفسير قوله - تعالى: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقًا، الآية (٦) وقد فسره المصنف هناك كما قال، وقد جعلنا هذه النقطة من أدلة نسبة التفسير بكامله للسخاوي - رحمه الله تعالى.
(٦) سورة الرحمن، الآيتان (٤٤، ٤٣).
[ ١ / ٢٦٤ ]
﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ احتج به من زعم أن الله بعث رسلا من الجن ولا حجة فيه؛ لأنه قد يقال عن الشيء إنه بعض الأشياء، وإن لم يكن من جميع تلك الأشياء. تقول: فلان من بلاد مصر، وإنه من واحدة منها. احتج القائلون بأن الله لم يبعث رسولا من الجن بقوله: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ (^١) ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا﴾ (^٢).
والجن ليسوا رجالا. وأجيبوا بقوله: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ فسمّى الجن رجالا. وقيل:
المراد برسل منكم: رجل من الأنبياء إلى الجن؛ لقوله - تعالى - في قصة الجن: ﴿فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ﴾ الآيتين (^٣).
﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ ببهجتها وزينتها. وقيل: غرتهم: أشبعتهم فبطروا. يقال: غر الطائر فرخه، إذا زقّه (^٤) فأشبعه.
﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ (١٣٢) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ (١٣٥) وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (١٣٦) وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١٣٧) وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)﴾
_________________
(١) سورة الجن، الآية (٦).
(٢) سورة يوسف، الآية (١٠٩).
(٣) سورة الأحقاف، الآية (٣١).
(٤) زقه: أطعمه بفيه، وزق بسلحه يزق زقا وزقزق: حذف، وأكثر ذلك في الطائر. ينظر: لسان العرب (زقق).
[ ١ / ٢٦٥ ]
قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ حال من الفاعل، ويجوز أن يكون من المفعول، والأول أصح.
﴿وَلِكُلٍّ﴾ واحد من فريقي الجن والإنس ﴿دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾. ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ بفاتنين. ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ على تمكنكم، و﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾ إذا أطلقت فالمراد بها الخير.
كانوا يعينون من زرعهم ومواشيهم شيئا لله، وشيئا لآلهتهم، فإن جاء نصيب آلهتهم زاكيا لا يردوه إلى الله وإن جاء نصيب الله زاكيا ردوه لآلهتهم، فنزلت ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ﴾ (^١).
﴿وَكَذلِكَ﴾ ومثل ذلك التزيين في التحليل والتحريم ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ﴾ أن يقتلوا أولادهم، إما تقربا، وإما كراهة للإنفاق عليهم. وفي الشركاء الذين زينوا أقوال: قيل: هم الشياطين. وقيل: سدنة الأوثان وخدمها. وقيل: الغواة من الجن والإنس. ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ ليهلكوهم ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدّى﴾ (^٢) اللام في ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ لام كي. وقيل: لام العاقبة؛ لأنهم لم يقصدوا إرداءهم.
﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ ما كانوا يزعمون أنهم عليه من دين إسماعيل، أو دينهم الذي كان يجب أن يكون لهم وهو الحق، أو يوقعوهم في دين ملتبس. ﴿حِجْرٌ﴾ أي: منع، ومعناه: ذو منع.
﴿لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ﴾ يريدون: البحائر والحوامي. ﴿وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ يريدون: السوائب (^٣) ﴿وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ﴾ بل يذكونها باسم آلهتهم ﴿اِفْتِراءً عَلَيْهِ﴾ أي: دعواهم أن الله حرم هذا أو ذبحهم إياها على اسم الآلهة.
﴿وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)﴾ ﴿قَدْ خَسِرَ﴾
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٨/ ٤٠).
(٢) سورة الليل، الآية (١١).
(٣) البحائر: جمع البحيرة: كانوا في الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن فكان آخرها ذكرا بحروا أذنها أي: شقوها وأعفوا ظهرها من الركوب والحمل والذبح ولا تمنع عن ماء ترده، ولا تمنع من مرعى وإذا لقيها المعيي المنقطع به لم يركبها. والسوائب: جمع السائبة: كانوا إذا تابعت الناقة بين عشر إناث لم يركب ظهرها ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها، وتركوها مسيبة لسبيلها وسموها السائبة وأصله من تسييب الدواب وهو إرسالها تذهب وتجيء كيف شاءت البحيرة. ينظر: لسان العرب (بحر)، النهاية في غريب الأثر لابن الأثير (١/ ١٠٠ - ٤/ ٤٣).
[ ١ / ٢٦٦ ]
﴿الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِراءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُتَشابِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾
أنث ﴿خالِصَةٌ﴾ حملا على المعنى؛ لأن ما في بطون الأنعام أنعام، ثم ذكر ﴿وَمُحَرَّمٌ﴾ حملا على لفظ ما، ونظيره ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتّى إِذا خَرَجُوا﴾ قاله الزمخشري (^١) وفيه نظر؛ لأن قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ حمل فيه أولا على اللفظ، وثانيا على المعنى، وهو كثير في القرآن لا يحصى. وأما هاهنا فحمل على المعنى أولا ثم على اللفظ، وهو قليل وإنما فضلوا الذكر على الأنثى فجعلوا له ما ليس للأنثى؛ لأنهم يخدمون الآلهة، وهم سدنتها. وقيل: لتفضيل الذكر على الأنثى، وسمي الذكر ذكرا إما من الذكر الذي هو ضد النسيان؛ لأن به يذكر الأب، أو من الذكر بمعنى الشرف ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ (^٢) ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ (^٣).
﴿مَعْرُوشاتٍ﴾ أي: مرفوعات، ومنه سمي السرير عريشا وعرشا.
في الحق الذي أمر بإيتائه أقوال:
أحدها: أنه الزكاة من العشر ونصف العشر، وهو الأشهر.
والثاني: أنه حق واجب غير الزكاة، وهو ترك ما تساقط من الثمار، وترك إلقاط الزرع لمن لقطه، وعلل بأن سورة الأنعام مكية، وإنما وجبت الزكاة بالمدينة.
وقيل: هذه الآية خاصة من سورة الأنعام مدنية.
والثالث: أنه مطلق على الاستحباب.
والرابع: كان واجبا قبل الزكاة، ثم نسخ بوجوب الزكاة (^٤).
_________________
(١) ينظر: الكشاف للزمخشري (٢/ ٧١).
(٢) سورة الزخرف، الآية (٤٤).
(٣) سورة الأنبياء، الآية (١٠) وهذا كلام الماوردي في النكت والعيون (١/ ٥٦٩).
(٤) ذكر الماوردي في النكت والعيون (١/ ٥٧٠) الأقوال الأول والثاني والرابع، ونسب الأول -
[ ١ / ٢٦٧ ]
وقوله: ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ هو أن يتكلف رب المال أن يخرج فوق ما يجب عليه زيادة تجحف. والثاني: بأن يأخذ السلطان زيادة عن الزكاة بما يجحف. والثالث: أن يمنع رب المال من إعطاء القدر الواجب. وقيل: الإسراف إخراج نصيب من أموالهم لآلهتهم.
﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢) ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصّاكُمُ اللهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٤٤) قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾
﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ الحمولة: الإبل والبقر. والفرش: الغنم وصغار الإبل، والبقر. وقيل: الحمولة: الكبار. والفرش: الصغار؛ لأنها قريبة من الأرض، فتشبه الفرش.
﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ في تحريم السوائب والبحائر. إذا اقترن بالشيء ما يماثله في الاسم سمي الاثنان زوجا ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ (^١) ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ (^٢) ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ أي: ثمانية أفراد. فأي هذه الأشياء جاء تحريمه إليكم.
وقوله: ﴿فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ تلويح بأن التحريم والتحليل إنما يكون بالوحي. الدم إن كان
_________________
(١) = للجمهور، والثاني لعطاء ومجاهد، والرابع لابن عباس وسعيد بن جبير وإبراهيم. وروى هذه الأقوال الطبري في تفسيره (٨/ ٥٤ - ٥٨)، ثم قال: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: كان ذلك فرضا فرضه الله على المؤمنين في طعامهم وثمارهم التي تخرجها زروعهم وغروسهم ثم نسخه الله بالصدقة المفروضة والوظيفة المعلومة من العشر ونصف العشر وذلك أن الجميع مجمعون لا خلاف بينهم أن صدقة الحرث لا تؤخذ إلا بعد الدياس والتنقية والتذرية وأن صدقة التمر لا تؤخذ إلا بعد الجفاف.
(٢) سورة هود، الآية (٤٠).
(٣) سورة النجم، الآية (٤٥).
[ ١ / ٢٦٨ ]
جامدا كالكبد والطحال كان حلالا بالحديث (^١) وإن كان مسفوحا فهو حرام، إلا ما كان في العروق، أو في أثناء اللحم. واليهود يبيعون الدم في العروق، فيستخرجونه ويحرمونه، وفسر الفسق بأنه سمّي على ذبحه اسم غير الله، ولا خلاف أن ما كان كذلك فهو حرام.
﴿غَيْرَ باغٍ﴾ على مضطر مثله يمنعه مساهمته في الميتة ﴿وَلا عادٍ﴾ متجاوزا قدر.
﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ (١٤٦) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠) قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾
﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ لو قال: حرمنا عليهم الشحوم لفهم المقصود لكن قوله: ﴿شُحُومَهُما﴾ لزيادة الربط، ونظيره ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ (^٢)
_________________
(١) رواه أحمد في المسند رقم (٥٤٦٥)، وابن ماجه رقم (٣٣٠٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٢٥٧) عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «أحلت لكم ميتتان ودمان فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال». قال البوصيري في مصباح الزجاجة في التعليق على سنن ابن ماجه (٤/ ٢١): هذا إسناد ضعيف فيه عبد الرحمن بن زيد قال فيه أبو عبد الله الحاكم: روى عن أبيه أحاديث موضوعة. وقال ابن الجوزي: أجمعوا على ضعفه. قلت (أي: البوصيري): لكن لم ينفرد به عبد الرحمن بن زيد عن أبيه فقد تابعه عليه سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قوله قال البيهقي: إسناده الموقوف صحيح وهو في معنى المسند، قال: وقد رفعه أولاد زيد بن أسلم عن أبيهم وهم كلهم ضعفاء جرحهم ابن معين. وصححه الشيخ الألباني في صحيح ابن ماجه (٢/ ٢٣٢) وفي السلسلة الصحيحة رقم (١١١٨).
(٢) سورة الأنبياء، الآية (١).
[ ١ / ٢٦٩ ]
أي: اقترب للناس الحساب. تقول: من زيد أخذت ماله. والحوايا: المباعر. هل هي مستثناة، أو مستثنى منها؟ فيه مذهبان؛ وكانوا بنو إسرائيل قد أحدثوا بدعا فحرم عليهم بعض الحلال عقوبة، وهو معنى قوله: ﴿بِبَغْيِهِمْ﴾.
﴿هَلُمَّ﴾ عند الكوفيين تثنى وتجمع وتؤنث وتذكر؛ فيقال: هلم وهلما وهلموا وهلمي. والحجازيون يجعلونها على صورة واحدة (^١)؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا﴾ (^٢) وقال هاهنا: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾. وفي الحديث الصحيح: «ليذادن أقوام عن حوضي، كما يذاد البعير الضال، فأناديهم: ألا هلم ألا هلم» (^٣).
(تعال) خاص أريد به العام، وأصله أن يقول المستعلي للمستفل: تعال، ثم اتسع فقيل لمن هو معك في أرض مستوية، ثم اتسع فيه فقيل لمن هو مستعل عليك وأنت في مكان أخفض، تقول له: تعال، وصار معناه: جيء. والمذكور في هذه الآيات الثلاث منه ما هو محرمات، ومنه ما هو واجبات كقوله - تعالى: ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا﴾ تحريم للشرك. وقوله:
﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾ تحريم للعقوق، وتحريم قتل الأولاد، وركوب الفواحش، وقتل النفس، وقربان مال اليتيم بغير حق، وبخس الكيل والوزن، وتحريم الإخلال بالقول، ونكث العهد، وسلوك غير سبيل المؤمنين، واتباع السبل المتفرقة، ونصب ﴿إِحْسانًا﴾ على المصدر، أي: وأحسنوا للوالدين إحسانا. الإملاق: الفقر.
﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦)﴾ ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾
_________________
(١) ينظر: الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٢١٢).
(٢) سورة الأحزاب، الآية (١٨).
(٣) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٤٩)، وأحمد في مسنده (٢/ ٣٠٠)، وابن ماجة رقم (٤٣٠٦)، والنسائي في المجتبى (١/ ٩٤)، وابن خزيمة رقم (٦)، وابن حبان رقم (١٠٤٦) عن أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٢٧٠ ]
﴿الْكِتابُ لَكُنّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨) إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠) قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾
أشار إلى أن الوفاء بمقتضى الوزن يعسر جدّا، فإن بين الحبتين تفاوتا لا ينضبط وكذلك الكيل، فيعفى عما لا يتأتى ضبطه، من ذلك نبه على ذلك بقوله: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها﴾ قوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ أتى ب «ثم» ليدل على تفاوت الرتب؛ فإن إيتاء موسى الكتاب يتضمن من المصالح والحكم أكثر مما تضمنته هذه الآيات الثلاث ﴿تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ موسى في عبادة ربه. وقيل: على الذي أحسن الله إليه بتوفيقه لها. وفي الشاذ ﴿تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ بضم النون (^١) أي: تماما على الذي هو أحسن ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج إليه.
وقوله: ﴿مُبارَكٌ﴾ أي: مبارك فيه، تقول: باركك الله، ويدل عليه قوله: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها﴾ (^٢) وقياس: بارك الله فيك أن تقول: بورك فيمن في النار، وفيمن حولها. ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ أي: كراهة أن تقولوا. وقيل: لئلا تقولوا، والمراد بالكتاب: التوراة والإنجيل ﴿لَوْ أَنّا﴾ أي: لو ثبت لنا؛ فإن «لو» تطلب الفعل، وأن في موضع رفع بالفاعلية، والفاء في قوله: ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ﴾ مثلها في قول الشاعر [من البسيط]:
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ثمّ القفول فقد جئنا خراسانا (^٣)
_________________
(١) قرأ بها الحسن والأعمش ويحيى بن وثاب وابن أبي إسحاق. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٢٥٥)، تفسير القرطبي (٧/ ١٤٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٢٢١)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٤٩)، المحتسب لابن جني (١/ ٢٣٤)، معاني القرآن للفراء (١/ ٣٦٥).
(٢) سورة النمل، الآية (٨).
(٣) تقدم عند تفسير سورة المائدة، الآية (١٩).
[ ١ / ٢٧١ ]
﴿وَصَدَفَ﴾ أعرض. لما كانوا بصدد وقوع إتيان الملائكة، وما بعده من التهديد، جعلوا منتظرين لهم وإن لم يكونوا منتظرين، التقدير: أو يأتي أمر ربك ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ من طلوع الشمس من مغربها، أو خروج الدابة، لا ينفع نفسا لم تكن آمنت من قبل إيمانها، ولا نفسا لم تكسب في إيمانها خيرا كسبها. وقوله: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ في موضع نصب صفة ل «نفسا». ﴿شِيَعًا﴾ أضرابا يشايع بعضهم بعضا في الباطل.
﴿لَسْتَ﴾ من عقائدهم الفاسدة وأعمالهم الخبيثة ﴿فِي شَيْءٍ﴾ ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ هذا أقل المضاعفة، وإن شاء ضاعفها إلى سبعمائة، كما في قوله: ﴿أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ الآية (^١) ﴿دِينًا﴾ نصب على القطع. و﴿حَنِيفًا﴾ حال من المضاف إليه، وهو إبراهيم. والحال من المضاف إليه قليل؛ لأنه لم يأت إلا لتعريف المضاف، وليس أحد جزئي الكلمة (^٢).
﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٢٦١).
(٢) تجيء الحال من المضاف إليه بشروط ثلاثة: أحدها: أن يكون المضاف عاملا عمل الفعل. والثاني: أن يكون جزءا نحو: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا والثالث: أن يكون كالجزء؛ كهذه الآية؛ لأن إبراهيم لها لازمها تنزلت منه منزلة الجزء. والنحويون يستضعفون مجيئها من المضاف إليه، ولو كان المضاف جزءا، قالوا: لأن الحال لا بد لها من عامل، والعامل في الحال هو العامل في صاحبها، والعامل في صاحبها لا يعمل عمل الفعل. ومن جوز ذلك قدر العامل فيها معنى اللام أو معنى الإضافة، وهما عاملان في صاحبها عند هذا القائل. وفي إعراب حنيفا أوجه أخرى، منها: النصب بإضمار فعل، أي: نتبع حنيفا، وقدره أبو البقاء العكبري ب «أعني»، وهو قول الأخفش الصغير وجعل الحال خطأ. النصب على القطع، وهو رأي الكوفيين، وكان الأصل عندهم: إبراهيم الحنيف، فلما نكره لم يمكن اتباعه. النصب على الحال من ملة وتكون حالا لازمة؛ لأن الملة لا تتغير عن هذا الوصف. وهذا الأخير الذي اختاره السمين الحلبي في الدر المصون (١/ ٣٨٣ - ٣٨٤) وينظر في ذلك: أوضح المسالك لابن هشام (٢/ ٣٢٤)، شرح ابن عقيل للألفية (٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨)، الكشاف للزمخشري (١/ ١٩٤).
[ ١ / ٢٧٢ ]
النسك: العبادة. وقيل: الحج. وقيل: الذبائح ﴿وَمَحْيايَ﴾ أي: حياتي ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أي: لا تحمل نفس حاملة ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: فيجازيكم ﴿خَلائِفَ الْأَرْضِ﴾ أي: في الأرض.
﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ليظهر كيف شكركم في الرخاء، وصبركم في البلاء. أكد كونه غفورا رحيما ولم يذكر في العقاب ذلك، إشارة إلى قوله ﷺ حكاية عن ربه ﷿: «إن رحمتي غلبت غضبي» (^١).
***
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٧٤٢٢، ٧٤٠٤)، ومسلم رقم (٢٧٥١) عن أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٢٧٣ ]