﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١)﴾
قوله: ﴿الْأَنْفالِ﴾ جمع نفل، وهو العطاء، قال الشاعر [من الرمل]:
إنّ تقوى ربّنا خير نفل (^١)
وكانت غنائم بدر لرسول الله ﷺ يفعل فيها ما يشاء. قال بعض الصحابة: نزلت فينا أهل بدر حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا، وجعله للنبي ﷺ فقسم بيننا على بواء (^٢)، أي: على سواء.
وعن سعد بن أبي وقاص قال: قتل أخي يوم بدر فقتلت قاتله وأخذت سيفه، وجئت إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله شفيت غليلي، قتلت قاتل أخي وهذا سيفه، فنفلني
_________________
(١) هذا صدر بيت للبيد بن ربيعة وعجزه: وبإذن الله ريثي والعجل ينظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٣٩٢)، ديوان لبيد (ص: ١٣٩)، الكشاف للزمخشري (٢/ ١٩٣)، لسان العرب (نفل)، مجاز القرآن لأبي عبيدة (١/ ٢٤٠)، مقاييس اللغة (٢/ ٤٦٤).
(٢) رواه أحمد في المسند بهذا اللفظ رقم (٢١٦٨٥) والصحابي هو عبادة بن الصامت ﵁.
[ ١ / ٣١٠ ]
إياه. فقال: اذهب فاطرحه في القبض - والقبض - بفتح الباء -: هو الشيء المقبوض، كالنقص والحسد: الشيء المنقوص والمحسود - فقلت: يا رسول الله: نفلني السيف. فأعاد عليّ القول بصوت أغلظ من الأول: اطرحه في القبض. فذهبت لأطرحه وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي ومنعي السيف، فقبل أن أصل ردني رسول الله ﷺ فقال: إنك (٦٥ /أ) سألتني السيف وليس إليّ، والآن فقد جعل الله غنائم بدر لي أتصرف فيها، اذهب فخذ السيف (^١)». ولما حصل لقاء يوم بدر جلس النبي ﷺ في العرش هو وأبو بكر واجتمع إليه الشيوخ وأرباب الرايات وتقدم الشباب فقاتلوا وقتلوا وغنموا، فلما انقضت الحرب قال الشباب: نحن حزنا الغنيمة بأسيافنا فهي لنا، وقال الشيوخ: نحن كنا ردءا لكم وفئة تنحازون إليها، وتنازعوا في ذلك فنزلت ﴿قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾.
﴿الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ﴾ بالعظمة وسرعة الانتقام. ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ﴾ آيات الرحمة والمغفرة قويت آمالهم واطمأنت قلوبهم، وازداد أثر إيمانهم، ولا يتوكلون إلا على الله، وجاء الحصر من جهة تقديم المعمول.
﴿حَقًّا﴾ مصدر أي: يحق ذلك حقا، الكاف في قوله: ﴿كَما أَخْرَجَكَ﴾ للتشبيه، ومعناه: كما جعل الأنفال والرسول يفعل فيها ما يراه، وإن كرهوا ذلك - أخرجك ربك لقتال أهل بدر وهم كارهون. وقيل ترجع إليّ ﴿حَقًّا﴾ أي: يحق ويثبت أيها الرسول وإن كرهوا، كما حق خروجك من بيتك إليهم وإن كرهوا. ﴿يُجادِلُونَكَ﴾ في موضع الحال.
لما بلغ رسول الله ﷺ أن عير قريش قد قرب مرورها عليهم ذاهبة إلى مكة وفيها أربعون راكبا منهم أبو سفيان بن حرب فندب النبي ﷺ أصحابه ليخرجوا لطلب العير، فسمعت قريش بمكة بذلك، فأسرعوا يطلبون حماية العير، وقالوا: إن أخذها محمد استغنى واستعان بها على قتالنا، وألزموا كل أحد بالخروج أو أن يقيم بدلا مكانه وهم النفير، فوعد الله نبيه إحدى الطائفتين، إما العير وإما النفير، وكان عرض أكثر الصحابة أن ينالوا العير؛ لأنه مال يوجد من غير قتال، ولأنهم لم يخرجوا يوم بدر للقتال، وإنما خرجوا لطلب العير، وأما
_________________
(١) رواه مسلم رقم (١٧٤٨)، وأبو داود رقم (٢٧٤٠)، والترمذي رقم (٣٠٧٩).
[ ١ / ٣١١ ]
النفير فإنهم جاءوا بسلاحهم وشوكتهم ليقابلوا ويمنعوا العير (^١). وقد مضى في الأنعام (^٢) شرح الدابر.
الخائف لا ينام وكان أصحاب رسول الله ﷺ قد نزلوا ليلة على كثيب أعفر (^٣) ينهال رملا وترابا لا تثبت عليه أقدامهم للقاء، وليس هناك ماء وأجنب كثير منهم تلك الليلة، فوسوس إليهم الشيطان قوة الخوف، وأنكم تلقون ربكم وأنتم على جنابة (٦٥ /ب) ولستم على طهارة، وأن هذه الكثيب لا تثبت فيه الأرجل، فأرسل الله عليهم نعاسا يدل على حصول الأمن في القلوب، وأمطرت السماء حتى سال الوادي، واجتمع ماء كثير فاغتسلوا، وتجلدت الأرض، فثبتت عليها الأقدام (^٤).
﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ (١٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾
﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قيل: بما تلقون في قلوبهم من الثبات والنصر. وقيل: كان الملك يتصور في صورة رجل ويمر بطوائف المسلمين فيقول: يا عباد الله اثبتوا، إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (^٥)، فقوله على هذا القول حقيقة.
﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ﴾ أي: أعاليها. وقيل: اضربوا الرؤوس، كقول الشاعر [من الوافر]:
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٩/ ١٨٢).
(٢) سورة الأنعام، الآية (٤٥) عند قوله - تعالى: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
(٣) العفرة: غبرة في حمرة، وصلابة الأرض، وأرض عفراء: بيضاء لم توطأ. ينظر: لسان العرب (عفر).
(٤) رواه الطبري في تفسيره (٩/ ١٩٥ - ١٩٦).
(٥) نسبه السيوطي بنحو ذلك في الدر المنثور (٤/ ٣٤) لابن مردويه والبيهقي في الدلائل.
[ ١ / ٣١٢ ]
وأضرب هامة البطل المشيح (^١)
وقيل: ﴿فَوْقَ﴾ زائدة، وهو بعيد؛ لأن الأسماء لا تزاد غالبا (^٢).
وقوله: ﴿ذلِكُمْ﴾ يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلكم، أو مبتدأ وخبره ما دلت عليه الجملة، وأن يكون منصوبا بقوله: «فذوقوا» مضمر دل عليه «فذوقوه» وهو من باب اشتغال الفعل عن المفعول بضميره وهو الأحسن هاهنا؛ لأن الأمر لا يصلح أن يكون خبرا إنما الخبر ما يدخله التصديق والتكذيب.
﴿زَحْفًا﴾ حال من الفاعل والمفعول معا، أي: متزاحمين. ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ﴾ فلا تجعلوهم ولاة على ظهوركم بالانهزام، ويدل عليه قول بعض المنهزمين من الكفار يوم بدر وقد سئلوا عن كيفية قتالهم فقال: والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلون ويأسرون، ويجوز أن يكون من الولي.
﴿فَقَدْ باءَ﴾ فقد رجع.
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ﴾
_________________
(١) عجز بيت لعمرو بن الإطنابة، وصدره: وإقحامي على المكروه نفسي وضربي ينظر في: تاج العروس للزبيدي (شيح)، تهذيب اللغة للأزهري (٥/ ١٤٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٤٠٤)، العمدة لابن رشيق القيرواني (١/ ٢٩)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٢٠٤، ١/ ٤٠٩)، اللسان (شيح) ويروى: «وإقدامي» بدل «وإقحامي»، «وضربي» بدل وأضرب. والمشيح: الجاد في القتال، والشاهد فيه: عطف المصدر المؤول «وأضرب» على المصدر الصحيح «وإقحامي».
(٢) يرى جمهور النحاة أن الأسماء لا تزاد، وأجاز ذلك أبو الحسن الأخفش. ينظر في ذلك: الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٤٠٤)، سر صناعة الإعراب لابن جني (١/ ٣٠١)، مغني اللبيب لابن هشام (١/ ٣٩٧).
[ ١ / ٣١٣ ]
﴿أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥)﴾
﴿وَما﴾ أوصلت المرمى ﴿إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ﴾ أوصله، وكان النبي ﷺ قد أخذها من حصى وتراب، فرمى بها إلى ناحية القوم، فامتلأت أعين جميع المشركين ترابا ورملا، وأعان ذلك على انهزامهم.
البلاء يكون في الخير؛ لقوله: ﴿بَلاءً حَسَنًا﴾ ﴿وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ﴾ (^١) أي: مضعف.
روي أن أبا جهل قال يوم بدر: «اللهم انصر أهدى الحزبين، وأعلى الفئتين» فدعا على نفسه وجماعته (^٢).
وقوله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ إن تستنصروا، أي: فقد جاءكم النصر عليكم لا لكم. ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ﴾ شر ما دبّ على الأرض حتى يدخل الكافر، فهو بالنظر إلى أصل الوضع حقيقة في الكافر، ولكن في عرف الاستعمال بما يحمل (٦٦ /أ) على بعض ذوات الأربع، كما لو حلف لا يركب دابة فركب كافرا لم يحنث، وكما لو حلف لا يجلس في ضوء سراج لم يحنث بالجلوس في الشمس، وقال الله - تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ (^٣) ولا يقعد على
_________________
(١) قرأ «موهن» بالتنوين مع الرفع ابن عامر وحمزة والكسائي، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «موهن» بالتنوين مع تشديد الهاء، وقرأ حفص عن عاصم «موهن» بالإضافة. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٤٧٦)، حجة ابن زنجلة (ص: ٣٠٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٤٠٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٠٥)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٢٠٨).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٩/ ٢٠٧ - ٢٠٩) عن غير واحد أن أبا جهل قال يوم بدر: «اللهم انصر أحب الدينين إليك ديننا العتيق أم دينهم الحديث» فأنزل الله إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وروى الحاكم في المستدرك على الصحيحين (٢/ ٣٥٧) أن أبا جهل قال حين التقي القوم: «اللهم أينا كان أقطع للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة» فكان ذلك استفتاحه فأنزل الله إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ إلى قوله: وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأحنه: أهلكه، من حانت النفس: إذا هلكت والحين - بالفتح -: الهلاك. ينظر: لسان العرب (حين).
(٣) سورة نوح، الآية (١٦).
[ ١ / ٣١٤ ]
بساط فقعد على الأرض لم يحنث مع قوله - تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطًا﴾ (^١) ولا يمس وتدا فمس جبلا، لم يحنث مع قوله - تعالى: ﴿وَالْجِبالَ أَوْتادًا﴾ (^٢) أو لا يأكل ميتة فأكل سمكا أو جرادا لم يحنث مع قوله ﷺ: «أحل لنا ميتتان» الحديث (^٣) وإنما الأيمان على عرف الاستعمال. ثقفت القوم: أخذتهم بقوة. إني فاعل بهم من النكال ما يوجب هرب من خلفهم لما يخشون من حلول مثل ذلك بهم.
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ سماع قبول ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ سماع قبول لارتدوا.
دعاء الله يصل إلينا على لسان رسوله، ودعاء رسوله يخبر عن الله، فلذلك قال:
﴿اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ﴾ ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ قيل: المراد القرب، كقوله:
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (^٤). وقيل: يمنعه فهم القرآن وتدبر الآيات. ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾ مقولا فيها: ﴿لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ بل تعم.
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾
﴿وَتَخُونُوا﴾ يجوز أن يكون مجزوما، معطوفا على ﴿لا تَخُونُوا﴾ وتكون نهيا عن الجمع
_________________
(١) سورة نوح، الآية (١٩).
(٢) سورة النبأ، الآية (٧).
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام، الآية (١٤٥).
(٤) سورة ق، الآية (١٦).
[ ١ / ٣١٥ ]
بين الأمرين. المراد بالفرقان هاهنا نور يقذفه الله في القلوب.
﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ ليحبسوك. وقولهم: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ﴾ دليل على مبالغتهم في التكذيب، وليس المراد تعليق إمطار السماء على كونه حقا، بل إبعاد ذلك؛ كقوله: والله لا أكلمك حتى يشيب الغراب وحتى يلج الجمل في سم الخياط.
وقوله: ﴿وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يعني به: لو كانوا مستغفرين لما عذبوا، وليس المراد باستغفارهم.
﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤) وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾
ثم قال: ﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ﴾ أي: يعرضون أو يمنعون. المكاء:
الصفير، والتصدية: رفع الصوت، وكانوا إذا قرأ رسول الله ﷺ القرآن جاءوا وصفقوا حوله وصفروا حتى يخلطوا عليه قراءته. وقيل: كانوا يجعلون ذلك في طوافهم عوضا عن الأذكار في طوافنا (^١).
وقوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ إشارة إلى فاعل الخبيث؛ لدلالة الفعل على الفاعل.
﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ عذّبوا (٦٦ /ب). ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ بذلك. ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: لا توجد فتنة ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ﴾ تقديره: وإن تولوا
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٩/ ٢٤١)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٦١) لعبد بن حميد.
[ ١ / ٣١٦ ]
عن الطاعة ولم ينتهوا لم يضروكم شيئا.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ (٤٦)﴾
قوله - تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ﴾ الآية، قسم الغنائم على ستة أنواع؛ فقال أبو العالية الرياحي (^١) بظاهر الآية، وقال: تقسم الغنائم على ستة: سهم لله - تعالى - يقسم في مصالح الكعبة وعمارتها. وسهم لرسول الله ﷺ كان يأخذه ويدخر منه قوت سنة ثم يصرف الباقي في الكراع (^٢) والسلاح، ثم بعد وفاته صار هذا السهم لمصالح المسلمين، وسهم لذوي قرابة رسول الله ﷺ من بني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل، فإن عبد مناف كان له أربعة أولاد: أحدهم هاشم، وهو جد النبي ﷺ. والثاني المطلب وهو أخو هاشم شقيقه. والثالث والرابع عبد شمس ونوفل (^٣).
_________________
(١) هو رفيع بن مهران أبو العالية الرياحي البصري المقرئ مولى امرأة من بني رياح، رأى أبا بكر وسمع من عمر - ﵄ - ثقة كثير الإرسال وله تفسير رواه عنه الربيع عن أنس. توفي سنة ٩٣ هـ وقيل: سنة ٩٠. تنظر ترجمته في: طبقات المفسرين للداودي (١٧٣، ١/ ١٧٢)، معرفة القراء الكبار للذهبي (١/ ٤٩).
(٢) الكراع: اسم لجميع الخيل. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (٤/ ١٦٥).
(٣) رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال (١/ ٤٠٨) عن أبي العالية، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٦٧) وعزاه لابن المنذر عن ابن عباس - ﵄ - بنحوه.
[ ١ / ٣١٧ ]
وكانت قريش لما حصروا رسول الله ﷺ في شعب، وكتبوا كتابا ألا يعاملوا ولا يخالطوا - دخلت بنو المطلب مع بني هاشم في الشّعب الذي حصروا فيه، فلما جاءت الغنائم بعد ذلك أعطى رسول الله ﷺ بني هاشم وبني المطلب ولم يعط بني عبد شمس ولا بني نوفل شيئا، فجاء عثمان بن عفان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وجبير بن مطعم من بني نوفل ابن عبد مناف، فقالا: يا رسول الله، أرأيت إخواننا من بني هاشم لا ننكر فضلهم، لمكانك الذي وضعك الله فيه منهم، ولكن إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وإنما قرابتنا وقرابتهم واحدة. فقال النبي ﷺ: «إن بني هاشم وبني المطلب ما افترقوا في جاهلية ولا إسلام، وشبك بين أصابعه» (^١). وسهم ليتامى المسلمين، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. وقال بقية العلماء: إنما تقسّم الغنائم على خمسة أسهم، وأسقطوا السهم المختص بالكعبة، وأبقوا الخمسة الباقية (^٢).
﴿يَوْمَ الْفُرْقانِ﴾ يوم بدر، وصور حالهم، كأنك تشاهده، وقال: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ و(العدوة) جانب الوادي. والدنيا: القريبة، ﴿وَهُمْ﴾ يعني: الكفار ﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى﴾ أي: البعيدة ﴿وَالرَّكْبُ﴾ يعني: العير. ﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ فإن كفار قريش جاءوا بين رسول الله ﷺ وبين العير، وحموا بذلك أموالهم. يعني: ليهلك من هلك عن بينة، فقتل صناديد قريش، وأعلى كلمة الله. ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ﴾ (٦٧ /أ) قال الأكثرون بظاهرها، وأن رسول الله ﷺ رأى في المنام أنهم قليلون (^٣).
وعن الحسن: أن المنام للعين؛ لأنها موضع النوم، فرآهم بعينه في اليقظة قليلين في ظنه، حتى تقدم عليهم المؤمنون، وقلل المؤمنين في أعين الكفار في أول الأمر، حتى هجموا وقاتلوا، فلما اختلطوا كثر الله المؤمنين في أعين الكفار، حتى جبن الكفار، وهو معنى قوله:
﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ (^٤) ومستحب ذكر
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٠/ ٦) وقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال سهم ذي القربى كان لقرابة رسول الله من بني هاشم وحلفائهم من بني المطلب لأن حليف القوم منهم ولصحة الخبر الذي ذكرناه بذلك عن رسول الله».
(٢) ينظر: الأم للشافعي (٤/ ١٤٧)، بدائع الصنائع للكاساني (٦/ ١٠٠)، بداية المجتهد لابن رشد (١/ ٥١٧)، المبسوط للسرخسي (٣/ ١٧)، المغني لابن قدامة (٧/ ٢٩٩).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٠/ ١٢) ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٧٤) لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد.
(٤) سورة آل عمران، الآية (١٣) ورواه الطبري في تفسيره (٣/ ١٩٥) عن ابن مسعود.
[ ١ / ٣١٨ ]
الله - تعالى - عند لقاء العدو، وأن نطلب منه النصر والعون، وأن نقلل من التنازع والاختلاف.
﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: دولتكم، قال الشاعر [من الوافر]:
إذا هبّت رياحك فاغتنمها فإنّ لكلّ خافقة سكون (^١)
﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾
﴿وَلا تَكُونُوا﴾ مثل كفار قريش ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا﴾. روي أن قريشا لما اجتمعت للنفير ذكروا ما بينهم وبين بني بكر من العداوة، وهم على طريقهم فتمثل لهم الشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم (^٢) كبير بني بكر، وقال لهم: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ﴾
_________________
(١) ينظر البيت في: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٥٢٣)، تاج العروس للزبيدي (روح)، تفسير القرطبي (٨/ ٢٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٤٢٥)، روح المعاني للألوسي (٧/ ١٠٩).
(٢) هو سراقة بن مالك بن جعشم بن مالك بن عمرو الكناني، أسلم يوم الفتح، وكان شاعرا وقصته في -
[ ١ / ٣١٩ ]
﴿الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ فخرجوا، فلما لاقوا المسلمين رأى إبليس جبريل قد نزل من السماء لينصر المؤمنين فخاف على نفسه أن يقتله جبريل، ففر فقيل له: أين تذهب يا سراقة؟ فقال: ﴿إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ فاشتهر بين كفار قريش أنه لم يهزم الناس إلا سراقة بن مالك فلما رجعوا اجتمعوا بسراقة وعتبوه، فقال:
والله ما كنت هناك حتى أنهزم (^١). ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ﴾ وقت اللقاء ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ إذا أقبلوا. ﴿وَأَدْبارَهُمْ﴾ إذا ولوا، ولم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر، وكانوا ينزلون في غيرها، مددا ولطمأنينة القلوب.
﴿كَدَأْبِ﴾ كعادة، أي: عادة هؤلاء منازعة الأنبياء كعادة ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ ﴿وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ الله وأخذه ونقمته. ﴿فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ أي: فإن تثقفهم، والثقف: الأخذ بشدة.
﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ أي: فافعل بهم فعلا يوجب فرار من حولهم. وقوله: ﴿فَشَرِّدْ﴾ مأخوذ من شرد البعير إذا فر. ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً﴾ بأمارات تدل على ذلك، فانقض عهدهم وعرفهم بذلك كي لا يكون عذرا. من قرأ ﴿إِنَّهُمْ﴾ بكسر، فهو استئناف كلام، ومن قرأ (أنّهم) بالفتح (^٢) أي: لا تحسبهم لأجل أنهم لا يعجزون. وفي الحديث الصحيح (٦٧ /ب) أن النبي ﷺ قال وهو على المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ قال: «ألا إنّ القوة الرمي، ألا إنّ القوة الرمي، ألا إنّ القوة الرمي» (^٣).
قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ قيل: فارس والروم. وقيل: كفار الجن، إلا أن قوله: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ يرد على القائلين. ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ جزاؤه.
_________________
(١) = ملاحقة النبي ﷺ في الهجرة مشهورة ترويها كتب السير. توفي سنة ٢٤ هـ. تنظر ترجمته في: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني (٢/ ١٩).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٠/ ١٨)، وأورده السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٧٩) ونسبه لعبد الرزاق وابن المنذر عن معمر قال: «ذكروا أنهم أقبلوا على سراقة بن مالك بعد ذلك فأنكر أن يكون شيء من ذلك».
(٣) قرأ جمهور القراء أبو عمر وابن كثير ونافع وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف ويعقوب «إنهم»، وقرأ ابن عامر «أنهم». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٥١٠)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٧٢)، حجة أبي زرعة (ص: ٣١٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٤٢٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٠٨)، الكشاف للزمخشري (٢/ ١٣٢)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٧٧).
(٤) رواه مسلم رقم (١٩١٧)، وأبو داود رقم (٢٥١٤)، والترمذي (٣٠٨٣) عن عقبة بن عامر ﵁.
[ ١ / ٣٢٠ ]
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ (٦٦) ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾
﴿وَإِنْ جَنَحُوا﴾ وإن مالوا للصلح، والسلم يذكر ويؤنث. ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ﴾ فإن كافيك الله. قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معطوف على اسم الله، أي: يكفيك الله، ويكفيك المؤمنون. وقيل: معطوف على الكاف، أي: حسبك الله وحسب المؤمنين الله، إلا أنه لا يلزم منه العطف على المضمر المجرور بغير إعادة الجار (^١). وكان قد وجب في ابتداء الإسلام أن يصبر المؤمن في القتال لعشرة من الكفار، ثم نسخ ذلك ووجبت مصابرة الواحد لاثنين خاصة.
قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ ما عند الله من ثواب الشهداء، فلا يهون عليهم بذل نفوسهم، وأما أنتم فترجون من الله ما لا يرجون.
لما جيء بالأسرى يوم بدر استشار الصحابة في أمرهم فأشار أبو بكر بأن يؤخذ منهم الفداء يستعين به المؤمنون، ولعل الله أن يهدي من هؤلاء الأسرى قوما، وقال عمر بن الخطاب: هؤلاء رأس الضلالة وحزب الكفر، قدمهم فاضرب أعناقهم، فأحب رسول الله ﷺ ما قاله أبو بكر، وأخذ منهم الفداء، فعتب على ذلك، وأنزل الله - تعالى: ﴿ما كانَ﴾
_________________
(١) تقدم في سورة النساء، الآية (١).
[ ١ / ٣٢١ ]
﴿لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (^١). أي: يكثر القتل، والله يريد أن تريدوا الآخرة ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ﴾ من الرأي ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ قال عمر:
دخلت على رسول الله ﷺ وأبي بكر وهما يبكيان، فقلت: ما يبكيكما؟ خبروني، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال النبي ﷺ: «أبكي لما عرض عليّ من عذاب قومك، لقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة، وأشار إلى شجرة قريبة من المسجد» (^٢).
وقال ﷺ: «لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه إلا عمر» (^٣).
وكان العباس عم النبي ﷺ يظهر الكفر ويبطن الإسلام، وكان من المطعمين يوم بدر، والمطعمون عشرة، كل واحد يطعم يوما فينحر عشرة جزائر، فأسر العباس، فلما جاء الفداء، قال النبي ﷺ للعباس: افد نفسك وافد عقيلا فقال: يا رسول الله، ما لي شيء، فقال ﵇: فأين الذهبية التي أعطيتها لأم الفضل في ظلام الليل، وقلت: إني ذاهب، فإن هلكت فلفلان كذا (٦٨ /أ) ولفلان كذا، ولفلان كذا، فقال: يا رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد من خلق الله، وأظهر الإسلام. وفي رواية: أنه لما قال له: (افد نفسك) قال: كنت مسلما في الباطن، فقال النبي ﷺ: «أما في الظاهر فقد كنت علينا»، وأنزل الله - تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى﴾ يعني العباس ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ محبة الإسلام ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ قال العباس بعد ذلك بسنتين:
«والله لقد آتاني الله خيرا مما أخذ مني، فإن لي اليوم عشرين عبدا مضاربا مع كل عبد عشرون ألفا، وإني لأرجو المغفرة من ربي» (^٤).
وروي أنه جاء مال من البحرين فنثر في المسجد فجاء العباس فقال: يا رسول الله أعطني، فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلا، فقال: خذ. فأخذ ثوبا فملأه دراهم، وطلب أن يحمله
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٠/ ٤٣).
(٢) رواه مسلم (١٧٦٣)، وأبو داود رقم (٢٦٩٠)، والترمذي رقم (٣٠٨١).
(٣) نسبه بهذا اللفظ الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار التي في الكشاف (٢/ ٣٩) للواقدي في كتاب المغازي، ورواه الطبري في تفسيره (١٠/ ٤٨) بلفظ: «لو عذبنا في هذا الأمر يا عمر ما نجا غيرك».
(٤) رواه الطبري في تفسيره (١٠/ ٤٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره رقم (٩١٧٧)، وذكره الواحدي في أسباب النزول (ص: ٢٤٥) رقم (٤٨٩)، وفي سنده الكلبي وهو ضعيف في الحديث.
[ ١ / ٣٢٢ ]
فلم يستطع، فقال: يا رسول الله، مر بعضهم يحمله معي، قال: لا، قال: فاحمله أنت معي، قال: لا، فنثر منه ما عجز أن يحمله، فلم يقدر، فقال: مر بعضهم أن يحمله معي، قال: لا، قال: أو احمله أنت عليّ، قال: لا، فنثر منه شيئا نثرا حتى استطاع حمل الباقي، وحمله على كتفه فأتبعه النبي ﷺ ببصره تعجبا منه ومن حرصه (^١).
﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾
﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ﴾ يمكنك الله منهم. ﴿فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ وكان في أول الإسلام لا ولاء بين المهاجر ومن لم يهاجر، وهو قوله: ﴿وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ فلا تولوهم. ﴿إِلاّ تَفْعَلُوهُ﴾ ما أمرتكم به ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ من المهاجرين والأنصار. ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ ثم ذكر من
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٤١١) عن أنس ﵁، ولفظه: قال أنس: «أتي النبي ﷺ بمال من البحرين فقال: انثروه في المسجد وكان أكثر مال أتي به رسول الله ﷺ فخرج رسول الله ﷺ إلى الصلاة ولم يلتفت إليه فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه فما كان يرى أحدا إلا أعطاه إذ جاءه العباس فقال: يا رسول الله أعطني؛ فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلا. فقال له رسول الله ﷺ: خذ. فحثا في ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه إليّ. قال: لا. قال: فارفعه أنت علي. قال: لا. فنثر منه ثم ذهب يقله فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه عليّ. قال: لا. قال: فارفعه أنت علي. قال: لا. فنثر منه ثم احتمله فألقاه على كاهله ثم انطلق فما زال رسول الله ﷺ يتبعه بصره حتى خفي علينا عجبا من حرصه، فما قام رسول الله ﷺ وثم منها درهم».
[ ١ / ٣٢٣ ]
سيهاجر فيما بعد بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ﴾، فجعلهم بالصدر الأول، وأنهم مشاركون لهم فيما حصل من نصر.
﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ﴾ النسب بالإناث وهذه الآية عام مخصوص، فإن بعض ذوي الأرحام يرث كالأم والجدة والأخت، ولا يرث الخال ولا الخالة، وكلهم من ذوي الأرحام.
***
[ ١ / ٣٢٤ ]