﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾
﴿الم﴾ والحروف التي في أوائل السور أسماء السور. وقيل: أسماء القرآن.
وقيل: من أسماء الله - تعالى. وقيل: هي حروف لو جمعت حصل منها معنى مقصود لأنك لو جمعت ﴿الر﴾، و﴿حم﴾، و﴿ن *﴾ صارت "الرحمن".
الريب: قلق يحصل عند الشك والتردد ومنه: ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠].
وقيل: إنه من القلق. والوقوف على قوله ﴿فِيهِ﴾. وقيل: على قوله ﴿لا رَيْبَ﴾.
التقوى: الحظر والتشمير. وسأل عمر بن الخطاب [كعب الأحبار] (^١) عن التقوى فقال:
يا أمير المؤمنين، هل سلكت طريقا فيه شوك؟ قال: نعم. قال وكيف صنعت؟، قال:
حذرت وشمرت، قال: كذلك التقوى (^٢) وقيل: يدخل فيه عمل الطاعات واجتناب المعاصي وقيل: تخص باجتناب المعاصي.
والغيب: ما لا يطلع العباد عليه إلا بالوحي كالصراط والميزان والجنة والنار. أما ما
_________________
(١) هكذا ثبت في المخطوط والصواب - كما في تفسير ابن كثير والكشاف للزمخشري - أن المسؤول أبيّ بن كعب، وليس كعب الأحبار كما وقع هنا، فلعله اختلط على الناسخ؛ لاشتراكهما في اسم "كعب" ينظر: تفسير ابن كثير (١/ ٤٠).
(٢) زاد الحافظ ابن كثير بعده فقال: وقد أخذ هذا المعنى ابن المعتز، فقال [من مجزوء الكامل]: خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
[ ١ / ٥٢ ]
أخفاه الله من غيره، فلا يسمى غيبا (^١).
وقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ مرفوع، أو مجرور، صفة ل «المتقين» أو منصوب بإضمار «أعني». «وإقامة الصلاة»: الإتيان بها بأركانها وشروطها وآدابها. وقيل: تقيم الأمة شعارها. وقيل: سميت باسم القيام الذي هو جزء منها، كما سميت «قرآنا» في قوله:
﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. وتسبيحا في قولهم: «سبحة الضحى» (^٢).
وقوله ﴿يُنْفِقُونَ﴾: يريد به النفقات الواجبات. وقيل: إلى الواجبات والتطوعات.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [يجوز أن يكون] مبتدأ، وخبره: ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً﴾، ويجوز أن يكون معطوفا على ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ في هذه الثلاثة (^٣) وقيل: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ لمن آمن من عبدة الأوثان ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ لمن أسلم من اليهود والنصارى. والفلاح: البقاء؛ كقول الشاعر [من الكامل]:
لو كان حيّ مدرك الفلاح أدركه ملاعب الرماح (^٤)
(٢ /ب) فمعنى ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ الباقون في الجنة. وقيل: معناه: الفوز بالمطلوب.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ عام أريد به الخاص، وهو من علم الله أنه لا يؤمن، وإلا فكثير من الكفار قد نفع فيهم الإنذار، وآمنوا بالله الواحد القهار.
_________________
(١) كذا بالأصل وذكر المناوي في كتاب التوقيف في مهمات التعاريف (١/ ٥٤٣) أن الغيب: «ما غاب عن الحس ولم يكن عليه علم يهتدي به الفعل فيحصل به العلم».
(٢) رواه مسلم في صحيحه رقم (٣٣٦)، وأبو داود رقم (١٢١٠)، وابن ماجه رقم (١٣٢٣) من حديث أم هانئ بنت أبي طالب: «أنه لما كان عام الفتح أتت رسول الله ﷺ وهو بأعلى مكة، قام رسول الله ﷺ إلى غسله، فسترت عليه فاطمة، ثم أخذ ثوبه، فالتحف به، ثم صلى ثمان ركعات، سبحة الضحى». وهذا لفظ مسلم في صحيحه. قال النووي في شرح مسلم (٢/ ٢٦٥): «والسبحة: هي النافلة سميت بذلك للتسبيح الذي فيها».
(٣) أي: ما وصف الله به المتقين بقوله: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.
(٤) البيت للبيد ينظر في: ديوانه (ص: ٣٣٣)، الدرر اللوامع على همع الهوامع، لأحمد بن الأمين الشنقيطي، ط. مؤسسة الرسالة، بيروت ط ١٩٩٤.٢ م - تحقيق: الدكتور عبد العال سالم مكرم (١/ ١١٥)، لسان العرب (لعب)، مغني اللبيب لابن هشام (٤٣٥، ١/ ٢٧٠) همع الهوامع للسيوطي (١/ ١٣٨) ويروى: لو أن حيا
[ ١ / ٥٣ ]
الإنذار: الإخبار بما يخاف منه.
وقوله: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ (^١) استعارة للاشتقاق من منع الشيء لما يقفل عليه؛ قال الله تعالى: ﴿أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] أو يطبع عليه بطابع، أي: يختم عليه بختم، كقوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥].
وقوله: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ هذا وقف على قوله: ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ (^٢) والغشاوة مخصوصة بالأبصار، كما قال تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣].
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾
العذاب يكون تارة عظيما، وتارة مهينا كمن ضرب رئيسا ضربات يسيرة في محفل.
وتارة يكون أليما مؤثرا في الجلد. والعذاب موصوف بهذه الصفات الثلاث في الكتاب العزيز.
قدم الله - ﷾ - ثلاث آيات في وصف المتقين، وآيتين في الكفار المطبوع على قلوبهم، ثم ثلّث بذكر المنافقين الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر بقوله: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ الآيات. واقتصر على الإيمان بالله وباليوم الآخر؛ لأن الإيمان بالله أول الواجبات، واليوم الآخر من آخر الواجبات في الوجود.
والخداع: إظهار ما يسر المخاطب مع قصده ضرره في الباطن؛ فقيل: أصله من الإخفاء، ومنه المخدع يخفى فيه ما لا يشتهي إظهاره من الزوجات والأموال.
وقيل: أحوال الفساد؛ كقول الشاعر [من الرمل]:
_________________
(١) بالأصل بدل ما بين المعقوفين: «ختم على قلوبهم وقلبه وجعل على بصره غشاوة» والصواب ما أثبتناه.
(٢) وهو وقف تام، كما قاله العلامة أحمد بن محمد بن عبد الكريم الأشمونى في كتابه (منار الهدى في بيان الوقف والابتدا) (ص: ٣٢) ط. مصطفى الحلبي، القاهرة، ١٩٧٣ م.
[ ١ / ٥٤ ]
طيب الريق إذا الريق خدع (^١)
والله - تعالى - لا يخادع ولا يخادع فيما معاملته معاملة الخادع. وأما المؤمنون فلا يخادعون ولكنهم قد يخدعون، وما رجع الخداع إلا على المخادع.
والشعور: العلم بالحواس، فهم لفرط جهلهم بعد عنهم العلم بالمحسوسات.
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: آلام من استقامة أمور الدين، أو في قلوبهم مرض من اعتقاد الحق.
والفساد في الأرض: العمل بالمعاصي، ويطلق كثيرا في سفك الدماء، وإفساد الزراعات؛ كقوله: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقوله: ﴿وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ [البقرة: ٢٠٥].
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾
وهؤلاء قد اعتقدوا أن ما يفعلونه صلاح (٣ /أ) لا فساد وهو جهل مركب. وقد حقق الله كذبهم بدخول «ألا» التي للتنبيه، و«إن» المؤكدة، ودخول «هم» التي هي فصل أو عماد، ودخول الألف واللام في الخبر.
قوله: ﴿كَما آمَنَ النّاسُ﴾ أي: رسول الله والمؤمنون. وكذلك أكد سفههم بما أكد فسادهم من دخول «ألا»، و«إن»، و«هم»، وتعريف الخبر.
وقوله: ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ مغاير لقوله: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأن هذه في صفة اعتقادهم مع المؤمنين، وتلك في صفة
_________________
(١) هذا عجز بيت لسويد بن أبي كاهل وصدره: أبيض اللون لذيذ طعمه ينظر في: ديوانه (ص: ٢٤)، تاج العروس (خدع)، ديوان الأدب (٢/ ٢٠٨)، شرح اختيارات المفضل (ص: ٨٦٨)، لسان العرب (خدع)، مقاييس اللغة لابن فارس (٢/ ١٦١).
[ ١ / ٥٥ ]
اعتقادهم في أنفسهم، ومخالفة قولهم فعلهم، وقد أكدوا بهذه الآية جوابهم للمشركين بقولهم: ﴿إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ وقالوا في جواب المؤمنين: ﴿آمَنّا﴾ غير مؤكد ويسمى الشيء باسم مقابله؛ كقوله: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]. ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤]. ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] كذلك هاهنا ﴿مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾.
الطغيان: مجاوزة الحدّ؛ كقوله: ﴿لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ [النازعات: ١٧].
والعمه: التردد والحيرة، ولا يستعمل إلا في البصيرة. وأما العمى فإنه يطلق على فقد البصيرة، وفقد البصر. ﴿اِشْتَرَوُا﴾ استبدلوا، ولما سمى الاستبدال شراء، استعار له الربح في قوله: ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾.
والمثل: صفة، فقوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ أي: صفتهم كصفة الذي استوقد نارا.
«استوقد» و«أوقد» بمعنى، و«أضاء» يستعمل لازما ومتعديا؛ ف «ما» من قوله: ﴿ما حَوْلَهُ﴾ يجوز أن تكون مفعولة؛ كقول الشاعر [من الطويل]:
أعد نظرا يا عبد شمس فربّما أضاءت لك النار الحمار المقيّدا (^١)
ويجوز أن تكون ظرفا؛ لأن ما حول المستوقد أماكن. ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ بمعنى: أذهبه بخلاف قوله: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥]؛ لأن المراد هناك: استصحبوه.
و«ترك» بمعنى: صير، فيتعدى إلى مفعولين أحدهما: الضمير، والثاني: المجرور، قال
_________________
(١) البيت للفرزدق، ينظر في: ديوانه (١/ ١٨٠)، الأزهرية في الحروف للهروي (ص: ٨٨) مجمع اللغة العربية، دمشق، ١٣٩١ هـ - تحقيق: عبد المعين الملوحي، الدرر اللوامع (٢١/ ٢٠٨)، شرح شواهد الإيضاح (ص: ١١٦)، شرح شواهد المغني (ص: ٦٩٣)، شرح المفضل لابن يعيش (٨/ ٥٧)، وبلا نسبة في: رصف المبانى (ص: ٣١٩)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص: ٣٦١)، قطر الندى لابن هشام (ص: ١٥١) مغني اللبيب لابن هشام (ص: ٢٨٨، ٢٨٧)، همع الهوامع للسيوطي (١/ ١٤٣) ويروى الشطر الأول: أعد نظرا يا عبد قيس لعلما والشاهد فيه: ورود الفعل «أضاءت» متعديا.
[ ١ / ٥٦ ]
عنترة [من الكامل]: فتركته جزر السّباع ينشنه (^١).
وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ إخبار عن مبتدأ محذوف تقديره: المنافقون صم بكم عمي؛ لأنهم لما لم ينتفعوا بأبصارهم في النظر في ملكوت السماوات والأرض صاروا (٣ /ب) كالأعمى، ولما لم ينطقوا بألسنتهم بالثناء على الله جعلوا بكما، ولما لم يسمعوا ما أنزل الله سماع مقبل كانوا صما؛ لفوات المقصود الأعظم من هذه الخواص، قال الشاعر [من الكامل]:
خلقوا وما خلقوا لمكرمة فكأنهم خلقوا وما خلقوا
رزقوا وما رزقوا سماح يد فكأنهم رزقوا وما رزقوا (^٢)
_________________
(١) البيت من معلقته، وعجزه: يقضمن حسن بنانه والمعصم ويروى: فتركته جزر السباع ينشنه ما بين قلّة رأسه والمعصم ينظر في الأغاني للأصفهاني (١/ ٢٦٢)، جمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي (ص: ٢٢٦)، روح المعانى للألوسي (٢٠/ ١٣٣)، الكشاف للزمخشري (١/ ٧٥). وجزر السباع أي: قتيلا تنتابه السباع، وإنما سموها جزرة؛ لأنها تجزر أي: تقطع أوصالها وتفصل، وأصل الجزر القطع ومنه جزر الماء وهو انقطاعه بعد المد، ولذلك سميت البقاع المرتفعة التي لا يغمرها الماء وسط البحور جزائر. وقلة الرأس: أعلاه. ينظر: غريب الحديث للخطابي (٢/ ٣٩٠).
(٢) البيتان من الشواهد على نوع من أنواع البديع وهو طباق السلب وهو الجمع بين فعلي مصدر واحد مثبت ومنفي أو أمر ونهي كقوله - تعالى: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاخْشَوْنِ وقول الشاعر: وننكر إن شئنا على الناس قولهم ولا ينكرون القول حين نقول وقول البحتري: يقيض لي من حيث لا أعلم النوى ويسري إلي الشوق من حيث أعلم وقول أبي الطيب: ولقد عرفت وما عرفت حقيقة ولقد جهلت وما جهلت خمولا ينظر البيتان في: الإيضاح في علوم البلاغة للخطيب القزويني (١/ ٣٢٠) ط. دار إحياء العلوم، بيروت، ١٩٩٨ م، خزانة الأدب وغاية الأرب لأبي بكر الحموي (١/ ١٥٩) ط. دار ومكتبة الهلال، بيروت ١٩٨٧ م، تحقيق: عصام شعيتو.
[ ١ / ٥٧ ]
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾
وقوله ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ المعنى فيه: أنك إن أردت تشبيه المنافقين في انتظارهم رسول الله ﷺ أنه يبعث ويؤمنون به، وكانوا من قبل يستفتحون، ويستنصرون على عدوهم، ويقولون:
«اللهم انصرنا عليهم بالنبي الذي تبعثه في آخر الزمان» (^١) ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ فهذا مثلهم.
وإن أردت تمثيل القرآن والهدى الذي جاءهم، وما فيه من التخويفات، ولم يكن حظهم من ذلك إلا الخوف والحذر ﴿يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٦٤] فمثلهم مثل الصيب الذي حظ المسافر منه الخوف من رعوده وصواعقه، ومقصوده الأعظم: ري الأرض، ونجابة زراعتها.
وقوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ﴾ الضمير في ﴿يَجْعَلُونَ﴾ لأصحاب الصيب.
والمحيط: مشتق من الإحاطة بالشيء، ومن أحاط بالشيء من جميع جهاته، حصل له العلم به والاستيلاء عليه، والتمكن منه غالبا، فقوله ﴿وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾ يريد: أنه مهلكهم؛ كقوله: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦]، ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] ويجوز أن يريد أنه عالم؛ كقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤] ﴿قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
وذكر في الإضاءة ﴿كُلَّما﴾؛ لأنهم كانوا حراصا على الحركة، فإذا لاح لهم أدنى نور
_________________
(١) أورده الواحدي في أسباب النزول (ص: ٣١) رقم (٣٨) عن ابن عباس، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٦٣)، من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه عن جده، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - ﵄ - قال: كانت يهود خيبر تقابل غطفان فكلما التقوا، هزمت يهود خيبر، فعاذت اليهود بهذا الدعاء: اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم. قال: فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء، فهزموا غطفان، فلما بعث النبي ﷺ كفروا فأنزل الله: وقد كانوا يستفتحون بك يا محمد على الكافرين. قال الذهبي معقبا: لا ضرورة في ذلك أي لإخراجه، فعبد الملك متروك هالك.
[ ١ / ٥٨ ]
بادروا إلى اغتنامه، وقال في الإظلام: ﴿وَإِذا أَظْلَمَ﴾؛ لأنهم لم يكونوا حراصا على التوقف، وأظلم يستعمل لازما ومتعديا. وقوله: ﴿قامُوا﴾ امتنعوا من الحركة، وليس المراد القيام الذي يضاد القعود، ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ﴾ لزاد في قصيف الرعد، فذهب بسمعهم أو زاد في وميض البرق، فذهب بأبصارهم.
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤)﴾
وأكثر ما في القرآن ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ يراد به أهل مكة، وأكثر ما فيه: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا *﴾ يراد به: أهل المدينة، وقوله: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ يجوز أن يريد به: اعبدوا الرب الذي خلق ولا تعبدوا ربّا غيره (٤ /أ)؛ كقوله: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] ويجوز أن يراد به الثناء؛ كقوله: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١].
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ معطوف على مفعول ﴿خَلَقَكُمْ﴾. وقوله ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ يجوز أن يكون مفعول قوله: ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾، ويجوز أن يكون المجرور، وقد سدّ مسدّ الخبر؛ كقوله: ﴿وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا﴾ [مريم: ٥٠] وتقديره: أخرج به بعض الثمرات. و﴿رِزْقًا﴾ على هذا: مفعول من أجله، و﴿لَكُمُ﴾ معمول للمفعول من أجله.
الند: المثل المناوئ، مأخوذ من: ند البعير إذا نفر.
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يجوز أن يكون محذوف المفعول لا يراد، تقديره كأنه قال:
وأنتم من أهل العلم، ويجوز أن يراد له مفعول، ويحتمل وجهين:
أحدهما: وأنتم تعلمون أنه متعال عن الأنداد، وثانيهما: أن تكون تلك الآلهة التي عبدت لا تصلح أن تكون له أندادا.
وقوله: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ الهاء في ﴿مِثْلِهِ﴾ تعود إلى القرآن. وقيل: تعود إلى النبي، والتقدير: ائتوا بقرآن يلقي به رجل أمي لم يصحب العلماء ولم يقرأ الكتب كقوله: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وهذا ضعيف؛ لأنه يخرج القرآن عن أن
[ ١ / ٥٩ ]
يكون معجزا، وإنما المعجز عنده صرف الداعي عن الشروع في الإتيان بمثله، ويبطله قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨]. ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ (^١) [الطور: ٣٤]. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨].
وقوله: ﴿وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ﴾ أي: من يشهد لكم بأن الذي أتيتم به يصلح للمعارضة.
أو فادعوا من بحضرتكم من جلسائكم الفصحاء وخطبائكم البلغاء. وقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ جملة معترضة بين الشرط والجزاء وهي إخبار بغيب، وجعل جزاء الشرط الأمر باتقاء النار، والتقدير: فإن لم تأتوا بسورة من مثله، وعجزتم أنتم ومن بحضرتكم - وجب الخلود في النار - فعليكم أن تتقوا النار باجتناب معارضة القرآن.
المراد بالحجارة: حجارة الكبريت؛ لأنها تزيد النار التهابا ورائحة منكرة، وقيل: المراد الأصنام؛ لأنها تلقى في النار مع الكفار إرغاما لمن عبدها ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ٩٩] (٤ /ب) ونار جهنم - أعاذنا الله منها - لشدة حرّها يتقد فيها ما لا يتقد في غيرها من الحجارة وأشباهها. والوقود والحطب، وأتى هاهنا ب ﴿الَّتِي﴾ وهي إنما يؤتى بها حيث تكون الصلة معلومة للمخاطب، كقولك: أكرم زيدا الذي أنقذك بالأمس من فتنة كذا. وقد علم ذلك بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ [التحريم: ٦] وهذه الآية دليل على أن النار مخلوقة، وقالت المعتزلة: لا فائدة من خلقها الآن وقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ يرد عليهم ظاهرا (^٢).
_________________
(١) في الأصل: «قل فأتوا بحديث مثله إن كنتم صادقين» وليس بآية، وما أثبتناه من سورة الطور: الآية: ٣٤.
(٢) مسألة خلق الجنة والنار الآن من المسائل التي دار حولها خلاف بين متكلمي المسلمين، فاتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن. ولم يزل أهل السنة على ذلك حتى نبغت نابغة من المعتزلة القدرية فأنكرت ذلك، وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة، وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله، وأنه ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا. وقاسوه على خلقه في أفعالهم، فهم مشبهة في الفعال، ودخل التجهم فيهم فصاروا مع ذلك معطلة، وقالوا: خلق الجنة قبل الجزاء عبث؛ لأنها تصير معطلة مددا متطاولة، فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب - تعالى - وحرفوا النصوص عن مواضعها وضللوا وبدّعوا من خالف شريعتهم. وقد وردت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة التي تدل على بطلان هذا القول. -
[ ١ / ٦٠ ]
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥) إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦)﴾
والبشارة: أول خبر سار صادق. والجنة: البستان المظلل بأغصانه وأوراقه؛ لأنه يستر ما حواه، وجن الليل: أظلم وستر بظلامه، والجنة: الجن؛ سموا بذلك لاستتارهم عن الأعين، والجنة: الترس؛ لأنه يستر من وراءه. الألف واللام في «الأنهار» عوض عن الإضافة، أي: أنهارها؛ كقوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ﴾ [مريم: ٤] أي: رأسي. وقيل: هما للعهد المذكور في سورة القتال: ﴿فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية [محمد: ١٥].
﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: تجرى من تحت غرفها؛ كقوله: ﴿لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠]. وقيل: من تحت أشجارها؛ كما في بساتين الدنيا. وقيل: أنهار الجنة تجري في غير أخدود، وأهل الجنة يفجرونها تفجيرا كيف شاؤوا.
﴿كُلَّما رُزِقُوا﴾ من البستان ﴿مِنْ ثَمَرَةٍ﴾ فابتداء الرزق من البستان، وابتداء الرزق الحاصل من البستان من الثمرة ﴿قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في الدنيا؛ لأن ذلك يشاركه في الاسم خاصة لا في الطعم واللون والرائحة. وقيل: كلما جنوا ثمرة تخلفها أخرى فيشيرون إلى الحادثة ويقولون: ﴿هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ بسط لعذرهم في قولهم: ﴿هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ﴾؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] ثم صدقها الله بقوله: ﴿وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾: من البول والغائط والحيض ومن مساوئ الأخلاق وفساد الأحوال بمخالطة من لا يصلح.
_________________
(١) = ينظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (ص: ٢٤ - ٤٢٢) تحقيق جماعة من العلماء وتخريج الشيخ الألباني، ط ٣، المكتب الإسلامي.
[ ١ / ٦١ ]
لما ذكر الله في كتابه البعوض والعنكبوت تضاحكت اليهود وقالوا: هذا لا يشبه كلام الله، وكيف يذكر (٥ /أ) العلي الأعلى هذه الأشياء المحقّرة، وغلطوا في ذلك، فإن الحقير إنما يضرب له المثل بالحقير، وضرب المثل اعتماده وتصييره، كقولك: «ضربت الطين لبنا، والفضة خاتما» فهو يتعدى إلى مفعولين. والبضع والبعض: القطع، والبعوض: فعول من القطع؛ لأنه يشق اللحم فيمتص الدم. ﴿فَما فَوْقَها﴾ أكبر منها. وقيل: أصغر؛ لأنه فوقها في الحقارة.
﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الضمير يرجع إلى المثل أو إلى ضربه. وإنما قال: ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ والمهديون قليل بالنسبة إلى الضالين وإن كانوا في أنفسهم كثيرا (^١).
﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾
﴿وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: ٢٥] وهو صلة الأرحام. وقيل: تصديق جميع الأنبياء فيما جاؤوا به. ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا﴾ نطفا ﴿فَأَحْياكُمْ﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ فيها ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ يبعثكم يوم القيامة، والتقدير: كيف تكفرون وأنتم عالمون بهذا الترتيب؟ وإنما جاء بلفظة: «كيف» التي هي إنكار للأحوال، ولم ينكر أصل الكفر؛ لأنه إذا أنكر أحوال الكفر كلها لم يوجد الكفر؛ كما لو ادّعى خامل (^٢) اجتماعه بالسلطان وخوضه معه في مصالح الدولة، فيقال له: أين اجتمعت به في داره أم في الموكب؟ تقديره: إن قلت: إنك اجتمعت به في الموكب. فهناك حجّاب يمنعونك من الاجتماع به. وإن قلت: في داره. فكذلك. فإذا بطلت جهات الاجتماع بطل الاجتماع به.
_________________
(١) قال الزمخشري في الكشاف (١/ ١١٨): «فإن قلت: لم وصف المهديون بالكثرة - والقلة صفتهم؟ قلت: أهل الهدى كثير في أنفسهم وحين يوصفون بالقلة إنما يوصفون بها بالقياس إلى أهل الضلال. وأيضا فإن القليل من المهديين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة فسموا ذهابا إلى الحقيقة كثيرا».
(٢) الخامل من الرجال: الخفي الساقط الذي لا نباهة له، ولا إرادة مستقلة تحمله على الاجتراء، يقال: هو خامل الذكر والصوت، والجمع: خملة. ينظر: لسان العرب (خمل).
[ ١ / ٦٢ ]
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ فيه دليل على أن أصل الأشياء بعد ورود الشرع على الإباحة (^١).
﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ﴾ ثم قصد بعد خلق الأرض إيجاد السماوات، ولم يحدث بين إيجادهما خلق شيء آخر.
﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٩)﴾
وقولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ استفهام، معناه: أتخلق هؤلاء العصاة مع بقائنا نحن على وظائف التسبيح والتقديس، أم تمكر بنا أيضا، وإنما شهدوا على البشر بالمعصية، لجواز أن يعلمهم الله ذلك بطريق من الطرق، أو بأن يروه في اللوح المحفوظ مكتوبا.
_________________
(١) الأصل في الأشياء الإباحة؛ لأن الإباحة هي الحكم الأصلي لموجودات الكون، وإنما يحرم ما يحرم منها بدليل من الشارع لمضرتها، والدليل على أن الحكم الأصلي للأشياء النافعة هو الإباحة: قوله - تعالى - ممتنا على عباده: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الجاثية: ١٣] وقوله - تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: ٢٩] ولا يتم الامتنان ولا يكون التسخير إلا إذا كان الانتفاع بهذه المخلوقات مباحا. أما الأشياء الضارة فالأصل فيها التحريم لقوله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار». ينظر في ذلك: الأشباه والنظائر للسيوطي (١/ ٦٠)، الوجيز في أصول الفقه لعبد الكريم زيدان (ص: ٢٦٨).
[ ١ / ٦٣ ]
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ﴾ أسماء المسميات بمنافعها، ثم عرض المسميات على الملائكة.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في زعمكم أن الله لا يخلق خلقا أفضل منكم، أو خلقا يعلمون ما لا تعلمون، وهو الذي قال فيه: ﴿وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
(٥ /ب) وقوله: ﴿اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ هو وضع الجبهة على الأرض تعظيما لآدم، وكان ذلك جائزا وقد سجد يعقوب وبنوه ليوسف (^١). وقيل: اسجدوا لسجود آدم، فجعله إماما يصلي بهم، وقيل: اسجدوا لجهة آدم وجعله قبلة، وإبليس كان من الملائكة. وقيل:
لم يكن منهم؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] والجن ليسوا ملائكة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ: ٤٠] تبرأت الملائكة ونسبوا العبادة إلى الجن، فلو كانوا ملائكة، لم تحصل البراءة لهم. وقوله: ﴿وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ أي: في علم الله. وكان بمعنى صار.
قوله: ﴿وَلا تَقْرَبا﴾ مبالغة في التحريم، والتحفظ من الوقوع فيه، وأشار بهذه الشجرة إلى شجرة واحدة. وقيل: إشارة إلى جنس بجملته حرمه عليهم، فقيل: شجرة العنب.
وقيل: القمح، وكان شجرا، ولا يتعلق بتعيين الشجرة غرض صحيح.
وقوله: ﴿فَتَكُونا﴾ يجوز أن يكون مجزوما معطوفا، وأن يكون منصوبا، جوابا للنهى.
﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ أي: أوقعهما في الزلة ﴿عَنْها﴾: قيل عن الشجرة. وقيل: عن الجنة.
﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يريد ما عليه الناس من التعادي والتحارب. وقيل: أراد: آدم وحواء وإبليس. قيل: والحية أيضا، والأول أصح؛ لقوله: ﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ أي:
فإن يأتكم مني هدى على لسان رسول أبعثه إليكم فمن اتبع ما جاء به كان مفلحا، ومن خالفه فكفر به وكذب بالآيات خلّد في النار، وهذا إنما يليق بالمكلفين لا بالحية.
﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا﴾
_________________
(١) ورد ذلك في قوله - تعالى - في سورة يوسف الآية: ١٠٠: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا.
[ ١ / ٦٤ ]
﴿الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ (٤٣) أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥)﴾
يا بني آدم ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ أي: اشكروها ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ﴾ بها ﴿عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا﴾ بالعهد الذي عاهدتكم عليه من الإيمان بالرسل وتصديق ما جاؤوا به من الكتب ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ الذي عاهدتكم عليه من الثواب والعقاب. والعهد: يضاف إلى الموثق والموثق عليه.
والرهبة: الخوف ﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ﴾ من القرآن ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ من التوراة والإنجيل ﴿وَلا تَكُونُوا﴾ مثل ﴿أَوَّلَ كافِرٍ﴾ أو كل واحد منكم مثل أول كافر، والمراد أول فريق كافر أو أول فوج.
﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ هو ما كانوا يأخذونه من عوامهم من الهدايا (٦ /أ) والرشا وما يأخذونه من كبرائهم على التحريف والتبديل. ولا تجعلوا الحق ملتبسا بباطلكم ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ يجوز أن يكون مجزوما معطوفا، وأن يكون منصوبا بالواو في جواب النهي.
وقوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أمر بالصلاة بعد الأمر بها بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ مبالغة في وجوبها. وقيل معناه: ولتكن صلاتكم في جماعة. ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ﴾: حال يقتضي زيادة قبح ما فعلوه، وأنه لا يفعله من له أدنى عقل ولهذا قال بعده: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ والتقدير: أسلبتم العقول فلا تعقلون، أو أجننتم فلا تعقلون. ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ عند المصائب. وقيل: بالصبر على الصلاة ومداومتها؛ كقوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طه: ١٣٢]، وقيل: إذا أصابتكم شدة فافزعوا إلى الصلاة والصبر.
وكان الرسول ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة (^١). ﴿وَإِنَّها﴾ وإن الاستعانة. وقيل: وإن الصلاة، وإنما لم تكبر على الخاشعين فلم تثقل عليهم لما يجدون من حلاوة المناجاة، وقال النبي ﷺ: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» (^٢).
_________________
(١) رواه بهذا اللفظ الطبري في تفسيره (١/ ٢٩٨)، والبيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٤٥٣). وبلفظ: «إذا حزبه أمر صلى» رواه أحمد في المسند (٥/ ٣٨٨)، وأبو داود رقم (١٣١٩).
(٢) هذا جزء من حديث ولفظه: «حبب إلي النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة» رواه بهذا اللفظ الإمام أحمد في المسند (٣/ ٢٨٥)، والنسائي في المجتبى (٧/ ٦٢)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٦٠)، ورواه أحمد (١٩٩، ٣/ ١٢٨)، والنسائي (٧/ ٦١)، وذكره الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير (٣/ ٢٤٩) بلفظ: «وجعل قرة عيني في الصلاة» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقال الحافظ ابن حجر: وإسناده حسن، ثم قال الحافظ في التلخيص -
[ ١ / ٦٥ ]
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ أي: يستيقنون؛ كقوله: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها﴾ [الكهف: ٥٣] أي: أنهم ملاقوا جزاء ربهم، وأنهم إلى معاد جزائه ﴿راجِعُونَ﴾. ﴿عَلَى الْعالَمِينَ﴾ أي: عالمي زمانهم. ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾: كافرة. العدل: الفدية، ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يكلفونكم ﴿وَفِي ذلِكُمْ﴾ أي: في إنجائكم ﴿بَلاءٌ﴾ أي: نعمة؛ كقوله: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]. وقيل: وفي ذلكم التعذيب بلاء أي: شدة.
﴿فَرَقْنا بِكُمُ﴾ أي: بسببكم ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ القبط، ومن وافقه على دينه ﴿وَإِذْ واعَدْنا مُوسى﴾ (^١) انقضاء أربعين يوما ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ من بعد انطلاقه إلى الجبل ليسمع كلام
_________________
(١) = (٢٥٠، ٣/ ٢٤٩): وقد اشتهر على الألسنة زيادة: «ثلاث» وشرحه الإمام أبو بكر بن فورك في جزء مفرد على ذلك، وكذلك ذكره الغزالي في (الإحياء) ولم نجد لفظ «ثلاث» في شيء من طرقه المسندة. قرأ وعدنا بدون ألف: أبو عمرو وعاصم الجحدري وأبو جعفر وعيسى بن عمر ويعقوب وغيرهم.
(٢) وقرأ الباقون «واعدنا» تنظر في: إتحاف فضلاء البشر (١/ ٣٩١)، إعراب القرآن للنحاس (١/ ٢٢٣، ٢٢٤)، الإملاء للعكبري (١/ ٢١)، البحر المحيط لأبي حيان (١/ ١٩٩)، جامع القرطبي (١/ ٣٩٤)، الحجة لابن خالويه (ص ٧٦)، الحجة للفارسي (٢/ ٥٦)، الدر المصون (١/ ٢٢٢)، السبعة لابن مجاهد (ص ١٥٤)، الكشاف للزمخشري (١/ ٢٨٠) ورجح أبو عبيد قراءة «وعدنا» بأن المواعدة إنما تكون من البشر، وأما الله - تعالى - فهو المنفرد بالوعد والوعيد، وكذلك رجح هذه القراءة مكي وأبو حاتم، ورجح قوم آخرون القراءة الأخرى، وينظر تفصيل ذلك في: الدر المصون (١/ ٢٢٢).
[ ١ / ٦٦ ]
الله مع سبعين رجلا من خيار قومه، ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ من بعده إلها ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ أي: قوم عادتكم الظلم.
والفرقان: قيل: انفراق البحر حين ضربه بعصاه فانفرق اثني عشر فرقا لكل سبط فرق وقيل: الفرقان هاهنا: التوراة؛ لأنها فرقت بين الحق والباطل.
﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أمر من لم يعبد العجل أن يقتل من عبده. وقيل: أمر كل من عبد العجل أن يقتل نفسه. (٦ /ب) [وحين نزلت] التوبة على بني إسرائيل، فسقطت السيوف من أيديهم حين تاب الله عليهم. وقيل: وبلغ القتلى سبعين ألفا.
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩) وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠) وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾
ولما توجه موسى بسبعين رجلا، اختارهم موسى من قومه إلى الجبل فأسمعهم الله كلاما له فسألوا رؤية الله، فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقال موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]: ماذا أقول لبني إسرائيل إذا عدتّ إليهم فأحياهم الله - تعالى -
[ ١ / ٦٧ ]
بدعاء موسى.
﴿الْغَمامَ﴾ جعلنا الغمام مظللا عليكم في التيه. والسلوى: طائر يشبه السّمّاني (^١)، كان يسقط عليهم فيأخذون منه كفايتهم.
كانوا فلاحين معتادين لأكل العدس والبصل وغيره فسألوا عادتهم. والفوم: الخبز.
وقيل: الثّوم. ﴿اِهْبِطُوا مِصْرًا﴾ أي: بلدا، أي بلد كان تجدوا فيه ما سألتم. وجعلت الذّلّة كالقبة المحيطة المشتملة عليهم ﴿وَباؤُ﴾ أي: رجعّوا. وقيل: احتملوا، أي: تلك الذّلّة والمسكنة بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء، وذلك الكفر والقتل والجرأة عليهما، بسبب عصيانهم ومجاوزتهم الحدّ.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بألسنتهم. ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: بقلبه. وقيل: من آمن، أي: دام على الإيمان. وقيل: إنّ الذين آمنوا بالتوراة والإنجيل من غير تبديل من آمن منهم بالقرآن، ومحمّد ﵊. ﴿وَالصّابِئِينَ﴾ مأخوذ من قولهم: صبأت النجوم: إذا خرجت من مراكزها، فقيل: الصابئون من النصارى، والسّامرة من اليهود، كالمعتزلة (^٢) من المسلمين أصحاب بدعة لم يخرجوا بها عن أصل الإسلام والشريعة.
_________________
(١) السماني: ضرب من الطير، واحدته: سماناة وقد يكون السماني واحدا قال الجوهري: ولا تقل سماني بالتشديد وهو طائر صغير من رتبة الدجاجيات، جسمه منضغط ممتلئ، وهو من القواطع التي تهاجر شتاء إلى الحبشة والسودان ويستوطن أوربا وحوض البحر المتوسط. ينظر: لسان العرب (سمن).
(٢) المعتزلة: قال شارح الطحاوية: هم عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء الغزال وأصحابهما، سموا بذلك لما اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن البصري - ﵀ - في أوائل المائة الثانية، وكانوا يجلسون معتزلين، فيقول قتادة وغيره: أولئك المعتزلة. وقيل: إن واصل بن عطاء هو الذي وضع أصول مذهب المعتزلة، وتابعه عمرو بن عبيد تلميذ الحسن البصري، فلما كان زمن هارون الرشيد صنف لهم أبو الهذيل كتابين، وبيّن مذهبهم، وبنى مذهبهم على الأصول الخمسة وهي: العدل، والتوحيد، وإنفاذ الوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولبسوا فيها الحق بالباطل، إذ شأن البدع هذا، اشتمالها على حق وباطل. وهم مشبهة الأفعال؛ لأنهم قاسوا أفعال الله - تعالى - على أفعال عباده، وجعلوا ما يحسن من العباد يحسن منه، وما يقبح من العباد يقبح منه - تعالى الله -
[ ١ / ٦٨ ]
فعلى هذا: يقرّون بالجزية وتحلّ مناكحتهم وذبائحهم وقيل: بل هم أصحاب مذهب مستقلّ فلا يقرون بالجزية ولا تحل مناكحتهم وذبائحهم.
﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٦٧) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (٦٨) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ (٦٩) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾
ولما جاء موسى بالتوراة، ورأى اليهود ما فيها من التكاليف الشاقة قالوا: ما نقبل هذه الأحكام، فراودهم موسى، فأبوا فرفع الله الجبل عليهم وصار كالظلة فوق رؤوسهم، فخروا ساجدين خوفا أن يسقط عليهم، وقبلوا أحكام التوراة.
﴿بِقُوَّةٍ﴾ أي: بجدّ ولما كان الصيد محرما على اليهود في يوم السبت فابتلاهم الله بأن صارت [ظاهرة ما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السبت] (^١) لا تمتنع ممن يأخذها، فإذا انقضى السبت (٧ /أ) تفرقت في البحر فعملت اليهود حياضا واسعة كبيرة إلى جانب البحر، وفتحوا ماء البحر إليها يوم السبت، فاجتمع في الحياض سمك كثير ثم سدّوا الحياض، وبقي السّمك فيها، فأخذوه يوم الأحد وذلك في أيلة (^٢).
_________________
(١) = عما يقولون - وقالوا: يجب عليه أن يفعل كذا، ولا يجوز له أن يفعل كذا بمقتضى ذلك القياس الفاسد!! فإن السيد من بني آدم لو رأى عبيده تزني بإمائه ولا يمنعهم من ذلك لعد إما مستحسنا للقبيح وإما عاجزا فكيف يصح قياس أفعاله - ﷾ - على أفعال عباده؟! والكلام في هذا المعنى مبسوط في موضعه. ينظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص: ٥٢١).
(٢) بياض في الأصل وما بين المعقوفين مثبت من الكشاف (١/ ١٤٧) لتمام السياق.
(٣) أيلة - بالفتح: مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلي الشام، وقيل: هي آخر الحجاز وأول الشام. وهي مدينة صغيرة عامرة بها زرع يسير. وقيل: سميت بأيلة بنت مدين بن إبراهيم ﵇. -
[ ١ / ٦٩ ]
وكان داود ﵇ عندهم، فسبهم، ولعنهم بعد أن نهاهم، فلم ينتهوا فمسخ الله الذين فعلوا ذلك. ﴿قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ خسأت الكلب: إذا طردته وأبعدته. ﴿فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾ من القرى ﴿وَما خَلْفَها﴾ وقيل: نكالا لمن يأتي بعدهم من القرون فيخاف من المخالفة أن يحلّ به مثل ما حلّ بالأول. وقيل: لمن يأتي بعدهم من الأمم ولمن مضى قبلهم أخبرتهم أنبياؤهم أنه سيمسخ قوم قردة فخافوا وارتدعوا.
كان في بني إسرائيل شيخ موسر قتله أبناء عمه، وأخذوا ماله وأصبحوا يطلبون دية قتيلهم، فسألوا موسى ﵇ عن الحكم في ذلك فأمره الله - تعالى - أن يذبحوا بقرة، فعجبوا وقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾. أي: مهزوّا بنا. والاستهزاء جهل استعاذ موسى ﵇ منه، فقالوا: ما هذه البقرة؟ فقال: ﴿إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ﴾ أي: كبيرة السن ﴿وَلا بِكْرٌ﴾ أي:
صغيرة. والعوان: وسط الأسنان.
﴿إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ﴾ شديدة الصفرة. وقيل: سوداء. ﴿لا ذَلُولٌ﴾ أي: ليست مذللة بالعمل، فلا هي تحرث الأرض فتثيرها، ولا تستعمل في النواضح ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ من العيوب لا لون فيها يخالف الصفرة، حتى قيل: إن قرنها وظلفها (^١) كانا أصفرين.
كان في بني إسرائيل رجل صالح حضرته الوفاة، وكان له عجلة فتركها في غيضة (^٢) موفرة (^٣) عن العمل، فقال: اللهم إني أستودعك هذه العجلة لا بني هذا، ثم اتفقت لهم حاجة بعد موته فقالت أم الصبي: إن أباك قد استودع لك عجلة في الغيضة، فاذهب إليها في
_________________
(١) = ينظر: معجم البلدان لياقوت الحموي (١/ ٢٩٢).
(٢) الظلف: ظفر كل ما اجتر وهو ظلف البقرة والشاة والظبي وما أشبهها والجمع أظلاف. قال ابن السكيت: يقال: رجل الإنسان وقدمه، وحافر الفرس، وخف البعير والنعامة، وظلف البقرة والشاة. ينظر: لسان العرب (ظلف).
(٣) الغيضة: هو الموضع يكثر فيه الشجر ويلتف والجمع: غياض وأغياض. ينظر: لسان العرب (غيض).
(٤) الوفر من المال والمتاع: الكثير الواسع. وقيل: هو العام من كل شيء، والجمع: وفور وقد وفر المال والنبات والشيء بنفسه وفرا ووفورا وفرة. وأرض وفراء في نباتها فرة، وهذه أرض في نباتها وفر ووفرة وفرة أيضا أي: وفور لم ترع، والوفراء: الأرض التي لم ينقص من نبتها. ينظر: لسان العرب (وفر).
[ ١ / ٧٠ ]
الغيضة، وادعها بإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فإنها تطيعك فذهب ودعاها، فأتت فقالت أمه: اذهب بها إلى السوق واعرضها للبيع ولا تبعها حتى تشاورني، وكان الولد بارّا بأمه، وكانت البقرة تساوي ثلاثة دنانير، فذهب بها إلى السوق، فبعث الله ملكا في صورة رجل فقال للصبي: أتبيعها بثلاثة دنانير [فرجع إلى أمه ليعرفها] (٧ /ب) فقالت له:
اطلب زيادة، فجاء فعرفه فزاده فقال: بعنيها، ولا تشاور أمك فلم يفعل وشاورها فطلبت زيادة فقال الملك للشاب: إن هذه البقرة لها شأن فلا تبعها إلا بما تختار فلم يجد بنو إسرائيل بقرة بالصفة التي ذكرها موسى ﵇ سوى هذه البقرة فقيل: باعها الصبي لهم بملء جلدها ذهبا.
ثم ذبحوا (^١) بنو إسرائيل وضربوا الميت بجزء منها فقام وأوادجه تشخب (^٢) دما، وقال:
قتلني هؤلاء الذين يطلبون ديتي من غيرهم، فحرموا الميراث وفي الآثار: لم يورث قاتل بعد قصة البقرة (^٣).
وقوله: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ إما أن يكون لغلاء ثمنها، أو لكثرة تعنتهم وأسئلتهم.
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادّارَأْتُمْ فِيها وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾
_________________
(١) كذا في الأصل «ذبحوا» وهي على لغة طيئ وأزد شنوءة وبلحارث، وهي مسألة مشهورة من مسائل الخلاف النحوي وهي «إلحاق علامتي التثنية والجمع بالفعل المسند إلى فاعل أو نائب فاعل ظاهرين»؛ وقد منع جمهور النحاة إلحاق علامتي التثنية والجمع بالفعل المسند إلى فاعل أو نائب فاعل ظاهرين، وعدّوا ذلك لغة ضعيفة وشاذة وقليلة ولا يجوز القياس عليها. وأجازها فريق آخر من النحويين واللغويين منهم: ابن يعيش والزمخشري وابن مالك والسيوطي، وأدلتهم قوية من السماع. وهو الصحيح؛ لورودها في القرآن الكريم والحديث النبوي وكلام العرب شعره ونثره. وينظر تفصيل ذلك في: أوضح المسالك (١/ ٣٥١)، شرح المفصل لابن يعيش (١/ ٢٣٦)، المغني لابن هشام (٣٦٥/ ٢)، همع الهوامع (١/ ٥١٣).
(٢) الشّخب: السّيلان وأصل الشّخب: ما يخرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة وعصرة لضرع الشاة. ينظر: لسان العرب (شخب).
(٣) ذكره ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ١٤١) عن ابن سيرين عن عبيدة بهذا اللفظ.
[ ١ / ٧١ ]
وقوله: فدارءتم أي: تدافعتم، والدرء: الدفع أي: كل واحد يطرح القتيل على غيره ويتبرأ منه. ﴿اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ أي: بلسانها، وقيل: بالغضروف (^١). وقيل: بأي جزء منها كان. ﴿كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى﴾.
وفي هذه القصة فوائد منها: أنه ينبغي أن نتقبل الأوامر الإلهية، ونسارع إليها، وألا نكثر من الأسئلة. وأن يكون الذي نتقرب به إلى الله متوسطا لا هرما ولا صغيرا قليل اللحم، وأن يكون حسن الصورة يعجب من رآه وأن يغالى في ثمنه. وقد اختلف في البقرة المأمور بذبحها: فقيل: كانت متعينة من أول الأمر، ولهذا اشتريت بملء جلدها ذهبا. وقيل: لو ذبحوا أيّ بقرة شاؤوا من أول الأمر أجزأت لكنهم شددوا فشدد الله عليهم. وفيها دليل على جواز النسخ قبل العمل بالأمر (^٢).
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (١/ ١٩٤) ونسبه لوكيع والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «ضرب بالعظم الذي يلي الغضروف». والغضروف: كل عظم رخص لين في أي موضع كان، وغضروف الكتف: رأس لوحها. ينظر: لسان العرب (غضرف).
(٢) وهذا خلاف ما ذهبت إليه المعتزلة حيث منعوا جواز ذلك. قال العلامة ابن القيم في مفتاح دار السعادة (٢/ ٤٠) ط. دار الكتب العلمية، بيروت: «ومنعوا - أي: المعتزلة - النسخ قبل وقت الفعل ونازعهم جمهور هذه الأمة في هذا الأصل، وجوزوا وقوع النسخ قبل حضور وقت الفعل، ثم انقسموا قسمين: فنفاة التحسين والتقبيح بنوه على أصلهم، ومثبتو التحسين والتقبيح أجابوا عن ذلك بأن المصلحة كما تنشأ من الفعل فإنها أيضا قد تنشأ من العزم عليه وتوطين النفس على الامتثال، وتكون المصلحة المطلوبة هي العزم وتوطين النفس لإيقاع الفعل في الخارج، فإذا أمر المكلف بأمر فعزم عليه وتهيأ له ووطن نفسه على امتثاله فحصلت المصلحة المرادة منه لم يمتنع نسخ الفعل وإن لم يوقعه؛ لأنه لا مصلحة له فيه وهذا كأمر إبراهيم الخليل بذبح ولده، فإن المصلحة لم تكن في ذبحه وإنما كانت في استسلام الوالد والولد لأمر الله وعزمهما عليه وتوطينهما أنفسهما على امتثاله، فلما حصلت هذه المصلحة بقي الذبح مفسدة في حقهما فنسخه الله ورفعه، وهذا هو الجواب الحق الشافي في المسألة، وبه تتبين الحكمة الباهرة في إثبات ما أثبته الله من الأحكام ونسخ ما نسخه منها بعد وقوعه، ونسخ ما نسخ منها قبل إيقاعه، وأن له في ذلك كله من الحكم البالغة ما تشهد له بأنه أحكم الحاكمين، وأنه اللطيف الخبير الذي بهرت حكمته العقول فتبارك الله رب العالمين». وقال الإمام الشيرازي في كتاب (اللمع في أصول الفقه) (١/ ٢٩) ط. دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٨٥ م: «أما نسخ الفعل قبل دخول وقته فيجوز وليس ذلك ببداء، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ذلك وهو قول المعتزلة وزعموا أن ذلك بداء والدليل على جواز ذلك أن الله - تعالى - أمر -
[ ١ / ٧٢ ]
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي: ما كان ينبغي أن تقسو بعد رؤية هذه الآية العظيمة، وهو كقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢] ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا﴾ [الجاثية: ٨] كله استبعاد لما جرى منهم بعد رؤية ما سبق.
قوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ لسيت «أو» للشك؛ بل لأن قساوة القلوب مختلفة جدّا فبعضها يشبه الحجارة، وبعضها أشد قساوة من الحجارة. ثم بين فضل الحجارة على قلوبهم، فقال:
﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ فإن للحجارة خشية، ولله - تعالى - علم في هذه الجمادات. لا نعلمه (٨ /أ) كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وقال ﵇: «إني لأعرف حجرا كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث» (^١).
وفي الحديث: «كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل» (^٢).
_________________
(١) = إبراهيم ﵇ بذبح ابنه ثم نسخه قبل وقت الفعل فدل على جوازه، والدليل على أنه ليس ببداء ما بيناه من أن البداء ظهور ما كان خفيّا عنه وليس في النسخ قبل الوقت هذا المعنى». وتنظر المسألة في (الإحكام في أصول الأحكام) لابن حزم (٤/ ٥١٢) ط. دار الحديث، القاهرة، ١٤٠٤ هـ، (الفصول في الأصول) للجصاص (٢/ ٢٢٩) ط. وزارة الأوقاف الكويتية - ١٤٠٥ هـ تحقيق: الدكتور عجيل النشمي.
(٢) رواه أحمد في المسند (١٠٥، ٥/ ٩٥)، ومسلم في صحيحه رقم (٢٢٧٧)، والترمذي رقم (٣٦٢٤)، وأبو نعيم في دلائل النبوة رقم (٣٠١، ٣٠٠)، وابن حبان في صحيحه رقم (٦٤٨٢ - بترتيب ابن بلبان)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ١٥٣)، والبغوي شرح السنة (٧/ ٦٥) رقم (٣٦٠٣) من حديث جابر بن سمرة ﵁.
(٣) رواه أحمد في المسند (٤٠١، ١/ ٣٩٦)، والبخاري في صحيحه رقم (٣٥٧٩)، والترمذي في الجامع الصحيح رقم (٣٦٣٣)، والنسائي في المجتبى (١/ ٦٠)، كتاب: الطهارة، باب: الوضوء من الإناء، وابن خزيمة في صحيحه رقم (٢٠٤)، وأبو نعيم في دلائل النبوة (٢/ ٥٢١)، وابن حبان في صحيحه رقم (٦٤٩٣)، البيهقي في دلائل النبوة (١٣٠، ٤/ ١٢٩)، والبغوي في شرح السنة (٧/ ٦٧) رقم -
[ ١ / ٧٣ ]
«وقد سبح الحصى في كفه ﷺ» (^١)
﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾
﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ بعدما ذكرنا من بغيهم ومخالفتهم أن يؤمنوا لأجل أمركم لهم بالإيمان، وحالهم العجيبة أنهم كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد فهمهم له، وعلمهم بالوعيد على مخالفته، ويلقون المؤمنين يخبرونهم أنهم يؤمنون، وإذا خلوا قال الذين يلقون المؤمنين لمن لا يلقاهم: أتحدثون بأمر دينكم مع من يبلغ المؤمنين، فيحتجون علينا به.
_________________
(١) = (٣٦٠٧)، من حديث ابن مسعود ﵁ قال: «كنا نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفا، كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقلّ الماء فقال: اطلبوا فضلة من ماء، فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء، ثم قال: حي على الطهور المبارك، والبركة من الله، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل». وهذا لفظ البخاري.
(٢) إسناده ضعيف، رواه الطبراني في (المعجم الأوسط) (٤/ ٢٤٥)، رقم (٤٠٩٧)، والبزار كما عزاه له الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٠٢، ٨/ ٣٠١)، والبيهقي في دلائل النبوة (٦٥، ٦/ ٦٤)، وذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٧/ ٢٩٢)، من حديث أبي ذر الغفاري ﵁ قال: «كنا عند النبي ﷺ فأخذ حصيات، فسبحن في يده، ثم وضعهن فخرسن، ثم أخذهن، فسبحن في يده، ثم أعطاهن أبا بكر فسبحن في يده، ثم أخذهن النبي ﷺ فسبحن في يده، ثم وضعهن فخرسن، ثم أعطاهن عمر فسبحن في يده، ثم أخذهن النبي ﷺ فسبحن في يده ثم وضعهن فخرسن، ثم أعطاهن عثمان فسبحن في يده، ثم أعطاهن عليا فوضعهن في يده فخرسن» وهذا لفظ الطبراني في الأوسط. قال البيهقي في الدلائل: كذا رواه محمد بن بشار عن قريش بن أنس عن صالح بن أبي الأخضر - وصالح لم يكن بالحافظ - عن الزهري عن سويد بن يزيد السلمي عن أبي ذر. والمحفوظ: ما رواه شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال: ذكر الوليد بن سويد أن رجلا من بني سليم كان كبير السن ممن أدرك أبا ذر - بالربذة - ذكر له عن أبي ذر بهذا. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه البزار بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات، وفي بعضهم ضعف. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وأما تسبيح الحصى، فليس له إلا هذه الطريق الواحدة مع ضعفها. قلت: والحديث في إسناده الكديمي، وهو محمد بن يونس الكديمي؛ ذكره ابن حبان في المجروحين (٣١٣، ٢/ ٣١٢) فقال عنه: أحد المتروكين كان يضع على الثقات الحديث وضعا، ولعله وضع أكثر من ألف حديث، وفي إسناد الحديث أيضا صالح بن أبي الأخضر، وهو ضعيف ومتكلم فيه، وذكره ابن حبان في المجروحين (١/ ٣٦٤)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ١٩٨)، والذهبي في ميزان الاعتدال (٣/ ٣٩٥). فحسب الإسناد ضعفا أن يكون فيه هذان الرجلان.
[ ١ / ٧٤ ]
﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٧) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ (٧٩) وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨٢) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾
وقيل: قال الذين لا يلقون المؤمنين من المنافقين للذين يلقونهم منهم: أتحدثون المؤمنين بما علمتم من أحوالنا؛ ليحاجوكم به في دين ربكم. ثم قال - سبحانه: أقالوا ذلك ﴿أَوَلا ١ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ﴾ نفاقهم الباطن وكفرهم الظاهر.
ومن المنافقين طائفة أميون لا يعلمون الكتاب إلا تلاوة من غير فهم وتدبر. وقيل: إلا
_________________
(١) في الأصل: «وهم»، والمثبت هو الصواب كما تدل عليه الآية المفسرة هنا.
[ ١ / ٧٥ ]
أكاذيب. قال عثمان ﵁: «ما تمنيت منذ أسلمت» (^١) أي: ما كذبت. وقيل: هو استثناء منقطع، أي: لا يعلمون الكتاب لكنهم يتمنون أمورا منها: أن آباءهم تشفع لهم. ومنها: أنّ ما يعملون بالنهار يكفر عنهم بالليل، وما يعملونه ليلا يكفر عنهم نهارا. ومنها قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾ بذلك ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ صحته ﴿بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ أي: معصية. وأحاطت به خطيئته أي: أهلكه كفره فاستمر عليه إلى الموت فهم من أصحاب النار المخلدين، وأما من آمن وعمل صالحا فهو من الخالدين في النعيم المقيم.
أخذ الله على بني إسرائيل بالتوراة ألا يقتل بعضهم بعضا، ولا يخرج بعضهم بعضا من دياره، وأنهم إذا وجدوا أسيرا من بني إسرائيل يباع أن يشتروه ويعتقوه، ثم خالفوا فقتل بعضهم بعضا، وأخرج بعضهم بعضا من دياره، لكنهم ثبتوا على فداء من وجدوه أسيرا منهم يباع. أي: وأشهدهم على الإقرار بالوفاء بهذا العهد، فقيل لهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ والخزي: الذلة والهوان.
﴿اِشْتَرَوُا﴾ أي: استبدلوا ﴿أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ (٨ /ب) بما يخالف شهوات نفوسكم ﴿اِسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عن طاعته فقتلتم بعضهم، وكذبتم أكثرهم ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾.
أي: عليها غطاء وغشاء يمنع من فهم ما يقولون؛ كقوله: ﴿قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥].
وقيل: معناه: قلوبنا أوعية للعلم فمنعنا منه ما يغنينا عما جئت به، ﴿فَقَلِيلًا﴾ نعت مصدر محذوف، أي: فيؤمنون قليلا. وقيل: المراد بالقلة: العدم، وهو كقوله: ﴿ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [سورة ق: ٣] كنوا بالبعد عن الاستحالة. والوقر (^٢) بفتح الواو: الثقل في الأذن، وبكسرها الحمل؛ كقوله: ﴿فَالْحامِلاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات: ٢].
_________________
(١) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (١/ ٤١٩) قال ابن الأثير في (النهاية في غريب الحديث والأثر) - (٤/ ٣٦٧) ط. دار إحياء التراث العربي، بيروت - تحقيق: الدكتور محمود الطناحي والشيخ طاهر الزاوي -: التمني: التكذيب، تفعل من مني يمني: إذا قدّر؛ لأن الكاذب يقدر الحديث في نفسه، ثم يقوله، ويقال للأحاديث التي تتمنى: الأماني. واحدتها أمنية.
(٢) لا توجد كلمة الوقر في الآيات هنا، وإن وجدت في مواطن أخرى منها ما ورد في الآية (٥) من سورة فصلت: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ.
[ ١ / ٧٦ ]
﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٩٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٩٢) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣) قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٤)﴾
﴿وَلَمّا جاءَهُمْ﴾ القرآن ﴿مُصَدِّقٌ لِما﴾ في التوراة من بعث النبي ﷺ ومن صفاته، وكانوا إذا دهمهم (^١) عدو، قالوا: «اللهم انصرنا ببركة النبي المبعوث في آخر الزمان فينصرون» (^٢).
﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾.
﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: باعوها. و«ما»: نكرة غير موصولة ولا موصوفة، والتقدير: بئس شيئا اشتروا به أنفسهم كفرهم. ﴿بَغْيًا﴾: مفعول من أجله أي: كرهوا أن تكون النبوة في غيرهم من بني إسماعيل ﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾ المذكورين أو لجميع الكفار، ويدخل المذكورون فيه دخولا أولويّا ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ من القرآن ﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ من التوراة ﴿وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ﴾ بما عداها.
﴿قُلْ﴾ لهم ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ﴾ وعدل عن الماضي إلى المضارع؛ لدلالته على التكرر؛ كقولك: هو يصل الرّحم ويحمل الكلّ (^٣).
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تشكيك في إيمانهم، ثم حقق بعدهم عن الحق باتخاذهم
_________________
(١) الدهم: الجماعة الكثيرة. وقد دهمونا أي: جاؤونا جماعة، ودهمهم أمر: إذا غشيهم فاشيا. ينظر: لسان العرب (دهم).
(٢) تقدم تخريجه في تفسير الآية (١٧).
(٣) الكلّ: الثقل من كل ما يتكلف والكل: العيال. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (٤/ ١٩٨١).
[ ١ / ٧٧ ]
العجل إلها بعد ما جاءهم موسى بالبينات، ثم زادك تحقيقا بقوله: ﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ﴾ حب العجل.
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾
كانوا يزعمون أن نعيم الآخرة خالص لهم، فقيل لهم: إن كان كذلك فتمنوا الموت لتصلوا إلى النعيم المقيم في زعمكم ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ بسبب ما اكتسبوه من المعاصي، والاستكبار عن طاعة الرسول. وكيف يتمنونه وهم ﴿أَحْرَصَ النّاسِ عَلى﴾ زيادة في العمر وأحرص من الكفار عبدة الأوثان على ذلك؛ لأن عبدة الأوثان لا يؤمنون ببعث ولا جزاء، ولا يخشون من الموت إلا فقد هذه الحياة (٩ /أ).
أما اليهود فيعلمون أنهم بعد الموت يعاقبون على الكفر والعناد. وقيل: الوقف عند قوله: ﴿عَلى حَياةٍ﴾ ثم يبتدئ ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (^١) أي: قوم أو فريق ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ فحذف الموصوف وأقيمت الصفة وهي فعل مقامه؛ كقوله [من الوافر]:
أنا ابن جلا وطلاّع الثّنايا متى أضع العمامة تعرفوني (^٢)
أي: أنا ابن رجل جلا، وتقول العرب: ما منهما مات حتى جرى له كذا، أي: ما منهما رجل (^٣). ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ بدل منه والخبر: ﴿بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ﴾
_________________
(١) قال الأشموني في (منار الهدى) في بيان الوقف والابتداء (ص: ٤٤) الوقف على «حياة» تام عند نافع، والأكثر على أن الوقف على «أشركوا» وهم المجوس، كان الرجل منهم إذا عطس قيل له: «زي هزه رسال» أي: عش ألف سنة، فاليهود أحرص على الحياة من المجوس الذين يقولون ذلك.
(٢) البيت لسحيم بن وثيل ينظر في: الأصمعيات (ص: ١٧)، جمهرة اللغة (ص: ٤٩٥)، خزانة الأدب (٢٦٦، ٢٥٧، ١/ ٢٥٥)، الدر (١/ ٩٩)، شرح المفصل (٣/ ٦٢)، الشعر والشعراء (٢/ ٦٤٧)، الكتاب (٣/ ٢٠٧)، وبلا نسبة في الاشتقاق (ص: ٣١٤)، أوضح المسالك (٤/ ١٢٧)، خزانة الأدب (٩/ ٤٠٢)، شرح الأشموني (٢/ ٥٣١)، لسان العرب (ثنى)، مغني اللبيب (١/ ١٦٠)، همع الهوامع (١/ ٣٠) وقد استشهد به الحجاج في إحدى خطبه بالعراق متلثما، ويقال: في أول خطبة له بالبصرة.
(٣) إذا كانت الصفة جملة أو شبه جملة وحذف الموصوف، فالبصريون يقدرون موصوفا محذوفا، بينما -
[ ١ / ٧٨ ]
«كان عمر يجلس لليهود في بيت مدارسهم (^١) ليسمع ما يقولون، ويتبين له رأيهم، فقالوا له: إنا لنطمع فيك يا عمر فقال: والله ما أجلس فيكم إلا لأعلم صدق محمد، ويتبين لي أنكم مبطلون، ثم سألهم عن جبريل وميكائيل، فقالوا: أحدهما عن يمين الله والآخر عن يساره، وكل واحد منهما عدو لصاحبه، وقالوا: لو كان ميكائيل أو غيره من الملائكة سوى جبرائيل يأتي إلى محمد برسالة لآمنا به، لكن جبريل عدونا يأتي بالزلزال والعذاب، وهو الذي خسف مدائن قوم لوط، وصاح بقوم صالح صيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين فأنزل الله: ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾» (^٢).
﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾
_________________
(١) = يقدّر الكوفيون موصولا مثل «الذي» أو من. ورجّح ابن هشام مذهب البصريين بأن اتصال الموصول بصلته أشد من اتصال الموصوف بصفته؛ لتلازمهما. وينظر ذلك في: الإملاء للعكبري (١/ ٥٣)، البحر المحيط (١/ ٤٨٢) الدر المصون (١/ ٣٠٩)، معاني الفراء (١/ ٦٣)، مغني اللبيب (٢/ ٣٥٨).
(٢) المدراس: الموضع يقرأ فيه القرآن ومنه مدارس اليهود. ينظر: القاموس المحيط (درس).
(٣) إسناده فيه انقطاع، رواه ابن جرير الطبري في التفسير (١/ ٤٧٨)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ٣٣، ٣٢) رقم (٤٠) وذكره السيوطي في الدر المنثور (١/ ١٧٤)، وعزاه لابن أبي شيبة في مصنفه وإسحاق بن راهويه في «مسنده»، وابن أبي حاتم عن الشعبي عن عمر بن الخطاب ﵁. قال السيوطي: صحيح الإسناد ولكن الشعبي لم يدرك عمر، فهو منقطع.
[ ١ / ٧٩ ]
وفي جواب الشرط وجهان:
أحدهما: من كان عدوّا لجبريل فقد أخطأ الطريق؛ لأنه نزل الكتاب على قلب محمد مصدقا لما معكم من التوراة.
والثاني: من كان عدوّا لجبريل فهو حقيق بمعاداته له؛ لأنه بين زيف اليهود، وبما أنزله الله معه من الكتاب وقوله بعد ذلك: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ﴾ جزاؤه محذوف، التقدير: لم يعبأ الله بعداوته.
﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللهِ﴾ يعني التوراة. وقيل: القرآن. ﴿وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ أي: لم يعملوا بما فيه ولقد وضعوه على الكراسي وذهّبوه بالذّهب، وحلوا غلافه وخريطته (^١) بالذهب والفضة، وطيبوه بالمسك والعنبر، ولم يعملوا به فقيل فيهم:
﴿فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] ثم استبدلوا به ما أخذوه من الرّشا على كتمان صفة النبي ﷺ وتغيير آية الرجم وغيرهما.
﴿وَاتَّبَعُوا﴾ معطوف على ﴿فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ ﴿ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ﴾ أي: تتبع، وقيل: ما تقرأ، أي: على عهد ملك سليمان. (٩ /ب) ﴿هارُوتَ وَمارُوتَ﴾ اسمان أعجميان، ولذلك منعا من الصرف مع العلمية، ولا وجه لاشتقاقهما من الهرت والمرت (^٢). ﴿إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ أي: سبب فتنة. وقيل: شيء مستحسن؛ كقولهم في الشابة الجميلة: إنها فتنة.
وقد علق على فعل العلم باللام في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ﴾ والخلاق:
النصيب ﴿وَلَبِئْسَ ما﴾ باعوا ﴿بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾؛ كقوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] أي: باعوه.
_________________
(١) الخريطة: مثل الكيس تكون من الخرق والأدم تشرج على ما فيها، ومنه خرائط كتب السلطان وعمّاله. ينظر: لسان العرب: (خرط).
(٢) ذكر ياقوت الحموي في (معجم البلدان) (٥/ ٣٨٨) أن هاروت من الهرت وهو الشق. قال السمين الحلبي في الدر المصون (١/ ٣٢١): «ويجمعان على هواريت ومواريت وهوارتة وموارتة، وليس من زعم اشتقاقهما من الهرت والمرت وهو الكسر بمصيب؛ لعدم انصرافهما، ولو كانا مشتقين كما ذكر لانصرفا».
[ ١ / ٨٠ ]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥) ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٠٨) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠) وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١١) بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾
كانت اليهود يقولون: راعنا يا محمد، يزعمون أنهم يطلبون المراعاة، وكانت «راعنا» لفظة ذم باليهودية، فنهى الله المؤمنين أن يقولوها؛ لما فيها من إيهام الذم والوصف بالرعونة، ﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾ القائلين: راعنا، أو لجميع الكفار. «من» في قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ لبيان الجنس، و﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ زائدة، ومن في قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لابتداء الغاية.
النسخ: بيان انتهاء مدة الحكم (أو ننسأها) بالهمزة (^١) أي: نؤخرها وسميت
_________________
(١) هذه قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن محيصن وعاصم الجحدري ومن الصحابة عمر وابن عباس وأبي بن كعب، وقرأ العامة «ننسها». تنظر القراءة في: إتحاف فضلاء البشر للبنا (١/ ٤١١)، إعراب النحاس (١/ ٢٥٥)، البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٣٤٣)، جامع القرطبي (٢/ ٦٧)، الحجة للفارسي (١٨٧، ٢/ ١٨٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (١/ ٣٣٥ - ٣٣٦)، الكشاف للزمخشري (١/ ٣٠٣)، معاني الفراء (١/ ٦٤)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢١٩).
[ ١ / ٨١ ]
العصاة (^١) منسأة؛ لأنها تؤخر عنك ما تكرهه. ﴿أَوْ نُنْسِها﴾ أي: نجعلها منسية من القلوب بعد حفظها ويجوز نسخ الحكم والتلاوة معا، ونسخ التلاوة دون الحكم، ونسخ الحكم دون التلاوة، ويجوز نسخ الفعل قبل مجيء وقته؛ لقصة الذبيح، خلافا للمعتزلة (^٢)، ويجوز نسخ الحكم إلى أخف منه؛ لأنه خير للمكلف في تخفيف المشقة عنه، وإلى أثقل منه؛ لأنه خير للمكلف في كثرة الثواب. ﴿سَواءَ السَّبِيلِ﴾ وسطه؛ كقوله ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥].
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ «لو» بمعنى: أن؛ كقوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦] ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ منسوخ بنزول القتال ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ تجدوا ثوابه عند الله. الهود: جمع هائد، كالعود: جمع عائد ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ﴾ جملة حالية. ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ من كفار المشركين وعبدة الأوثان، فشبه هؤلاء مع كونهم أهل كتاب مع عبدة الأوثان من غير شبهة ظاهرة.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٤) وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨) إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩) وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾
_________________
(١) قيل: إن أول لحن سمع: هذه عصاتي. قال الأزهري: ويقال للعصا عصاة بالهاء، يقال: أخذت عصاته. قال: ومنهم من كره هذه اللغة؛ روى الأصمعي عن بعض البصريين قال: سميت العصا عصا؛ لأن اليد والأصابع تجتمع عليها مأخوذ من قول العرب: عصوت القوم أعصوهم إذا جمعتهم على خير أو شر. قال: ولا يجوز مد العصا ولا إدخال التاء معها وقال الفراء: أول لحن سمع بالعراق هذه عصاتي بالتاء. ينظر: لسان العرب (عصا).
(٢) تقدم التعليق على ذلك عند تفسير الآية (٧٣) من سورة البقرة.
[ ١ / ٨٢ ]
أي: لا أحد في المانعين أظلم ممن منع مساجد الله ﴿أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ بدل اشتمال من قوله: ﴿مَساجِدَ اللهِ﴾ قيل: المراد بالمساجد الكعبة، وجمعها؛ لأن المساجد كلها تتوجه نحوها، وأراد: أنهم منعوا رسول الله ﷺ والمؤمنين عام الحديبية (١٠ /أ) وصدوهم عن المسجد الحرام (^١). وقيل: المراد بيت المقدس (^٢). وقيل: جميع المساجد وهو ظاهر اللفظ (^٣).
﴿وَلِلّهِ﴾ بلاد المشرق والمغرب ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا﴾ من الجهات ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ قيل: المراد فأينما تولوا وجوهكم للدعاء. وقيل: أراد صلاة النافلة في السفر.
وقيل: أراد أنه إذا التبست القبلة في السفر وأدى الاجتهاد إلى جهة فهي القبلة ﴿إِنَّ اللهَ واسِعٌ﴾ العطاء ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمصالح. الهاء في ﴿سُبْحانَهُ﴾ مجرورة بالإضافة إلا أنه مضمر مبني، ولو ظهر في اسم ظاهر؛ كقولك: سبحان الله لكان في موضع اسم الله قولان: النصب بتقدير: سبّحت الله. والرفع بتقدير: ينزه الله، واستدل بعضهم بهذه الآية على أن من ملك ولده عتق عليه (^٤)، فإنك لا تقول: فلان ليس بعالم، بل هو من أهل البصرة، ما لم يكن كونه من أهل البصرة مانعا من العلم.
والقنوت: السكوت. وقيل: الخشوع. ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: بديعة سماواته كقولك: حسن الوجه ﴿فَإِنَّما يَقُولُ﴾ لأجل تكوينه ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.
﴿لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾ نقترحها.
_________________
(١) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (١/ ٤٩٩) عن ابن زيد، والواحدي في أسباب النزول (ص: ٣٩) رقم (٥٦)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (١/ ٢٦٤) ونسبه لابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس - ﵄.
(٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١/ ٤٩٧): والواحدي في أسباب النزول (ص: ٣٩) رقم (٥٥) عن مجاهد وقتادة والسدي.
(٣) قال ابن جرير الطبري في تفسيره (١/ ٥٠٠): «كل مانع مصليا في مسجد لله فرضا كانت صلاته فيه أو تطوعا وكل ساع في إخرابه فهو من المعتدين الظالمين».
(٤) ينظر: الأم للشافعي (٤/ ١٢٨)، بدائع الصنائع للكاساني (٣/ ٥٨٣)، المغني لابن قدامة (٧/ ٢٤٩).
[ ١ / ٨٣ ]
﴿وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ﴾ (^١) فإنهم في شدة لو وصفتها لك لم تتمالك، أو لو وصفتها لك [لم أستطع أن أستوعب أوصافها؛ لما يحصل بخاطري من التكدر بذلك] (^٢).
وقيل: سأل رسول الله ﷺ الله بأن يأذن له في الاستغفار لأبيه، فلم يأذن له، وقيل:
قال: «ليت شعري، ما فعل أبواي»؟! فنزلت ﴿وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ﴾ (^٣) أي: أنت غير مسؤول عنهم ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾.
_________________
(١) كذا بالأصل، ولعلّ ذلك من كلام الملك جبريل ﵇ للنبي ﷺ وفي الكشاف للزمخشري (١/ ١٨٢): وقيل: معناه: تعظيم ما وقع فيه الكفار من العذاب كما تقول: كيف فلان؟ سائلا عن الواقع في بلية، فيقال لك: لا تسأل عنه. ووجه التعظيم: أن المستخبر يجزع أن يجري على لسانه ما هو فيه لفظاعته، فلا تسأله ولا تكلفه ما يضجره، أو أنت يا مستخبر لا تقدر على استماع خبره لإيحاشه السامع وإضجاره، فلا تسأل.
(٢) قرأ نافع ويعقوب «ولا تسأل» - بفتح التاء على البناء للمعلوم والنهي، وقرأ الباقون «ولا تسأل» - بضم التاء على البناء للمجهول والنفي. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٣٦٨)، الحجة لابن خالويه (ص: ٨٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (١/ ٣٥٦)، السبعة لابن مجاهد (ص: ١٦٩)، الكشاف للزمخشري (١/ ٩١)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٢١).
(٣) إسناده ضعيف، رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (١/ ٥١٦) وذكره السيوطي في الدر المنثور (١/ ٢٠٩) ونسبه لوكيع وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، عن محمد بن كعب القرظي مرسلا. وقال السيوطي: هذا مرسل ضعيف الإسناد، ورواه الواحدي في أسباب النزول (ص: ٤٢) رقم (٦٤) عن ابن عباس بنحو ذلك. وهذه الرواية على قراءة من قرأ «ولا تسأل» بالجزم، قال الطبري في تفسيره: «والصواب عندي من القراءة في ذلك قراءة من قرأ بالرفع على الخبر؛ لأن الله جل ثناؤه قص قصص أقوام من اليهود والنصارى وذكر ضلالتهم وكفرهم بالله وجراءتهم على أنبيائه ثم قال لنبيه ﷺ: إنا أرسلناك يا محمد بشيرا من آمن بك واتبعك ممن قصصت عليك أنباءه ومن لم أقصص عليك أنباءه، ونذيرا من كفر بك وخالفك فبلغ رسالتي فليس عليك من أعمال من كفر بك بعد إبلاغك إياه رسالتي تبعة ولا أنت مسؤول عما فعل بعد ذلك. ولم يجر لمسألة رسول الله ﷺ ربه عن أصحاب الجحيم ذكر فيكون لقوله ولا تسأل عن أصحاب الجحيم وجه يوجه إليه، وإنما الكلام موجه معناه إلى ما دل عليه ظاهره المفهوم حتى تأتي دلالة بينة تقوم بها الحجة على أن المراد به غير ما دل عليه ظاهره فيكون حينئذ مسلما للحجة الثابتة بذلك ولا خبر تقوم به الحجة على أن النبي ﷺ نهي عن أن يسأل في هذه الآية عن أصحاب الجحيم ولا دلالة تدل على أن ذلك كذلك في ظاهر التنزيل. والواجب أن يكون تأويل ذلك الخبر على ما مضى ذكره قبل هذه الآية وعمن ذكر بعدها من اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر دون النهي عن المسألة عنهم. فإن ظن ظان أن الخبر الذي روي عن محمد بن كعب صحيح فإن في استحالة الشك من الرسول ﷺ في أن أهل الشرك من أهل الجحيم وأن أبويه كانا منهم ما يدفع صحة ما قاله محمد بن كعب إن كان الخبر عنه صحيحا مع أن ابتداء الخبر -
[ ١ / ٨٤ ]
﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى﴾ وما تعتقدونه أنه هدى فهو هوى ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ﴾ ولم يقل: هداهم.
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ (١٢٤) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾
﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ أي: يتبعونه حق اتباعه (^١)؛ كقوله: ﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ [الشمس: ٢] وقيل: يقرؤونه حق القراءة بالترتيل، وإعطاء كل حرف حقه.
﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ ثلاث نكرات في حيز النفي يفيد العموم، أي: لا تجزي نفس قط عن نفس قط شيئا من الأشياء ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ﴾ و«هم» في قوله: ﴿وَلا هُمْ﴾ راجع إلى مرجع الضميرين من قبله. (١٠ /ب) ﴿يُنْصَرُونَ﴾ أي: يخلّصون، ومنه: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾، [هود: ٦٣] ﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأنبياء:
٧٧] فمتى عدي الجزاء بلفظة «من» كان بمعنى التخلص، وإن عدي ب «على» كان بمعنى الظهور والغلبة.
﴿اِبْتَلى﴾ امتحن ﴿بِكَلِماتٍ﴾ قيل: هي قوله: ﴿إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا﴾ إلى آخر الكلام
_________________
(١) = بعد قوله: إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا بالواو بقوله: وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ وتركه وصل ذلك بأوله بالفاء وأن إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ أوضح الدلائل على أن الخبر بقوله: إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ أولى من النهي والرفع به أولى من الجزم. وقد ذكر أنها في قراءة أبي: «وما تسأل» وفي قراءة ابن مسعود: «ولن تسأل» وكلتا هاتين القراءتين تشهد بالرفع والخبر فيه دون النهي». انتهى من تفسير الطبري (١/ ٥١٦).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١/ ٥١٩) عن ابن عباس - ﵄. ورواه في (١/ ٥٢١) عن عكرمة قال: «يتبعونه حق اتباعه أما سمعت قول الله - ﷿: وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها قال: إذا تبعها».
[ ١ / ٨٥ ]
وقيل: هي الفطرة، وهي عشر: خمس في الرأس، وخمس في الجسد (^١) ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: قام بهن. سأل إبراهيم الإمامة لذريته، فقال: ليس يصلح كل ذريتك للإمامة.
﴿مَثابَةً﴾ مرجعا يثوب الناس إليه. وقيل: يرجع كل حاج؛ لأنه يأتيه لطواف القدوم، ثم يرجع إليه لطواف الركن بعد الوقوف بعرفة، ثم يرجع إليه لطواف الوداع. ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ قيل: فيه دليل على وجوب ركعتين بعد الطواف (^٢). وقيل: مصلى:
مدعى، أي: موضع دعاء؛ حملا على الصلاة اللغوية. بدأ بالطائفين؛ لاختصاص الطواف بما حول البيت من حرمة، ثم بالعكوف؛ لأنه مختص بالمساجد ولا يختص بالكعبة، ثم بالركع السجود به الذي لا يختص بالكعبة ولا بالمساجد؛ كما قال ﵇: «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» (^٣).
﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١)﴾
_________________
(١) روى مسلم في صحيحه رقم (٢٦١) عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «عشر من الفطرة: قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء». قال زكريا - هو ابن أبي زائدة أحد رجال السند في هذا الحديث - قال مصعب - هو ابن شيبة من رجال السند: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. زاد قتيبة: قال وكيع: انتقاص الماء يعني: الاستنجاء. والحديث رواه أيضا أحمد في المسند (٦/ ١٣٧)، وأبو داود رقم (٥٣)، والترمذي رقم (٢٧٥٧)، وابن ماجه رقم (٢٩٣).
(٢) هذا مذهب الأحناف وأحد قولين للشافعية وذهب المالكية والحنابلة إلى أنهما سنة مؤكدة غير واجبة. ينظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ٣٣٤)، المغني لابن قدامة (٣/ ٤٠٤)، المهذب للشيرازي (١/ ٤٠٢).
(٣) هذا جزء من حديث رواه البخاري رقم (٣٣٥)، ومسلم رقم (٥٢١) وتمامه عند البخاري: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة».
[ ١ / ٨٦ ]
نزل إبراهيم بهاجر وإسماعيل بين جبال مكة، وليس هناك بنيان، فسأل الله أن يجعل ذلك المكان بلدا، ثم جاء لزيارة ابنه فرآها قد صارت بلدا فسأل الله - تعالى - أن يجعل ذلك البلد آمنا، وسأل إبراهيم الرزق لمن آمن منهم بالله، فقال - تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ يعني: إني لا أقطع الرزق عن الكافر بسبب كفره، بل أرزق المؤمن، والكافر أمتعه قليلا.
قوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ رفع البنيان سافا فوق ساف (^١) وإذا رفع البنيان بالأساس فارتفع فقد رفعت القواعد. وقيل: يقال: قعد البناء ثبت بالقواعد وهي الأساس والأصل لما فوقه. وقيل: يرفع إبراهيم ما سقط من جدران البيت.
أي: قائلين: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ وهذا الفعل في محل النصب على الحال.
وقوله: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ إلى آخره، جمل ثلاث بعد القول [حال أي: يرفعانها قائلين] هذا القول. وقوله ﵇: «أنا دعوة إبراهيم» (^٢) حين قال: ﴿رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾. أهانها وبخسها؛ كما تقول: سفهت نفس زيد، فحول وصار «سفه زيد نفسا» (١١ /أ) كقولك: تصبب عرق زيد، وتصبب زيد عرقا، ثم اتصل الضمير بالنفس، فصار: سفه نفسه.
﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ تقديره: وإنه صالح في الآخرة من الصالحين، ولا يجوز أن تعمل الصالحين في قوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾؛ لأن اللام في الصالحين موصولة، ومعمول الصلة لا يجوز أن يتقدم على الموصول. كذلك قوله: ﴿وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠].
وأجاز ابن السراج (^٣) أن يعمل فيما تقدم من المجرور وغيره، وجعل الألف واللام غير
_________________
(١) الساف في البناء: كل صف من اللبن يقال: ساف من البناء سافان وثلاثة آسف. وقيل: كل سطر من اللبن والطين في الجدار ساف ومدماك. ينظر: لسان العرب (سوف).
(٢) رواه أحمد في المسند (٤/ ١٢٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٦٠٠)، والبيهقي في دلائل النبوة (١/ ٨٣ - ٨٤) قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (١٥٤٥).
(٣) هو محمد بن السري أبو بكر بن السراج النحوي، أحد العلماء المشهورين باللغة والنحو والأدب، أخذ عن المبرد، وأخذ عنه أبو القاسم الزجاجي والسيرافي والفارسي، وله مصنفات منها: الأصول وغيره -
[ ١ / ٨٧ ]
موصولة، وإنما هي لمجرد التعريف، ومثل هذه الآيات: ﴿قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨].
أي: إني قال لعملكم من القالين. وقوله: ﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] أي: ناصح من الناصحين ﴿وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٣] أي:
شاهدين عليها من الشاهدين، وأمثالها كثير (^١).
_________________
(١) = وتوفي سنة ست عشرة وثلاثمائة. تنظر ترجمته في: أخبار النحويين البصريين (ص: ١٠٨)، إنباه الرواة (٣/ ١٤٥)، بغية الوعاة (١/ ١٠)، معجم الأدباء لياقوت الحموي (١٨/ ١٩٧). وينظر قوله في: الأصول في النحو (٢٢٤، ٢/ ٢٢٣) وعبارته: وقد كان بعض مشايخ البصريين يقول: إنّ الألف واللام هاهنا ليستا في معنى (الذي) وأنّهما دخلتا كما تدخل على الأسماء للتعريف وأجاز أن يقدم عليها إذا كانت بهذا المعنى ومتى كانت بهذا المعنى لم يجز أن يعمل ما دخلت عليه في شيء فيحتاج فيه إلى عامل فيها.
(٢) هذه مسألة تقديم الظرف والجار والمجرور المتعلق بالصلة على الموصول، والخلاف بين النحويين في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب: الأول: المنع مطلقا، وعليه البصريون. الثاني: الجواز مطلقا، وعليه الكوفيون واختاره أبو حيان والسمين الحلبي والسيوطي؛ للتوسع فيهما. الثالث: الجواز مع «أل» إذا جرّت ب «من». قال الزجاجي في كتاب اللامات (١/ ٥٨) ط. دار الفكر - دمشق ١٩٨٥ م ط ٢ - تحقيق: الدكتور مازن المبارك: باب في تبيين وجوه دخول الألف واللام على الأسماء المشتقة من الأفعال: اعلم أنها تدخل على ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون بتأويل الذي فتحتاج إلى صلة وعائد وتجري في ذلك مجرى الذي، كقول القائل: ضرب زيد عمرا، فقيل: أخبر عن زيد، فقال: الضارب عمرا زيد، ففي الضارب مضمر يعود على الألف واللام اللذين بمعنى الذي وأنت لم تذكر الذي وإنما ذكرت ما يدل عليه فجئت بالعائد لذلك. والوجه الثاني: أن تدخل لتعريف هذه الأسماء المشتقة من الأفعال لا بتأويل الذي ولكن كما تعرف أسماء الأجناس نحو الرجل والفرس فتقول: الضارب والقائم تريد به التعريف لا معنى الذي قال أبو عثمان المازني: والدليل على صحة هذا التأويل أنك تقول: نعم الضارب ونعم القائم وغير جائز أن تقول: نعم الذي عندك لأن نعم وبئس لا يدخلان على الذي وأخواتها ودخولهما على القائم والضارب يدل على أن الألف واللام فيهما ليستا بمعنى الذي ومن هذا الوجه الثاني: قول الله - ﷿: وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ قال المبرد والمازني وغيرهما من البصريين: ليست الألف واللام بمعنى الذي؛ لأنه لو كان التقدير: وأنا من الشاهدين على ذلك بمعنى من الذين شهدوا على ذلك لم تقدم صلة الذي عليه. وكذلك لو كان التقدير: وكانوا من الذين زهدوا فيه لم يجز تقديم صلة «الذي» عليه. ولكن الألف واللام للتعريف لا بمعنى «الذي». واختار هذا أيضا العكبري في التبيان (١/ ٦٤). ثم ذكر الزجاجي الوجه الثالث وهو مذهب الكوفيين: أنها تكون بمعنى «الذي» ويصلونها بما توصل به الذي. وهم يجوزون أن يتقدم الظرف والجار والمجرور المتعلق بالصلة على الموصول مطلقا؛ للتوسع فيهما. وقد قال بهذا -
[ ١ / ٨٨ ]
﴿وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾
﴿اِصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أعطاكم صفوته، فالزموا الإسلام حتى إذا أدرككم الموت، أدرككم وأنتم عليه كأن الميتة التي ليست على الإسلام منهي عنها، ولذلك قال: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. وقد جعل إسماعيل من بني إسرائيل، وإنما هو عم لهم، فجعل العم بمنزلة الأب، كما جعلت الخالة أما في قوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] وإنما كان المرفوع أبوه وخالته (^١).
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهًا واحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨) قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُودًا أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١) سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾
﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾ بل نكون أهل ملة إبراهيم حتى نطابق هودا أو نصارى.
_________________
(١) = القول أبو حيان في البحر المحيط (٥/ ٢٩١)، والسمين الحلبي في الدر المصون (٤/ ١٦٥)، واختاره السيوطي في همع الهوامع (١/ ٢٨٧).
(٢) روى البخاري في صحيحه رقم (٢٦٩٩)، وأحمد في المسند (٤/ ٢٩٨)، وأبو داود رقم (٢٢٧٨)، والترمذي رقم (١٩٠٤) عن البراء بن عازب ﵁ في حديث طويل وفيه: «الخالة بمنزلة الأم».
[ ١ / ٨٩ ]
لو آمنوا بمثل ما آمنا به لكفروا، فنحن آمنا بالله، وليس لله مثل نؤمن به، بل لفظة مثل زائدة، أي: فإن آمنوا بما آمنتم به. وقيل: ليست زائدة. والتقدير: فإن دخلوا في الإيمان بمثل ما دخلتم فيه من الثبات على الحق، وعدم الريب والشك.
﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ مصدر، والتقدير: صبغ الله صبغته. ﴿شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾ أي:
شهادة حصلت من جهته وبتوفيقه.
ومثل هذا التفضيل جعلناكم أمة وسطا، أي: خيارا ﴿قالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] أي:
أفضلهم. وقدم «شهداء» على «الناس»؛ لأن شرفهم في كونهم شهداء، وأخر «شهيدا» في قوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ لأن الشرف في تزكية الرسول لهم، وثنائه عليهم.
﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾. وقوله: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ أي: لنرى (^١). وقيل: لنميز. وقيل: لنعلم العلم (١٢ /أ) واقعا، وفيه نظر (^٢). ﴿وَإِنْ كانَتْ﴾ التحويلة ﴿لَكَبِيرَةً﴾ لما حصل بسببها من استهزاء أصحاب الأديان؛ لأنهم جعلوا النسخ يقتضي البداء وهو لا يليق بالله - ﷻ (^٣).
_________________
(١) قال الطبري في تفسيره (٢/ ١٤): «وهذا تأويل بعيد من أجل أن الرؤية وإن استعملت في موضع العلم من أجل أنه مستحيل أن يرى أحد شيئا فلا توجب رؤيته إياه علما بأنه قد رآه إذا كان صحيح الفطرة فجاز من الوجه الذي أثبته رؤية أن يضاف إليه إثباته إياه علما وصح أن يدل بذكر الرؤية على معنى العلم من أجل ذلك، فليس ذلك وإن كان في الرؤية لما وصفنا بجائز في العلم فيدل بذكر الخبر عن العلم على الرؤية؛ لأن المرء قد يعلم أشياء كثيرة لم يرها ولا يراها ويستحيل أن يرى شيئا إلا علمه كما قد قدمنا البيان مع أنه غير موجود في شيء من كلام العرب أن يقال: علمت كذا بمعنى رأيته وإنما يجوز توجيه معاني ما في كتاب الله الذي أنزله على محمد من الكلام إلى ما كان موجودا مثله في كلام العرب دون ما لم يكن موجودا في كلامها فموجود في كلامها رأيت بمعنى علمت وغير موجود في كلامها علمت بمعنى رأيت فيجوز توجيه «إلا لنعلم» إلى معنى «إلا لنرى».
(٢) هذا قول الزمخشري في الكشاف (١/ ٢٠٠).
(٣) قال الإمام ابن حزم في كتاب الإحكام (٤/ ٤٧١): «فإن قال قائل: ما الفرق بين البداء والنسخ؟ قيل له - وبالله تعالى التوفيق - الفرق بينهما لائح وهو أن البداء هو أن يأمر بالأمر والآمر لا يدري ما يؤول إليه الحال والنسخ هو أن يأمر بالأمر والآمر يدري أنه سيحيله في وقت كذا ولابد قد سبق ذلك في علمه وحتمه من قضائه فلما كان هذان الوجهان معنيين متغايرين مختلفين وجب ضرورة أن يعلق على كل واحد منهما اسم يعبر به عنه غير اسم الآخر ليقع التفاهم ويلوح الحق فالبداء ليس من صفات الباري - تعالى وأما النسخ فمن صفات الله - تعالى --
[ ١ / ٩٠ ]
ولما حولت القبلة قال بعض المسلمين: ما يفعل الله بصلوات من مات مستقبلا بصلاته بيت المقدس، فنزلت ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ (^١) أي: صلاتكم إلى بيت المقدس؛ لأنهم محسنون باستقباله بالأمر الأول، والله لا يضيع أجر المحسنين.
﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾
﴿قَدْ نَرى﴾؛ كقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨] ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾ [الأنعام: ٣٣].
قد أترك القرن مصفرّا أنامله (^٢)
قد يدرك المتأنّي بعض حاجته (^٣)
قد نخضب العسر من مكنون قائله وقد يشطّ على أرماحنا البطل (^٤)
_________________
(١) = من جهة أفعاله كلها وهو القضاء بالأمر قد علم أنه سيحيله بعد مدة معلومة عنده ﷿ كما سبق في علمه - تعالى.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢/ ١٧)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (١/ ٣٥٣) عن ابن عباس والبراء ابن عازب ﵃.
(٣) هذا صدر بيت لعبيد بن الأبرص وعجزه: كأن أثوابه مجت بفرصاد ينظر في: خزانة الأدب للبغدادي (١١/ ٢٥٣)، ديوان لبيد (ص: ٦٤)، شرح أبيات سيبويه للسيرافي (٢/ ٣٦٨)، وبلا نسبة في: تذكرة النحاة لأبي حيان (ص: ٧٦)، رصف المباني (ص: ٣٩٣)، الكشاف للزمخشري (١/ ٢٠٢)، لسان العرب (أسن)، همع الهوامع للسيوطي (١/ ٣٥) والفرصاد: نوع شجر.
(٤) هذا صدر بيت للقطامي وعجزه: وقد يكون مع المستعجل الزلل ينظر في: جمهرة أشعار العرب (٢/ ٨٠٥)، ديوان القطامي (ص: ٢٥)، ديوان المعاني (١/ ١٢٤)، وللأعشى في: تلخيص الشواهد (ص: ١٠٢)، خزانة الأدب (٥/ ٣٧٧)، وبلا نسبة في: لسان العرب (بعض)، مجالس ثعلب (ص: ٤٣٧).
(٥) هذا البيت للأعشى، ينظر في: تاج العروس للزبيدي (شيط)، ديوان الأعشى (ص: ١١٣)، شرح المفصل لابن يعيش (٥/ ٦٤)، لسان العرب (شيط).
[ ١ / ٩١ ]
وقد أغتدي والطير في وكناتها (^١)
في أن التوقع، وقلة ما يأتي بعد قد ليس مرادا في هذه الأمثلة، بل المراد الكثرة.
﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ في جهات ﴿السَّماءِ﴾ تنتظر نزول الوحي باستقبال الكعبة.
﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾ أي: جهته. واحتج بعضهم بهذه الآية على أن من بعد عن القبلة ففرضه جهتها، لا استقبال عين الكعبة؛ لأنه أمر هاهنا باستقبال المسجد، وهو أوسع من الكعبة (^٢). ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ لكونه مذكورا في كتبهم.
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ (١٤٥) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ (١٥٣)﴾
قال عمر لعبد الله بن سلام - ﵄: يقول الله في كتابه: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾ نشدتك الله، هل كنت تعرف رسول الله ﷺ كما تعرف ابنك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ لأنني عرفته بصفاته المذكورة في التوراة، وأما ابني فما أدري ما صنع النساء، فقبل
_________________
(١) هذا صدر بيت لامرئ القيس، وعجزه: بمنجرد قيد الأوابد هيكل ينظر في: إصلاح المنطق لابن السكيت (ص: ٣٧٧)، خزانة الأدب (٣/ ١٥٦)، ديوان امرئ القيس (ص: ١٩)، شرح المفصل (٢/ ٦٦)، لسان العرب (قيد)، وبلا نسبة في: الأشباه والنظائر للسيوطي (٢/ ٤١٠)، خزانة الأدب (٤/ ٢٠٥)، الخصائص لابن جني (٢/ ٢٢٠)، رصف المباني (ص: ٣٩٢)، شرح شواهد المغني (٢/ ٨٦٢)، المحتسب لابن جني (١/ ١٦٨)، مغني اللبيب (٢/ ٤٦٦).
(٢) ينظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣٢٩)، المغني لابن قدامة (١/ ٤٩٠).
[ ١ / ٩٢ ]
عمر رأسه وقال: وفقك الله يا ابن سلام (^١).
﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنه حق، وأن الكتمان محرم.
﴿هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا﴾ إلى الخيرات الفاضلات من الجهات. ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا﴾ ليجازيكم على امتثال الأمر باستقبال الكعبة. أو بامتثال جميع الأوامر.
﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ أي: شبهة؛ لأن كتابهم يدل على أنهم سيحولون إلى الكعبة، فيقولون: هؤلاء لا أمجاد لهم باقية، يقولون: فإن كان استقبال بيت المقدس (١٢ /أ) هو الحق فلم صرفوا عنه الآن؟ وإن كان استقبال الكعبة هو الحق فلم لا تعبدوا به من قبل؟ وجهلوا أن الله يفعل ما يشاء، فيحرم الشيء في وقت، ويحلله في آخر، كما ينهى الطبيب المريض في أول المرض عن الزفر (^٢)، ثم يأمره بعد الأسبوع.
قوله: ﴿كَما أَرْسَلْنا﴾ معناه: لأتم نعمتي عليكم كما أتممتها ببعثة الرسول. وقيل: هو متعلق بما بعده، أي: كما أرسلنا فيكم رسولا ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ في الرخاء ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ في الشدة. أو:
اذكروني بالتبجيل والتعظيم أذكركم بمثله، وفي الحديث فيما يرويه النبي ﷺ عن ربه - ﷾: «من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» (^٣).
﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (١٥٤) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧) إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ﴾
_________________
(١) نسبه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٣٥٧) للثعلبي من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن ابن عباس - ﵄.
(٢) الزفر - بالكسر: الحمل والجمع أزفار، وهو مصدر زفر الحمل يزفره زفرا، أي: حمله. ينظر: لسان العرب (زفر).
(٣) رواه البخاري رقم (١٦٤٣)، ومسلم رقم (١٢٧٧).
[ ١ / ٩٣ ]
﴿اللاّعِنُونَ (١٥٩)﴾ ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾
﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ﴾ أي: عمن يقتل؛ كقوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] ولم يقل: ما سبقتمونا وكقوله: ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] ولو كانوا مخاطبين لإخوانهم لقال: لو أطعتمونا ما قتلتم.
﴿بَلْ أَحْياءٌ﴾ أي: بل هم أحياء. وعن بعضهم: «عجبت لمن ابتلي بأربع، كيف لا يفزع إلى أربع، من ابتلي بمصيبة كيف لا يقول: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ والله تعالى يقول: ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] وعجبت لمن خاف من ظالم كيف لا يقول:
﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ [غافر: ٤٤] والله - تعالى - يقول: ﴿فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ [غافر: ٤٥]، وعجبت لمن تمالأ عليه الناس كيف لا يقول:
﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ والله - تعالى - يقول: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤] وعجبت لمن ابتلي بالغم كيف لا يقول: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ والله يقول: ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]».
﴿الصَّفا﴾ أصله: الصلب، ثم خص به الحجر المعروف بمكة. ﴿وَالْمَرْوَةَ﴾ الحجر ثم فعل به ما فعل بالصفا، وهو كتخصيص الكتاب بسيبويه، والبيت بالكعبة، وابن عمر (١٢ /ب) وابن عباس وابن الزبير بالعبادلة دون إخوانهم. والشعائر: أعلام الدين.
وقال عروة لعائشة: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ فلا أرى بأسا على من حج البيت أن لا يطوف بهما.
فقالت عائشة: بئس ما قلت يا ابن أختي، لو كان كما قلت لكان: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما، وإنما تحرجوا من الطواف بهما؛ لأنه كان على الصفا صنم، وعلى المروة آخر، فإذا سعوا بينهما تمسحوا بهما، فتحرج المسلمون من ذلك، فرفع الحرج عنهم (^١).
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (٦/ ٤٢١)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٧٠) وصححه الشيخ الألباني في إرواء الغليل تخريج أحاديث منار السبيل رقم (١٠٧٢).
[ ١ / ٩٤ ]
والسعي ركن من أركان الحج لا يتم إلا به، ولا يجبر بدم. وسعى رسول الله ﷺ وقال:
«أيها الناس اسعوا فإنّ الله كتب عليكم السّعي».
﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢) وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ (١٦٧) يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١٦٩) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي: في اللعنة. ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ تعاقبهما، يذهب هذا ويخلفه الآخر.
وقيل: اختلافهما في الطول والقصر. ﴿وَبَثَّ فِيها﴾ معطوف على ﴿وَما أَنْزَلَ﴾ أي:
وفيما بث فيها. وقيل: معطوف على ﴿فَأَحْيا﴾ والتقدير: وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض، وبث به الدواب؛ لأن الماء سبب عيش الحيوان.
﴿وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ بين جنوب وشمال، وصبا (^١) ودبور (^٢). وقيل: تصريفها: يجعلها
_________________
(١) الصبا: ريح معروفة تقابل الدبور الصحاح. الصبا ريح ومهبها المستوي: أن تهب من موضع مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار. ينظر: لسان العرب (صبا).
(٢) الدبور - بالفتح: الريح التي تقابل الصبا والقبول، وهي ريح تهب من نحو المغرب والصبا تقابلها من ناحية المشرق. ينظر: لسان العرب (دبر).
[ ١ / ٩٥ ]
عاصفة، أو رخاء لينة (^١). ﴿كَحُبِّ اللهِ﴾ كحبهم لله؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾.
﴿وَمَثَلُ﴾ داعي ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ وقيل: ومثل الذين كفروا، كمثل مدعو الذي يعنق. وقيل: الوجهان ضعيفان؛ لأن البهائم التي تنعق بها تسمع الصوت، وتسمع منه طلب الانتهاء عما نهيت عنه، وأما الأصنام فلا يقرع سمعها صوت ولا غيره، فلا يقع التشبيه مطابقا، بل التقدير: مثل الذين كفروا في دعائهم الأصنام عند ضروراتهم، كمثل الذي ينعق بسائر الجمادات. قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ بعد قوله:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
والمؤمنون لا يعبدون إلا الله؛ قيل: هو بعث لهممهم، وتهييج لعزائمهم، وهو كما تقول لابنك: إن كنت ابني فأطعني، وأنت غير شاك في بنوته، لكن مرادك: أن قضية البنوة تقتضي طاعة الأب، ويمكن أن يقال: إن تقديم خبر كان يدل على الحصر، والتقدير: إن كنتم ممن يخصه بالعبادة، لا ممن يعتقد الشركة.
ويروى عن داود الظاهري أنه أباح شحم الخنزير ومخه، وكل ما لا [يؤكل منه، فإنما] يخص ذلك بالتحريم (^٢). والإهلال: رفع الصوت، وكانوا إذا ذبحوا (١٣ /أ) لأصنامهم رفعوا أصواتهم بذكر اللات والعزى. ويقال: المستهل: المولود صارخا، وسمي الهلال هلالا؛ لأنهم كانوا إذا رأوه رفعوا أصواتهم بالتكبير (^٣).
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ﴾ على إمامه ﴿وَلا عادٍ﴾ متجاوزا حدّ الشبع.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى﴾
_________________
(١) الرخاء من الرياح: اللينة السريعة التي لا تزعزع شيئا. ينظر: لسان العرب (رخا).
(٢) ينظر: المحلى لابن حزم (٧/ ٣٩١).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٢/ ٨٥).
[ ١ / ٩٦ ]
﴿النّارِ (١٧٥)﴾ ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦) لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾
﴿اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ استبدلوها. ﴿فَما أَصْبَرَهُمْ﴾ أي: فما أطول حبسهم في النار، والصبر: الحبس، ومنه يقال: قتله صبرا إذا أمسكه ليقتل بين يديه. وقيل: ما استفهامية، وليست تعجبية.
قوله: ﴿وَآتَى الْمالَ﴾ يريد: الزكاة. وقيل: يريدها هي والتطوع. قوله:
﴿وَالْمُوفُونَ﴾، ﴿وَالصّابِرِينَ﴾ منصوب، وهو من باب عطف الصفات بالواو، واقتطاعها بالرفع والنصب جائز.
﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ عما يجب له من الدم على مال، فالواجب من الطالب اتباع المعروف، ومن المطلوب أداء بإحسان.
وكان في القتل العمد على عهد موسى القصاص لا غير، وعلى عهد عيسى الدية لا غير، وخيرت هذه الأمة بينهما، والتخيير تخفيف. ﴿فَمَنِ اعْتَدى﴾ وقتل بعد العفو على مال، قتل قصاصا.
﴿الْقِصاصِ حَياةٌ﴾ أفصح من قول العرب: القتل أنفى للقتل؛ لأنهم جعلوا القتل كله نافيا للقتل، وليس النافي على التحقيق إلا قتل القصاص؛ ولأنه جعله أنفى، وأفعل التفضيل تقتضي الاشتراك غالبا، فيكون ترك القتل نفيا للقتل، وليس كذلك؛ ولأن القصاص حياة يحصل المعنى، وهو عشرة أحرف، وقولهم: القتل أنفى للقتل أربعة عشر حرفا؛ لأنه أخصر؛ لأنه بين كل حركتين من كلام العرب ساكن فلا ينبسط اللسان بالنطق؛
[ ١ / ٩٧ ]
لأن السكون قطع للحركة، واحتباس عنها (^١). والمراد: ولكم في القصاص حياة أي: حياة مضمومة إلى الحياة الأصلية، فلو عرف الحياة فقال: «ولكم في القصاص الحياة» لاختل المعنى، وكان يظن أن الحياة الأصلية مستفادة من القصاص، ونظيره قوله - تعالى - في العسل: ﴿فِيهِ شِفاءٌ﴾ [النحل: ٦٩] ولم يقل: فيه الشفاء؛ لئلا يظن أن الشفاء منحصر في العسل (^٢).
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾
كانت الوصية بما يخلف الإنسان فرضا عليه قبل نزول آيات المواريث. ﴿حَضَرَ﴾ كناية عن حضور أسبابه. والخير: المال والاكتساب ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] فلما نزلت آية المواريث نسخت وجوب الوصية (^٣). ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ من
_________________
(١) قال البيهقي في كتاب الاعتقاد (١/ ٢٦٠): وقد استحسن الناس في الإيجاز قولهم: القتل أنفى للقتل وبينه وبين قول الله - سبحانه: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ تفاوت في البلاغة والإيجاز، وبيان ذلك: أن في هذا الكلام كل ما في قولهم القتل أنفى للقتل وزيادة معان ليست فيه منها: الإبانة عن الفداء لذكر القصاص، ومنها الإبانة عن الغرض المرغوب فيه لذكر الحياة، ومنها بعده عن التكلف وسلامته من تكرار اللفظ الذي فيه على النفس مشقة وعلى السمع مؤونة.
(٢) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ٥٧٦): قال بعض من تكلم على الطب النبوي: لو قال فيه الشفاء للناس لكان دواء لكل داء ولكن قال: فيه شفاء للناس أي يصلح لكل أحد من أدواء باردة فإنه حار والشيء يداوى بضده.
(٣) ينظر: الأم للشافعي (٧/ ٤٦٠)، المغني لابن قدامة (٦/ ٤٤٤) قال ابن قدامة في المغني: ولا تجب الوصية إلا على من عليه دين أو عنده وديعة أو عليه واجب يوصي بالخروج منه فإن الله - تعالى - فرض أداء الأمانات وطريقه في هذا الباب الوصية فتكون مفروضة عليه، فأما الوصية بجزء من ماله فليست بواجبة على أحد في قول الجمهور، وبذلك قال الشعبي والنخعي والثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وغيرهم، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أن الوصية غير واجبة إلا على من عليه حقوق بغير بينة وأمانة بغير إشهاد إلا طائفة شذت فأوجبتها روي عن الزهري أنه قال: جعل -
[ ١ / ٩٨ ]
الشاهدين (١٣ /ب) للوصية والمتولين لأمرها، فالإثم عليهم لا على الموصي.
كان الواجب في ابتداء الإسلام صوم ثلاثة أيام من كل شهر وعاشوراء، وأيام البيض، وهو المراد بقوله: ﴿أَيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ ثم نسخ ذلك بصيام شهر رمضان (^١).
﴿كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني: أصل الصوم، لا وقته وعدده، فإن العرب كرهوا عبادة الصوم، فقيل لهم: هو عبادة قديمة لم تخصوا بها دون سائر الأمم.
و﴿أَيّامًا﴾ ظرف، والعامل فيها الصيام الذي أنزل فيه أي: في شرفه وفضله.
﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوالِ النّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾
﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾ أي: كان مقيما غير مسافر فالواجب عدة، أو فعليه عدة. ومنع داود المسافر
_________________
(١) = الله الوصية حقا مما قل أو كثر وقيل لأبي مجلز: على كل ميت وصية؟ قال: إن ترك خيرا وقال أبو بكر عبد العزيز: هي واجبة للأقربين الذين لا يرثون وهو قول داود وحكي ذلك عن مسروق وطاوس وإياس وقتادة وابن جرير واحتجوا بالآية وخبر ابن عمر وقالوا: نسخت الوصية للوالدين والأقربين الوارثين وبقيت فيمن لا يرث من الأقربين.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢/ ١٣٠).
[ ١ / ٩٩ ]
والمريض أن يصوموا رمضان، وقال: الواجب في حقه وحق المسافر عدة من أيام أخر (^١).
كان في ابتداء الإسلام إن شاء القادر أن يصوم فعل، وإن شاء أن يفطر ويكفر جاز.
ومنه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾، ثم قال: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ ثم نسخ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فتحتم الصيام.
قوله: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ يريد الاطلاع وقربه - سبحانه - ليس معلقا على شرط، بل الجواب محذوف، والمراد: وإذا سألك عبادي عني فقل: إني قريب.
وكان في ابتداء وجوب الصوم يجوز الأكل إلى العشاء ما لم ينم، فإن نام قبل العشاء حرم عليه الأكل إلى المغرب من الليلة القابلة، وكذلك الجماع، وإن بعض الصحابة جامع امرأته بعد العشاء وشكا ذلك إلى النبي ﷺ فنزل تحليل الأكل والجماع إلى طلوع الفجر (^٢). وعنى بالخيط الأبيض: الفجر، وبالخيط الأسود: الليل. ﴿وَتُدْلُوا﴾ يجوز أن يكون مجزوما، عطفا على قوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا﴾ أو منصوبا بالواو.
_________________
(١) ذكر ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ٢٩٨ - ٣٠٠) عن أنس بن مالك أنه قال: «سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم». وأن عمرو الأسلمي قال لرسول الله ﷺ: «يا رسول الله إني رجل أصوم أفأصوم في السفر؟ فقال له رسول الله ﷺ: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر» وأن عبد الله بن عمر كان لا يصوم في السفر، وعن هشام بن عروة عن أبيه: «أنه كان يسافر في رمضان ونسافر معه فيصوم عروة ونفطر نحن فلا يأمرنا بالصيام». ثم قال أبو عمر بن عبد البر: قوله: وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ يقولون: إنه من كلام ابن شهاب، وفيه دليل أن في حديث رسول الله ﷺ ناسخا ومنسوخا، واحتج من ذهب إلى أن الفطر أفضل في السفر لأن آخر فعل رسول الله ﷺ الفطر في السفر، ورواه معمر عن الزهري وقال فيه: قال الزهري فكان الفطر آخر الأمرين، وفي هذا الحديث إباحة السفر في رمضان. وفي ذلك رد لقول من قال: من دخل عليه رمضان لم يجز له أن يسافر فيه إلا أن يصوم؛ لأنه قد لزمه صومه في الحضر ولو دخل عليه رمضان في سفره كان له أن يفطر في سفره ذلك، قال: وفي هذا الحديث أيضا رد لقول من زعم أن الصيام في السفر لا يجزئ؛ لأن الفطر عزيمة من الله - تعالى - روي معنى ذلك عن عمر وابن عمر وأبي هريرة وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس على اختلاف عنه وعن الحسن البصري مثله، وبه قال قوم من أهل الظاهر، وأحاديث هذا الباب تدفع هذا القول وتقضي بجواز الصوم للمسافر إن شاء وأنه مخير إن شاء صام وإن شاء أفطر؛ لأن رسول الله ﷺ صام في السفر وأفطر، وعلى التخيير في الصوم أو الفطر للمسافر جمهور العلماء وجماعة فقهاء الأمصار. وقال ابن قدامة في المغني (٣/ ٩٠): والأفضل عند إمامنا (يعني: الإمام أحمد بن حنبل) - ﵀ - الفطر في السفر وهو مذهب ابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبى والأوزاعى وإسحاق، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: الصوم أفضل لمن قوي عليه ويروى ذلك عن أنس وعثمان بن أبي العاص.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢/ ١٦٦)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٧٧).
[ ١ / ١٠٠ ]
سأل معاذ بن جبل فقال: ما بال الهلال يكون صغيرا، ثم يكبر، ثم يصغر، فهلا بقي على حالة واحدة، كالشمس والكواكب؟! فأجيب بأنه: جعل ذلك ميقاتا لديون الناس وآجالهم، وعددهم (^١).
والعرب ما كانت تحسن الكتابة، فكانوا إذا رأوا الهلال عرفوا انقضاء الشهر. وكانت العرب إذا أحرموا بالحج لا يدخل الإنسان منهم داره من بابها لكن يفتح من ظهر البيت بابا يدخل منه ويخرج، وإن كان في بيت شعر دخل من خلف الخباء إلا قريشا وكنانة، فكانوا لا يوجبون عليهم ذلك، ويسمونهم الحمس (^٢) ثم دخل (١٤ /أ) النبي ﷺ وهو محرم بيتا من بابه، فتبعه رجل أنصاري، فأنكر ﵇ ذلك فقال النبي: أنا أحمس. فقال: وأنا على دينك ومذهبك، فنزلت (^٣). وقيل: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها﴾ أي: من الوجوه التي توصل إليها.
﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ (١٩٣) الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦)﴾
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٩٠) ونسبه لابن عساكر بسند ضعيف عن ابن عباس.
(٢) الحمس والمتحمس: الشديد والأحمس أيضا: المتشدد على نفسه في الدين وعام أحمس وسنة حمساء: شديدة وأصابتهم سنون أحامس، والحمس: قريش لأنهم كانوا يتشددون في دينهم وشجاعتهم فلا يطاقون. وقيل: كانوا لا يستظلون أيام منى ولا يدخلون البيوت من أبوابها وهم محرمون. ينظر: لسان العرب (حمس).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٢/ ١٨٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٨٣)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ٥٦) رقم (١٠١، ١٠٠)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٩١) لابن أبي حاتم، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
[ ١ / ١٠١ ]
﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ كان قتال المشركين محرما، ثم نزل الإذن بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩] وأوجب في هذه الآية قتال من قاتل، دون من كف. وقيل:
﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ الذين هم أهل للقتل بخلاف النساء والصبيان، وتكون الآية محكمة.
﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ بقتل من لم يقاتل على القول الأول، وبقتل النساء والصبيان على الثاني. وقرئ: ﴿وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (^١) أي: فإن قتلوا بعضكم. ﴿إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ الذين قاتلوا بعد النهي والانتهاء. ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قيل: بترك القتال؛ فإنه متى ترك تسلط الكفار على المسلمين فقتلوا وسبوا.
قال بعض الصحابة (^٢): أراد أن من قاتل وكسب فاستقل بالحرث والزرع، فقد ألقى بنفسه إلى التهلكة. ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي: ائتوا بهما تامين ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ الإحصار في المرض، والحصر في العدو وقد جاءت هذه الآية في إحصار العدو وهي لغة.
﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾ فالواجب ما استيسر، أو فعليكم ما استيسر، وهذا الدم الواجب في التمتع عند أبي حنيفة: دم قربان فيأكل منه كما في الهدايا والضحايا، وعند الشافعي: دم جبران فإن المتمتع ذبح أحد الميقاتين، فلا يأكل منه كسائر دماء الجبرانات (^٣).
_________________
(١) قرأ بها حمزة والكسائي وخلف، وقرأ الباقون «تقاتلوهم حتى يقاتلوكم». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦٧/ ٢)، الحجة لابن خالويه (ص: ٩٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (١/ ٤٨١)، السبعة لابن مجاهد (ص: ١٧٩)، الكشاف للزمخشري (١/ ٢٣٦)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٢٦).
(٢) روى الطبري في تفسيره (٢/ ٢٠٤) عن أسلم أبي عمران قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد قال: فصففنا صفين لم أر صفين قط أعرض ولا أطول منهما والروم ملصقون ظهورهم بحائط المدينة قال: فحمل رجل منا على العدو فقال الناس: مه لا إله إلا الله يلقي بيده إلى التهلكة قال: أبو أيوب الأنصاري: إنما تتأولون هذه الآية هكذا أن حمل رجل يقاتل يلتمس الشهادة أو يبلي من نفسه إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار إنا لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام قلنا بيننا معشر الأنصار خفيا من رسول الله إنا قد كنا تركنا أهلنا وأموالنا أن نقيم فيها ونصلحها حتى نصر الله نبيه هلم نقيم في أموالنا ونصلحها فأنزل الله الخبر من السماء وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة الآية فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد.
(٣) قال ابن رشد في بداية المجتهد (١/ ٢٧٧): «واختلفوا في الأكل من الهدي الواجب إذا بلغ محله؛ فقال الشافعي: لا يؤكل من الهدي الواجب كله ولحمه كله للمساكين، وقال مالك: يؤكل من كل الهدي الواجب إلا جزاء الصيد ونذر المساكين وفدية الأذى. وقال أبو حنيفة: لا يؤكل من الهدي الواجب إلا هدي المتعة وهدي القرآن، وعمدة -
[ ١ / ١٠٢ ]
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ يعني: الهدي ولا ثمنه فاضلا عن قوته وقوت من تلزمه نفقته، فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع. قيل: إذا استقر في منزله بعد الحج، وقيل: إذا شرع في العود متوجها إلى وطنه. وقيل: إذا فرغ من أعمال الحج.
قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ بين أن مجموع الصومين كفارة واحدة؛ لئلا يتوهم أن الواجب أحد الأمرين، إما ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجع، وقوله: ﴿كامِلَةٌ﴾ يريد أن العشرة مع تفرقها كاملة في التكفير، بخلاف تتابع الصوم في كفارة القتل الخطأ فإن التتابع شرط فيها (^١).
﴿ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي﴾ أشار (١٤ /ب) إلى وجوب الكفارة وهو عند الشافعي مختص بمن لم يكن من أهل مكة، أو كان من مكة على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، فإن كان من أهلها لم يذبح ميقاتا فلا فدية عليه، وعند أبي حنفية: أشار بقوله ذلك إلى جواز التمتع، فعنده أن التمتع لا يصح من المكي (^٢).
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾
﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ﴾
_________________
(١) = الشافعي تشبيه جميع أصناف الهدي الواجب بالكفارة وأما من فرق فلأنه يظهر في الهدي معنيان أحدهما أنه عبادة مبتدأة. والثاني: أنه كفارة وأحد المعنيين في بعضها أظهر فمن غلب شبهه بالعبادة على شبهه بالكفارة في نوع من أنواع الهدي كهدي القران وهدي التمتع وبخاصة عند من يقول: إن التمتع والقران أفضل لم يشترط أن لا يأكل؛ لأن هذا الهدي عنده هو فضيلة لا كفارة تدفع العقوبة ومن غلب شبهه بالكفارة قال لا يأكله لاتفاقهم على أنه لا يأكل صاحب الكفارة من الكفارة». وقال الشوكاني في نيل الأوطار (٥/ ١٩٢): «والظاهر أنه يجوز الأكل من الهدي من غير فرق بين ما كان منه تطوعا وما كان فرضا لعموم قوله تعالى: فَكُلُوا مِنْها ولم يفصل».
(٢) ينظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ٢١٠)، المغني لابن قدامة (١١/ ٢٧٧)، مغني المحتاج للشربيني (١/ ٥١٣).
(٣) ينظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ٣٧٧)، بداية المجتهد لابن رشد (١/ ٤٦٣)، المبسوط للسرخسي (٤/ ٢٧)، المغني لابن قدامة (٣/ ٢١٥).
[ ١ / ١٠٣ ]
﴿كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ (٢٠١) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠٢) وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣) وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤) وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (٢٠٥) وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٦) وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧)﴾
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ أي: من الإحرام بالحج أشهر، وجعل بعض شهر ذي الحجة بمنزلة شهر كامل. الرفث: الجماع، وكل لفظ يستحيى من ذكره. وقوله: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ خبر معناه النهي. قوله: ﴿وَلا جِدالَ﴾ خبر عن نهي. ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني: التجارة في مواسم الحج. وقوله: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ أي: لأجل أنه هداكم، كقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] ثم لتكن إفاضتكم من عرفات. كانت الحمس تقف بالمزدلفة، فيفيضون منها ويقولون: نحن خدام الحرم فلا نخرج منه، عرفة من الحل والعلمان في أول عرفة علامة على أنها الحرم وابتداء الحل. ﴿فَمِنَ النّاسِ﴾ من يكون سؤاله مقصورا على أمر دنياه، ومنهم من يطلب الحسنة في الدنيا والآخرة وقوله: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ يرجع إلى الفريقين. وقيل: إلى أحدهما.
﴿وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ يريد التكبير في أيام التشريق ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وهما الحادي عشر والثاني عشر فنفر قبل الغروب ليلة الثالث عشر سقط عنه الرمي في اليوم الثالث، ويكون قد رمى تسعا وأربعين حصاة سبعا يوم النحر وإحدى وعشرين يوم الحادي عشر وإحدى وعشرين يوم الثاني عشر ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾ حتى غربت عليه شمس ليلة الثالث عشر لزمه أن يرمي يوم الثالث عشر. ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ﴾ أي: في الحياة الدنيا ﴿قَوْلُهُ﴾ لفصاحته. وقيل: إذا تحدث في أمور الدنيا كان فصيحا، وأما
[ ١ / ١٠٤ ]
في أمور الآخرة فهو كالألكن (^١)، وعلى الأول: إذا وقف في موقف القيامة جعلت الحبسة في لسانه (^٢)، وزال ما كان يوصف به من الفصاحة.
الخصام: المخاصمة أي: وهو ألد في الخصومة. وقيل: الخصام جمع خصم أي: وهو ألد الخصوم. ﴿وَإِذا تَوَلّى﴾ عنك وقيل له: ﴿اِتَّقِ اللهَ﴾ أي: حملته على الإثم؛ كما تقول:
أخذت فلانا بالاشتغال (١٥ /أ) بالعلم. ﴿يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ أي: يبيعها وهو رجل قام بكلمات الحق عند الولاة الجائرين فقتل (^٣).
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠) سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢) كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ (٢١٤) يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾
_________________
(١) اللكنة: عجمة في اللسان يقال: رجل ألكن بين اللكن. والألكن: الذي لا يقيم العربية من عجمة في لسانه، يقال: لكن لكنا ولكنة ولكونة، ويقال: به لكنة شديدة ولكونة ولكنونة. ينظر: لسان العرب (لكن).
(٢) الحبسة والاحتباس في الكلام: التوقف وتحبس في الكلام: توقف. والحبسة: تعذر الكلام عند إرادته. ينظر: لسان العرب (حبس).
(٣) روى الحاكم في المستدرك على الصحيحين (٣/ ٢١٥) عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله». وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
[ ١ / ١٠٥ ]
﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾
السلم: الصلح. وقيل: استأذن ابن سلام أن يقرأ في التوراة في الصلاة فنزلت نهيا له ولأمثاله (^١). ﴿يَأْتِيَهُمُ اللهُ﴾ أي: أمره (^٢).
﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ على الضلال ﴿فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ﴾ وقيل: كانوا على الحق فاختلفوا، فبعث الله؛ كقوله: ﴿وَما كانَ النّاسُ إِلاّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩] ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ﴾ أي: الكتب. وقوله: ﴿لِيَحْكُمَ﴾ أي: الله أو الكتاب.
سألوه عما ينفقونه فبين لهم المصرف؛ لأنهم إلى بيانه أحوج.
بعث رسول الله ﷺ سرية مع عبد الله بن جحش فلقوا المشركين فقتلوا رجلا من المشركين، وكانوا يظنون أن الشهر الحرام قد فرغ ودخل شهر الحل فشنع اليهود على المسلمين وقالوا: استحل محمد الشهر الحرام، وسألوا عن ذلك تعنتا، فقال تعالى:
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ (^٣) أي: إثم كبير. وقوله:
﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ مبتدأ لا معطوف، وكأنه يقول: الذي فعلتموه من صدّ النبي وأصحابه عن المسجد الحرام أكبر مما فعله المسلمون.
قوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ﴾ شرط في إحباط العمل بالردة: الموت على الكفر، ولم يشترطه أبو حنيفة (^٤) لقوله - تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥].
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢/ ٣٢٤)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ٦٩)، رقم (١٢٩) عن ابن عباس - ﵄.
(٢) الصواب في ذلك: إثبات ما أثبته الله - تعالى - لنفسه في كتابه وما وصفه به نبيه ﷺ من غير تمثيل ولا تشبيه، وفي إطار قوله - تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وهذه عقيدة السلف الصالح ﵃.
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٢/ ٣٤٨).
(٤) ينظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٦٥)، المبسوط للسرخسي (٢/ ٩٦).
[ ١ / ١٠٦ ]
وروي أن عبد الله بن جحش قال: يا رسول الله، هل تعتد لنا بهذه السرية غزوة؟
فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^١).
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠) وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾
الميسر: القمار. ﴿الْعَفْوَ﴾ هو ما صفا من أخلاق الناس. قال الشاعر [من الطويل]:
خذي العفو منى تستديمي مودّتي ولا تنطقي في سورتي حين أغضب (^٢)
﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ﴾ يفسر الآيات. وقيل: يفسر آيتين.
ولما نزل قوله - تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] الآية تحرج المسلمون من مخالطة اليتامى ومؤاكلتهم وأن يخلطوا نفقتهم بنفقتهم فنزلت ﴿وَيَسْئَلُونَكَ﴾
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢/ ٣٥٦)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٦٠٣) لابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي.
(٢) ينظر البيت في: تاج العروس للزبيدي (عفا)، الكشاف للزمخشري (١/ ٢٦٢)، لسان العرب (عفا)، بلا نسبة. ونسبه الأصفهاني في الأغاني (٢٠/ ٣٧٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٤١٩) لأسماء بن خارجة الفزاري في أبيات قالها لزوجته وينصح بها ابنته عند زواجها وبعد هذا البيت يقول: فإني رأيت الحب في الصدر والأذى إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب
[ ١ / ١٠٧ ]
﴿عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ﴾ الآية (^١) ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ لكلفكم المشقة، وأصل العنت أن يكسر العظم ثم يجبر معوجا، فيكسر ثانيا ليعاد جبره مستقيما فيقيمه بكل مشقة (^٢) (١٥ /ب) ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ عام مخصوص بقوله: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. ﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ﴾ أي: فأولياء الله يدعون إلى الجنة والمغفرة حتى يطابق قوله ﴿أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النّارِ﴾.
«كانت اليهود إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها وأفردوا لها أوعية تستعملها تلك المدة فسأل المسلمون رسول الله ﷺ عن ذلك فنزلت ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً﴾ (^٣) أي: شيء مستقذر ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ أي: في زمن الحيض، أو في محل الحيض، وهو الفرج. ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: ينقطع ﴿فَإِذا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلن بالماء.
فلحل الوطء شرطان: فلو اغتسلت قبل انقطاع الدم لم يحل، ولو انقطع الدم ولم تغتسل، لم يحل هذا مذهب الشافعي ومالك، وقال أبو حنيفة: إذا انقطع دمها في وقت عادته، وغسلت الفرج من آثار الأذى حل وطؤها؛ لأنها قبل الغسل كالجنب (^٤).
﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ أي: في الغسل في محل البذر، وهو الفرج.
﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾
_________________
(١) رواه الواحدي في أسباب النزول (ص: ٧٣ - ٧٤) رقم (١٣٤)، وأبو داود رقم (٢٨٧١)، والنسائي (٦/ ٢٥٦)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٧٨)، وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) يقال للعظم المجبور إذا أصابه شيء فهاضه: قد أعنته فهو عنت ومعنت. قال الأزهري: معناه أنه يهيضه وهو كسر بعد إنجبار وذلك أشد من الكسر الأول. ينظر: لسان العرب (عنت).
(٣) رواه مسلم في صحيحه رقم (٣٠٢)، وأبو داود في سننه رقم (٢٥٨)، والترمذي رقم (٢٩٧٧).
(٤) ينظر: الأم للشافعي (١/ ١٣٠)، بداية المجتهد لابن رشد (١/ ٨٨)، المغني لابن قدامة (١/ ٢٤١).
[ ١ / ١٠٨ ]
﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً﴾ أي: مانعا من البر؛ فيحلف أنه لا يكلم فلانا ولا يصلي التطوع، أو لا يبر أمه، فإذا عيب اعتذر باليمين وجعلها عرضة مانعة من البر، أي: لا تجعلوا اسم الله معرضا للحلف، كقول الشاعر [من الطويل]:
فلا تجعلنّي عرضة للّوائم (^١)
﴿بِاللَّغْوِ﴾ عند الشافعي: قول الرجل: لا والله، بلى والله من غير قصد إلى عقد اليمين (^٢) وهو مأخوذ من اللغو، وهو إذا جاء في الدية بناقة معها فصيل يقال: هذا الفصيل لغو لا يعتد به. إذا حلف أنه لا يطأ زوجته مدة لا تزيد على أربعة أشهر لم تتوجه عليه من الزوجة مطالبة حتى تمضي أربعة أشهر، فإذا مضت فإنه يطالب بالوطء أو الطلاق، فللزوج أن يتربص أربعة أشهر.
والمطلقات الخاليات من الحمل، للصغر والإياس يتربصن مدة العدة، وهي ثلاثة أطهار عند الشافعي، وثلاث حيض عند أبي حنيفة (^٣).
_________________
(١) هذا عجز بيت لأبي تمام وصدره: دعوني أنح وجدا كنوح الحمائم ينظر في: تفسير القرطبي (٣/ ٩٤)، تفسير أبي السعود (١/ ٢٢٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (١/ ٥٤٨) بنحوه، الكشاف لزمخشري (١/ ٢٦٧).
(٢) ينظر: الأم للشافعي (٧/ ١١٠).
(٣) اختلف السلف والخلف والأئمة في المراد بالأقراء ما هو على قولين: أحدهما: أن المراد بها الأطهار، وروي ذلك عن ابن عباس وزيد بن ثابت وسالم والقاسم وعروة وسليمان بن يسار وأبي بكر بن عبد الرحمن وأبان بن عثمان وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري وبقية الفقهاء السبعة، وهو مذهب مالك والشافعي وغير واحد وداود وأبي ثور وهو رواية عن أحمد واستدلوا عليه بقوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١] أي: في الأطهار ولما كان الطهر الذي يطلق فيه محتسبا دل على أنه أحد الأقراء الثلاثة المأمور بها. والقول الثاني: أن المراد بالأقراء الحيض فلا تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة زاد آخرون: وتغتسل منها، وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه وأصح الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل وحكي عنه الأثرم أنه قال: قال الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ: الأقراء: الحيض وهو مذهب الثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى وابن شبرمة والحسن بن صالح وأبي عبيد وإسحاق بن راهويه. واستدلوا بما روي عن فاطمة بنت أبي حبيش أن رسول الله ﷺ قال لها: «دعي الصلاة أيام أقرائك» فهذا لو صح لكان صريحا في أن القرء هو الحيض ولكن في سند الحديث المنذر بن المغيرة؛ قال فيه أبو حاتم: مجهول ليس بمشهور وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن جرير: أصل القرء في كلام العرب: الوقت لمجيء الشيء المعتاد مجيئه في وقت معلوم ولإدبار الشيء المعتاد -
[ ١ / ١٠٩ ]
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ يريد أن للزوج أن يراجعها ما دامت في العدة، ولم تستوف الطلاق، ولم يكن الفراق خلعا، ﴿وَلَهُنَّ﴾ من استحقاق المعاشرة بالمعروف ﴿مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾.
﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ بقيامه بمصالحها، ومنعها من الخروج من منزله (١٦ /أ) وإدخال من لا يريد دخوله، وتأديبها إذا نشزت.
﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾
الطلاق الذي يستحق فيه الرجعة مرتان إذا كان المطلق حرّا، له الرجعة. ولا يحل لكم أن تضاروها، تفتدي بصداقها أو بغيره ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا﴾ خصص جواز الخلع بحالة الشقاق، وهو مذهب جماعة من العلماء، والشافعي يجيزه من غير شقاق كالطلاق (^١).
_________________
(١) = إدباره لوقت معلوم وهذه العبارة تقتضي أن يكون مشتركا بين هذا وهذا، وقد ذهب إليه بعض الأصوليين والله أعلم. وهذا قول الأصمعي: أن القرء هو الوقت. وقال أبو عمرو بن العلاء: العرب تسمي الحيض قرءا وتسمي الطهر قرءا وتسمي الطهر والحيض جميعا قرءا. وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: لا يختلف أهل العلم بلسان العرب والفقهاء أن القرء يراد به الحيض ويراد به الطهر وإنما اختلفوا في المراد من الآية ما هو على قولين. ينظر تفصيل ذلك في: الاستذكار لابن عبد البر (٦/ ١٤٥)، الأم للشافعي (٥/ ٣٠٢)، بدائع الصنائع للكاساني (٣/ ٣٥٠)، بداية المجتهد لابن رشد (١/ ٨١٤)، المبسوط للسرخسي (٣/ ١٥٢)، المغني لابن قدامة (٣/ ٢٦٨).
(٢) قال طائفة كثيرة من السلف وأئمة الخلف: أنه لا يجوز الخلع إلا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة فيجوز للرجل حينئذ قبول الفدية واحتجوا بقوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ قالوا: فلم يشرع الخلع إلا في هذه الحالة فلا يجوز في غيرها إلا بدليل. والأصل عدمه وممن ذهب إلى هذا: ابن عباس وطاوس وإبراهيم وعطاء والحسن والجمهور حتى قال مالك والأوزاعي: لو أخذ منها -
[ ١ / ١١٠ ]
﴿فَإِنْ طَلَّقَها﴾ أي: ثالثة أو ثانية، إذا كان عبدا ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ثم يطؤها ذلك الزوج، ثم تنقضي عدتها، ثم يعقد عليها الزوج الأول، فتحل حينئذ.
﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ أي: إذا قاربن بلوغ أجلهن، أما إذا بلغن الأجل فليس له عليها إمساك بغير رضاها. وكان الرجل يطلق المرأة فيصبر حتى إذا أشرفت على انقضاء العدة راجعها، ثم يطلقها، فتشرع في عدة ثانية، حتى إذا قاربت فراغها راجعها، ثم يفعل في الثالثة كذلك ضرارا، فنهى الله عن ذلك وقال: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾.
أصل العضل: احتباس البيضة في الدجاجة، فلا تخرج، فشبه به كل أمر فظيع، وكل مرض تعسر معالجته.
وقوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ﴾ يريد: نهي الولي عن أن يمنع المرأة من الرجوع إلى زوجها، وطلب عودها إلى العصمة. ويحكى: «أن معقل بن يسار زوج أخته من زوج فتركها الزوج حتى انقضت عدتها فجاء يخطبها من أخيها، فقال له أخوها معقل: أفرشتك أنكحتك ففارقتها، ولم تراجعها حتى انقضت العدة ثم جئت تخطبها، لا أعيدها إليك فنزلت الآية (^١)».
وقيل: أزواجهن تسمية للشيء بما يؤول إليه أي: لا تمنعوهن من التزويج بأي رجل كان كفؤا ويكون «أزواجهن» مجازا.
﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
_________________
(١) = شيئا وهو مضار لها وجب رده إليها وكان الطلاق رجعيا. قال مالك: وهو الأمر الذي أدركت الناس عليه. وذهب الشافعي - ﵀ - إلى أنه يجوز الخلع في حال الشقاق وعند الاتفاق بطريق الأولى والأحرى وهذا قول جميع أصحابه قاطبة. ينظر تفصيل ذلك في: الأم للشافعي (٥/ ١٦٤)، بدائع الصنائع للكاساني (٣/ ١٤٩)، بداية المجتهد لابن رشد (١/ ٧٨١)، المغني لابن قدامة (٨/ ١٧٧).
(٢) رواه البخاري رقم (٤٥٢٩)، والترمذي رقم (٢٩٨١).
[ ١ / ١١١ ]
﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤) وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥) لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾
﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ﴾ خبر معناه الأمر، قال بعضهم: إن كان الحمل تسعة أشهر فترضع واحدا وعشرين شهرا عملا بقوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وإن كان الحمل ستة أشهر فترضع أربعة وعشرين شهرا. وقيل: الآية على عمومها سواء طالت مدة الحمل أو قصرت. والمولود له: هو الأب ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ أي: الوالدات المستمرات على الزوجية. وقيل: المطلقات. وقيل: الأمهات. (١٦ /ب).
﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ قيل: معناه لا تضارر ﴿والِدَةٌ﴾ فاعل ﴿وَلا﴾ يضار أب ﴿مَوْلُودٌ لَهُ﴾ بأن يريد قلعه منها وقد ألف ثديها. وقيل: معناه لا تضارر «ووالدة» مفعول لم يسم فاعله. أي: لا ينتزع الولد منها كرها وهي راغبة في رضاعته بأجرة مثله ولا يضارر الأب أيضا. وقوله: ﴿وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ﴾ قيل: المراد: وعلى الباقي من الأبوين.
وقيل: وعلى العصبة الوارثين إرضاعه، كما لهم ميراثه لو مات وله مال. وقيل: وعلى الوارث مطلقا عصبة كان أو غير عصبة. ﴿فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ﴾ من غير ضرر يلحق الولد ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا﴾ الولد أي: لأولادكم ﴿إِذا سَلَّمْتُمْ ما﴾ قررتم من الأجرة، وليس التسليم شرطا فلو قرر لها في ذمته شيئا ورضيت به جاز.
أي: وأزواج ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ فإذا انقضت العدة فلها أن تتصرف بالخروج من المنزل وترك الإحداد. والتصريح بخطبة المعتدة حرام.
وأما التعريض كقوله: رب راغب فيك، مثلك ما تبقى بغير زوج، ولعل الله أن ييسر لي تزويجا - فهو جائز في عدة الوفاة؛ إذ لا زوج يتأذى بالخطبة، وهو حرام في الرجعية وفي البائن قولان للشافعي (^١). ﴿لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ أي: نكاحا؛ كقول الشاعر [من الطويل]:
_________________
(١) ينظر في ذلك: الأم للشافعي (٥/ ١٩٠)، بدائع الصنائع (٣/ ٣٢٢)، المبسوط للسرخسي (٧/ ٦١٨)، المغني لابن قدامة (٧/ ٥٢٤).
[ ١ / ١١٢ ]
ألا زعمت بسباسة القوم أنني كبرت وأن لا يحسن السّر أمثالي (^١)
وقيل: لا تساروها. ﴿حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ﴾ أي: حتى تنقضي العدة. ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: لا تبعة ولا مطالبة بمهر ﴿إِنْ طَلَّقْتُمُ﴾ قبل المسيس والفرض، بل الواجب المتعة ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ وظاهر هذه الآية اعتبار حال الزوج في قدر المتعة.
وقيل: تعتبر المتعة بحال المرأة قياسا على المهر، والأول أشبه بنص القرآن.
﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧) حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾
﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ وهو الزوج. وقيل: الولي (^٢). ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ يقال: إن الذي بيده العقد هو الولي؛ لأنه لم يقل أحد أنه يستحب للولي العفو، وإنما الكلام في الجواز. و﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ يعني: الفضلى من قوله تعالى: (١٧ /أ) ﴿قالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] أي: أعدلهم ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]
_________________
(١) البيت لامرئ القيس، ينظر في: جمهرة اللغة لابن دريد (ص: ١٢١)، ديوان امرئ القيس (ص: ٢٨)، غريب الحديث لابن سلام (١/ ٢٣٨) وفيه الشطر الأول: ألا زعمت بسباسة اليوم أنني وفي لسان العرب (لها) يروى الشطر الثاني: كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي وبسباسة: اسم المرأة. والسر هنا الجماع.
(٢) الجديد من قولي الشافعي ومذهب أبي حنيفة وأصحابه والثوري وابن شبرمة والأوزاعي واختاره ابن جرير أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، ومأخذ هذا القول: أن الزوج بيده عقدها وإبرامها ونقضها وانهدامها وكما أنه لا يجوز للولي أن يهب شيئا من مال المولية للغير فكذلك في الصداق. والوجه الثاني وهو مذهب مالك وقول الشافعي في القديم ويروى عن الحسن وعطاء وطاوس والزهري وربيعة وزيد بن أسلم وإبراهيم النخعي وعكرمة في أحد قوليه ومحمد بن سيرين في أحد قوليه أنه الولي، ومأخذه: أن الولي هو الذي أكسبها إياه فله التصرف فيه بخلاف سائر مالها. تنظر في: الأم للشافعي (٥/ ١٠٩)، بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ٥٧٩)، بداية المجتهد لابن رشد (١/ ٦٩١)، المغني لابن قدامة (٨/ ٧٠).
[ ١ / ١١٣ ]
أي: خيارا؛ ولأن الأطراف تعتريها الجوائح والخلل، والوسط محمى، قال الشاعر يصف عمورية (^١) [من البسيط]:
كانت هي الوسط المحمىّ فاكتنفت بها الحوادث حتّى أصبحت طرفا (^٢)
وهي صلاة العصر. وقيل: الصبح. وقيل: المغرب. وقيل العشاء. وقيل: صلاة الجمعة.
وقيل: أبهمها الله؛ ليواظب الناس على الكل فتحصل لهم الوسطى قطعا كما أبهم ساعة الجمعة، وأبهم الولي من أوليائه في جملة خلقه.
القنوت: طول القيام. وقيل: السكوت في الصلاة. ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ فصلوا رجالا ﴿أَوْ رُكْبانًا﴾ وهذه صلاة المسابقة (^٣) وهي أشد أحوال صلاة الخوف ويصلون مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها.
﴿فَاذْكُرُوا اللهَ كَما عَلَّمَكُمْ﴾ لأجل أنه علمكم؛ كقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤].
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾
﴿مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ﴾ هذه منسوخة بالآية السابقة. والآية السابقة وإن كانت
_________________
(١) عمورية - بفتح أوله وتشديد ثانيه: بلد في بلاد الروم فتحها المعتصم، قيل: سميت بعمورية بنت الروم ابن اليفز بن سام بن نوح ﵇ وقد ذكرها أبو تمام فقال: يا يوم وقعة عمورية انصرفت عنك المنى حفلا معسولة الحلب. ينظر: معجم البلدان لياقوت الحموي (٤/ ١٥٨).
(٢) البيت لأبي تمام، ينظر في: فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي (٢/ ١٨٨) ط. المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ١٣٥٦ هـ، الكشاف للزمخشري (١/ ١٩٨).
(٣) أورد الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٩٦) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: صلاة المسابقة ركعة أي وجه كان الرجل يجزئ عنه أحسبه قال: فعل ذلك لمن بعده. وقال الهيثمي: رواه البزار وفيه محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني وهو ضعيف جدّا.
[ ١ / ١١٤ ]
سابقة في التلاوة فهي متأخرة في التنزيل. وقيل: لا نسخ، بل المتوفى عنها زوجها إن اختارت المقام في بيتها سنة لم يجز إخراجها للولي، ولا للورثة، إلا إذا شاءت. وإن شاءت مفارقة المنزل بعد أربعة أشهر وعشر جاز لها ذلك.
﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ﴾ المطلقات ثلاثة أنواع:
الأولى: مطلقة قبل الفرض والمسيس، فلا مهر لها، ولها المتعة.
الثانية: مطلقة بعد الفرض وقبل المسيس، فلها نصف المهر دون المتعة.
الثالثة: المطلقة بعد الفرض والمسيس، ففيها قولان للشافعي وظاهر القرآن وجوبها، لقوله هاهنا: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ﴾ (^١).
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥) أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاّ قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٢٤٦)﴾
_________________
(١) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (١/ ٢٩٨): استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى وجوب المتعة لكل مطلقة سواء كانت مفوضة أو مفروضا لها أو مطلقة قبل المسيس أو مدخولا بها وهو قول عن الشافعي - ﵀ - وإليه ذهب سعيد بن جبير وغيره من السلف واختاره ابن جرير ومن لم يوجبها مطلقا يخصص من هذا العموم مفهوم قوله - تعالى: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ وأجاب الأولون بأن هذا من باب ذكر بعض أفراد العموم فلا تخصيص على المشهور المنصور. وتنظر المسألة في: الاستذكار لابن عبد البر (٦/ ١٢٠)، بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ٥٩٩)، السيل الجرار للشوكاني (٢/ ٢٨٣) ط. دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٥ هـ - تحقيق: محمود إبراهيم زايد، المبسوط للسرخسي (٥/ ١٩).
[ ١ / ١١٥ ]
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ معناه: أعجب ﴿إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ جمع ألف من العدد أي: أكثر من عشرة آلاف. وقيل: الألوف: جمع إلف، أي: قلوبهم مجتمعة على تحسين ما فعلوه. ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ فروا من الطاعون. وقيل: من القتال. والآية التي قبل هذه، والتي بعدها تدلان على أن الفرار من القتال، فأماتهم الله إماتة رجل واحد، فكأنه قيل لهم: موتوا. فماتوا، ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ﴾ بإحيائهم بعد موتهم. أو على الناس الذين رأوهم؛ ليعتبروا. شبه الله ما يعطى صدقة بالقرض وأنه يعطيه؛ ليأخذ بدله (١٧ /ب) في الآخرة، والقرض الحسن: أن يكون حلالا طيبا، ولا يقبل الله إلا الطيب، وأن يكون في زمن الجوع والقحط وأمام قضاء الحاجات، وأن يخص به اليتيم والقريب والأحوج وأن لا يتبعها منّا ولا أذى. و﴿أَضْعافًا كَثِيرَةً﴾ سبعمائة ضعف.
﴿وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] زيادة على ذلك؛ لقول النبي ﷺ في الصدقة: «إنها تقع في يد الرب قبل أن تقع في يد العبد، فيربّيها كما يربي أحدكم فلوه - أو فصيله - حتى تكون مثل جبل أحد» (^١). وجبل أحد أكبر من قدر صدقته بسبعين ألفا، أو بسبعمائة ألف ضعف. ﴿وَاللهُ يَقْبِضُ﴾ الرزق ويبسطه، ويقبض القلوب ويبسطها، ويقبض كل ما شاء أن يقبضه، ويبسط كل ما شاء أن يبسطه، وإلى دار جزائه يرجعون الملإ الأشراف؛ سموا بذلك لأنهم يملؤون القلوب مهابة، والعيون جمالا.
وقيل: لأنه يمالئ بعضهم بعضا، أي: يعاونه. وقيل: هو من الملاة، أي: هم مليّون بما يراد منهم من الجاه والمال.
﴿لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ هو أشمويل. ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا﴾ كانت العمالقة قد غلبت على بني إسرائيل، وسبوا نساءهم وأولادهم، وأخذوا منهم التابوت، وكان فيه عصا موسى، وعمامة هارون، وشيء من رضاض الألواح، وقفيز من المن (^٢). وكانوا يقدمون التابوت ويقاتلون من ورائه فينصرون، فلما أخذته العمالقة وضعوه في بلد فأصاب أهله
_________________
(١) رواه البخاري رقم (١٤١٠)، ومسلم رقم (١٠١٤) بنحوه.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢/ ٦١٣)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (١/ ٧٥٨) ورضاض الشيء: فتاته وكل شيء كسرته فقد رضرضته، والقفيز: مكيال يتواضع الناس عليه وهو عند أهل العراق ثمانية مكاكيك، والمنّ: طل ينزل من السماء وقيل: هو شبه العسل كان ينزل على بني إسرائيل وقيل: هو شيء كان يسقط على الشجر حلو يشرب. ينظر: لسان العرب (منن)، النهاية في غريب الأثر لابن الأثير (٤/ ٩٠).
[ ١ / ١١٦ ]
الناسور (^١) ثم إلى أخرى فأصابهم ذلك، فاجتمع رأيهم على إعادة التابوت، فقيل: جاءت الملائكة يحملونه من السماء والأرض. وقيل: وضعوه على عجلة وشدوها بثورين، وضربوها متوجهين إلى بني إسرائيل.
﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨) فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١)﴾
﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا﴾ فأنكروا ذلك؛ لأنه لم يكن من سبط المملكة، وكان فقيرا أضاع حماره، فخرج في طلبه، فمر بدار أشمويل، فدخل عليه يسأله الدعاء، وكان الله قد أوحى إليه: إذا جاءك من طوله طول هذه العصا، ونشّ الدهن الذي في القرن الذي عندك فذاك هو الملك، فلما دخل طالوت نشّ الدهن، فقام النبي أشمويل وقاسه بالعصا، فكانت طوله، فقال: أنت الملك (^٢). وقوله: ﴿فِي الْعِلْمِ﴾ أي:
_________________
(١) الناسور - بالسن والصاد جميعا: علة تحدث في مآقي العين يسقي فلا ينقطع، وقد يحدث أيضا في حوالي المقعدة وفي اللثة وهو معرب. ينظر: لسان العرب (نسر).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٦٠٢، ٢/ ٦٠١)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٧٥١، ١/ ٧٥٢) ونش الدهن والماء والخمر نشا ونشيشا: سمع له صوت على المقلى أو في القدر ونشيش اللحم: صوته إذا غلي والقدر -
[ ١ / ١١٧ ]
بالحروب وتدابيرها. وقيل: بل (١٨ /أ) كان عالما بأمر الشريعة. ﴿التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ أي: سكون وطمأنينة أن النصر يحصل بتقدم التابوت، بدليل قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤].
ابتلى الله - تعالى - أصحاب طالوت بتحريم شرب ماء نهر مع شدة عطشهم، ولم يسمح لأحد منهم إلا باغتراف غرفة بيده، فلم يطعه إلا قليل منهم، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر عدة أصحاب بدر.
﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ﴾ أي: يعلمون. ﴿وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ بالنصر والعون.
﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ وآتى الله داود ﴿الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾. ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ لاستولى الكفار على بلاد المسلمين، ودثرت (^١) كلمة الحق.
﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢) تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (٢٥٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ (٢٥٤) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾
﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى ما سبق ذكره، إما في هذه السورة، وهم موسى وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وداود، وإما في سائر ما سبق نزوله من القرآن.
_________________
(١) = تنش: إذا أخذت تغلي. ونش الماء: إذا صببته من صاخرة طال عهدها بالماء والنشيش: صوت الماء وغيره إذا غلي. والقرن - بالتحريك: الجعبة من جلود تكون مشقوقة ثم تخرز وإنما تشق لتصل الريح إلى الريش فلا يفسد. ينظر: لسان العرب (نشش، قرن).
(٢) الدثور: الدروس وقد دثر الرسم وتداثر ودثر الشيء يدثر دثورا واندثر: قدم ودرس. لسان العرب (دثر).
[ ١ / ١١٨ ]
﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ﴾ يريد به: النبي ﷺ فذكره بالكناية دون التصريح باسمه؛ لأنه العلم المشهور الذي لا يلتبس، وهو المفضل بالدرجات حتى عدت معجزاته وآياته ألفا.
وفي تأييد عيسى بروح القدس وجهان: أحدهما: أنه روح عيسى الطاهرة. والثاني: أنه جبريل وكل بحفظه.
﴿الْحَيُّ﴾ الواجب الحياة ﴿الْقَيُّومُ﴾ القائم بمصالح كل شيء، والسنة: النعاس؛ قال الشاعر [من الكامل]:
وسنان أرصده النّعاس فرنّقت في عينه سنة وليس بنائم (^١)
وقدم السنة على النوم، وهو عكس الترقي؛ كقوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ أي: لا تسلبه صحة النظر السنة، ولا أقوى منها، وهو النوم. وهذا ترق صحيح وهذا مكمل لقيوميته، كما جاء في الحديث: «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام» (^٢).
ولا يتجاسر أحد على الشفاعة عنده إلا بالإذن. يعلم ما سبق من أمور خلقه، وما يأتي، ولا يعلمون من معلوماته ﴿إِلاّ بِما شاءَ﴾ أن يعلمهم إياه. ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ أي: ملكه، وقيل: علمه، مأخوذ من كرسي الملك، والعالم. وقيل: الكرسي مخلوق، ليس بعد العرش أعظم منه والسماوات والأرض بالنسبة إليه كحلقة في فلاة (^٣). ﴿وَلا يَؤُدُهُ﴾ أي: ولا يثقله القيام بمصالح كل ذلك. وفي آية الكرسي ستة عشر اسما، ما بين ظاهر
_________________
(١) البيت لعدي بن الرقاع، ينظر في: تاج العروس (نعس)، تهذيب اللغة للأزهري (نعس)، الكشاف للزمخشري (١/ ٣٠٠)، جمهرة اللغة (ص: ٨٦٣)، ديوان عدي بن الرقاع (ص: ١٠٠)، لسان العرب (نعس) وأقصده النعاس: أصابه. ورنقت: كدرت.
(٢) رواه مسلم رقم (١٧٩)، وأحمد في المسند (٤/ ٣٩٥)، وابن ماجه رقم (١٩٠) عن أبي موسى الأشعري ﵁.
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٣/ ١٠)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٧) ونسبه لأبي الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي ذر أنه سأل النبي ﷺ عن الكرسي، فقال: «يا أبا ذر ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة». وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٢٢٣) رقم (١٠٩) وقال: لا يصح في صفة الكرسي غير هذا الحديث وأنه أعظم المخلوقات بعد العرش وأنه جرم قائم بنفسه وليس شيئا معنويّا.
[ ١ / ١١٩ ]
ومضمر (١٨ /ب) والسابع عشر خفي، فزعم بعضهم أنها أحد وعشرون اسما، وهو غلط (^١). وفضلت آية الكرسي على غيرها؛ لأنها مقصورة على أوصاف الإله سبحانه.
﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧)﴾
وفي الحديث الصحيح: «إذا ذهبت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسيّ؛ فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح» (^٢). وسأل النبي ﷺ أبي بن كعب عن أعظم آية في القرآن فقال: آية الكرسي، فضرب بيده إلى صدره، وقال: «ليهنك العلم يا أبا المنذر» (^٣).
﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ قيل: نسخت بآية السيف (^٤). وقيل: لا يتصور الإكراه على العقائد، فإنها باطنة لا يطلع عليها. والطاغوت: كل معبود سوى الله - تعالى - وجاء تذكيره وتأنيثه وجمعه وإفراده. فتأنيثه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها﴾ [الزمر: ١٧]
_________________
(١) قال العز بن عبد السلام في كتاب الفوائد: فائدة: قيل: سبب شرف آية الكرسي وكونها سيدة آي القرآن أنها تضمنت واحدا وعشرين اسما لله. وهي: الله وهو والحي والقيوم والضميران فيهما لأنهما صفتان يتحملان الضمير، والهاء في لا تأخذه سنة: والهاء في «له» والهاء في «عنده» والهاء في «بإذنه» والضمير في «يعلم» والهاء في «علمه» والضمير والهاء في «كرسيه» والهاء في «يؤوده» والهاء في «حفظهما»؛ لأن الناس اختلفوا في أن المصدر كالفعل أم لا؟ فهذا على أحد القولين وليس المشهور. و«هو» و«العلي العظيم» وضميراهما. ينظر: الفوائد للعز بن عبد السلام (ص: ٢٣٠).
(٢) رواه البخاري رقم (٣٠٣٣)، والترمذي رقم (٢٨٠٥) وفيه قصة عن أبي هريرة ﵁ قال: وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ فذكر الحديث فقال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فقال النبي ﷺ: «صدقك وهو كذوب ذاك شيطان».
(٣) رواه مسلم رقم (٨١٠)، وأبو داود رقم (١٤٦٠).
(٤) هي الآية (٢٩) من سورة التوبة، قوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩).
[ ١ / ١٢٠ ]
وتذكيره: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] وجمعه كقوله: ﴿أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ﴾ وإفراده في الآيتين السابقتين، وهو مأخوذ من الطغيان، وهو مجاوزة الحدّ ومنه: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ﴾ [الحاقة: ١١] ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] وهي الصيحة التي تجاوزت الحدّ. ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ﴾ ولم يكن لهم نور حتى يخرجوا منه، لكنهم لما تمكنوا منه صار كالخارج من أيديهم. وهو كقوله: ﴿اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ [البقرة: ١٦] ولم يكن معهم هدى، لكن كانوا متمكنين منه، وجمع الظلمات، وأفرد النور؛ لأن طرق الضلال متعددة، وطريق الحق واحدة.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٢٥٨) أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾
﴿أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ فجعل نعمة الله عليه سببا في المجادلة في آياته. ولما احتج عليه إبراهيم بعجزه عن الإحياء والإماتة، أحضر من وجب عليه القتل فعفا عنه، وبريئا فقتله وهو جواب فاسد؛ لأن قتل المستحق ليس بإحياء. انتقل إبراهيم في تعجيزه إلى ما لا يستطيع المكابرة فيه، وهو الآيات السماوية، وليس ذلك بانقطاع من إبراهيم، ولكنه انتقال من مثال الإحياء، إلى مثال التصرف في الشمس، والحجة بالتعجيز باقية.
أو هل رأيت ﴿كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ وهي قرية بجبل بيت المقدس، تسمى قرية العنب، وهي خاوية على عروشها. أي: سقطت عروشها أولا، ثم سقطت الجدران فوق العروش قيل: كان المار كافرا لقوله: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ دل على أنه قبل ذلك لم يكن عالما بقدرة الله. وقيل: لم يكن كافرا، وهو المشهور (^١).
_________________
(١) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (١/ ٣١٥): «اختلفوا في هذا المار من هو، فروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: هو عزير، وهذا القول هو المشهور وقال وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد: هو إرميا بن حلقيا، وعن -
[ ١ / ١٢١ ]
قيل: أحياه الله (١٩ /أ) في آخر النهار، وكان قد قبض روحه في أول النهار، فلما قال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾ التفت فرأى الشمس لم تغرب فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.
قيل: قاله وعنده تردد هل هو يوم أو بعض يوم، كما قال أهل الكهف: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] وأصل السنة: سنوة، أو نسهة، فيه قولان. فإذا قلت: عاملته مساناة، جاء فيه مسانهة، ومساناة جاء على الوجهين. ﴿وَلِنَجْعَلَكَ﴾ معطوف على علة محذوفة، أي: جعلنا ذلك لهدايتك ولنجعلك. وقيل: التقدير: وفعلنا ذلك لنجعلك.
وقيل: ولنجعلك فعلنا ذلك. وأمثلة هذه الآية في القرآن كثيرة. من قرأ «اعلم» على الأمر (^١) فقد خاطب المار بذلك رفيقا معه، جادله في القدرة على إحياء الموتى.
﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠) مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾
﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ﴾
_________________
(١) = وهب بن منبه أنه قال: هو اسم الخضر ﵇، وذكر أقوالا أخرى، ثم قال: وأما القرية فالمشهور أنها بيت المقدس مر عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها ولما تبين له هذا كله قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير أي: أنا عالم بهذا وقد رأيته عيانا فأنا أعلم أهل زماني بذلك».
(٢) قرأ بذلك على الأمر حمزة والكسائي، وقرأ الباقون «أعلم» على المضارع. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٢/ ٢٩٦)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٠٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (١/ ٦٢٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ١٨٩)، الكشاف للزمخشري (١/ ٣١٢)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٣١).
[ ١ / ١٢٢ ]
﴿الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾
سأل إبراهيم أن يريه الله إحياء الموتى لتنضم إلى الدلائل العقلية المشاهدة. وقيل: وعده الله بأن يتخذه خليلا، فقال: متى يا رب؟ فقال: إذا أحييت الموتى بدعائك، فسأله أن يريه إحياء الموتى؛ ليتحقق حصول الخلة ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ أي: اجمعهن، وأراد بذلك أن يتحقق نظره في الطيور، حتى إذا فرق لحمها على الجبال أحياها الله وجاءت تسعى، ولا يرتاب أنها هي، ولا يظن أنها طيور غيرها التبست؛ لأنه قد شاهدها من قبل، ولذلك قال:
﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ ولم يصفها بالطيران؛ لئلا يظن أنها طيور أخر جاءت من الجو. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ كمثل زارع حبة أو مثل نفقة الذين ينفقون ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ «وجاء رجل إلى النبي ﷺ بناقة مخطومة فقال: يا رسول الله هذه في سبيل الله، فقال النبي ﷺ: «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة مخطومة» (^١).
اعلم أن العبادات بعد الفراغ منها لا تقبل البطلان عند كثير من الفقهاء إلا فيما يستدام حكمه كالوضوء، وهذه الآيات تدل على قبولها للبطلان بالمنّ والأذى بعد صحتها وقبولها.
وقاس الإبطال الطارئ على المقارن، فإن المقارن يبطل قولا واحدا، وهو الرياء، فقال: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى﴾ الطارئين على الرياء المقارن، ثم ضرب لهما مثلين. ضرب للمقارن مثل صخرة صماء لا يثبت فوقها تراب ينبت فأصابها مطر كثير وهو الوابل، ففرق التراب عن ظاهرها فلم يثبت مع أن المطر والتراب كانا صالحين (١٩ /ب) للإنبات. ومثل للطارئ برجل له ﴿جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ﴾ فوصفها بالكمال ووصف صاحبها بأنه أدركه الكبر، وعجز عن إنشاء مثلها ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ عاجزون عن إنشاء مثلها ﴿فَأَصابَها إِعْصارٌ﴾ وهي الريح المستديرة على نفسها وتسميها العامة «زوبعة» (^٢) ﴿فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: في مطابقة المثلين إلى ما مثل بهما، وقل من يدرك هذه المطابقة.
_________________
(١) رواه مسلم رقم (١٨٩٢)، والنسائي في سننه (٦/ ٤٩) عن أبي مسعود الأنصاري ﵁.
(٢) الزوبعة: ريح تدور في الأرض لا تقصد وجها واحدا تحمل الغبار وترتفع إلى السماء كأنه عمود، وصبيان الأعراب يكنون الإعصار أبا زوبعة يقال: فيه شيطان مارد، زوبعة اسم شيطان مارد أو رئيس من رؤساء الجن ومنه سمي الإعصار زوبعة. ينظر: لسان العرب (زبع).
[ ١ / ١٢٣ ]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩) وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠)﴾
﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ إن أريد به الفرض وحده دخلت فيه زكاة التجارة ﴿وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ يدخل فيه زكاة الحبوب والمعادن والركاز (^١).
﴿وَلا تَيَمَّمُوا﴾ أي: ولا تقصدوا ﴿الْخَبِيثَ﴾ ولو كان لك دين على رجل، فقال لك:
هذا مال حلال، وهذا مال حرام، فخذ حقك من أيهما شئت ما كنت تأخذ الحرام وتختاره على الحلال إلا بإغماض (^٢) ومسامحة، فكيف تتقرب إلى الله بالصدقة بالحرام ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ ويخوفكم أن تبذلوا أموالكم في الصدقة ﴿وَيَأْمُرُكُمْ﴾ بالخصلة الفحشاء، وهي البخل ويسمى البخيل فاحشا ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] قال طرفة [من الطويل]
أرى الموت يعتام الكريم ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد (^٣)
_________________
(١) الركاز: قطع ذهب وفضة تخرج من الأرض أو المعدن. قال أبو عبيد بن سلام: اختلف أهل الحجاز والعراق فقال أهل العراق في الركاز: المعادن كلها فما استخرج منها من شيء فلمستخرجه أربعة أخماسه ولبيت المال الخمس قالوا: وكذلك المال العادي يوجد مدفونا هو مثل المعدن سواء، قالوا: وإنما أصل الركاز: المعدن والمال العادي الذي قد ملكه الناس مشبه بالمعدن. وقال أهل الحجاز: إنما الركاز كنوز الجاهلية وقيل: هو المال المدفون خاصة مما كنزه بنو آدم قبل الإسلام، فأما المعادن فليست بركاز وإنما فيها مثل ما في أموال المسلمين. ينظر: غريب الحديث لابن سلام (١/ ٢٨٤)، لسان العرب (ركز).
(٢) الإغماض: المسامحة والمساهلة وغمضت عن فلان: إذا تساهلت عليه في بيع أو شراء. ينظر: لسان العرب (غمض).
(٣) ينظر البيت في: روح المعاني للألوسي (٤/ ٦٠)، الشعر والشعراء لابن قتيبة (١٧٢)، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي (ص: ١٥٤٥)، غريب الحديث لابن قتيبة (٢/ ٤٢)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٧٨٨)، لسان العرب (شدد).
[ ١ / ١٢٤ ]
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾ أي: السنة؛ لقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقيل: الحكمة: العلم والعمل به. الألباب: العقول ﴿فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ أي: يجازي عليه.
وذكر الوفاء بالنذر كما قال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] ولم يقل: ينذرون، فلا يوصف النذر بأنه مستحب، ففيه إساءة أدب يقول: إن شفى الله مريضي فلله عليّ دينار، فكأنه يقول: وإن لم يشف مريضي فلا أعطي شيئا. وإذا جاء جواب الشرط بالفاء، وبعده جملة اسمية وعطف عليها بفعل مضارع جاز في الفعل المضارع الجزم عطفا على موضع الفاء، والرفع عطفا على ما بعد الفاء؛ لأنه مستحق الرفع (^١)؛ كقوله: ﴿وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ﴾ وجاء في هذه الآية الوجهان: ﴿وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ﴾ «ويكفر» قرأ بهما في السبعة (^٢) (٢٠ /أ).
وكذلك قوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ «ويذرهم» قرئ بهما (^٣).
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافًا وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)﴾
_________________
(١) قال ابن مالك في شرح الكافية الشافية (٢/ ١٥٩): إذا أخذت أداة الشرط جوابها، وذكر بعده مضارع بعد فاء أو واو جاز جزمه عطفا على الجواب، ورفعه على الاستئناف، ونصبه على إضمار «أن». وينظر: الكتاب لسيبويه (٩٠، ٣/ ٨٩)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ١٣١٨ - ١٣١٩).
(٢) قرأ نافع وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف «ونكفر»، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة ويعقوب «ونكفر» وقرأ الباقون «ويكفر». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٢/ ٣٢٥)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٠٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (١/ ٦٥١)، السبعة لابن مجاهد (ص: ١٩١)، الكشاف للزمخشري (١/ ٣١٦)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٣٦).
(٣) سورة الأعراف، الآية (١٨٦) وقرأ أبو عمرو وعاصم ويعقوب ويذرهم بالرفع، وقرأ حمزة والكسائي وخلف «ويذرهم» بالسكون، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر «ونذرهم» بالجمع والرفع. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٤٣٣)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٦٧)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٣٠٣)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٩٨)، الكشاف للزمخشري (٢/ ١٠٦)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٧٣).
[ ١ / ١٢٥ ]
﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ أي: جزاؤه ﴿أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ حبسهم العذر والفاقة عن الضرب في الأرض والسعي في المكاسب. ﴿لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافًا﴾ أي: لا سؤال فلا إلحاف كقوله [من الطويل]:
على لا حب لا يهتدى بمناره (^١)
وكقوله [من السريع]:
ولا ترى الضبّ بها ينجحر (^٢)
أي: لا منار فلا هداية، ولا ضب فلا انجحار. وقوله: ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ [يوسف: ٤٠] أي: لا وجود لها، فلا نزول، والأكثر خلاف هذا. ألحف في المسألة إذا أطالها وكررها.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾
﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾
_________________
(١) هذا صدر بيت لامرئ القيس، وعجزه: إذا سافه العود الدّيافىّ جرجرا ينظر في: أساس البلاغة للزمخشري (سوف)، تاج العروس للزبيدي (ديف، سوف)، تهذيب اللغة للأزهري (٥/ ٧٠)، ديوان امرئ القيس (ص: ٦٦)، الكشاف للزمخشري (١/ ٣١٨)، لسان العرب (ديف - سوف)، مقاييس اللغة لابن فارس (٢/ ٣١٨) أي: لا منار ولا اهتداء.
(٢) هذا عجز بيت لابن أحمر، وصدره: لا تفزع الأرنب أهوالها ينظر في: الإيضاح في علوم البلاغة (١/ ١٧٦)، تاج العروس (فلت)، روح المعاني للألوسي (٤/ ٨٨)، الفائق للزمخشري (١/ ١٣)، الكشاف للزمخشري (١/ ٤٢٦) والمعنى: لا تخيف الأرنب أهوال تلك الصحراء، أي: لا هول فيها حتى يفزعه، ولا ترى الضب فيها يدخل جحره، أي: لا ضب ولا انجحار.
[ ١ / ١٢٦ ]
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾
﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ ذكروا أنها أربعة أنواع. والحق أنها اثنان؛ لأن المنفق سرّا إما في ليل أو نهار، والمنفق جهرا كذلك والمنفق ليلا إما سرّا أو جهرا، والمنفق نهارا كذلك ﴿لا يَقُومُونَ﴾ من قبورهم إلا كقيام ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ﴾ ﴿ذلِكَ﴾ سبب قولهم:
﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾. فإن قيل: قياسه: إنما الربا مثل البيع.
قيل: ما أشبه شيئا فقد أشبهه ذلك الشيء. ومنه قول مريم: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى﴾ [آل عمران: ٣٦] وقوله: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] وقولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ قياس في معرض النص، فكان باطلا.
لما حرم الله الربا قال قوم: لا ننشئ ربا، لكنا نستخرج بقية ما استحققناه بمعاملة الربا فنزلت ﴿وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ (^١) وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بعد قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بعث لهممهم، وقد تقدم نظيره. ﴿بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ يعني: مخالفة. ويقال:
إنه يقوم يوم القيامة كالمتهيئ للحرب. ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ أي: وجد فالواجب نظره.
وقيل: فنظرة إلى ميسرة أولى.
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٣/ ١٠٧)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٠٧).
[ ١ / ١٢٧ ]
قيل: آخر ما نزل من القرآن:
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ الآية. فقال ﵇: «ضعوها على رأس ثمانين ومائتين من البقرة» (^١) قال ابن عباس: أشهد أن السلم أحله الله في كتابه، وأنزل فيه أطول آية (^٢) قوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ أمر إرشاد، قوله: ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ يريد: ضعف العقل ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ ويقبل إقرار الولي على الصبي فيما عامل الولي عليه ولا يشترط (٢٠ /ب) في قبول شهادة رجل وامرأتين أن لا يوجد شاهدان. ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى﴾ لأن النساء أقل ضبطا وأقرب إلى النسيان. وقيل: فتذكر إحداهما الأخرى، أي:
تجعلها كالذكر.
﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا﴾ للتحمل أو للأداء أو لهما. «أقسط، وأقوم»: جاءا في أفعل التفضيل من فعل رباعي من أقسط الرجل: إذا عدل، وذلك جائز: إذا كان الرباعي مزيدا فيه؛ كقولهم: ما أعطاه للمائة وفعل التعجب وأفعل التفضيل سواء في ذلك ﴿وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ﴾ محتمل: ولا يضارر، ولا يضارر، بكسر الراء الأولى وفتحها. ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ كلام مستأنف، لا تعلق له بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ ولو تعلق به لكان منصوبا.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾
﴿آمَنَ﴾
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٣/ ١١٥)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١١٦) ونسبه للفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنها آخر آية نزلت، دون زيادة «ضعوها على رأس ثمانين ومائتين». وذكر هذه الزيادة الفراء في معاني القرآن (١/ ١٨٣).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٣/ ١١٦)، والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٢٠٥) رقم (١٢٩٠٣)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (٢/ ٣١٤) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١١٧) ونسبه للشافعي وعبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم والبيهقي عن ابن عباس - ﵄. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
[ ١ / ١٢٨ ]
﴿الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦)﴾
ولا يشترط في الرهن كونه في السفر، ولا عدم الكاتب، بل جرى ذلك مجرى الغالب.
﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قيل: من كتمان الشهادة؛ لأنها من أعمال القلوب.
وقيل: شقت على الصحابة حين نزلت وقالوا: أنؤاخذ بما نحدث به أنفسنا [فنسخ ذلك] بقوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها﴾ (^١) والوقف عند قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.
وقيل: الوقف على ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ والمؤمنون مبتدأ (^٢).
﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ بتكذيب بعض، وتصديق بعض. ويقال في الخير:
كسبت، وفي الشر: اكتسبت؛ لأن المعاصي موافقة لشهوات النفس، فعملها فيه أتم وأكثر اجتهادا. والافتعال أتم من الفعل. والإصر: الثقل مثله ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١] أي: عهدي؛ لأن العهود يثقل الوفاء بها.
***
_________________
(١) رواه مسلم رقم (١٢٥)، والترمذي رقم (٢٩٩٢)، وابن حبان رقم (٥٠٦٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٨٦).
(٢) قال الأشموني في منار الهدى (ص: ٦٨): الوقف على «والمؤمنون» تام، وعلى «من ربه» حسن.
[ ١ / ١٢٩ ]