﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢) وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِيفَ (٤)﴾
تسمى الفاضحة؛ أنها فضحت المنافقين (^١)، وعن بعض الصحابة: ما زال يقول ﴿وَمِنْهُمْ *﴾ حتى خشينا ألا يبقى منا أحد، أراد قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ﴾ (^٢)، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ (^٣) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ﴾ (^٤) ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ (^٥) وأمثالها.
﴿مِنَ اللهِ﴾ متعلق بمحذوف أي: كائنة، أو واصلة، ولا يجوز (٦٨ /ب) أن يتعلق ببراءة فيفضي إلى الكفر والتبرّي من الله.
وكان رسول الله ﷺ قد صالح كفار قريش في نوبة الحديبية على أن من أحب أن يدخل في حلف رسول الله ﷺ دخل، ومن أحب أن يدخل في حلف الكفار دخل، وألا يعين فريقا على حلف صاحبه، وكانت خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ وبنو بكر حلفاء الكفار، وكان بين بني بكر وخزاعة اختلاف فاقتتلوا وأعانت قريش بني بكر بالسلاح، فانتقض عهدهم، وجاء قوم من خزاعة [من الرجز]:
_________________
(١) قال الزمخشري في الكشاف (٢/ ٢٤١): "لها عدة أسماء: براءة، التوبة، المقشقشة، المبعثرة، المشردة، المخزية، الفاضحة، المثيرة، الحافرة، المنكلة، المدمدمة، سورة العذاب؛ لأن فيها التوبة على المؤمنين، وهي تقشقش من النفاق أي: تبرئ منه، وتبعثر عن أسرار المنافقين، تبحث عنها، وتثيرها، وتحفر عنها، وتفضحهم، وتنكلهم، وتشرد بهم، وتخزيهم، وتدمدم عليهم. وعن حذيفة ﵁: «إنكم تسمونها سورة التوبة، وإنما هي سورة العذاب، والله ما تركت أحدا إلا نالت منه".
(٢) التوبة، الآية (٥٨).
(٣) التوبة، الآية (٤٩).
(٤) التوبة، الآية (٧٥).
(٥) التوبة، الآية (٦١).
[ ١ / ٣٢٥ ]
إنّ قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكّدا
هم بيّتونا بالوتير هجّدا وقتلونا ركّعا وسجدا
والوتير: ماء من مياههم.
فقال النبي ﷺ حين سمع شعرهم: "لا نصرت إن لم أنصركم" ثم جاء أبو سفيان بن حرب، فأراد أن يجدد العهد والعقد، وهو إذ ذاك مشرك فلم يجد إلى ذلك سبيلا، فبعث رسول الله ﷺ عليّا ومعه أبو هريرة وجماعة من الصحابة يقرءون على الكفار سورة براءة، ويعرفونهم أن العهد بينهم قد انتقض، وأنه لم يأخذهم بغتة، بل أمهلهم أربعة أشهر ليرجع من كان غائبا في البادية؛ ليستعدوا للحرب بوجوه الاستعداد (^١). ﴿مُخْزِي﴾ مهين ومذل.
﴿وَأَذانٌ﴾ وإعلام.
﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ يوم النحر؛ لأن فيه طواف الزيارة، ورمي جمرة العقبة، ونحر الهدي أو ذبحه، وحلق الرأس. وقيل: يوم الحج الأكبر: يوم عرفة؛ لأن الحج يفوت بفواته، بخلاف بقية الأركان.
قرئ ﴿وَرَسُولِهِ﴾ بالعطف على اسم الله، وقرئ بالجر (^٢) على القسم بالرسول، كقوله:
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٧٢) ثم استثنى الله - تعالى - من ثبت على العهد ولم ينقضه
_________________
(١) نسبه الزيلعي بهذا السياق في تخريج الأحاديث والآثار التي في الكشاف (٢/ ٥٤) لابن هشام في سيرته في غزوة مؤتة من طريق ابن إسحاق والبيهقي في دلائل النبوة، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ١٣٨) لابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة.
(٢) قرأ "ورسوله" بالجر الحسن البصري، والواو واو القسم، أو على الجوار، وقرأ الجمهور "ورسوله " بالرفع، وقرأ عيسى بن عمر وزيد بن علي وابن أبي إسحاق "ورسوله" عطفا على لفظ الجلالة، أو على أنه مفعول معه تنظر في: إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربع عشر للبنا (١/ ٢٤٠)، البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٦)، تفسير القرطبي (٨/ ٧٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤٤٢/ ٣)، الكشاف للزمخشري (٢/ ١٧٣)، واستبعد السمين الحلبي صحة نسبة قراءة الجر للحسن وقال: "تبعد صحتها عن الحسن؛ للإيهام، حتى يحكى أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ" ورسوله " بالجر فقال الأعرابي: إن كان الله قد برئ من رسوله فأنا بريء منه، فلبّبه القارئ إلى عمر - ﵁ - فحكى الأعرابي الواقعة، فحينئذ أمر عمر بتعليم العربية. وتحكى أيضا هذه القصة عن أمير المؤمنين علي وأبي الأسود الدؤلي - ﵃".
[ ١ / ٣٢٦ ]
بقوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظاهِرُوا﴾ ولم يعاونوا كقوله: ﴿الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ (^١) أي: عاونوهم.
﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨)﴾
﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ يريد بها أشهر الحج، ولا يراد بها الأشهر التي يحرم القتال فيها؛ لأن هذه الأربعة متوالية، والأشهر الحرم ثلاثة سرد وواحد فرد ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ يعني:
استأسروهم، ويقال للأسير: أخيذ.
﴿وَإِنْ﴾ استجارك ﴿أَحَدٌ﴾ ليسمع قراءة القرآن منك أو من الصحابة ﴿فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ﴾ (٦٩ /أ). فإن لم يسلم فلا تقتله حتى ترده إلى مكان يأمن فيه على نفسه.
﴿قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ فلذلك أمهلوا حتى يسمعوا كلام الله، فيعلموا صدق الرسول ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: لا يصلح ولا ينبغي ﴿إِلاَّ﴾ في حق ﴿الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ فما داموا مستقيمين لكم على الوفاء ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ بمثله، ثم قرر أنه لا ينبغي أن يبقى العهد مع المنافقين، ومن شأنهم أنهم لو ظفروا بكم لم يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة. قيل: الإل: هو الله. ولما سمع أبو بكر ما زعم مسيلمة أنه قرآن أنزل عليه تبسّم، وقال: ما خرج هذا من إل (^٢). وقيل: الإل: العهد.
الفسق هو الخروج؛ يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، وكل الناقضين كفار فاسقون، وإنما قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾ لأنه أراد بالفسق الطغيان ومجاوزة الحد في الطغيان
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية (٢٦).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١/ ٤٣٨) ولم يرتض هذا الزجاج قال: "لأن أسماءه - تعالى - معروفة في الكتاب والسنة، ولم يسمع أحد يقول: يا إل افعل لي كذا". ينظر: معاني القرآن للزجاج (٢/ ٤٣٣).
[ ١ / ٣٢٧ ]
﴿اِشْتَرَوْا﴾ استبدلوا ﴿بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا﴾ فيه رد على من زعم أن الثمن ما دخلت عليه باء الثمنية، فإذا قلت: اشتريت عبدا بجارية، فالجارية الثمن، والعبد مثمن، وإن قلت:
اشتريت جارية بعبد، فبالعكس، وهاهنا دخلت الباء على المثمن (^١).
﴿اِشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾
﴿فَصَدُّوا﴾ يجوز أن يكون لازما ومتعديا كما سبق. ﴿فَإِخْوانُكُمْ﴾ أي: فهم إخوانكم.
﴿لا أَيْمانَ لَهُمْ﴾ أي: لا وفاء أيمان، كقول الشاعر [من الطويل]:
_________________
(١) قال الفراء في معاني القرآن (١/ ٣٠): "وكل ما في القرآن من هذا قد نصب فيه الثمن، وأدخلت الباء في المبيوع أو المشترى، فإن ذلك أكثر ما يأتي في الشيئين لا يكونان ثمنا معلوما من الدنانير والدراهم، فمن ذلك:" اشتريت ثوبا بكساء "أيهما شئت تجعله ثمنا لصاحبه؛ لأنه ليس من الأثمان، وما كان ليس من الأثمان مثل الرقيق والدور وجميع العروض فهو على هذا، فإن جئت إلى الدراهم والدنانير وضعت الباء في الثمن كما قال في سورة يوسف: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ لأن الدراهم ثمن أبدا والباء إنما تدخل في الأثمان، فذلك قوله اِشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا اِشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ " اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة "فأدخل الباء في أي هذين شئت، حتى تصير إلى الدنانير والدراهم فإنك تدخل الباء فيهن مع للعروض". وقال السمين الحلبي في الدر المصون (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧): "وضمّن الاشتراء معنى الاستبدال، فلذلك دخلت الباء على الآيات، وكان القياس دخولها على ما هو ثمن؛ لأن الثمن في البيع حقيقته: أن يشتري به، لا أن يشترى، لكن لما دخل الكلام معنى الاستبدال جاز ذلك؛ لأن معنى الاستبدال أن يكون المنصوب فيه حاصلا والمجرور بالباء زائلا. ونقل عن المهدوي قوله: دخول الباء على الآيات كدخولها على الثمن، وكذلك كل ما لا عين فيه. وإذا كان في الكلام دراهم أو دنانير دخلت الباء على الثمن".
[ ١ / ٣٢٨ ]
وإن حلفت لا تنقض الدهر عهدها فليس لمخضوب البنان يمين (^١)
أي: وفاء يمين. ومن قرأ (لا إيمان) بكسر الهمزة (^٢) فهي شهادة عليهم بالكفر، وأنهم ليسوا من الإيمان في شيء. ثم حرّض المؤمنين على قتال الناقضين، فقال: ﴿أَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا﴾ وما لكم لا تقاتلونهم؟ ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾؟ ثم بين فوائد قتالهم بقوله: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾.
هاهنا انتهت الوعود على قتال الناكثين، ثم أخبر الله خبرا مستأنفا: أنه يتوب على من يشاء، وليس ذلك متعلقا بالشرط، كما في الأفعال الخمسة السابقة المجزومة بجواب الأمر ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بمن أخلص في التوبة ﴿حَكِيمٌ﴾ قبل التوبة ليتهيأ الرجوع إلى الله في كل وقت.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦) ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٢٣)﴾
_________________
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف، الآية (١٠٢).
(٢) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف ويعقوب "لا أيمان لهم"، وقرأ ابن عامر وحده من العشرة "لا إيمان لهم". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ١٥)، حجة ابن خالويه (ص: ١٧٤)، حجة أبي زرعة (ص: ٣١٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٤٥١)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣١٢)، الكشاف للزمخشري (٢/ ١٧٧)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٧٨).
[ ١ / ٣٢٩ ]
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا﴾ من غير امتحان ولا اختبار، ولما يظهر الله بالامتحان والاختبار. ﴿الَّذِينَ جاهَدُوا﴾ ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين معدلا يلجئون فيه، ومكان الولوج: وليجة. ولما أسر العباس يوم بدر (٦٩ /ب) عيره عليّ وقال: كذبتم الرسول وقاتلتم المؤمنين الذين يوحدون الله ويعظمونه، وقطعتم الرحم بالقتال. فقال العباس: تذكرون مساوئنا وتتركون محاسننا، إنا لنسقي الحاج، ونطعم الجائع، ونفك العاني، ونعمر المسجد الحرام، فنزلت ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ﴾ ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ﴾ (^١) ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ﴾ كإيمان من آمن، أو: جعلتم أهل سقاية الحاج، ثم بين قبول عبادات المؤمنين وحبوط عمل الكافرين فقال في الكفار:
﴿فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢١٧) وفي حق المؤمنين ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ﴾ الآيتين. ثم نهى المؤمنين أن يداخلوا الكفار، أو يطلعوهم على بواطنهم ولو كانوا ذوي قربى.
﴿قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٢٤) لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦)﴾
﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ فانتظروا ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ بعقوبة من آثر هذه الأمور على حق الله - تعالى. ﴿فِي مَواطِنَ﴾ أي: في أيام مواطن؛ لأنه لو أراد المكان لم يعطف عليه ظرف الزمان في قوله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ لأنك تقول: ضربت زيدا يوم الجمعة عند المسجد، ولا تقول: وعند المسجد، إلا أن يسبق ظرف مكان فتقول: ضربته خلف الدار وعند المسجد، ولك أن تضمر في الثاني، فتقول: في مواطن كثيرة وموطن حنين (^٢).
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٠/ ٩٥)، وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور (٤/ ١٤٥) لابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس - ﵄.
(٢) هذا قول الزمخشري في الكشاف (٢/ ٢٥٩) وجوز السمين الحلبي عطف ظرف الزمان من غير -
[ ١ / ٣٣٠ ]
وكان النبي ﷺ لما فتح مكة معه عشرة آلاف، وعفا عن أهل مكة، وقال: "أنتم الطلقاء" وأخذ من الطلقاء ألفين فتوجه إلى حنين باثني عشر ألفا، فقال قائل: لن نغلب اليوم من قلة. فوكلهم الله إلى أنفسهم، فاستقبلتهم هوازن وهم رماة فرموا المسلمين بالنبل فانهزم المسلمون في أول الحال، فأمر النبي ﷺ العباس وكان جهوري الصوت فنادى: يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب السمرة. وهي الشجرة التي بايعوا رسول الله ﷺ على القتال عندها، فذكرهم ما عاهدوا الله عليه فنادى: يا أصحاب البقرة. يريد: من حفظ سورة البقرة وما فيها من الأمر بالقتال في مواضع، فتراجع المؤمنون، قال الراوي: كعطفة البقر على أولادها. وكان النبي ﷺ على بغلته والعباس آخذ بركابه، وعبيدة بن الحارث آخذ بالركاب الآخر، فنزل ودعا واستنصر، وقال:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب.
ورماهم بقبضة من تراب، وقال: شاهت الوجوه. قال الراوي: فمذ رماهم رسول الله ﷺ بتلك الحصيات ما زلت أرى أحدهم (٧٠ /أ) كليلا ثم انهزموا " (^١).
﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩) وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا لا إِلهَ إِلاّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾
_________________
(١) = واسطة" في "على ظرف المكان المجرور بها، وقال: ولا غرو في نسق ظرف الزمان على مكان أو العكس، تقول: سرت أمامك يوم الجمعة. إلا أن الأحسن أن يترك العاطف في مثله".
(٢) رواه البخاري رقم (٢٨٧٤، ٢٨٦٤)، ومسلم رقم (١٧٧٦).
[ ١ / ٣٣١ ]
﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ﴾ وعد منه سبحانه بقبول التوبة على من يشاء. ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ﴾ شيء مبعد فأبعدوهم عن المسجد، وكان في نداء عليّ في السنة التاسعة: "ألا لا يحجنّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان" (^١).
و«العيلة»: الفقر، والعائل: الفقير، كقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا﴾ (^٢) وأما الزوجة والأولاد فيقال لهم عائلة.
ولما نهي المشركون ومنعوا أن يقربوا المسجد الحرام، وهم الذين كانوا يجلبون الميرة إلى مكة، خاف الناس أن ينقطع ذلك عنهم، فوعد الله باستمرار ذلك، فأسلم أهل جرش (^٣) وحملوا الميرة، وأغنى الله عما يحمله الكفار.
﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ ويصدقون به، وكذلك اليوم الآخر، لا يؤمنون به كإيماننا لأنهم يزعمون أن المعاد روحاني ليس فيه شيء من الجسمانيات، كالأكل والشرب والجماع واللباس (^٤).
_________________
(١) رواه الترمذي رقم (٣٠٩١)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٥١) وصححه الشيخ الألباني في صحيح الترمذي رقم (٢٤٦٨).
(٢) سورة الضحى، الآية (٧).
(٣) جرش - بالضم ثم الفتح وشين معجمة -: من مخاليف اليمن من جهة مكة وهي في الإقليم الأول. وقيل: إن جرش مدينة عظيمة باليمن وولاية واسعة وذكر بعض أهل السير أن تبعا أسعد بن كليكرب خرج من اليمن غازيا حتى إذا كان بجرش وهي إذ ذاك خربة ومعد حالة حواليها فخلف بها جمعا ممن كان صحبه رأى فيهم ضعفا وقال: اجرشوا ههنا. أي: البثوا فسميت جرش بذلك. ينظر: معجم البلدان لياقوت الحموي (٢/ ١٢٦).
(٤) قال الإيجي في كتاب المواقف (٣/ ٤٧٨ - ٤٧٩): "اعلم أن الأقوال الممكنة في مسألة المعاد لا تزيد على خمسة: الأول: ثبوت المعاد الجسماني فقط، وهو قول أكثر المتكلمين النافين للنفس الناطقة. والثاني: ثبوت المعاد الروحاني فقط، وهو قول الفلاسفة الإلهيين. والثالث: ثبوتهما معا، وهو قول كثير من المحققين كالحليمي والغزالي والراغب وأبي زيد الدبوسي ومعمر من قدماء المعتزلة وجمهور من متأخري الإمامية وكثير من الصوفية فإنهم قالوا: الإنسان بالحقيقة هو النفس الناطقة، وهي المكلف والمطيع والعاصي والمثاب والمعاقب، والبدن يجري منها مجرى الآلة، والنفس باقية بعد فساد البدن فإذا أراد الله تعالى حشر الخلائق خلق لكل واحد من الأرواح بدنا يتعلق به ويتصرف فيه كما كان في الدنيا. والرابع: عدم ثبوت شيء منهما، وهذا قول القدماء من الفلاسفة الطبيعيين. والخامس: التوقف في هذه الأقسام، وهو المنقول عن جالينوس فإنه قال: لم يتبين لي أن النفس هل -
[ ١ / ٣٣٢ ]
﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ اليهود والنصارى، حتى يقروا بلزوم الجزية والتزامها في كل حول. ولا يشترط أداؤها، لكن نزل الالتزام بمنزلة الأداء، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^١).
ولا يشترط التسليم، بل الالتزام مع طيب نفس المرضع كاف. ﴿صاغِرُونَ﴾ ذليلون.
قال الشافعي: الصغار جريان الإسلام عليهم (^٢).
وقالت المراوزة (^٣): فيه وجهان: أحدهما: ما ذكره العراقيون. والثاني: أن تؤخذ منه الجزية، وهو قائم والآخذ قاعد (^٤)، ويأخذ بلهازمه ويضربه ضربة أو ضربتين، ويقول: أدّ الجزية يا عدو الله، وهذا واجب على أحد الوجهين. فعلى هذا لا يجوز التوكيل في أداء الجزية (^٥).
﴿وَقالَتِ﴾ طائفة من ﴿الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ﴾ من نوّن عزيرا فلا إشكال عليه، ومن حذف التنوين (^٦) منه فقيل هو تخفيف؛ كقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١) اللهُ﴾
_________________
(١) = هي المزاج فينعدم عند الموت فيستحيل إعادتها أو هي جوهر باق بعد فساد البنية فيمكن المعاد حينئذ". ينظر تفصيل ذلك في: كتاب المواقف لعضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي - ط. دار الجيل - بيروت - الطبعة الأولى، ١٩٩٧ - تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد حكمي (٢/ ٧٧٩) ط. دار ابن القيم - الدمام - الطبعة الأولى ١٩٩٠ - تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر.
(٢) سورة البقرة، الآية (٢٣٣).
(٣) ينظر: أحكام القرآن للشافعي (٢/ ٥٩ - ٦٠)، الأم للشافعي (٤/ ١٧٦) وعبارته: "فلم يأذن الله ﷿ في أن تؤخذ الجزية ممن أمر بأخذها منه حتى يعطيها عن يد صاغرا. قال: وسمعت رجالا من أهل العلم يقولون الصغار أن يجري عليهم حكم الإسلام وما أشبه ما قالوا بما قالوا لامتناعهم من الإسلام فإذا جرى عليهم حكمه فقد أصغروا بما يجري عليهم منه". ونقله عنه الماوردي في النكت والعيون (٢/ ١٢٩).
(٤) المراوزة - بالفتح وبعد الواو زاي: هي نسبة إلى المروزيين نسبة إلى مرو مثل المهالبة والمسامعة والبغاددة وهي محلة كانت ببغداد متصلة بالحربية خربت الآن كان قد سكنها أهل مرو فنسبت إليهم. ينظر: معجم البلدان لياقوت الحموي (٥/ ٩٦).
(٥) رواه الطبري في تفسيره (١٠/ ١١٠) عن عكرمة.
(٦) ينظر: الأم للشافعي (٤/ ٣٩٨)، المبسوط للسرخسي (٦/ ١٣٠)، المغني لابن قدامة (١٠/ ٦٢٠).
(٧) قرأ عاصم والكسائي "عزير" بالتنوين، وقرأ الباقون "عزير" بغير تنوين. تنظر في: إتحاف -
[ ١ / ٣٣٣ ]
﴿الصَّمَدُ﴾ (٢) (^١) وعن بعضهم أنه قرأ ﴿وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ (^٢) فقيل له: هلا قرأت كذلك، قال: كان يكون أوزن. وقيل: ابن الله: أعني: المقول فيه: إنه عزير بن الله، والخبر محذوف، أي: معبودنا أو إلهنا؛ كقول فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ (٢٧) (^٣).
والتنوين إنما يحذف إذا وقع "ابن" صفة، فأما إذا وقع خبرا فتقول: زيد بن عمرو (^٤).
﴿ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ﴾ وكل قول هو بالفم، ولكنه إنما يأتي في الكتاب تلويحا بأن هذا القول لم يواطئ عليه القلب.
﴿يُضاهِؤُنَ﴾ (٧٠ /ب) يشابهون، والمضاهاة المشابهة وقد تهمز، فيقال: مضاهأة.
وقرئ (يضاهئون) (^٥) ﴿أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ كيف تقلبون عن الحق إلى الباطل.
وروي: «أن عدي بن حاتم (^٦) طيئ دخل على رسول الله ﷺ وفي عنقه صليب من ذهب، فقرأ النبي ﷺ: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ﴾
_________________
(١) = فضلاء البشر للبنا (٢/ ٨٩)، البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٣١)، حجة ابن خالويه (ص: ١٧٤)، حجة أبي علي الفارسي (٤/ ١٨١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٤٥٨)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣١٣)، الكشاف للزمخشري (٢/ ١٨٥)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٧٩).
(٢) سورة الإخلاص، الآية (١) وقرأ الجمهور "أحد" بالتنوين، وقرأ زيد بن علي وأبان بن عثمان وابن أبي إسحاق والحسن وأبو عمرو في رواية عنه "أحد" بحذف التنوين لالتقاء الساكنين. تنظر في: البحر المحيط لأي حيان (٨/ ٥٢٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٥٨٨)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٧٠١)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٨١٨)، معاني القرآن للفراء (١/ ٤٣٢).
(٣) سورة يس، الآية (٤٠) وقرأ بها عمارة بن عقيل الخطفي. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٣٨)، تفسير القرطبي (١٥/ ٣٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٨٦)، الكشاف للزمخشري (٤/ ١٧).
(٤) سورة الشعراء، الآية (٢٧).
(٥) قال العكبري في كتاب اللباب علل البناء والإعراب (٢/ ٤٨٩): "وأمّا ألف ابن فتثبت في الخطّ في كل موضع إلا إذا كان ابن صفة مفردا واقعا بين علمين أو كنيتين على ما هو شرط فتح ما قبله في النداء فإنّه يكتب بغير ألف فعلى هذا تكتبه بالألف إذا كان مثنّى أو كان خبرا لمبتدأ، وتكتب ابنة تأنيث ابن بالألف في كلّ حال".
(٦) قرأ جمهور العشرة "يضاهون"، وقرأ عاصم وحده "يضاهئون" تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٣١)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٧٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٤٥٨)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣١٤)، الكشاف للزمخشري (٢/ ١٨٥)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٧٩).
(٧) هو عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي الطائي ولد الجواد -
[ ١ / ٣٣٤ ]
﴿مَرْيَمَ﴾ فقال: ما اتخذنا أحبارنا أربابا، فقال النبي ﷺ: أليسوا يحرمون عليكم الشيء مما أحله الله فتحرمونه؟ ويحللون الشيء مما حرمه الله فتحللونه؟ قال: نعم " (^١).قوله:
﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ يدل على أن اليهود والنصارى يسمون مشركين.
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥) إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ﴾ ضرب لهم مثلا في عنادهم للحق والله ناصره بمنزلة من ينفخ في وجه عين الشمس، ليطفئ نورها، وذلك مما لا يؤثر شيئا.
قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ مع أن بلاد الكفر أكثر من بلاد المسلمين بأضعاف كثيرة! وفي تأويله وجوه: أحدها: أن ذلك يكون حين ينزل عيسى بن مريم معززا لدين الإسلام، وتهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام. والثاني: ليظهره بالحجة، فالكفار وإن غلبوا على بعض الأطراف - مقهورون بالحجة. وقيل: ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ أي: ليطلعه؛ كقوله
_________________
(١) = المشهور أبو طريف أسلم في سنة تسع، وقيل: سنة عشر. وكان نصرانيا قبل ذلك وثبت على إسلامه في الردة وأحضر صدقة قومه إلى أبي بكر، وشهد فتح العراق، ثم سكن الكوفة، وشهد صفين مع علي ومات بعد الستين وقد أسن قال خليفة: بلغ عشرين ومائة سنة. وقال أبو حاتم السجستاني: بلغ مائة وثمانين. تنظر ترجمته في: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (٤/ ٤٦٩ - ٤٧٠).
(٢) رواه الترمذي، رقم (٣٠٩٥)، والطبري (٢١٩، ١٧/ ٢٨٨) وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٢٤٧١).
[ ١ / ٣٣٥ ]
تعالى: ﴿فَلَمّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ﴾ (^١) أي: أطلعه، يعني ليظهر نبيه على قواعد الدين كلها ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ﴾ وهي المآكل التي كانوا يأكلونها على تحريف كتاب الله وتبديله ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ يجوز أن يكون "يصدّون" متعديا، أي: يصدون الناس، ويجوز أن يكون لازما، أي: يعرضون عن سبيل الله. وجاء في الحديث: "كل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز" (^٢) يعني: ولو كان ظاهرا على وجه الأرض، وكل مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا في الأرض، وهذا وضع شرعي ليس من الوضع الأصلي في شيء. ﴿وَلا يُنْفِقُونَها﴾ أي: الفضة؛ لأن أكثر النفقات بها. جعل عوض البشارة بالخير البشارة بالعذاب الأليم. ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها﴾ أي: يوقد عليها، وخص هذه المواضع بالكي لأنهم كانوا إذا جاءهم السائل ظهرت الكراهة في وجوههم (٧١ /أ) ويظهر القبول في الأسارير، ثم يعرض بجنبه عن السائل، ثم يوليه ظهره.
﴿هذا ما كَنَزْتُمْ﴾ يجوز أن يشار به إلى الذهب والفضة، فيقال لهم: هذا الذي أعددتموه لشدائدكم عذبتم به. ويجوز أن يقال: هذا الكي جزاء ما كنزتموه لأنفسكم، ولهذا قال: ﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أي: جزاءه.
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ (٣٨) إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾
_________________
(١) سورة التحريم، الآية (٣).
(٢) رواه الشافعي في مسنده (١/ ٦١٢)، والبغوي في شرح السنة (٣/ ٣٠٩) موقوفا على ابن عمر.
[ ١ / ٣٣٦ ]
كانت الأشهر الحرم ثلاثة سرد وواحد فرد، ولكن كانوا إذا احتاجوا إلى تحليل شهر من الأشهر الحرم، جاءوا إلى رجل منهم معروف، فيحلل المحرم مثلا، ويجعل مكانه صفر محرّما، لتبقى الأشهر الحرم أربعة كما كانت، فحافظوا على عدد الأربعة، ولكنهم أحلوا ما حرم الله وهو المحرم في مثالنا هذا، وحرموا ما أحله الله وهو صفر، وهذا النسيء. والنسيء: التأخير، فنزلت ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ (^١).
﴿لِيُواطِؤُا﴾ ليوافقوا ﴿عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ وهي الأربعة ﴿فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ﴾ وهو المحرم. كانوا إذا دعوا إلى الجهاد اعتذر كثير من المنافقين وغيرهم بأعذار ضعيفة ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا﴾ بدلا ﴿مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي﴾ جنب ﴿الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ ثم هدد على ترك النصرة بقوله: ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أي: يستبدل بكم ثم هدد على ترك النصرة بقوله: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ﴾ وجواب الشرط محذوف، التقدير: إلا تنصروه ينصره الله كما فعل ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: ألجئوه إلى الخروج، ولم يباشروا إخراجه ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أي: أحد اثنين ﴿إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ﴾ من أنكر صحبة أبي بكر فقد كفر؛ لقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ﴾ (^٢).
﴿وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا﴾ كلام مستأنف، فلذلك رفع بالابتداء، ولو نصب لكان جعل كلمة الله عليا معلقا بالشرط، وهو أمر حاصل مستقر.
﴿اِنْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٤٢) عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣) لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤)﴾ ﴿إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ﴾
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٠/ ١٣٠).
(٢) قال العلامة ابن حجر الهيثمي: "أجمع المسلمون على أن المراد بالصاحب هنا أبو بكر ومن ثم من أنكر صحبته كفر إجماعا". ينظر كلامه في كتابه: الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة (١/ ١٩٠) ط. مؤسسة الرسالة - بيروت - الطبعة الأولى، ١٩٩٧ - تحقيق: عبد الرحمن بن عبد الله التركي وكامل محمد الخراط.
[ ١ / ٣٣٧ ]
﴿الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥) وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦)﴾
﴿اِنْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا﴾ شبابا وشيوخا، موسرين ومتوسطين، محبين وكارهين.
أخبر الله نبيه أنه إذا رجع إليهم اعتذروا وحلفوا ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ بالتخلف عن النبي ﷺ والكذب في العذر.
بدأ رسول الله ﷺ بالعفو قبل العتاب؛ تخفيفا عن خاطره الشريف أن يؤلم بالعتب قبل السبق بالعفو.
قوله: ﴿أَنْ يُجاهِدُوا﴾ (٧١ /ب) أي: لا يستأذنك في ألا يجاهدوا، وفي سورة النور ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ (^١) وهاهنا: ﴿إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ لأن الاستئذان في سورة النور هو في الحضور في المشورة، وهاهنا هو في ترك الجهاد.
﴿اِنْبِعاثَهُمْ﴾ خروجهم معكم. ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ صرف عزائمهم عن الغزو، وكأنهم قد أمروا بالقعود، والقاعدون: النساء والصبيان، كقول الشاعر [من البسيط]:
دع المكارم لا تلمم بساحتها واجلس فإنّك أنت الطّاعم الكاسي (^٢)
يعني: مثل النساء والصبيان يأكلون ويلبسون ولا يقاتلون.
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّ خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٤٧) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)﴾ ﴿قُلْ لَنْ﴾
_________________
(١) الآية (٦٢).
(٢) البيت للحطيئة يهجو الزبرقان، ينظر في: الأغاني للأصفهاني (٢/ ١٧٦)، تاج العروس للزبيدي (طعم)، تفسير القرطبي (٩/ ٣٦)، دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني (١/ ٣٤١)، لسان العرب (طعم).
[ ١ / ٣٣٨ ]
﴿يُصِيبَنا إِلاّ ما كَتَبَ اللهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)﴾
﴿إِلاّ خَبالًا﴾ إلا فسادا، وهذا استثناء من غير الجنس؛ لأنه لم يكن بالنبي - ﷺ - ولا بصحابته خبال حتى يزدادوا. والإيضاع: ضرب من السير حثيث.
﴿سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي: يسمعون لينقلوا إليهم ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ تربصوا بكم الدوائر، وانتظروا آفات الزمان حتى جاء الأمر بخلاف ما ظنوه، ولما طلب رسول الله ﷺ الناس للجهاد في غزوة تبوك، وإلى قتال بني الأصفر، قال الجد بن قيس - وهو أحد المنافقين -: يا رسول الله، قد علمت قريش أني مولع بالنساء، وإني أخشى إن قاتلوا بني الأصفر ورأيت حريمهم ونساءهم لا أصبر ومت حسرة، وربما فتنوني، فقال الله تعالى:
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ أي: برؤية بنات الأصفر (^١) ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ بالاعتذار عن الخروج مع النبي ﷺ.
﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا﴾ أي: يقول القاعدون قد أخذنا بالأحوط ولم نخرج معكم.
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ﴾ أي: تنتظرون ﴿بِنا إِلاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ وهو الشهادة إن قهرنا، والغنيمة إن قهرنا. ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحدى السوءتين، وهو إما إهلاككم بأيدينا، وإما عذاب ينزله الله بالمخالفين.
﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ (٥٣) وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاّ وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤) فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥) وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا﴾
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٠/ ١٤٨)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٢١٣) لابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله ﵄.
[ ١ / ٣٣٩ ]
﴿اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ (٥٩) إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠) وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾
﴿فاسِقِينَ﴾ خارجين عن الإيمان، ولهذا قال: ﴿وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا﴾ وقوله: ﴿أَنْ تُقْبَلَ﴾ يجوز أن يكون مفعولا ثانيا لمنع، تقول: منعت زيدا مطلوبة، ويجوز أن يكون بدل اشتمال، و﴿أَنَّهُمْ﴾ فاعل منع.
﴿لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي: بالمصائب والآفات التي يصب فيهما. ﴿قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ يخافون العواقب فيتقون، وجها معكم ووجها معهم. (٧٢ /أ) ﴿مُدَّخَلًا﴾ مكانا. ﴿يَجْمَحُونَ﴾ معرضين عن موافقتكم. ﴿يَلْمِزُكَ﴾ يعيبك. ﴿وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها﴾ فاجئوا بالسخط، وجواب لو محذوف، تقديره: لكان خيرا لهم. ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ﴾ لا لغيرهم فلذلك قال أبو حنيفة ومالك: إنما سيقت الآية لبيان أن هؤلاء هم المستحقون لا غيرهم، فيجوز المفاضلة بين الأنواع الثمانية. وقال الشافعي: لابد من المساواة بينهم؛ لأن الله تعالى أضافها إليهم بلام التمليك، وشرك بينهم بواو التشريك (^١).
﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ أي: مستمع لكل ما يحدّث به ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ من قرأ بالإضافة فتقديره: مستمع خير لكم. ومن قرأ بالتنوين (^٢) فتقديره: كونه مستمعا خير لكم من كونه معرضا عما يحدث به.
_________________
(١) ينظر: الأم للشافعي (٢/ ٩٤)، بدائع الصنائع للكاساني (٤/ ٢٣٢)، بداية المجتهد لابن رشد (١/ ٤١٣)، المبسوط للسرخسي (٣/ ٢).
(٢) قرأ نافع من العشرة "أذن خير" بسكون الذال وضم النون، وقرأ باقي العشرة "أذن خير" بضم الذال وبالإضافة وقرأ الحسن ومجاهد وزيد بن علي وأبو بكر عن عاصم "أذن خير" بالتنوين. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦٣، ٥/ ٦٢)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٧٦)، حجة أبي زرعة (ص: ٣٢٠، ٣١٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٤٧٧)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣١٥)، الكشاف للزمخشري (٢/ ١٩٩)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢١٦).
[ ١ / ٣٤٠ ]
﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣) يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦) الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾
إنما وحّد الضمير في قوله: ﴿أَنْ يُرْضُوهُ﴾ لأن رضا الله فيه رضا رسوله، ورضا رسوله فيه رضا الله. ﴿مَنْ يُحادِدِ اللهَ﴾ يكون في حد، والرسول ﷺ في حد آخر. ﴿يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ توضح للناس ما أضمروه من النفاق، فكأنها تنبئهم بذلك، وسببه أن المريب خصم نفسه، وهو كقوله: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ (^١) وقوله:
﴿اِسْتَهْزِؤُا﴾ ليس طلبا للاستهزاء، وإنما هو تهديد؛ كقوله: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ اجتمع ناس من المنافقين ليلة العقبة فتحدثوا منفردين بأنفسهم فيما ينكرونه من أحوال النبي ﷺ وأحوال الصحابة ﵃، فقال لهم النبي ﷺ: "أما أنت يا فلان فقلت كذا، وأما أنت يا فلان فقلت كذا"، فقال بعض المؤمنين المخلصين: يا رسول الله مرنا فنضرب أعناقهم. فقال: "لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" وقالوا: يا رسول الله، إنما كنا نتحدث حديث الركب، ونقطع الطريق بأنواع الحديث، فنزلت ﴿أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ (^٢) فجعل الاستهزاء بالدين كفر. ﴿بَعْدَ إِيمانِكُمْ﴾ بعد إظهاركم الإيمان. ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ بالتوحيد ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ مصرة على نفاقها. ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾
_________________
(١) سورة المنافقون، الآية (٤).
(٢) ذكره الواحدي في أسباب النزول (ص: ٢٥٦، ٢٥٥) رقم (٥١١ - ٥١٣)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٢٥٤) لابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.
[ ١ / ٣٤١ ]
يعني أنهم كالجسد الواحد، وهكذا أهل المذاهب الفاسدة يعين بعضهم بعضا.
﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ عن العطاء في سبيل الله.
﴿نَسُوا اللهَ﴾ أهملوا (٧٢ /ب) أوامره فجازاهم على إهمالهم بالإهمال. ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أي: هي الكافية في تعذيبهم ومجازاتهم.
﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾
﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: يعذب المكذبون من قومك كما عذب المتقدمون ولعنوا.
﴿بِخَلاقِهِمْ﴾ بنصيبهم. ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا﴾ أي: كالخوض الذي خاضوه. وقيل:
وضع (الذي) موضع (الذين) كقول الشاعر [من الطويل]:
فإنّ الذي حانت بفلج دماؤهم (^١)
أي: فإن الذين. ﴿وَالْمُؤْتَفِكاتِ﴾ قرى قوم لوط؛ لأنها قلبت بهم. ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ بالآيات الواضحات، فكذبوا فأهلكوا ﴿فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ بالإهلاك.
_________________
(١) هذا صدر بيت للأشهب بن رميلة وعجزه: هم القوم كل القوم يا أم خالد ينظر في: البيان والتبيين للجاحظ (١/ ٥٨٤)، تفسير الطبري (١/ ١٤١)، تفسير القرطبي (١/ ٢٥٦)، روح المعاني للألوسي (٣/ ٣٥)، لسان العرب (لذا)، وفلج: اسم بلد ومنه قيل لطريق يأخذ من طريق البصرة إلى اليمامة طريق بطن فلج. وفلج: هو واد بطريق البصرة إلى مكة ببطنه منازل للحاج. ينظر: لسان العرب (فلج)، معجم البلدان لياقوت الحموي (٤/ ٢٧٢).
[ ١ / ٣٤٢ ]
﴿أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ﴾ في القيامة بالنجاة من العذاب وبرفع الدرجات. وقوله تعالى:
﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: في جنات إقامة، فتكون الجنات نكرة لإضافتها إلى نكرة، ويجوز أن تكون عدن علما على جنة مخصوصة، فتكون جنات معرفة، ورضا الله أعظم من الجنة؛ لأن الجنة من ثمرات رضا الله، ولقوله بعد وصف الجنة: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾.
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤) وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ (٧٥) فَلَمّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (٧٨) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾
﴿جاهِدِ الْكُفّارَ﴾ بالسيف ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ بالحجة. يجوز أن تكون ﴿كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ مفعولا، ويكون ﴿قالُوا﴾ بمعنى ذكروا وأظهروا، ويجوز أن تكون مصدرا. ﴿وَما نَقَمُوا﴾ وما عابوا ﴿إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ﴾ بالغنائم، وذلك مما لا يعاب، وهو كقوله: ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٨) (^١) وسأل ثعلبة بن قيس رسول الله ﷺ أن يدعو له بكثرة المال، فقال له: "قليل يكفيك خير من كثير لا تقدر على شكره"، فأعاد السؤال، فأعيد الجواب، فأعاد السؤال ثالثا، فدعا له رسول الله ﷺ، فاتخذ غنما فنمت كما ينمى الدود، فانقطع بها في الأودية وأماكن المرعى، وانقطع عن الصلاة في الجماعة مع النبي ﷺ، فسأل عنه النبي ﷺ، فأخبر فلما توجه السعاة لأخذ الصدقات مروا به وطلبوا زكاة ما معه، فحسبه فاستكثره، وقال: اذهبوا إلى غيري، فإذا رجعتم فمروا عليّ، فلما عادوا ومروا عليه قال لهم: ما هذه إلا أخت الجزية، وقال النبي ﷺ قبل أن يصل رسله إليه: "يا ويح ثعلبة" فجاء الرسل، فأخبروه بما قال، فقال: يا ويح ثعلبة، ثم إن ثعلبة خاف على نفسه، فأحضر ما طلب منه من الزكاة فلم يقبله النبي ﷺ، وأنزل الله (٧٣ /أ) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ﴾
_________________
(١) سورة البروج، الآية (٨).
[ ١ / ٣٤٣ ]
﴿عاهَدَ اللهَ﴾ فوضع ثعلبة التراب على رأسه فلم يقبل منه النبي ﷺ شيئا، ثم جاء في خلافة أبى بكر بزكاته، فلم يقبلها، ثم جاء زمان عمر، فلم يقبلها، وتوفي في خلافة عمر (^١).
ووجه امتناعهم من قبول زكاته من قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ فدل على استمرار النفاق إلى الموت، والمنافق كافر لا تقبل له زكاة.
لما حث رسول الله ﷺ الناس على الإنفاق في سبيل الله - جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، وجاء عثمان بألف دينار، وعمل أبو عقيل يومه في الجرير (^٢) فحصل له صاع، فأوصل إلى عياله نصف صاع، وأحضر للصدقة نصف صاع، فقالوا: ما أراد عثمان وعبد الرحمن بن عوف إلا الرياء، وما أراد أبو عقيل بهذا القدر اليسير إلا أن يذكر ويعوض إذا جاءت الصدقات، فنزلت ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣).
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٠/ ١٩٠)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٢٤٦) لابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ والعسكري في الأمثال والطبراني وابن منده والباوردي وأبي نعيم في معرفة الصحابة وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن أبي أمامة الباهلي ﵁. قال الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار التي في الكشاف (٢/ ٨٦): "قال البيهقي: وفي إسناده نظر، قال: وهو مشهور بين أهل التفسير قال: وكان النبي ﷺ عرف نفاقه قديما ثم زيادته حديثا وموته عليه بما أنزل الله عليه من الآية فلم يأخذها منه، انتهى كلامه. وأعله السهيلي في الروض الأنف وقال: قال البخاري: علي بن يزيد أبو عبد الملك منكر الحديث، قال السهيلي: وقد عده ابن إسحاق في المنافقين وذكر هذه الآية التي نزلت في ثعلبة بن حاطب لكنه ذكر في البدريين ثعلبة بن حاطب ولم ينسبه فلعله رجل آخر وافق اسمه وإن كان هو فذكره في البدريين وهم والمنافق هو ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس". انتهى كلامه.
(٢) يريد أنه كان يستقي الماء بالحبل، والجرير: حبل مفتول من أدم يكون في أعناق الإبل، والجمع: أجرة وجران وأجره. ينظر: لسان العرب (جرر)، النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (١/ ٢٥٩).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٠/ ١٩٤)، وروى نحوه البخاري رقم (٤٣٩١)، ومسلم رقم (١٠١٨) عن أبي مسعود قال: "أمرنا بالصدقة قال كنا نحامل قال: فتصدق أبو عقيل بنصف صاع قال: وجاء إنسان بشيء أكثر منه فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا وما فعل هذا الآخر إلا رياء فنزلت الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ ولم يلفظ بشر بالمطوعين".
[ ١ / ٣٤٤ ]
واللمز: العيب، ومنه قوله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ (١) (^١) وقوله: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٢).
﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٨٠) فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣) وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤) وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٨٥) وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (٨٦)﴾
﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ بقعودهم ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ فسيكون بكاؤهم كثيرا ﴿مَعَ الْخالِفِينَ﴾ مع النساء والصبيان، وأراد النبي ﷺ أن يصلي على عبد الله بن أبيّ المنافق، فجذبه عمر، فقال: أتصلي عليه وقد قال يوم كذا وكذا وكذا كذا؟! فنزلت ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ (^٣).
﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٨٧) لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩) وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٠) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)﴾ ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾
_________________
(١) سورة الهمزة، الآية (١).
(٢) سورة الحجرات، الآية (١١).
(٣) رواه البخاري رقم (١٢١٠)، ومسلم رقم (٢٤٠٠).
[ ١ / ٣٤٥ ]
﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾
قوله تعالى: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ﴾ مع النساء والصبيان والعاجزين عن القتال.
﴿وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ منعها أن تصل إليها الألطاف (^١).
﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ المعتذرون.
﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٩٦) الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾
﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ نهي عن الاعتذار، وعلل ذلك بأنا لا نصدقكم، وعلل عدم التصديق بقوله: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ﴾ وهذا يشبه قوله: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ وعلل فيض الدمع بما حصل من الحزن بقوله: ﴿أَلاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ ففي كلا الموضعين ذكر العلة وعلة العلة. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ويجازيكم عليه؛ لأن التهديد والوعيد بالعذاب أشد من التهديد بالإنباء بما كانوا يعملون.
﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ فإن حصل لهم رضاكم فقد فاتهم ما هو أعظم منه من رضا الله. ﴿وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ لبعدهم من أهل العلم، ولشدة غلظ طباعهم مما يكابدونه من شدة الحر وشدة البرد.
_________________
(١) الألطاف: جمع اللطف وهو البر والتكرمة والتحفي، يقال: لطف به لطفا ولطافة وألطفه وألطفته أتحفته وألطفه بكذا أي: بره به والاسم اللطف بالتحريك، وجاءتنا لطفة من فلان أي: هدية. ينظر: لسان العرب (لطف).
[ ١ / ٣٤٦ ]
﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ ولا يعتد الزكاة مغنما، بل (٧٣ /ب) يعدها من آفات الأموال. ﴿وَيَتَرَبَّصُ﴾ بالمؤمنين أن يموتوا فينقطع الطلب بموتهم ثم دعا عليهم بقوله: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ والدعاء من الله دليل على الغضب؛ لأن الإنسان إنما يدعو على من غضب عليه وأما حقيقة الدعاء فلا تليق بجلال الله ﴿وَصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ ودعوات الرسول. ﴿أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ كما طلبوا.
﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢) خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)﴾
﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾ يريد: والسابقون من الأنصار.
قال عمر: كنت أظن أنها والأنصار، بالرفع عطف على ﴿وَالسّابِقُونَ﴾ وأقول: قد خصصنا معشر المهاجرين بأن السابقين منا، ثم نبئت أنها ﴿وَالْأَنْصارِ﴾ عطفا على ﴿الْمُهاجِرِينَ﴾ أي: والسابقون الأولون من المهاجرين والسابقون الأولون من الأنصار (^١).
﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ﴾ بالقرب من المدينة ﴿مُنافِقُونَ﴾ قد ضربت أنفسهم بالكفر ومردوا عليه ﴿لا تَعْلَمُهُمْ﴾ بأعيانهم ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ قال بعض النحويين: علم هاهنا بمعنى عرف؛ لأنها تعدت إلى مفعول واحد، وعليه إشكال، وهو أن الله تعالى لا يقال في علمه معرفة؛ لأن التعرف يستدعي تقدم جهل، ويستدعي بحثا، حتى يحصل به المطلوب، وقد أخذ على القاضي أبي بكر بن الباقلاني (^٢) في قوله في حد العلم: "أنه معرفة المعلوم
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١١/ ٨)، وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٤٨٣) لأبي عبيد وابن المنذر وابن مردويه وأبي الشيخ عن محمد بن كعب.
(٢) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر أبو بكر القاضي الباقلاني، من كبار علماء الكلام، انتهت إليه -
[ ١ / ٣٤٧ ]
على ما هو به"، فقيل له: العلم أعم من المعرفة، وعلم الله ليس بمعرفة، فلا يدخل في حدك (^١).
ومثل هذه الآية قوله في الأنفال: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (^٢) ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ أي: في الأموال والأنفس في الدنيا. ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ في الآخرة ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ﴾ كل واحد منهما مخلوط، ولو قيل: خلطوا عملا صالحا بآخر كان العمل الصالح مخلوطا، والسيئ مخلوطا به.
﴿صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ تدحض عنهم أوصاف الذنوب. ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ ادع لهم إن دعواتك تسكن إليها أنفسهم.
﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ جاء في الحديث: "إن الصدقة تقع بيد الرب قبل أن تقع بيد العبد فيربيها كما يربي أحدكم فلوّه، أو فصيله" (^٣).وأخذه تعالى الصدقات كناية عن تقبلها والاعتداد بها. ﴿مُرْجَوْنَ﴾ مؤخرون.
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ﴾
_________________
(١) = رئاسة مذهب الأشاعرة، وكان جيد الاستنباط سريع الجواب. ومن كتبه: إعجاز القرآن، الإنصاف، الملل والنحل. توفي سنة ٤٠٣ هـ. تنظر ترجمته في: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (٥/ ٣٧٩)، وفيات الأعيان لابن خلكان (١/ ٤٨١).
(٢) ينظر قول الباقلاني في كتابه "تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل" (١/ ٢٥) ط. مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت ١٩٨٧ م - تحقيق: عماد الدين أحمد حيدر، ونقله عنه الإيجي في كتاب المواقف (١/ ٥٣)، والقنوجي في كتاب أبجد العلوم (١/ ٢٦) وزاد الباقلاني فقال: "فإن قال قائل: فلم رغبتم عن القول بأنه معرفة الشيء على ما هو به إلى القول بأنه معرفة المعلوم على ما هو به؟ قيل: لما قام من الدليل على أن المعلوم يكون شيئا وما ليس بشيء ولأن المعدوم معلوم وليس بشيء ولا موجود فلو قلنا حده أنه معرفة الشيء على ما هو به لخرج العلم بما ليس بشيء من المعلومات المعدومات عن أن يكون علما وذلك مفسد له فوجب صحة ما قلناه وبالله التوفيق".
(٣) سورة الأنفال، الآية (٦٠).
(٤) رواه أحمد (٤٧١، ٤٠٤، ٢/ ٢٦٨)، والترمذي رقم (٦٦٢)، وابن خزيمة رقم (٢٤٢٦).
[ ١ / ٣٤٨ ]
﴿خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٠٩) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠) إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾
وكان جماعة من المنافقين يودون أن يكون لهم مسجد منفرد عن المسلمين الخلص يفضي بعضهم إلى بعض أسرارهم، فقالوا: يا رسول الله، إنه يكون المطر والسيل فيمنعنا من الوصول إلى مسجدك (٧٤ /أ) فاستأذنوه في بناء المسجد الضرار بناء على ظاهر الأمر، فنزلت ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا﴾ (^١). وكان أبو عامر الراهب يعد الناس قبل بعثة النبي ﷺ أنه سيأتي نبي نقاتل معه الكفار ونكون من حزبه، فلما بعث النبي ﷺ حسده، فلما انهزم المشركون يوم بدر همّ بالدخول في الإسلام، ثم قال: أثبت حتى تقع واقعة أخرى، فانهزم المسلمون يوم أحد، فاستمر على كفره وقال: هذا محمد ليس هو الذي كنت أعدكم به، وتوجه إلى الشام ليستنصر بقيصر على النبي ﷺ، وكان المنافقون ينتظرونه، وهو معنى قوله: ﴿وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (^٢).
﴿لا تَقُمْ﴾ في مسجد الضرار ﴿أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى﴾ وهو مسجد المدينة (^٣).
وقيل: هو مسجد قباء (^٤). قوله: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ سألهم النبي ﷺ عما يصنعون؟ فقالوا: نتبع الحجارة الماء " (^٥).
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١١/ ٢٣).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١١/ ٢٤ - ٢٥).
(٣) هذا قول ابن عمر وزيد بن ثابت وأبي سعيد - ﵃ - رواه الطبري في تفسيره (١١/ ٢٧).
(٤) هذا قول ابن عباس - ﵄ - وغيره رواه الطبري في تفسيره (١١/ ٢٧ - ٢٨) ثم قال: " وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال هو مسجد الرسول ﷺ لصحة الخبر بذلك عن رسول الله ﷺ ".
(٥) ذكره بهذا اللفظ الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢١٢) عن ابن عباس ﵄، وقال:" رواه البزار وفيه محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري ضعفه البخاري والنسائي وغيرهما". ورواه أبو داود رقم (٤٤)، الترمذي رقم (٣١٠٠)، وابن ماجه رقم (٣٥٧) بنحوه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:" نزلت هذه الآية في أهل قباء فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا قال: كانوا -
[ ١ / ٣٤٩ ]
روي أنه حفر موضع الضرار فخرج منه دخان كثير، وهو معنى قوله: ﴿عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ﴾ (^١).
﴿رِيبَةً﴾ حسرة، حيث لم ينالوا ما أملوا. ﴿اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ وهي ملكه بثبوت الجنة لهم وهي عطاؤه، ومن قرأ ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (^٢) فهو إما لأن الواو لا تقتضي ترتيبا أو تقتضيه (^٣) ولكن المعنى يقتل بعضهم ويقاتل الباقون الكفار، وهذا كقراءة من قرأ في آخر آل عمران ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ (^٤) وقراءة من قرأ في البقرة ﴿وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (^٥).
﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ ﴿وَما كانَ اللهُ﴾
_________________
(١) = يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية ". وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود رقم (٣٤)، وفي صحيح ابن ماجه رقم (٢٨٥).
(٢) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٣٣) وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٢٩٣) لمسدد في مسنده وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: " لقد رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حيث انهار على عهد رسول الله ﷺ ".
(٣) قرأ حمزة والكسائي وخلف" فيقتلون ويقتلون "، وقرأ أبو عمرو ونافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب" فيقتلون ويقتلون". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ١٠٢)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٧٨)، حجة أبي زرعة (ص: ٣٢٥)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣١٩)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٢١٦)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٤٦).
(٤) تقدم الحديث عن هذا عند تفسير سورة آل عمران، الآية (٥٥).
(٥) الآية (١٩٥) وقرأ حمزة والكسائي" وقتلوا وقتلوا "وقرأ ابن كثير وابن عامر" وقاتلوا وقتلوا "، وقرأ أبو عمرو ونافع وعاصم" وقتلوا وقتلوا". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ١٤٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٢/ ٢٨٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٢١)، الكشاف للزمخشري (١/ ٤٥٧).
(٦) سورة البقرة، الآية (١٩١) وقرأ كذلك بغير ألف حمزة والكسائي، وقرأ باقي العشرة بألف" ولا تقاتلوهم - حتى يقاتلوكم - فإن قاتلوكم". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٢/ ٦٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (١/ ٤٨١)، السبعة لابن مجاهد (ص: ١٧٩ - ١٨٠)، الكشاف للزمخشري (١/ ٢٣٦).
[ ١ / ٣٥٠ ]
﴿لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦) لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾
قيل: السئحون في الآية الصائمون. كان النبي ﷺ لما علم أن أبا طالب مات على الكفر قال:" والله لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنك "، فنزلت ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية (^١).
واعتذر من استغفار إبراهيم لأبيه بأن ذلك كان بوعد سبق بقوله في سورة مريم: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ (^٢) وقرئ في الشاذ" وعدها أباه " (^٣) بنقطة واحدة من أسفل. وقيل: كان الوعد من أبي إبراهيم لإبراهيم، وعده أن يؤمن، لقوله: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ (^٤).
﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ (١١٩) ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١) وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾
_________________
(١) رواه البخاري رقم (١٢٩٤)، ومسلم رقم (٢٤).
(٢) سورة مريم، الآية (٤٧).
(٣) قرأ بها الحسن وحماد الراوية وابن السميقع وأبو نهيك. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ١٠٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٥٠٨)، الكشاف للزمخشري (٢/ ١٧٤)، مفاتيح الغيب للرازي (١٦/ ٢١٠).
(٤) ذكره الماوردي في النكت والعيون (٢/ ١٧١).
[ ١ / ٣٥١ ]
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة ابن الربيع كانوا قد تخلفوا عن السفر (٧٤ /ب) عن النبي ﷺ في غزوة تبوك، فلما قدم همّوا بأن يعتذروا بأعذار كاذبة، ثم قالوا: الصدق أقرب إلى النجاة فاعترفوا بتقصيرهم، فنهى النبي ﷺ عن كلامهم، فأقاموا خمسين ليلة لا يكلمهم أحد حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ثم قبل الله توبتهم وبشرهم (^١).
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ وقالوا: لو كنا اعتذرنا بأعذار كاذبة لدخلنا في زمرة من قيل فيهم: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ الآيات (^٢).
من نوى عبادة تشتمل على أنواع من التعبد لم يحتج إلى النية عند كل جزء منها، فلا ينوي في الصلاة ركوعها ولا سجودها، ولا ينوي في الحج سعيه ولا وقوفه، ولا في الجهاد في كل نفقة وكل قطع واد (^٣).
﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ المجاورون لأهل المدينة ومن حولهم أن ينفروا إلى رسول الله ﷺ ليتعلموا العلم؛ لما في ذلك من الخوف على عيالهم أن يغار عليهم، وعلى أموالهم أن تذهب، فإذا تعذر نفير الجميع فهلا ﴿نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا﴾ الفئة النافرة، وتعلم ما تجدّد من الوحي، وما نسخ من الأحكام. ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ المقيمين ﴿إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ الجهل بأحكام الله.
وقيل: وما كان المؤمنون المقيمون في المدينة ومن حولهم أن ينفروا عن رسول الله ﷺ في الغزوات والسرايا التي يبعثها؛ لئلا يبقى النبي ﷺ وليس معه أحد، فيطمع فيه اليهود والمنافقون، فإذا تعذر نفير الجميع عنه، فهلا نفر من كل فرقة من المقيمين طائفة في السرايا والبعوث لتتفقه الفئة المقيمة عند الرسول ﷺ، ولتنذر الفئة المقيمة قومهم إذا رجعوا إليهم من السرايا، ويعرفونهم ما تجدد من الأحكام.
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٤١٥٦)، ومسلم رقم (٦٩٢٧) في حديث طويل.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١١/ ٦) عن كعب بن مالك قال:" والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد: سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ.
(٣) ينظر: الأم للشافعي (١/ ٨٤)، بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ٢٢٦)، المغني لابن قدامة (٣/ ٢٣).
[ ١ / ٣٥٢ ]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥) أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٢٧) لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾
ثم أمر الله المؤمنين بقتال الكفار كافة، وأن يبدأ منهم بالذين يلونهم؛ لأن ضررهم أقرب فقتالهم أهم. وقوله: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ إنما ينهى عن الفعل فاعله، فكيف يأمرنا أن يجد المنافقون فينا غلظة؟! وهو كقول سيبويه: لا أرينك هاهنا (^١)، وكقوله تعالى: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ (^٢) ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ (^٣).
﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ﴾ ما زائدة، ومن المنافقين من يقول: ﴿أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا﴾ لأنه لما نزلت الآية فآمنوا بها وبما فيها من الأحكام - تجدد لهم إيمان بما نزل. وقد اختلف الناس في أن الإيمان هل يزيد وينقص؟ والذي يظهر أن الإيمان على عهد رسول الله ﷺ يزيد بزيادة الوحي، ووجوب التصديق بما يتجدد (^٤). ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾
_________________
(١) ينظر: الكتاب لسيبويه (٣/ ٤٩).
(٢) سورة لقمان، الآية (٣٣).
(٣) سورة الأعراف، الآية (٢٧).
(٤) قال صاحب شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٣٤٢): "والأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب والسنة والآثار السلفية كثيرة جدّا: منها: قوله - تعالى: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا، وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً، وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ، الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وينظر في هذه المسألة في: الاعتقاد للبيهقي (١/ ١٧٤)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٣٤٢).
[ ١ / ٣٥٣ ]
﴿مَرَضٌ﴾ وهم المنافقون ﴿فَزادَتْهُمْ﴾ الآية المتجددة ﴿رِجْسًا﴾ لتكذيبهم بها ﴿إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ السابق بتكذيبهم بالآيات السابقة.
﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ﴾ يمتحنون ويبتلون.
﴿صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ حلوا محل من يدعى عليه بصرف قلوبهم عن الخير؛ بسبب أنهم لا يفقهون سر هذه الأحكام، فيكذبون ما لا يوافق خواطرهم.
﴿رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ تعلمون صدقه وأمانته، يعز عليه كل ما يشق عليكم، ويحرص على هداكم، شديد الرأفة من المؤمنين ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الإيمان ﴿فَقُلْ﴾ يكفيني الله فلا أحتاج إلى عونكم ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: لا أتوكل إلا عليه؛ لأن تقدم المجرور يدل على الاختصاص. والله أعلم.
***
[ ١ / ٣٥٤ ]