﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ (٢) وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤) يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾
قوله - ﷿: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ﴾ قيل: هي زلزلة تقع في الدنيا، وهي من أشراط الساعة. وقيل: إن زلزلة الساعة تكون في وقت النفخ في الصّور. ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ أي: لغير فطام وتضع كل ذات حمل حملها لغير تمام.
﴿مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ﴾ أي: في دينه بالباطل. وقيل: يردّ النصّ بالقياس. قيل: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث (^١). ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ فاعلموا أنا قادرون على أعجب منه وهو صيرورة المني منتقلا إلى علقة ثم مضغة، والمضغة: قدر ما يمضغ من اللحم. ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أي: أطفالا. وقوله: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ المخلقة التي (١٣٠ /ب) تكامل خلقها، وغير المخلقة ما دفعته الأرحام من غير تمام خلق. وقيل: مصورة وغير مصورة.
وقيل: المخلقة التي تمت أشهر حملها، وغير المخلقة ما لم يكمل ذلك منها. ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ كيف بداية خلقه وانتقاله في الأطوار. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى تمام خلقه.
قوله - تعالى: ﴿لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ تفسير الأشد مذكور في سورة يوسف (^٢).
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى﴾ أي: قبل أن يبلغ أرذل العمر. وقيل: قبل بلوغ الأشد ﴿أَرْذَلِ﴾
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ١١٥)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٨) لابن أبي حاتم.
(٢) سورة يوسف، الآية (٢٢).
[ ١ / ٥٦٩ ]
﴿الْعُمُرِ﴾ قيل: هو الهرم. وقيل: إلى مثل حاله حين خروجه من بطن أمه في الضعف. وقيل:
ذهاب العقل ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ قيل: لا يستذكر وينسى ما كان عالما به.
وقيل: لا يعقل بعد عقله الأول شيئا. ﴿هامِدَةً﴾ يابسة لم تنبت. وقيل: الدراسة، والهامد: الدارس. ﴿اِهْتَزَّتْ﴾ استبشرت. وقيل: اهتز نباتها. ﴿وَرَبَتْ﴾ قيل: معناه: أضعف نباتها. وقيل: انتفخت لظهور نباتها فعلى هذا الوجه يكون في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: فإذا أنزلنا عليها الماء ربت واهتزت، وعلى الأول لا تقديم فيه ولا تأخير. والزوج:
الصنف، أي: أنبتت أصنافا مختلفة. ﴿بَهِيجٍ﴾ يعني: حسن الصورة.
﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧) وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٠) وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣) إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (١٤)﴾
قوله - تعالى: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ أي: لاو عنقه إعراضا عن الله - تعالى - ورسوله ﷺ.
وقيل: عادل جانبه كبرا عن الإجابة، والجانب يسمى عطفا، يقال: فلان ينظر في أعطافه، أي:
في جوانبه. ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: بتكذيبه للرسول وإعراضه عن القبول. وقيل: كانت له قينة وكان إذا رأى شخصا قد مال إلى الإسلام أحضره طعامه وشرابه وغنته مغنيته، ويقول له: هذا خير لك مما يدعوك إليه محمد ﷺ (^١). ﴿مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ﴾ أي: على شك.
وقيل: على طمع. وقيل: على ضعف في العبادة كالقائم على حرف ﴿فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن قوما من المنافقين آمنوا بألسنتهم ثم ارتدّوا بعد إسلامهم. والثاني: ناس
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥٠٤) ونسبه لجويبر عن ابن عباس - ﵄ - قال: «أنزلت في النضر بن الحارث » فذكره.
[ ١ / ٥٧٠ ]
ممن حول المدينة قالوا: نأتي محمدا، ونعتبر أحواله فإن ظهر لنا صدقه اتبعناه وإلا رجعنا إلى أماكننا (١٣١ /أ) فالرجوع على العقب - على القول الأول - هو الردة، وعلى الثاني:
رجوعهم إلى أهليهم. وقيل: إن ناسا كانوا يسلمون وينتظرون ما يتجدّد فإن ولدت امرأة الرجل غلاما وولدت فرسه مهرة ونتجت ماشيته - استمرّ على دين الإسلام، وقال: هذا دين مبارك. وإن ولدت امرأته أنثى وفرسه مهرا وقل نفع ماشيته من درّها ونسلها رجع إلى مكانه الأول ولم يستقر على دين الإسلام (^١).
المولى والعشير: المراد بهما الصنم، والعشير: المعاشر، ومنه سمي الزوج عشيرا، قال النبي ﷺ في النساء: «إنّهنّ يكثرن اللّعن ويكفرن العشير» (^٢).
﴿مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (١٥) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨) هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩)﴾
قوله - ﷿: ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ﴾ الضمير في ﴿يَنْصُرَهُ﴾ المراد به الرسول ﷺ. وقيل:
﴿لَنْ يَنْصُرَهُ﴾ لن يرزقه، يقال: أرض منصورة إذا مطرت (^٣). والضمير على (من ظن) وقيل: لن ينصر الله أرضه: أي: لن يمطرها، والنصر في غير هذا المكان في الدنيا هي الغلبة، وفي الآخرة بظهور الحجة ﴿مَنْ كانَ يَظُنُّ﴾ الآية ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ بحبل ﴿إِلَى السَّماءِ﴾ ذات الكواكب ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ الوحي عن أن ينزل على النبي ﷺ إن استطاع ذلك. وقيل: فليمدد بحبل إلى سماء بيته وهو سقفه فليعلق نفسه فيه ثم ليقطع الحبل، فإن ذلك لا يفيده فيما
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٤٤٦٥)، والطبري في تفسيره (١٧/ ١٢٢).
(٢) رواه البخاري رقم (٣٠٤)، ومسلم رقم (١٣٢ - ٧٩).
(٣) يقال: نصر الغيث الأرض نصرا غاثها وسقاها وأنبتها، ونصر الغيث البلد إذا أعانه على الخصب والنبات. قال ابن الأعرابي: النّصرة المطرة التّامّة. قال أبو عبيد: نصرت البلاد إذا مطرت فهي منصورة أي: ممطورة ونصر القوم إذا غيثوا. ينظر: لسان العرب (نصر).
[ ١ / ٥٧١ ]
طلب، ولا يزيل غضبه فيما غضب لأجله. قوله - ﷿: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللهُ﴾ أي: فيدخله النار ﴿فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ ينجيه ويدخله الجنة. وقيل: يكرم من يشاء يجعله في ديوان أهل السعادة ﴿فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ ينقله إلى ديوان السعادة. ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أي: من ثواب وعقاب.
وقيل: يهين من يشاء بالانتقام ويكرم من يشاء بالإنعام.
الخصمان هاهنا فريقان، نزلت في المشركين والمسلمين حين اقتتلوا ببدر. وقيل: نزلت في الذين بارزوا يوم بدر، وهم ثلاثة من المسلمين قاتلوا يوم بدر، برز إليهم عليّ وحمزة وعبيدة بن الحارث، وبارزهم عتبة وشيبة والوليد ابن عم رسول الله ﷺ، فقتل علي وحمزة خصمهما، واختلف ابن الحارث وغريمه ضربتين فقطع عبيدة يد خصمه وكرّ عليّ وحمزة على الخصم الباقي فقتلاه بعد أن انقطعت رجله فتفاخر أقرباؤهم، فنزلت الآية (^١).
وهذا القول يدل على أن هذه الآية مدنية، والمشهور أن السورة مكية. وقيل: نزلت في المسلمين وأهل الكتاب (١٣١ /ب) قال أهل الكتاب: كتابنا ونبينا أسبق، فقال المسلمون:
نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على كتابكم فنزلت (^٢). وقيل: نزلت في الكفار غير أهل الكتاب لاختلافهم في البعث والجزاء (^٣).
وقيل: اختصمت الجنة والنار، فقالت النار: خلقت لعقوبة من كفر بالله ورسوله، وقالت الجنة: خلقت لثواب أهل البر وأولياء الله (^٤). ﴿ثِيابٌ مِنْ نارٍ﴾ أحاطت بهم كإحاطة الثوب بلابسه. ﴿الْحَمِيمُ﴾ الماء الحار، قال الشاعر [من المتقارب]:
كأنّ الحميم على متنها إذا اغترفته بأطساسها
جمان يجول على فضّة جلته حدائد دوّاسها (^٥)
والتعذيب بالماء الحار غير التعذيب بالنار؛ لأن الماء الحار ينضج لحومهم والنار تحرقها.
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٣١).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٣٢).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٣٢).
(٤) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٣٣).
(٥) تقدم في سورة يونس، الآية (٤).
[ ١ / ٥٧٢ ]
﴿يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٢٢) إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾
﴿يُصْهَرُ﴾ أي: يذاب. وقيل: ينضج. ﴿الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ لا إله إلا الله.
وقيل: الإيمان. وقيل: القرآن. وقيل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ﴿وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ﴾ قيل: هو لا إله إلا الله. وقيل: هو الإسلام.
﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ﴾ فقوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ﴾ يريد به المحيط بالكعبة، وجعله للناس، أي: قبلة لهم ومنسكا للحج. وقيل: جعلناه للناس سواء في شرعية الطواف واستقبال القبلة. وقيل: الناس سواء في دور مكة لا يجوز بيعها وهو مذهب أبي حنيفة.
وقيل: الناس سواء في تحريم صيد الحرم وعضد شجره (^١). والإلحاد: الميل عن الحق والباء في ﴿بِإِلْحادٍ﴾ زائدة؛ كزيادتها في قوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (^٢).
قيل: ومن خواص الحرم: أنه يؤاخذ الإنسان بما يريد أن يفعله من المعاصي، فيؤاخذ بإرادتها، وظاهر الآية الأول، قال الشاعر في زيادة الباء [من الرجز]:
نحن بنو جعدة أصحاب الفلج نضرب بالسّيف ونرجو بالفرج (^٣)
أي: نرجو الفرج. الإلحاد بالظلم: الشرك بالله - تعالى - وقيل: هو استحلال الحرام فيه.
وقيل: هو احتكار الطعام بمكة.
_________________
(١) ينظر: المغني لابن قدامة (٣/ ٣٥١)، مغني المحتاج للشربيني (٢/ ٣٥).
(٢) سورة المؤمنون، الآية (٢٠).
(٣) البيت للنابغة الجعدي، ينظر في: أدب الكاتب لابن قتيبة (ص: ٥٢٢)، الإنصاف في مسائل الخلاف لابن الأنباري (١/ ٢٦١)، خزانة الأدب للبغدادي (٩/ ٥٢٠)، رصف المباني (ص: ١٤٣)، شرح شواهد المغني (١/ ٣٣٢)، مغني اللبيب لابن هشام (١/ ١٨٥)، ملحق ديوان النابغة الجعدي (ص: ٢١٦)، النكت والعيون للماوردي (٣/ ٧٤) والفلج: موضع لبني نجدة بن قيس بنجد.
[ ١ / ٥٧٣ ]
وقيل: نزلت هذه الآية في أبي سفيان بن حرب ومن معه من المشركين، صدوا رسول الله ﷺ عن عمرته عام الحديبية (^١).
﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾
قوله - ﷿: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ﴾ أي: عرفناه مكانه، بأن بعث الله سحابة (١٣٢ /أ) فوقفت حيال موضع الكعبة، وقيل لإبراهيم: ابن على ظلّها.
وقيل: بعث الله ريحا فكنست موضع الكعبة خاصة (^٢). ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ أي:
من الشرك. وقيل: من الفرث والدم، وكانوا يبقون ذلك في المسجد إذا ذبحوه قربانا للكعبة وقيل: من قول الزور. قوله - ﷿: ﴿وَالْقائِمِينَ﴾ أي: في الصلاة.
وقيل: المقيمين بمكة والركوع والسجود في الصلاة. وفي هذه الآية تلويح بأن الصلاة في البيت جائزة. وقيل: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ يعني: قلبك. وقيل: وطهره بالقيام بحجج الله - تعالى - وإبطال الشبه عنها (^٣). ﴿وَأَذِّنْ﴾ أي: أعلم، فروي أن إبراهيم صعد جبل أبي قيس وقال:
يأيها الناس إن الله قد بنى بيتا فحجّوه، فلا يحجه إلى يوم القيامة إلا من أجاب دعوة إبراهيم (^٤). وقيل: أول من أجابه أهل اليمن فهم أكثر الناس حجا (^٥).
﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾
_________________
(١) روى هذه الأقوال ابن جرير الطبري في تفسيره (١٧/ ١٤١ - ١٤٢)، والسيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٧ - ٢٩) وقال ابن جرير الطبري: «وأولى الأقوال التي ذكرناها في تأويل ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود وابن عباس من أنه معني بالظلم في هذا الموضع كل معصية لله وذلك أن الله عم بقوله: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ ولم يخصص به ظلم دون ظلم في خبر ولا عقل، فهو على عمومه».
(٢) روى هذه الأقوال ابن جرير الطبري في تفسيره (١٧/ ١٤٣) والسيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٠ - ٣١).
(٣) ذكره الماوردي في النكت والعيون (٣/ ٧٥).
(٤) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٤٥)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٣) عن ابن عباس ﵄.
(٥) ذكره الماوردي في النكت والعيون (٣/ ٧٥).
[ ١ / ٥٧٤ ]
وقيل: الخطاب في قوله: ﴿وَأَذِّنْ﴾ لنبينا محمد ﷺ، أمر أن يعرف الناس بوجوب الحج عليهم (^١). ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا﴾ أي: مشاة، والرجال: جمع راجل.
﴿وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ أي: ركبانا على كل جمل مهزول، وهو المراد بالضامر؛ لأنه لا يصل البعير إليه حتى يصير ضامرا. ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾ أي: طريق ﴿عَمِيقٍ﴾ أي: بعيد.
﴿مَنافِعَ لَهُمْ﴾ قيل: هو شهود المواقف وقضاء المناسك. وقيل: هي مغفرة الذنوب. وقيل:
هي التجارة في الدنيا والأجر في الآخرة. قوله - ﷿: ﴿فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ قيل:
إنها عشر ذي الحجة وآخرها يوم النحر، وهو مذهب الشافعي.
وقيل: هي أيام التشريق الثلاثة. وقيل: هي يوم التروية ويوم عرفة ويوم النحر (^٢). ﴿عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ أي: على ما رزقهم من تحليل ذبائح الأزواج الثمانية من بهيمة الأنعام.
قوله - ﷿: ﴿فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا﴾ قيل: الأكل والإطعام واجبان. وبه قال أبو الطيب بن سلمة (^٣). وقيل: مستحبان. وبه قال الشافعي ﵀، فإن أطعم جميعه جاز وإن أكل الكل لم يجزه، وهذا كله في الدماء المستحبة، أما ما كان فدية لشيء من محظورات الحج لا يحل أكل شيء منه، بل يفرق جميعه على الفقراء (^٤).
_________________
(١) ذكره الماوردي في النكت والعيون (٣/ ٧٥) قال العيني في عمدة القاري (٩/ ١٢٨): «والتوفيق بين القولين أن النبي ﷺ إنما أمره الله بذلك إحياء لسنة إبراهيم ﵊».
(٢) ينظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٤٥٨)، المغني لابن قدامة (٢/ ٢٤٥)، مغني المحتاج للشربيني (١/ ٥٠٥).
(٣) هو الإمام أبو الطيب محمد بن الفضل بن سلمة بن عاصم البغدادي واشتهر بأبي الطيب بن سلمة نسب إلى جده. قال الخطيب البغدادي: كان من كبار الفقهاء ومتقدميهم. قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀: كان أبو الطيب هذا معروف النسب في الفضل والأدب وصنف كتبا عدة وتوفي في المحرم سنة ثمان وثلاثمائة. تنظر ترجمته في: تهذيب الأسماء للنووي (٢/ ٥٢٦).
(٤) ينظر: الأم للشافعي (٢/ ٣٤٨)، بدائع الصنائع للكاساني (٤/ ٢١٩)، المغني لابن قدامة (١١/ ١٠٩).
[ ١ / ٥٧٥ ]
﴿الْبائِسَ الْفَقِيرَ﴾ قيل: الفقير: الزّمن (^١). وقيل: الفقير: الذي به ضر الجوع.
وقيل: الذي يستنكف (١٣٢ /ب) من مجالسته.
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)﴾
﴿تَفَثَهُمْ﴾ التفث: مناسك الحج.
وقيل: حلق الرأس. وقيل: رمي الجمار. وقيل: إزالة الأجرام من تقليم ظفر وأخذ شعر واستعمال طيب. ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ طواف الركن، ويسمى طواف الإفاضة، ركن من أركان الحج، فمن تركه بقي على إحرامه إلى أن يأتي به، وأما طواف القدوم فسنة، كتحية المسجد إذا دخله بركعتين، وأما طواف الوداع ففيه قولان مشهوران للشافعي (^٢).
وسمّي البيت عتيقا لأن الله - تعالى - أعتقه من استيلاء الجبابرة. وقيل: عتق من الغرق في الطوفان؛ لأن الله - تعالى - رفعه إلى سمائه قبل الطوفان. وقيل: لأنه قديم، وهو أول بيت وضع للناس، بناه آدم وأعاده إبراهيم ﵇ بعد الطوفان. قوله - تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ﴾ أي: ففعل ما أمر به وانتهى عما نهي عنه.
قوله - تعالى: ﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ أي: تحريمه من المنخنقة والموقوذة وما بعدها.
وقيل: من البحائر والسوائب (^٣). ﴿الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ هو عبادتها، أي: اجتنبوا عبادة الأوثان. وقيل: معناه: اجتنبوا الأوثان، فإنها من الرجس.
﴿قَوْلَ الزُّورِ﴾ قيل: هو الشرك. وقيل: هو شهادة الزور، وفي الحديث: «عدلت
_________________
(١) الزمن: ذو الزمانة والزمانة: العاهة. ورجل زمن أي: مبتلى بين الزمانة، والجمع: زمنون وزمنى ينظر: لسان العرب (زمن).
(٢) ينظر: الأم للشافعي (٢/ ٢٧٣)، بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ٣٣٢)، المبسوط للسرخسي (٤/ ٣٤).
(٣) تقدم تعريف البحائر والسوائب في سورة الأنعام، الآية (١٣٨).
[ ١ / ٥٧٦ ]
شهادة الزّور الإشراك بالله» (^١) وتلا هذه الآية. وقيل: هو الكذب. وقيل: هو أعياد المشركين. وقيل: هو النفاق؛ لأن المنافق يقول بلسانه ما ليس في قلبه وهو كذب.
﴿حُنَفاءَ لِلّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾
﴿حُنَفاءَ لِلّهِ﴾ أي: مسلمين لله. وقيل: مخلصين. وقيل: حجاجا.
﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ﴾ أي: غير مرائين بأعمالكم. وقيل: هو نهي عما كانت العرب تقوله في التلبية، يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك.
قوله - ﷿: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ﴾ أي: فرائضه. وقيل: معالم دينه، فقيل: هي مناسك الحج، وهي البدن المشعرة، وتعظيمها: استحسانها واستسمانها. وقيل: هي دين الله كله، وتعظيمها: التزامها. ﴿مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ أي: من إخلاصها.
قوله - تعالى: ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إن أريد الهدى فالأجل النحر، وإن أريد الحجّ فالمراد التحلل. ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١٣٣ /أ) أي: محل ذبحها.
قوله - ﷿: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا﴾ والمنسك في كلام العرب: الموضع المعتاد، ومناسك الحج مواضع معتادة يتردد إليها الحاجّ. ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه الهدي، إذا قيل: المنسك الحج. والثاني: الأضاحي إذا قيل المنسك العيد.
_________________
(١) رواه أحمد (٣٢٢، ٢٣٣، ٤/ ١٧٨)، والترمذي رقم (٢٢٩٩) وقال: غريب. وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي رقم (٣٩٩).
[ ١ / ٥٧٧ ]
قوله - ﷿: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ قيل: المطمئنين. وقيل: المتواضعين.
وقيل: الخاشعين، والفرق بين الخشوع والتواضع أن الخشوع في الأبدان، والتواضع في الأخلاق. وقيل: المخلصين. وقيل: المجتهدين في العبادة. وقيل: هم الذين لا يظلمون، وإن ظلموا لم ينتصروا. ﴿وَالْبُدْنَ﴾ المشهور أنها الإبل. وقيل: الإبل والبقر وقيل: هي الإبل والبقر والغنم وهو شاذ، حكاه الماورديّ (^١) عن ابن شجرة (^٢).
وعن بعض المتصوفة أن البدن: تطهير بدنك من المعاصي، والشعائر: استشعار تقوى الله - تعالى - وطاعته (^٣). ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾ قيل: أجر. وقيل: منفعة، إن احتاج إلى ظهرها ركب أو إلى لبنها شرب.
قوله: ﴿صَوافَّ﴾ وهي قراءة الجمهور معناها: قائمة تصفّ بين أيديها بالقيود.
وقيل: معقولة. ومن قرأ (صوافي) أراد الصّفاء من الشّبه، ومن قرأ (صوافن) (^٤) فهي القائمة على ثلاثة من الخيل الصّافنات الجياد. قوله - تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْها﴾ أمر استحباب عند الجمهور، وقال ابن سلمة: هو للوجوب (^٥) ﴿الْقانِعَ﴾ السائل ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾ المتعرض
_________________
(١) ينظر: النكت والعيون للماوردي (٣/ ٨١).
(٢) هو الشيخ الإمام العلامة الحافظ القاضي أبو بكر أحمد بن كامل بن خلف بن شجرة البغدادي تلميذ ابن جرير الطبري، ولد سنة ستين ومائتين، كان من العلماء بالأحكام وعلوم القرآن والنحو والشعر والتواريخ وله في ذلك مصنفات ولي قضاء الكوفة. قال الدارقطني: كان متساهلا ربما حدث من حفظه بما ليس في كتابه وأهلكه العجب كان يختار لنفسه ولا يقلد أحدا. توفي ابن شجرة سنة خمسين وثلاثمائة وله تسعون سنة. تنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٥/ ٥٤٤ - ٥٤٥).
(٣) ذكره الماوردي في النكت والعيون للماوردي (٣/ ٨١).
(٤) قرأ الحسن والأعرج ومجاهد وزيد بن أسلم وأبو موسى الأشعري «صوافي»، وقرأ ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبو جعفر ومحمد بن على «صوافن». والصوافي: الخوالص لله، لا يشركون في التسمية على نحرها أحدا، والصوافن: جمع صافنة وهي التي قد رفعت إحدى يديها بالعقل؛ لئلا تضطرب. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٣٦٩)، تفسير القرطبي (١٢/ ٦١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ١٤٩ - ١٥٠)، فتح القدير للشوكانى (٣/ ٤٥٤)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٥٨)، المحتسب لابن جني (٢/ ٨١)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٢٦).
(٥) ينظر: الأم للشافعي (٢/ ٣٦٣)، بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ٣٨٨)، بداية المجتهد لابن رشد (١/ ٦٠٨)، المبسوط للسرخسي (٤/ ٢١)، المغني لابن قدامة (١١/ ١٠٩).
[ ١ / ٥٧٨ ]
الذي لا يسأل. وقيل: القانع الجالس في بيته لا يسأل، والمعترّ الذي يسأل.
﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧) إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾
قوله - ﷿: ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها﴾ أي: لن يصعد إليه لحومها ﴿وَلا دِماؤُها﴾ وكانوافي الجاهلية إذا نحروا الهدايا استقبلوا بدمائها الكعبة ولطخوا بدمائها الكعبة، فأراد المسلمون أن يفعلوا مثل ذلك فنهوا عنه.
قوله - ﷿: ﴿كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ﴾ أي: ذللناها لكم ﴿لِتُكَبِّرُوا اللهَ﴾ أي:
لتذكروا اسمه عند الذبح ﴿عَلى ما هَداكُمْ﴾ أي: أرشدكم إليه من حجكم ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: بالقبول. وقيل: بالجنة. قوله - ﷿: ﴿إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بنور السنة ظلمات البدعة. قوله - ﷿: (١٣٣ /ب) ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ يعني: المشركين بالمسلمين. وقيل: ولولا دفع الله - تعالى - عن الدين بالمجاهدين وقيل: ولولا دفع الله بشهادة الشهود عن الحدود. وقيل: ولولا دفع الله عن النفوس بالقصاص. وقيل: ولولا دفع الله المنكر بالمعروف. الصوامع للرهبان: وقيل: مصلى الصابئة، وسميت صومعة لانضمام طرفها والمنصمع: المنضم ﴿وَبِيَعٌ﴾ قيل: هي متعبد النصارى. وقيل: كنائس اليهود، والبيعة اسم أعجميّ عرّب. والصلوات كنائس اليهود، يسمونها صلوات. وقيل: وتركت صلوات المساجد للمسلمين، ومعنى الدفع أنه لولا دفع الله الكفار بالمجاهدين لاستولى الكفار على بلاد المسلمين وهدموا مساجدهم. وقيل: لهدّمت صوامع في أيام شريعة موسى، وبيع في أيام شريعة عيسى، ومساجد في أيام شريعة محمد ﷺ، ويكون المراد: لهدّم في كل شريعة الموضع الذي يعبد الله - تعالى - فيه.
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣)﴾ ﴿وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾
[ ١ / ٥٧٩ ]
﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠)﴾
البئر المعطلة: قيل: هي التي غار ماؤها. وقيل: هي الخالية من أهلها لهلاكهم.
وقيل: لعدم الرشاء والسّقاء (^١). المشيد: الحصين. وقيل: عالي البناء. وقيل: المشيد المجصص، وتقديره: وقصر مشيد معطل، وأصحاب القصور ملوك الحضر، وأصحاب الآبار ملوك البدو، أي: وأهلكنا هؤلاء وهؤلاء ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ فيه دليل على أن محل العقل هو القلب (^٢). ﴿يَسْمَعُونَ بِها﴾ أخبار الأمم المكذبين المهلكين. ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ﴾ أي عن الهدى. ﴿وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ﴾ عن الاهتداء. وقيل: لا تعمى الأبصار عن الاعتبار، ولكن القلوب عن الانزجار. وقيل: نزلت في ابن أم مكتوم الأعمى، وهو عبد الله بن زائدة (^٣).
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ أي: يستبطئون نزوله بهم استهزاء منهم. ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ﴾ أي: لن يؤخر عذابه عن وقته. قوله - ﷿: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ أي:
من الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض. وقيل: إن طول يوم من أيام الآخرة كطول ألف سنة (١٣٤ /أ) من أيام الدنيا. وقيل: إن التعذيب في يوم من أيام الآخرة كألف سنة من التعذيب في الدنيا، أي: في الشدّة.
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾ ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ﴾
_________________
(١) الرشاء: الحبل الذي يستخرج به الماء من البئر، والسقاء: ظرف الماء من الجلد ويجمع على أسقية. ينظر: النهاية في غريب الأثر لابن الأثير (٢/ ٣٨١).
(٢) وهو قول الجمهور، وقيل: محله الدماغ. وفي المسألة قول ثالث: أنه مشترك بينهما. قاله العيني في عمدة القاري (٢/ ١٤٤).
(٣) تقدمت ترجمته في تفسير سورة النساء، الآية (٩٥).
[ ١ / ٥٨٠ ]
﴿رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا﴾ أي: بتكذيب القرآن وعنادهم في الدين. قوله - ﷿:
﴿مُعاجِزِينَ﴾ أي: مثبطين لمن أراد اتباع النبي ﷺ ومن قرأ ﴿مُعاجِزِينَ﴾ (^١) أي: مشاقين.
وقيل: مسارعين. وقيل: معاندين.
قوله - ﷿: ﴿إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: إذا حدّث نفسه بشيء ألقى الشيطان في أمانيه. وقيل: ﴿إِذا تَمَنّى﴾ أي: قرأ ألقى الشيطان في قراءته، قال الشاعر [من الطويل]:
تمنّى كتاب الله أول ليلة وآخرها لاقى حمام المقادر (^٢)
وروي أن النبي ﷺ لما نزل عليه سورة ﴿وَالنَّجْمِ﴾ قرأها النبي ﷺ في المسجد، فلما انتهى إلى قوله: ﴿وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ (^٣) ألقى الشيطان على لسانه «تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى» حتى ختم وسجد، وسجد معه المسلمون والمشركون، ورفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى وجهه فسجد عليه، وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود، ورضي بذلك كفار قريش، فأنكر جبريل ﵇ على النبي ﷺ ما قرأه من الزيادة، وشقّ ذلك عليه، فأنزل الله - تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ (^٤) أي: يرفعه ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ﴾ أي: يثبتها، وما
_________________
(١) قرأ جمهور القراء «معاجزين»، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «معجزين». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٣٧٩)، حجة ابن خالويه (ص: ٢٥٤)، حجة أبي زرعة (ص: ٤٨٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ١٥٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٣٩)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٢٩)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٢٧).
(٢) البيت لكعب بن مالك يرثي عثمان بن عفان - ﵄ - ينظر في: تاج العروس للزبيدي (مني)، تفسير القرطبي (٢/ ٨)، الفائق للزمخشري (٣/ ٣٩٢)، العين للخليل (٨/ ٣٩٠)، فتح القدير للشوكاني (١/ ١٦٣)، الكشاف للزمخشري (١/ ١٥٧)، لسان العرب (مني).
(٣) سورة النجم، الآية (٢٠).
(٤) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٨٧)، والواحدي في أسباب النزول (٣١٩ رقم ٦٢٣)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٦٧)، ونسبه لابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية وغيره. -
[ ١ / ٥٨١ ]
قرأه النبي ﷺ كان على وجه السهو. وقيل: قرأه في نعاسه. وقيل: إن بعض المنافقين قرأه فتخيل الناس أنه من قراءة النبي ﷺ. وقيل: إنما قال: كالغرانيق العلى يعني: الملائكة، شبّههنّ بهن، وإن شفاعتهن لترتجى، أي: في اعتقادكم (^١).
قوله - ﷿: ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن المعنى في اللفظين سواء، وإنما جمع بينهما؛ لأن الأنبياء من البشر خاصة والرسل يكونون من الملائكة ومن الناس. وقيل: معناهما مختلف وأن الرسول أعلى منزلة
_________________
(١) = وكل طرقه مرسلة ومنقطعة. وهو حديث ضعيف ومنكر وباطل. ينظر نقده والكلام عليه في: كتاب الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير لمحمد محمد أبي شهبة (ص ٣١٤ - ٣٢٢)، نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق للشيخ الألباني - ط. المكتب الإسلامي - بيروت - ١٩٩٦ م.
(٢) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٨/ ٤٣٩ - ٤٤٠): «وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف وإلا منقطع لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيحين». ثم نقل الحافظ ابن حجر عن ابن العربي تضعيفه ورده للقصة وقال معقبا: «وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلا وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى؛ فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره لأنه يستحيل عليه ﷺ أن يزيد في القرآن عمدا ما ليس منه وكذا سهوا إذا كان مغايرا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته، وقد سلك العلماء في ذلك مسالك فقيل: جرى ذلك على لسانه حين أصابته سنة وهو لا يشعر فلما علم بذلك أحكم الله آياته وهذا أخرجه الطبري عن قتادة، ورده عياض بأنه لا يصح لكونه لا يجوز على النبي ﷺ ذلك ولا ولاية للشيطان عليه في النوم. وقيل: إن الشيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختياره ورده ابن العربي بقوله - تعالى - حكاية عن الشيطان وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ الآية قال فلو كان للشيطان قوة على ذلك لما بقي لأحد قوة في طاعة. وقيل: كان النبي ﷺ يرتل القرآن فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكيا نغمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله وأشاعها، قال: وهذا أحسن الوجوه ويؤيده ما تقدم في صدر الكلام عن ابن عباس من تفسير تمنى ب «تلا» وكذا استحسن ابن العربي هذا التأويل وقال قبله: إن هذه الآية نص في مذهبنا في براءة النبي ﷺ مما نسب إليه قال: ومعنى قوله في أمنيته أي في تلاوته فأخبر - تعالى - في هذه الآية أن سنته في رسله إذا قالوا قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه فهذا نص في أن الشيطان زاده في قول النبي ﷺ لا أن النبي ﷺ قاله. قال: وقد سبق إلى ذلك الطبري لجلالة قدره وسعة علمه وشدة ساعده في النظر فصوب على هذا المعنى وحوم عليه».
[ ١ / ٥٨٢ ]
من النبي فالرسول من أتاه الوحي (١٣٤ /ب) على لسان ملك، ولا يشترط في الملك ذلك، والنبي هو الذي يوحى إليه في منامه. وقيل: إن الرسول هو المبعوث إلى أمّة. وقيل:
الرسول هو المبتدئ بوضع الشرائع والأحكام. والنبي هو الذي يحفظ شريعة غيره.
﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٥٧) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (٦٦) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦٨) اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٧٠) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾
﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً﴾ قيل: محنة. وقيل: اختبارا ﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾
[ ١ / ٥٨٣ ]
﴿وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ والذين في قلوبهم مرض: المنافقون، و﴿وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ الكفار. ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ أي: في شكّ. ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ﴾ قيل: هي القيامة.
وقيل: ساعة موتهم. ﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ أي: يوم القيامة. وقيل: وقعة بدر، والعقيم قيل:
هو الشديد. وقيل: الذي لا مثل له ولا عديل لقتال الملائكة فيه. قوله ﷿: ﴿ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ﴾ قيل: نزلت في قوم من المشركين لقوا جماعة من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، فحملوا عليهم فناشدهم المسلمون الله ألا يقاتلونهم في الشهر الحرام فأبوا، فأظهر الله - تعالى - المؤمنين عليهم (^١). وقيل: مثّل المشركون بمن قتل في وقعة أحد من المسلمين ففعل بهم رسول الله ﷺ مثل ذلك (^٢).
قوله - ﷿: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ الحقّ هو الله - تعالى - وقيل: معناه أن الله ذو الحق. وقيل: معناه أن عبادته حق. ﴿وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ﴾ قيل: هو إبليس. وقيل: الأوثان. ﴿مَنْسَكًا﴾ أي: عيدا. وقيل: مواضع الحج والعمرة. وقيل: المذبح. وقيل: المنسك: المتعبّد في سائر أنواعه وأماكنه.
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾
قوله - ﷿: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ المراد به ما يأتي من سلب الذباب ما على الأصنام من الطيب. وقيل: ليس هاهنا مثل مضروب، ومعنى الكلام: أنهم ضربوا لله
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٩٥)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٧١) لابن أبي حاتم.
(٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون (٣/ ٨٨).
[ ١ / ٥٨٤ ]
مثلا في عبادة غيره، قاله الأخفش (^١) وهو بعيد؛ لقوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ قيل: هم الأصنام. وقيل: هم كبراؤهم، وهم الذين أطاعتهم السفلة في التكذيب. وقيل: الشياطين الموسوسون بالضلال. وإنما خص الذباب بالذكر لحقارته واستقذاره، وأنه إذا ذبّ آب (١٣٥ /أ) فإذا كان بهذه المثابة في الحقارة ولم يقدر كبراؤهم على استنقاذ ما أخذه الذباب منهم، فكيف تعبدون غير الله؟! ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ قيل: الطالب: الآلهة، والمطلوب: ما استنقذه الذباب. وقيل: الطالب: هو الذي استنقذ منه الذباب والمطلوب: هو المسلوب. قوله - ﷿: ﴿ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عظموه حق عظمته. وقيل: ما عرفوه حقّ معرفته.
﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: من أمر الآخرة ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ أي: من أمر الدنيا.
وقيل: ﴿ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمور السماء ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ من أمور الأرض.
﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ أي: اعملوا لله - تعالى - حق عمله. وقيل: أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر.
وقوله: ﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ كقوله - تعالى: ﴿اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ (^٢).
قيل: نسخت بقوله - تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (^٣) وقيل: هي محكمة، والمراد فيما استطاعوا. ﴿اِجْتَباكُمْ﴾ اختاركم لدينه ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: من ضيق. جاء في الحديث:
«بعثت بالحنيفيّة السمحة» (^٤) فوسع أمر المعاصي بالتوبة، وأمر الأيمان بالكفارة. وقيل: هو
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن للأخفش (٢/ ٦٣٧) وعبارته: «فإن قيل: فأين المثل؟ قلت: ليس هاهنا مثل؛ لأنه - ﵎ - قال: ضرب لي مثل فجعل مثلا عندهم لي فاستمعوا لهذا المثل الذي جعلوه مثلي في قولهم، واتخاذهم الآلهة، وإنهم لن يقدروا على خلق ذبابة ولو اجتمعوا له، وهم أضعف لو سلبهم الذباب شيئا فاجتمعوا جميعا ليستنقذوه منه لم يقدروا على ذلك، فكيف تضرب هذه الآلهة مثلا لربها وهو رب كل شيء، الواحد الذي ليس كمثله شيء وهو مع كل شيء، وأقرب من كل شيء، وليس له شبيه ولا مثل ولا كفء وهو العلي العظيم الواحد الرب الذي لم يزل ولا يزال».
(٢) سورة آل عمران، الآية (١٠٢).
(٣) سورة التغابن، الآية (١٦).
(٤) رواه أحمد في المسند (٥/ ٢٦٦)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٩) من حديث أبي أمامة ولفظه: «إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة والذي نفسي بيده -
[ ١ / ٥٨٥ ]
قصر الصلاة والفطر في الصوم في السفر، والصحيح العموم في جميع ذلك. قوله - تعالى:
﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ﴾ أي: وسّع عليكم في الدين كما وسّع على أبيكم إبراهيم في الدين.
وقيل: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ كفعل أبيكم إبراهيم. وقيل: إن دين إبراهيم لازم لأمة محمد ﷺ وداخلة في دينه قوله - تعالى: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل نزول القرآن.
﴿وَفِي هذا﴾ أي: وفي هذا القرآن يشير به إلى قوله: ﴿رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ (^١).
قوله - ﷿: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ أي: في إبلاغ الرسالة ﴿وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ بأنكم بلغتم إليهم ما بلغتكم الرسل. وقيل: ليكون الرسول شهيدا عليكم بأعمالكم، وتكونوا شهداء على الناس بأن الرسل قد بلغوا إليهم ما بلغتهم من الرسالة.
قوله - ﷿: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ﴾ أي: امتنعوا بالله. وقيل: تمسكوا بدين الله - تعالى.
﴿هُوَ مَوْلاكُمْ﴾ (١٣٥ /ب) أي: مالككم. وقيل: متولي أموركم.
قوله - ﷿: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلى﴾ حين لم يمنعكم الرزق بالمعاصي. ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ حين أعانكم لمّا أطعتموه، والله أعلم بالصواب.
***
_________________
(١) = لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة». وقال: رواه أحمد والطبراني، وفيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف. لكن صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤). وله طريق آخر عن جابر ضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته رقم (٢٣٣٦).
(٢) سورة البقرة، الآية (١٢٨).
[ ١ / ٥٨٦ ]