﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١) اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾
قوله: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ﴾ مبتدأ ﴿الْحَقُّ﴾ خبره (٩٠ /أ) ﴿تَرَوْنَها﴾ جملة مستأنفة.
وقيل: في موضع الوصف ل ﴿عَمَدٍ﴾ أي: بغير عمد مرئية، وقالوا: تلك العمد هي قدرة الله - ﷿ - لأن تمام الأعمال القدرة؛ كما أن تمام ما فوق العمد بالعمد.
﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يوم القيامة. ﴿الْأَمْرَ﴾ جنس، وهو أبلغ من صيغة الجمع؛ لأن استرسال اسم الجنس على ما تحته لا يشذ منه شيء، وفي صيغة الجموع اضطراب؛ لأنها تأتي مستغرقة وغير مستغرقة، وإذنه للشافع أن يشفع، أو إذنه للمشفوع فيه أن يشفع فيه.
﴿مَدَّ الْأَرْضَ﴾ دحاها وبسطها ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ ثابتات، ويقال: مثبتات، وهو بعيد من حيث اللفظ حسن من حيث المعنى. والوقف عند قوله: ﴿وَأَنْهارًا﴾ (^١) ﴿زَوْجَيْنِ﴾ صنفين من الطعوم والألوان وغيرها. ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ ويغشي النهار الليل؛ فاكتفى بأحدهما؛ كقوله: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (^٢).
قرئ ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾ بالجر (^٣)، وهو مشكل؛ لأن الجنة لا تكون من الزرع، وعند
_________________
(١) ينظر: منار الهدى في بيان الوقف والابتدا للأشموني (ص: ٢٠٠).
(٢) سورة النحل، الآية (٨١).
(٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم «وزرع ونخيل» بالرفع، وقرأ باقي العشرة «وزرع ونخيل» بالجر. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٣٦٣)، حجة ابن خالويه (ص: ١٩٩ - ٢٠٠)، حجة أبي زرعة (ص: ٣٦٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٢٢٥)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٥٦)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٣٤٩)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٩٧).
[ ١ / ٤١٧ ]
الزمخشري والأخفش الجنة لا تكون إلا من النخل (^١) وأنشد قول زهير [من البسيط]:
تسقي جنّة سحقا (^٢)
أي: نخيلا طوالا، ويرد عليه قوله - تعالى: ﴿جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ (^٣).
وكذلك قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ﴾ (^٤).
الصنوان: هما الفرعان الناتئان من أصل واحد، كنخلتين من نواة. وتثنية الصنو صنوان؛ وكذلك جمعه، إلا أن إعرابه مجموعا بالحركات على النون، وإعرابه مثنى بالألف في الرفع، والياء في النصب والجر، ومثله: قنوان في التثنية والجمع.
وإعراب ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ﴾ هو مثل ضربه الله - تعالى - للقرآن نزل على قوم قلوبهم مختلفة، فيثمر في قلوب أهل الخير المعارف الإلهية، وينبت في قلوب أهل الزيغ التكذيب والعناد والافتراء؛ كما أن الماء الواحد يسقي رطبا جنّيا وحنظلا مرّا، والأكل: الشيء المأكول.
﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنّا تُرابًا أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٥)﴾
﴿وَإِنْ تَعْجَبْ﴾ من شيء فقولهم: ﴿أَإِذا كُنّا تُرابًا أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ مما ينبغي أن يتعجب منه الناظرون فيه، والتعجب على الله محال؛ لأنه رؤية ما خفي سببه، والله
_________________
(١) ينظر: الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٢٧، ١/ ١٠٥).
(٢) هذا عجز بيت لزهير في أبيات يتحسر فيها على فراق محبوبته وصدره: كأنّ عينيّ في غربي مقتّلة من النواضح ينظر في: تاج العروس (قتل)، تفسير القرطبي (١٣/ ١١٧) الكشاف للزمخشري (١/ ١٠٥)، لسان العرب (سحق) والمعنى: كأن عيني من شدة البكاء وكثرة الدموع عينان في دلوين عظيمين ممتلئتين ماء، تحملهما ناقة مقتلة مذللة معتادة على العمل من الإبل النواضح التي يستقى عليها، تسقي تلك الناقة جنة سحقا، أي: نخلا طوالا جهة السماء أو بعيدة عن محل الماء فهي دائمة ذاهبة آيبة.
(٣) سورة الكهف، الآية (٣٢).
(٤) سورة البقرة، الآية (٢٦٦).
[ ١ / ٤١٨ ]
- تعالى - لا يخفى عليه شيء في السماوات ولا في الأرض (^١)، وقد جاء نسبته إلى الله مجازا في قراءة حمزة (^٢) ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ (^٣) بضم التاء (٩٠ /ب) وفي قوله: ﴿فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ﴾ (^٤). ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ (^٥) التقدير: حلوا محل من يتعجب؛ كقوله:
_________________
(١) مذهب أهل الحق من السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان من الخلف في مثل هذه الصفات التي أخبر الله - تعالى - بها عن نفسه، أو أخبر عنها رسوله ﷺ: إمرار هذه الصفات كما أتت من غير تكييف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل، فهو - سبحانه - ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وقد ورد في أكثر من حديث في صحاح كتب السنة إثبات صفة العجب لله - تعالى - ومنها: ما رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٠١٤٠)، وأبو داود رقم (٢٦٧٧) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل". وروى أحمد في المسند (٤/ ١٥٨) وأبو داود رقم (١٢٠٣)، وابن حبان رقم (١٦٦٠) عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: "يعجب ربك من راعي غنم في رأس الشظية للجبل، يؤذن للصلاة ويصلي فيقول الله: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة". كما روى أحمد أيضا في مسنده (١/ ٤١٦)، وأبو داود رقم (٢٥٣٦)، وابن حبان رقم (٢٥٥٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١١٢) عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "عجب ربنا من رجلين؛ رجل ثار من وطأته ولحافه من بين حبه وأهله إلى الصلاة، فيقول الله - جل وعلا: انظروا إلى عبدي ثار من فراشه ووطأته من بين حبه وأهله إلى صلاته؛ رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله فانهزم الناس وعلم ما عليه في الانهزام، وماله في الرجوع، فرجع حتى أهريق دمه، فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي رجع رجاء فيما عندي وشفقة مما عندي حتى أهريق دمه". وهناك أحاديث كثيرة في هذا الباب، والصواب - وهو مذهب السلف الصالح وما عليه أئمة المسلمين -: الإيمان بهذه الصفات وإثباتها لله - تعالى - على مراد الله - تعالى - ونسأل الله - تعالى - أن يهدينا والمسلمين إلى الفهم الصحيح والعقيدة النقية الصافية.
(٢) هو حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الإمام القدوة شيخ القراء أبو عمارة التيمي الكوفي الزيات، كان إماما قيما لكتاب الله قانتا لله كثير الورع رفيع الذكر عالما بالحديث والفرائض. توفي سنة ست وخمسين ومائة، وكان من الأئمة العاملين. تنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء للذهبي (٧/ ٩٠ - ٩٢).
(٣) سورة الصافات، الآية (١٢) وهذه قراءة حمزة والكسائي وخلف، وقرأ باقي العشرة بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٥٤)، حجة ابن خالويه (ص: ٣٠١)، حجة أبي زرعة (ص: ٦٠٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٩٧)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٤٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٣٧)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٥٦).
(٤) سورة البقرة، الآية (١٧٥).
(٥) سورة عبس، الآية (١٧).
[ ١ / ٤١٩ ]
﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ﴾ (^١) أي: حلوا محل من يتحسر عليه.
﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا *﴾ يجوز إثبات الاستفهام في الشرط والجزاء، ويجوز حذفه منهما، ويجوز إثباته في الشرط دون الجزاء وفي الجزاء دون الشرط، وجاء في قوله:
﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ﴾ (^٢) ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ﴾ (^٣) إثباته في الشرط، وقرئ في هذه الآية بالوجوه الأربع (^٤).
لما كان وعد الآخرة ثابتا محققا أخبر عنه بالشيء الثابت؛ كقوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (^٥) وقال هاهنا: ﴿وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾.
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (٧) اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩) سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠)﴾
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ بالعقوبة استهزاء بها ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ جمع مثلة، وهي وقائع الله بالأمم الماضية وعلمهم بذلك لمرورهم على بلاد المهلكين ينبغي أن يكون حاملا لهم على طلب الحسنة والاستغفار من السيئة ﴿عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ جملة في موضع الحال، واحتج به ابن الخطيب (^٦) على أن الله تعالى يجوز أن يعفو عن أصحاب الكبائر من غير توبة؛
_________________
(١) سورة يس، الآية (٣٠).
(٢) سورة الأنبياء، الآية (٣٤).
(٣) سورة آل عمران، الآية (١٤٤).
(٤) قرأ نافع والكسائي ويعقوب «أئذا كنا ترابا إنا»، وقرأ ابن عامر وأبو جعفر «إذا كنا ترابا أئنا»، وقرأ باقي العشرة «أئذا كنا ترابا أئنا». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٣٦٦)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٣٧١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٢٢٧)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٥٧)، مجمع البيان للطبرسي (٦/ ٢٧٧)، النشر لابن الجزري (٣٧٤، ٣٦٤، ١/ ٣٦٢).
(٥) سورة الانفطار، الآية (١٣).
(٦) ينظر: مفاتيح الغيب للفخر الرازي (١٩/ ١١).
[ ١ / ٤٢٠ ]
توبة؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ (^١) ومن كان مصرا على الكبيرة فهو ظالم لنفسه، وقد ذكر في هذه الآية أنه يغفر لهم مع أنهم ظالمون، وقد أجرى الله عادته بأن يقرن في كتابه الوعد بالوعيد، وذكر الجنة بذكر النار؛ ليكون العبد على خوف ورجاء.
﴿لَوْلا﴾ بمعنى هلا ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ قيل: هي جملة مستأنفة؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ (^٢) وقيل: ﴿هادٍ﴾ خبر ثان لقوله: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ أي: وهاد لكل قوم. قيل: ﴿وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ﴾ ما تلقيه سقطا. وقيل: الغيض والزيادة راجعان إلى كثرة دم الحيض وقلته. والكبير المتعالى متقاربان في المعنى؛ لأن الكبر والعلو اللذين توصف بهما الأجسام مستحيلان على الله - ﷿ (^٣) ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ﴾ تقديره:
ومن هو سارب بالنهار. ويجوز إضمار الموصول؛ كما قال حسان بن ثابت [من الوافر]:
فمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء (^٤)
لأن المستخفي بالليل لا يكون ساربا بالنهار، والسارب مأخوذ من السرب وهو الطريق. (٩١ /أ)، ومنه قوله ﷺ: "من أصبح معافى في بدنه، آمنا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها" (^٥).
_________________
(١) سورة النساء، الآية (٤٨).
(٢) سورة النحل، الآية (٣٦).
(٣) تقدم الكلام غير مرة أن عقيدة السلف الصالح من أهل السنة والجماعة هي إمرار آيات الصفات الواردة في القرآن الكريم، وكذلك ما صح من أحاديث النبي ﷺ على ظاهرها من غير تمثيل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تكييف، ونؤمن بها على ظاهرها في إطار قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
(٤) ينظر البيت في: تذكرة النحاة (ص: ٧٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٤٥)، الدرر اللوامع (١/ ٢٩٦)، ديوان حسان (ص: ٧٦)، المغني لابن هشام (٢/ ٣٥٥)، همع الهوامع للسيوطي (١/ ٨٨).
(٥) رواه الترمذي رقم (٢٣٤٦)، وابن ماجه رقم (٤١٤١)، وابن حبان رقم (٦٧١)، من حديث أبي الدرداء.
[ ١ / ٤٢١ ]
﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (١١) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ (١٤) وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ (١٦)﴾
﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ﴾ ملائكة يتعاقبون في الليل والنهار وأولئك ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ وهي صفة للمعقبات. ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ مفعولان من أجلهما، والقياس فيه أن يكون فعل فاعل الفعل المعلل، والخوف والطمع ليسا من فعل الله؛ فقدر بقوله: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ فتخافون وتطمعون.
﴿السَّحابَ﴾ اسم جنس وليس بجمع، وقد وصفه بالجمع؛ فهو كقوله تعالى:
﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ (^١) وكذلك قوله تعالى: ﴿عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ﴾ (^٢) على قراءة الجر. والرعد ملك، وهو المسبّح لا الصوت، ويسمّى صوته رعدا لأن نسبة الأعراض إلى الأعراض محال. ﴿يُجادِلُونَ فِي اللهِ﴾ أي: في وحدانيته ﴿شَدِيدُ الْمِحالِ﴾ أي: المماكرة. ﴿إِلاّ كَباسِطِ﴾ إلا كاستجابة باسط ﴿كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ﴾ فلا يصل إليه الماء ببسط كفه، كذلك لا يحصل لداعي الأصنام شيء مما يطلب.
سجود الكره: تفيّؤ الظلال كما يسجد الجبل والشجر يتفيأ ظلالهما وإن لم يريدا ذلك.
﴿وَالْآصالِ﴾ جمع أصيل، وهو ما بين المغرب والعشاء.
_________________
(١) سورة الرحمن، الآية (٧٦).
(٢) سورة الإنسان، الآية (٢١) وقرأ نافع وحفص عن عاصم «خضر»، وقرأ ابن كثير وشعبة عن عاصم «خضر». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٣٩٩)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٧٤٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٤٤٨ - ٤٤٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٦٦٤)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٦٧٣)، معاني القرآن للفراء (٣/ ٢١٩)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٩٦).
[ ١ / ٤٢٢ ]
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومتى كان الجواب معلوما عند السامع ساغ للمتكلم أن يجيب عن السامع.
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ (١٧) لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨) أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ (٢٢) جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣)﴾
ضرب الله مثلين للإيمان والكفر، أحدهما: إنزاله الماء من السماء، وهو مثل للقرآن والوحي، فحملت أودية منه بقدرها، فمنها ما حمل الكثير لسعته، ومنها ما حمل القليل لضيقه ﴿فَاحْتَمَلَ﴾ ذلك ﴿السَّيْلُ زَبَدًا﴾ يعلو الماء، ثم إن الزبد يتعلق بأطراف الوادي وبالأشجار والعيدان فيضمحل. والزبد مثل الشبهات فيصفو الماء عن الزبد ويحصل به النفع. والمثل الثاني: ضرب مثلا بما يسبك من النحاس والرصاص، فإنه يخرج منه زبد يعلو على وجهه ثم يصفو ذلك الجوهر المسبوك ويحصل به النفع، فالجوهر من النحاس والرصاص مثل الوحي الحق، والزبد مثل للباطل، فمزج أحد المثلين بالآخر. ﴿جُفاءً﴾ يقال: أجفأت القدر إذا رمت بخبثها. والوقف عند قوله: ﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ﴾ (^١) و﴿الْحُسْنى﴾ الجنة.
﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ لسألوا الفدية؛ لقوله في آية أخرى: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ (^٢) (٩١ /ب) و﴿سُوءُ الْحِسابِ﴾ المناقشة على الصغيرة والكبيرة ﴿وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ بئس ما مهدوا ﴿لِأَنْفُسِهِمْ﴾.
_________________
(١) ينظر: منار الهدى في بيان الوقف والابتدا للأشموني (ص: ٢٠١).
(٢) سورة المائدة، الآية (٣٦).
[ ١ / ٤٢٣ ]
أكثر ما يأتي لفظ الحق بالألف واللام في صفات الله - ﷿ - وفي الحديث في دعاء النبي ﷺ: "اللهم أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق" (^١) فجعل الجنة والنار والأنبياء بغير ألف ولام، وأدخلها في ذاته سبحانه وقوله؛ لأنهما صفتا ذات.
الميثاق: ما وثق بالأيمان المؤكدة ﴿يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ يريد: صلة الأرحام.
وقيل: هو أن يصدق بجميع الأنبياء، ويصل تصديق هذا بتصديق هذا، ولا يفرق بين أحد من رسله ﴿وَيَخْشَوْنَ﴾ عذاب ﴿رَبَّهُمْ﴾ ﴿سُوءَ الْحِسابِ﴾ هو المناقشة.
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ ولم يكونوا كما قال الشاعر [من الكامل]:
وتجلّدي للشامتين أريهم أني لصرف الدهر لا أتضعضع (^٢)
﴿وَيَدْرَؤُنَ﴾ يدفعون ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ﴾ الحسنة ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بدل من ﴿عُقْبَى الدّارِ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ نكرة؛ لأنها من باب إضافة الشيء إلى صفته، والتقدير: جنات إقامة ﴿مِنْ كُلِّ بابٍ﴾.
﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ (٢٤) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ (٢٥) اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ مَتاعٌ (٢٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩) كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (٣٠) وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٣١)﴾
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٦٣١٧)، ومسلم رقم (٧٦٩) عن ابن عباس - ﵄.
(٢) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، ينظر في: العين للخليل (١/ ٧٢)، غريب الحديث للحربي (٣/ ٩٢٨)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٥٢٥)، لسان العرب (ضعع)، معجم البلدان لياقوت (٥/ ١٣٣).
[ ١ / ٤٢٤ ]
قائلين: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ في موضع مصدر تقديره: قائلين هذا القول. وقوله: ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ أي: هذه المجازاة بالجنة بسبب صبركم.
﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أي: عليهم ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: ويضيق ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا﴾ فرح بطر وأشر. ﴿إِلاّ مَتاعٌ﴾ يتمتع به ثم يذهب، كأثاث البيت. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ﴾ هلا أنزل ﴿عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ نقترحها لنؤمن فقل لهم: إيمانكم بتقدير ظهور الآية المقترحة غيب، والله تعالى يقلب القلوب كيف يشاء، فإن شاء صرفكم عن الإيمان بعد نزول الآية. وإن شاء هداكم قبل نزولها، ونظيره ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ إلى قوله: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ (^١).
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بدل ﴿مَنْ أَنابَ﴾ ﴿أَلا بِذِكْرِ﴾ وعد ﴿اللهِ﴾ وثوابه ﴿تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
﴿طُوبى لَهُمْ﴾ قيل: هي شجرة في الجنة، يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها (^٢).
وقيل: أصلها طيبى من الطيب.
﴿كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ﴾ (٩٢ /أ) ولم يكن بدعا من الرسل. وكانوا ينكرون اسم الرحمن ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ﴾ (^٣).
وقيل: ليس المراد إنكار اسم الرحمن، بل المراد أنهم يكفرون بالله، وقدم المجرور في ﴿إِلَيْهِ﴾ و﴿عَلَيْهِ﴾ للاختصاص. وجواب ﴿وَلَوْ﴾ في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ﴾ محذوف التقدير: لما آمنوا إلا أن يشاء الله، ويدل عليه قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ﴾ والآيات المذكورة في القرآن توضح هذا المعنى. وقيل: تقديره:
لكان هذا القرآن.
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية (١٠٩ - ١١١).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ١٤٨) بهذا السياق عن وهب، ورواه البخاري رقم (٣٠٧٩) عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها" بدون ذكر طوبى.
(٣) سورة الفرقان، الآية (٦٠).
[ ١ / ٤٢٥ ]
﴿قارِعَةٌ﴾ عقوبة تقرعهم، كالقتل يوم بدر.
﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ﴾ سرايا رسول الله ﷺ.
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٣٢) أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ (٣٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ (٣٥) وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (٣٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (٣٨)﴾
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ تسلية للنبي ﷺ وتهديد للكفار المستهزئين، وأكثر ما يجيء الأخذ في القرآن للعقوبة ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً﴾ (^١) ﴿فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً﴾ (^٢) ﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ (^٣) و﴿كانَ﴾ تامة و﴿عِقابِ﴾ فاعل، ويجوز أن تكون ناقصة دخلت على ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ و﴿عِقابِ﴾ اسم كان، و﴿فَكَيْفَ﴾ الخبر، وجب تقديمه لكونه استفهاما. ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ كمن ليس كذلك ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أي: عينوهم حتى يتبين أنهم لا يصلحون للإلهية. قرئ (وصدوا، وصدّوا، وصدوا) (^٤) ومثله في غافر ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ (^٥) (وصدّ وصدّ وصدّ).
_________________
(١) سورة الحاقة، الآية (١٠).
(٢) سورة الأعراف، الآية (٩٥).
(٣) سورة القصص، الآية (٤٠).
(٤) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمروة ابن عامر وأبو جعفر "وصّدّوا"، وقرأ باقي العشرة "وصدّوا" وقرأ ابن وثاب "وصدّوا" بالكسر. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٣٩٥)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٠١)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٣٧٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٢٤٥)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٥٩)، الكشاف للزمخشري (ص: ٢/ ٥٣٢)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٩٨).
(٥) سورة غافر، الآية (٣٧) وفيها القراءات التي في الرعد، وينظر: الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٤٣).
[ ١ / ٤٢٦ ]
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ صفتها العجيبة الشأن ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ هو كقولك: صفة زيد يعطي المائة من الإبل ويكرم الضيف ﴿أُكُلُها﴾ ثمرتها لا مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان. ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ كعبد الله بن سلام وأمثاله وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَحْزابِ﴾ الذين كذبوا رسول الله ﷺ أي: وكما أرسلنا الأنبياء قبلك أنزلنا إليهم الكتب والصحف، كذلك أنزلنا القرآن حكما عربيّا.
سمى أديانهم أهواء؛ لأنهم كانوا يعبدون صنما فإذا رأوا غيره أحسن منه عبدوه، وكانوا يقولون: إن النبي ﷺ كثير التزويج، وليس له همّ إلا في النساء، فأنزل الله - تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلا وكانوا يقترحون عليه نزول آيات، فأنزل عليه ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ (^١) في اللوح المحفوظ.
﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩) وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ (٤٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣)﴾
﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ﴾ مما نسخ تلاوته ﴿وَيُثْبِتُ﴾ ما لم ينسخه. وقيل: يمحو السيئات بالحسنات ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ (^٢) ﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ (^٣) وقيل: يمحو الصغائر باجتنابها، ويمحو الكبائر بالتوبة، ولا حاجة إلى هذا؛ لقوله - تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ (^٤) والأمر متعلق بالمشيئة وكذلك في هذه الآية ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ﴾ ولم يعلقه بتوبة ولا باجتناب كبيرة.
﴿أُمُّ الْكِتابِ﴾ اللوح المحفوظ، كتب فيه كل ما هو كائن إلى يوم القيامة، وهو أم الكتاب ﴿وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ فترى ما يسرّك من عقوبتهم ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ١٦٩) بنحوه، وذكره الماوردي في النكت والعيون (٢/ ٣٣٤)، والزمخشري في الكشاف (٢/ ٥٣٤) قريبا من ذلك.
(٢) سورة هود، الآية (١١٤).
(٣) سورة الرعد، الآية (٢٢).
(٤) سورة النساء، الآية (١١٦).
[ ١ / ٤٢٧ ]
ذلك فلا يعجزوننا ولا يفوتوننا، وليس عليك إلا البلاغ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات.
﴿نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها﴾ قيل: هو ما يفتحه الله من بلاد الكفار فتنقص بلادهم ويزداد في بلاد الإسلام، ويدل عليه في سورة الأنبياء بعد مثل هذه الآية ﴿أَفَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ (^١) وهذا بعيد لأن النبي ﷺ كان عند نزول هذه السورة المكية لم يفتح عليه شيء من بلاد الكفار.
وقيل: يموت علماؤها وهو بعيد، فأيّ عالم تنقص الأرض بموته مع حياة رسول الله؟! وقيل: هو نقص الثمرات بسبب الظلم ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ﴾ (^٢) ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ يتبعه بالنقض.
﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ أي: يأتي وقت حسابه سريعا ﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ (^٣) ﴿لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ﴾ الجنة ﴿كَفى بِاللهِ﴾ كفى الله.
﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ جبريل. وقيل: مؤمنو أهل الكتاب، وقرئ ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (^٤).
***
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية (٤٤).
(٢) سورة الروم، الآية (٤١).
(٣) سورة النحل، الآية (٧٧).
(٤) قرأ بها علي وابن السميقع والحسن وابن عباس ومجاهد وابن جبير. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٤٠٢)، تفسير القرطبي (٩/ ٣٣٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٢٤٨)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٢٩٢)، المحتسب لابن جني (١/ ٣٥٨)، مفاتيح الغيب للرازي (١٩/ ٧٠).
[ ١ / ٤٢٨ ]