﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفّارٌ (٣)﴾
قرئ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ﴾ بالرفع على أنه مبتدأ أخبر عنه بالظرف، أو خبر مبتدأ محذوف، والجار صلة ل "تنزيل" كما تقول: نزل من عند الله، أو غير صلة؛ كقولك: هذا الكتاب من فلان إلى فلان، وهو - على هذا - خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره. هذا تنزيل الكتاب، هذا من الله. أو حال من التنزيل؛ عمل فيها معنى الإشارة وبالنصب على إضمار فعل؛ نحو: اقرأ أو الزم (^١). والمراد بالكتاب - على الأول - القرآن، وعلى الثاني: السور. ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ مخلصا من الشرك والرياء، وبصفته السرد، وقرئ: "الدين" بالرفع (^٢) وحق من قرأه أن يفتح اللام من "مخلصا"؛ كقوله:
﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ﴾ (^٣). والخالص والمخلص بمعنى واحد، إلا أن يصف الدين بصفة صاحبه.
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ يجوز أن يكون للمتخذين بكسر الخاء، وهم الكفرة، وللمتخذين - بفتح الخاء - وهم الملائكة وعيسى وعزير، والضمير في "اتخذوا" على الأول راجع إلى "الذين" تقديره: والذين اتخذهم المشركون أولياء، و﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ مرفوع على الابتداء، وأما الخبر - فعلى الثاني -: ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ﴾ وعلى الأول يجوز أن يكون ﴿إِنَّ اللهَ﴾
_________________
(١) قرأ بالنصب ابن أبي عبلة وزيد بن علي وعيسى بن عمر، وقراءة العامة بالرفع. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤١٤)، تفسير القرطبي (١٥/ ٢٣٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٤)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٨٥)، مختصر الشواذ لابن خالويه (ص: ١٣١).
(٢) قرأ جمهور القراء "الدين" بالفتح، وقرا ابن أبي عبلة "الدين" بالرفع. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤١٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٤)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٤٤٨)، الكشاف للزمخشري (٤٣/ ٣٨٥).
(٣) سورة النساء، الآية (١٤٦).
[ ٢ / ٢٣١ ]
﴿يَحْكُمُ﴾ أو ما أضمر من القول قبل هذه الجملة "يقولون" ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾ الآية.
فإن قلت: فإذا كان ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ﴾ خبرا، فما موضع ﴿يَقُولُونَ﴾ المضمر؟
قلت: يجوز أن يكون حالا؟ أي: قائلين ذلك، وأن يكون بدلا من الصلة؛ فلا يكون له محل؛ كما أن المبدل منه كذلك، والضمير في قوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ لهم ولأوليائهم والمعنى: أنهم كانوا يعبدون الأصنام ويرجون شفاعتها، وأنها تقربهم إلى الله وتلك الآلهة تسحب في نار جهنم وتعذب بالنار؛ إرغاما لمن عبدها، وأنهم أيضا مختلفون في (٢٢٩ /أ) الإعادة؛ فقوم يقولون: إنها روحانية وجسمانية، وقوم يقولون: إنها روحانية لا غير.
وقيل: يحكم بينهم وبين المؤمنين والكافرين ويجرى على كل واحد ما صح جراية القلم عليه.
﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ (٤) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾
﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ لم يتصور ذلك لاستحالته في نفسه، وليس إلى ذلك طريق إلا أن يصطفي من مخلوقاته ما يشاء، وقد فعل ذلك بالملائكة فأقسم به، وغركم ذلك فادعيتموهن بنات له سبحانه. ﴿هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ كل موجود فهو مخلوق له. ﴿أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^١) لو كان له صاحبة لكانت من جنسه، وهكذا التناسل في الحيوانات كلها؛ الذكر والأنثى من جنس واحد. ﴿الْقَهّارُ﴾ الغالب لكل شيء؛ فيقهر آلهتهم، والمقهور لا يكون إلها. ثم دل بخلق السماوات والأرض، وتكوير كل واحد من المكورين على الآخر، وتسخير النيرين، وجريهما لأجل مسمى، وبث الناس على كثرة عددهم من نفس واحدة، وخلق الأنعام، وكل هذه المخلوقات دليل على أنه لا يشارك في خلق شيء منها قهار لا يغالب. والتكوير: اللف واللي؛ يقال: كار العمامة على رأسه وكورها، وفيه وجوه: أحدها: أن الليل والنهار
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية (١٠١).
[ ٢ / ٢٣٢ ]
يخلف بعضهم بعضا؛ يذهب هذا ويجيء هذا، وإذا غشي مكانه فكأنما ألبسه، ولف عليه كما يلف اللباس على اللابس؛ قال الشاعر [من البسيط]:
ليّ الملاء بأبواب التّفاريج (^١)
ومنها: أن كل واحد منها يغيب الآخر إذا طرأ عليه؛ فيشبه بالشيء الذي يلف عليه شيء آخر. ومنها: أن كل واحد منهما يكور على الآخر تكويرا دائما، فأشبه تكوير العمامة على الرأس. أو لأنه يؤخر عذابهم؛ فسمي تأخير العذاب مغفرة مجازا، وهو يوم القيامة أو إلى قضاء أجل كل واحد. فإن قلت: ما وجه دخول "ثم" في قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها؟﴾ قلت: هما آيتان عظيمتان دالتا على قدرته ووحدانيته، وشعب هذا الخلق الكثير الذي لا يحصر من رجل واحد، ثم خلق الزوجة من الرجل، وجعلها من جنسه ليكون الأنس أتم، وخلق حواء من قصيراه (^٢) إلا أن الأول منهما أجرى الله ﷿ فيهما العادة والتوالد بالتناسل. وأما خلق الأنثى من ضلع الرجل فلم تتكرر به عادة، فكانت أتم وأقوى في كونها آية؛ فعظمها ب "ثم" للدلالة على أنها أتم في كونها آية؛ فهو من التراخي في الرتب. وقيل: التقدير: خلقكم من نفس وجدت ثم شفعها الله تعالى بزوج.
وقيل: أخرج ذرية آدم من ظهره كالذر، ثم خلق بعد ذلك حواء.
﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ﴾ (٢٢٩ /ب) أي: قضى لكم وقدر؛ لأن قضاياه وقسمه موصوفة بالنزول من السماء، وحيث كتب في اللوح المحفوظ كل كائن إلى يوم القيامة.
وقيل: لا يعيش الحيوان إلا بالنبات، والنبات إلا بالماء؛ فأنزل ما به قوام الحيوان، وقيل:
خلقها في الجنة ثم أنزلها. ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ أصناف، ذكر وأنثى من الإبل والبقر والضأن والمعز. والزوج: اسم لواحد معه آخر فإذا انفرد فهو وتر؛ قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ (^٣) ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ حيوانا سويا، من بعد عظام مكسوة لحما، من بعد عظام عارية، من بعد مضغ، من بعد علق، من بعد نطف.
_________________
(١) هذا عجز بيت لذي الرمة يصف السراب، وصدره: تلوي الثنايا بأحقيها حواشيه ينظر في: العين للخليل (٣/ ٢٥٤)، الكشاف للزمخشري (٤/ ١١٢)، لسان العرب (حقا) وحواشيه: جوانبه. والملاء: جمع ملاءة وهي الجلباب، والتفاريج: جمع التفراج: الباب الصغير والثوب من الديباج.
(٢) قصيراه: آخر الأضلاع. ينظر: غريب الحديث للحربي (٢/ ٤٠٨).
(٣) سورة الليل، الآية (٣).
[ ٢ / ٢٣٣ ]
الظلمات الثلاث: البطن والرحم والمشيمة. وقيل: الصلب والرحم والبطن.
﴿ذلِكُمُ﴾ الذي نقل النطفة من طور إلى طور. ﴿فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ فكيف يعدل بكم عن عبادته إلى عبادة مخلوقاته.
﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾
﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ عن إيمانكم وأنتم المحتاجون إليه لاستبشاركم بالكفر واشمئزازكم من الإيمان.
﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ﴾ لأنه يوقع في الهلكة. ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ لأنه يؤدي إلى النجاة، فإذن ما رضي شكركم ولا كره كفركم إلا لمصلحتكم لا لمصلحة تتعلق به؛ لأنه الغني مطلقا الذي لا تجوز عليه الحاجة. وقال أصحابنا أهل السنة: ولا يرضى لعباده الذي يصلح أن تنسب أفعالهم إليه وهم الصالحون؛ فهو من العام الذي أريد به الخاص، وعني بهم المذكورين في قوله: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ (^١) يريد المعصومين؛ كقوله:
﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ﴾ (^٢) يريد الصالحين منهم، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلّهِ أَنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩)﴾
قوله: ﴿ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ يقال: فلان خايل المال إذا كان يتعاهده ويثمره، وكان النبي ﷺ يتخول أصحابه بالموعظة. ويجوز أن يكون المراد جعله مختالا فخورا بالمال؛ قال الشاعر [من البسيط]:
إن الغنيّ طويل الذيل مياس (^٣)
_________________
(١) سورة الحجر، الآية (٤٢).
(٢) سورة الإنسان، الآية (٦).
(٣) ذكره ابن قتيبة في غريب الحديث (٢/ ٢٧٦) على أنه مثل، والزمخشري في الكشاف (٤/ ١١٦) على أنه من قول العرب.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ﴾ أي: نسي الضر الذي كان يدعو الله تعالى إلى كشفه.
وقيل: نسي ربه الذي كان يدعو إليه ويبتهل، و﴿ما﴾ بمعنى ﴿مِنْ﴾ كقوله: ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ (^١) ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ (^٢). ﴿لِيُضِلَّ﴾ قرئ بفتح الياء وضمها (^٣) يعني أن نتيجة جعله لله شريكا أو ندا حصول الضلال له أو إضلاله، والنتيجة قد تكون غرضا في الفعل، وقد تكون غير غرض. وقوله: (٢٣٠ /أ) ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ أمر تهديد؛ كقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ (^٤) وبالغ في خذلان هذا الكافر في قوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ فأتاه بأمر لا يريد حدوثه منه. قرئ: "أمن هو قانت" بالتخفيف على إدخال همزة الاستفهام على "من" وبالتشديد (^٥) على إدخالها على "أم".
و"من" مبتدأ وخبره محذوف؛ أي: أمن هو قانت كغيره؟ وإنما حذف لدلالة الكلام عليه وهو جري ذكر الكافر قبله. وقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وقيل:
معناه: فأنت أفضل أمن هو كافر، أو أهذا أفضل أمن هو قانت؟
والقانت: القائم بما يجب عليه من الطاعة، ومنه قوله ﵇: "أفضل الصلاة طول القنوت" (^٦) وهو القيام فيها، ومنه القنوت في الوتر؛ لأنه دعاء المصلي.
﴿ساجِدًا وَقائِمًا﴾ حالان. وقرئ: "ساجد وقائم" برفعهما (^٧) على أنه خبر بعد خبر، والواو للجمع بين الصفتين، وأن من لم يعمل بعلمه فليس بعالم، ويجوز أن يكون تشبيها
_________________
(١) سورة الليل، الآية (٣).
(٢) سورة الشمس، الآية (٥).
(٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ورويس "ليضل" وقرأ الباقون "ليضل". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤١٨)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٦١٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٨)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٨٩)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٩٩).
(٤) سورة إبراهيم، الآية (٣٠).
(٥) قرأ بها نافع وابن كثير وحمزة وقراء الباقين بالتشديد "أمّن". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤١٨)، تفسير القرطبي (١٥/ ٢٣٨)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣٠٨)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٦١٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٨)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٦١)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٩٠)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٦٢).
(٦) رواه مسلم رقم (٧٥٦)، وأحمد (٣/ ٣٩١)، والترمذي رقم (٣٨٧)، وابن ماجه رقم (١٤٢١)، عن جابر بن عبد الله ﵂.
(٧) قرأ بها الضحاك. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤١٩)، تفسير الرازي (٢٦/ ٢٥٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٩٠).
[ ٢ / ٢٣٥ ]
أي: كما لا يستوي العالم والجاهل لا يستوي القانتون والعاصون. وقيل: نزلت في عمار ابن ياسر وأبي حذيفة بن المغيرة المخزومي (^١). وعن الحسن: أنه سئل عن رجل يتمادى في المعاصي ويرجو، فقال: هذا تمني، وإنما الرجاء قوله، وتلا هذه الآية (^٢).
﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠)﴾
﴿فِي هذِهِ الدُّنْيا﴾ متعلق ب ﴿أَحْسَنُوا﴾ لا ب ﴿حَسَنَةٌ﴾ معناه: للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة في الآخرة، وهي دخول الجنة، أي حسنة نكرة تدل على عظمة ما يثابون به وأنه شيء لا يقدر قدره، وقد علقه السدي ب ﴿حَسَنَةٌ﴾ ففسر الحسنة بالصحة والعافية (^٣) ومعنى تعلقه ب "حسنة" أنه لو تأخر لكان صفة؛ فإذا تقدم دل على موضع الصفة فلم يخل التقديم بالتعلق (^٤). ﴿وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ﴾ لا عذر للمفرطين في الإحسان، ومن ضاقت يده في بلد عن أن تمتد إلى الإحسان فليهاجر؛ فإن أرض الله واسعة. وقيل: هي للذين كانوا مسلمين، وهم في بلاد المشركين فأمروا بالمهاجرة. ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً﴾ الآية. وقيل:
هي أرض الجنة.
﴿الصّابِرُونَ﴾ الذين صبروا على فراق أوطانهم وعشائرهم. ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ لا يحاسبون عليه. وقيل: بغير مكيال ولا ميزان يحثى لهم حثيا (٢٣٠ /ب) ويغرف لهم الجنة غرفا.
وعن ابن عباس: لا يهتدي إليه حساب الحسّاب (^٥).
وفي الحديث: "يؤتى بأهل الصلاة والزكاة والحج فيوفون أجورهم بالموازين، ثم يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صبا حتى يود أهل العافية أن أجسادهم لو كانت في الدنيا قرضت بالمقاريض لما يرون من أجر الصابرين" (^٦).
_________________
(١) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٢١٤) لجويبر عن ابن عباس ﵂.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ١١٧).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٢٣/ ٢٠٣).
(٤) ينظر: الكشاف للزمخشري (٤/ ١١٧).
(٥) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ١١٨).
(٦) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٦٠٥ - ٦٠٦) ونسبه لابن مردويه، وزاد نسبته الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٠٠ - ٢٠١) للطبراني والثعلبي وأبي نعيم والأصبهاني في الترغيب والترهيب.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧)﴾
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ﴾ بإخلاص الدين. ﴿أُمِرْتُ﴾ بذلك لأجل أن ﴿أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي:
مقدمهم وسابقهم إلى الجنة، ولك أن تجعل اللام مزيدة مثلها في أردت؛ ل "أن" أفعل، ولا تزاد إلا مع "أن" خاصة دون الاسم الصريح ﴿أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: في زماني، وأن أكون أول المدعوين إلى الإسلام السابقين إليه، وأمرت أن أكون أول من سبق قومي إلى الإسلام، ولا أكون ممن يؤمر بشيء ويفعل خلافه.
﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ﴾ أي: أخصه بالعبادة. ﴿قُلْ إِنَّ﴾ الكاملين في الخسران ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ فأوقعوها في الهلكة، وخسروا أهليهم؛ لأنهم إن كانوا كفارا فقد خسروا كخسرانهم، وإن كانوا مؤمنين فيفرق بينهم تفريقا لا يجتمعون بعده أبدا، ولقد بالغ في خسرانهم حتى جعل جملة مستأنفة، وصدرها بحرف التنبيه، ووسط قوله: ﴿هُوَ﴾ وأدخل الألف واللام في ﴿الْخاسِرِينَ﴾ ووصفه بكونه مبينا. ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ هي تحتهم، وهي ظلل لآخرين معذبين. ﴿الطّاغُوتَ﴾ فعلوت من الطغيان كالملكوت والرحموت؛ يطلق على الجمع وعلى المفرد وعلى المذكر والمؤنث.
﴿اِجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها﴾ وقال في تذكيرها: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ (^١) وعلى المفرد والجمع: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ (^٢). ﴿أَنْ يَعْبُدُوها﴾ بدل اشتمال من ﴿الْبُشْرى،﴾ ﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ تبشرهم الملائكة وهم داخلون عليهم من كل باب، وعند حضور الموت بقولهم: ﴿نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (^٣).
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النّارِ (١٩) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ﴾
_________________
(١) سورة النساء، الآية (٦٠).
(٢) سورة البقرة، الآية (٢٥٧).
(٣) سورة فصلت، الآية (٣١).
[ ٢ / ٢٣٧ ]
﴿فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١) أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾
﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ فإذا اتفق واجب وندب اختاروا الواجب، وإن اتفق مباح ومندوب اختاروا المندوب، ويدخل تحته العقائد واختاروا أثبتها على السبك وكقول الشاعر [من البسيط]:
ولا تكن مثل عير قيد فانقادا (^١)
يريد المقلد. وقيل: يستمعون القرآن وغيره فيختارون القرآن. والهمزة التي في قوله:
﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النّارِ﴾ هي الهمزة التي في قوله (٢٣١ /أ) ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ﴾ كررت توكيدا، تقديره: أفأنت مخصوص بإنقاذهم لا يقدر عليه أحد غيرك. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي:
من تحت الغرف؛ كما تجري في السهل من الأرض من غير تفاوت في ذلك. ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ مصدر مؤكد؛ لأن قوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ وعد.
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ قيل: كل ما في الأرض فهو من السماء؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿فَسَلَكَهُ﴾ نظمه ﴿يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ عيونا.
والسلك: الخيط الذي يدخل فيه الخرز. ﴿يَهِيجُ﴾ يتم جفافه ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا﴾ أي:
دريسا وهو إذا تم إدراكه، وأريد نقل حبه وتخليصه من بينه.
﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ نظير ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ﴾ في حذف الخبر. ﴿مِنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ أي: من أجل ذكره، معناه: اشمأزت من ذكر الله. وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللهِ *﴾ أي:
غلظت وجفت عن الانقياد إليه والطاعة له،
﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣) أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ﴾
_________________
(١) هذا عجز بيت وصدره: شمر وكن في أمور الدين مجتهدا ينظر في: فيض القدير (٥/ ٤٤٥)، الكشاف للزمخشري (٤/ ١٢٠).
[ ٢ / ٢٣٨ ]
﴿تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤)﴾
وقوله: ﴿مَثانِيَ﴾ أي: ثنيت فيه القصص والأمثال والثناء على الله. وقيل:
﴿مَثانِيَ﴾ أي: مشتملة على الثناء على الله بما هو أهله، ويجوز أن يكون نصبا على التمييز تقديره: متشابها مثاني؛ كقولك: رأيت رجلا حسنا شمائل، وإنما كررت القصص والمواعظ؛ لأنها إذا كررت كانت أوقع لها في النفس وأجدر بالقبول، وعدي ﴿تَلِينُ﴾ ب ﴿إِلى﴾ في قوله: ﴿إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ أي: تنقاد إليه؛ ضمنها فعلا يتعدى ب ﴿إِلى﴾ ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ أَفَمَنْ يَتَّقِي﴾ محذوف الخبر؛ كما في نظائره. والخائف من الضرب إذا استقبل بالسيف مسلولا اتقاه بيده، وأما في الآخرة فالمعذبون مغلولة أيديهم إلى أعناقهم، فيتقي بوجهه بعد أن كان يتقي عن وجهه. وقيل: المراد بالوجه الجملة. وقالت لهم الخزنة: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾.
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ حال مؤكدة؛ كقولك: جاءني رجلا صالحا، ويجوز أن ينتصب على المدح. ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ بريئا من التناقض والاختلاف، أي: ليس فيه اعوجاج قط. وقال الشاعر [من البسيط]:
وقد أتاك يقين غير ذي عوج من الإله وقول غير مكذوب (^١)
﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ (^٢) لجماعة شتى أحوالهم، ومقاصدهم مختلفة كل واحد (٢٣١ /ب) منهم يريد من ذلك العبد خدمة تامة، ومتى تأخر بعض
_________________
(١) ينظر البيت في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤٢٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٤)، الكشاف للزمخشري (٤/ ١٢٥).
(٢) في الأصل بدل هذه الآية قوله تعالى: ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا وهي الآية (٧٥) من سورة النحل والمثبت هي الآية المقصودة هنا في سورة الزمر.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
خدمته شق عليه؛ فمواليه ﴿مُتَشاكِسُونَ﴾ و﴿رَجُلًا﴾ آخر له سيد واحد قد عرف مقاصده فهمه مجتمع. فأي الرجلين أحسن حالا؟ وقوله: ﴿فِيهِ شُرَكاءُ﴾ متعلق ب "متشاكسون" والتشاكس: الاختلاف وجعله رجلا؛ لأن المرأة والصبي قد يغفلان عن مقاصد سيدهما.
قوله: ﴿إِنَّكُمْ﴾ غلب فيه ضمير المخاطب على الغيبة. واختصامهم: يقول الأتباع للسادة: إنا أطعناكم، ويقول السادة: إنا أطعنا الشياطين. وقيل: اختصام جميع أهل الموقف.
وقد قال عبد الله بن عمر: "لقد مر علينا زمن ونحن نتلوا هذه الآية ونقول: كيف نختصم ونبينا واحد، وديننا واحد؟! حتى رأينا بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف؛ فعرفنا أنها نزلت فينا" (^١). ﴿إِذْ جاءَهُ﴾ فاجأه بالتكذيب. ﴿مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ يشير به إلى الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق. قوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ يعود إلى النبي ﷺ ومن تابعه؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (^٢) ويجوز أن يراد بالذي جاء بالصدق رسول الله ﷺ وبالذي ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أتباعه (^٣). وقرأ ابن مسعود ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ (^٤).
﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ١٢٧)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٦١٣) لعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، وقال الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار التي في الكشاف (٣/ ٢٠٤): رواه الحاكم في مستدركه في كتاب الأهوال من حديث زيد بن أبي أنيسة عن القاسم بن عوف البكري قال: سمعت ابن عمر. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(٢) سورة المؤمنون، الآية (٤٩).
(٣) رواه الطبري (٢٤/ ٣).
(٤) تنظر القراءة في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤٢٨)، تفسير القرطبي (١٥/ ٢٥٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٥)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٤٦٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٩٨).
[ ٢ / ٢٤٠ ]
﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ لأن إقدامهم على عصيان الله يجعل فعلهم شيئا قبيحا، وكذلك الحسنة؛ إذا أخلصها العبد تكون عند الله عظيمة الثواب. وأما تفصيلهم قسمين؛ فلأن الشيء بالتفصيل أبين وأوضح.
﴿بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ يريد النبي ﷺ، ومن قرأ ﴿عَبْدَهُ﴾ (^١) أراد الأنبياء أو المؤمنين.
﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ من الأصنام. وقد بعث رسول الله ﷺ خالدا إلى العزى ليكسرها، فقال له سادنها: إني أحذركها يا خالد؛ إن لها شدة لا يقاومها شيء، فكسرها خالد، وهو يقول [من الرجز]:
يا عزّى كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك (^٢)
أو ﴿بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ من سواه. وقوله: ﴿بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ وعيد لقريش ووعد للمؤمنين بأنه ينتقم لهم منهم. قرئ ﴿كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ و﴿مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ بالتنوين على الأصل (٢٣٢ /أ) وبالإضافة على التخفيف (^٣).
وقوله: ﴿هَلْ هُنَّ﴾ والأنوثة محل العجز؛ فدل وصفهم بالأنوثة على العجز عن كشف الضر وجلب النفع.
﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠) إِنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اللهُ يَتَوَفَّى﴾
_________________
(١) قرأ حمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف "بكاف عباده" وقرأ بقية العشرة "عبده". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤٢٩)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣٠٩)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٦٢٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٦)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٦٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٩٨)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٦٢).
(٢) ذكر القصة الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ٢٥٥)، والزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٢٢)، والهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٧٦) ونسبه للطبراني، وقال: ورجاله رجال الصحيح إلا أنه مرسل. ونسبه الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٨٣) لابن مردويه في تفسير.
(٣) قرأ أبو عمرو ويعقوب "كاشفات ضره"، و"ممسكات رحمته"، وقرأ بقية العشرة "كاشفات ضره " و"ممسكات رحمته" بالإضافة. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤٣٠)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣١٠)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٦٢٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٨)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٦٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٩٩)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٦٣).
[ ٢ / ٢٤١ ]
﴿الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)﴾
﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أي: على تمكنكم. فإن قيل: هلا قيل: إني عامل على مكانتي؟ قلت: فعل ذلك توكيدا، أو إيذانا بأن مكانة رسول الله ﷺ تزداد كل وقت وحين، ولن يزال راقيا في الدرجات العلى.
قوله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ أي: يبقي عليها ما هي به دراكة حساسة، ويتوفى الأنفس التي لم تمت في المنام، فإذا جاءت وقت اليقظة أمسك النفس التي قضى عليها الموت، وأرسل الأخرى ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى انقضاء آجالها المكتوبة لها. وعن ابن عباس:
إن في بدن الإنسان روحا ونفسا؛ فعند النوم تتوفى الأنفس، وعند الموت تتوفى الأرواح (^١). ﴿قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ إنما يعطي الشفاعة بوصفين: أحدهما الإذن من الرحمن ﷿ ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (^٢) والثاني: أن يكون المشفوع فيه مرتضى؛ لقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ (^٣).
أتثبتون لهم الشفاعة؟ ولو كان الذين أثبتوها لهم ﴿لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ لا يملكها ولا يعطيها إلا هو. ﴿ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ ولم يذكر معه آلهتهم اشمأزت، أي: نفرت وكرهت. قوله: ﴿إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ فاجأهم السرور، وامتلأت قلوبهم فرحا؛ فأمر الله ﷿ نبيه ﷺ أن يلتجيء إليه؛ فقال: ﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ﴾ أي: شاقق، ويقال: فطر ناب البعير إذا شق اللحم وخرج. وعن ابن عباس: "ما كنت أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى
_________________
(١) ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٠٥) وقال: غريب جدا.
(٢) سورة سبأ، الآية (٢٣).
(٣) سورة الأنبياء، الآية (٢٨).
[ ٢ / ٢٤٢ ]
اختصم إليّ رجلان في بئر؛ فقال: أحدهما: هي بئري وأنا فطرتها. أي: أبدأت حفرها" (^١).فإن قلت: ما العامل في قوله: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ؟﴾ قلت: المفاجأة؛ كقوله:
﴿إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ رسول الله ﷺ وشق عليه خلافهم؛ فأمره الله أن يلتجئ إليه.
﴿وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ هذا في الوعيد (٢٣٢ /ب) كقوله في الوعد: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (^٢).
﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨) فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾
قوله: ﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ﴾ أي: حل ونزل بهم ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ به من العذاب. ﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ﴾ التخويل مخصوص بالتفضل؛ تقول: خولني فلان مالا، أي: أعطاني بغير جزاء. ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ أي: على علم من الله سبحانه باستحقاقي له؛ كقول قارون: ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (^٣)
وقيل: علم من الله ﷿ بأني أهل لذلك، والضمير في ﴿أُوتِيتُهُ﴾ للنعمة المؤنثة، و﴿نِعْمَةً مِنّا﴾ شيء من النعمة وجزء من أجزائها، يعني: ليس عطاؤنا إياك تخويلا.
﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ أي: هذا الإعطاء إنما هو فتنة، والفرق بين الواو في قوله في أول السورة: ﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ﴾ وبين الفاء في هذه الآية: أن الفاء هاهنا وقعت مسببة عن
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٧/ ١٥٩).
(٢) سورة السجدة، الآية (١٧).
(٣) سورة القصص، الآية (٧٨).
[ ٢ / ٢٤٣ ]
قوله: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ الآيات، يعني:
فرتبوا على خلاف ما يقتضيه، فاشمأزوا من ذكر الله الذي ينفعهم ولم يشمئزوا من ذكر من ضره أقرب من نفعه. قوله: ﴿قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فلم يغن عنهم كسبهم شيئا، وأصيبوا بالقتل يوم بدر، والقحط سبع سنين، ثم سبع سنين خصب ورخاء فقيل: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾.
﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ جنوا عليها بالإسراف في المعاصي. وقرأ ابن مسعود: "الله يغفر الذّنوب جميعا" (^١) وهذه الآية مطلقة في العفو كما تراه ليس فيها شرط توبة. ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (^٢) كراهة ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ فإن قلت: لم نكر النفس؟ قلت: المراد بها بعض الأنفس، وهي إما المتعالية في الكفر، وإما الفاعلة للخير؛ فللأولى العذاب العظيم، وللثانية رحمة الكريم الرحيم.
﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩) وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١) اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣)﴾
وقوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ ليس المراد به نفس واحدة؛ بل المراد به أنفس ذوات عدد، ومنه قول الشاعر [من البسيط]:
قد أترك القرن مصفرّا أنامله (^٣)
والجنب: الجانب؛ يقال: لين الجنب ولين الجانب، قالوا: فرط في جنبه وفي جانبه؛
_________________
(١) وقرأ بها أيضا ابن عباس ﵂. تنظر في: تفسير الطبري (٢٤/ ١١)، تفسير القرطبي (١٥/ ٢٦٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٠٣)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٤٢١).
(٢) سورة الزمر، الآية (١٨).
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة، الآية (١٤٤).
[ ٢ / ٢٤٤ ]
قال الشاعر [من الطويل]:
أما تتقين الله في جنب وامق له كبد حري عليك تقطّع (^١)
﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ لم يكفه أن يضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها (٢٣٣ /أ) وموضعه نصب على الحال؛ تقديره: إني فرطت وأنا ساخر.
قيل: كان في بني إسرائيل رجل له مال سول إليه الشيطان العمل بالمعاصي، وعزم أن يتوب إذا جاءه، فلما جاءه الموت تاب فلم تنفعه توبته، وأنزل الله خبره في القرآن.
فإن قيل: لم فصل بين قوله: ﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي﴾ وبين قوله: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي؟﴾
قلت: حكى أماني النفس على ترتيبها؛ فحكى التحسر أولا، ثم تمني الهداية حيث لا ينفع التمني، ثم سؤال الرجعة حيث لا يجاب، وقوله: ﴿بَلى﴾ جواب لغير منفي؛ لكنه في معنى المنفي؛ فقوله: ﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي﴾ دال على انتفاء الهدى. قوله: ﴿تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ﴾ وصفوه بما لا يليق بجلاله من الشريك والولد. ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ في موضع الحال إن كانت رؤية عين، ومفعول ثان إن كان من رؤية القلب. ﴿بِمَفازَتِهِمْ﴾ بفوزهم بما طلبوا ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ قيل: لا محل لهذه الجملة؛ لأنها مستأنفة.
وقيل: هي منصوبة على الحال. ﴿لَهُ مَقالِيدُ﴾ من باب الكناية؛ كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ﴾ (^٢) قيل: ليس للمقاليد مفرد. وقيل: واحدها مقليد، وهي المفاتيح. قوله:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تتمة؛ نحو قوله: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ روي أن عثمان بن عفان ﵁ سأل رسول الله ﷺ فقال: "هي لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير" (^٣).
_________________
(١) البيت لجميل بثينة أو لكثير عزة، ينظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤٣٥)، التبيان في تفسير غريب القرآن لابن الهائم المصري (١/ ٣٦٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٠)، ديوان جميل بثينة (ص: ٧٣)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٣٠٣). ويروي: أما تتقين الله في قلب عاشق
(٢) سورة الحجر، الآية (٢١).
(٣) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٦٢٥) لأبي يعلى وابن السني وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ (٦٦)﴾
قال المشركون للنبي ﷺ: اعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فنزلت: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ﴾ الآية (^١) وقوله: ﴿تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ أصله: أن أعبد؛ فحذفت "أن" كما في قوله [من الطويل]:
ألا أيها الزاجري أحضر الوغى (^٢)
فإن قلت: لم أفرد، ثم جمع، ثم عاد إلى الإفراد بقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ؟﴾
قلت: هو كقولك: كسانا الأمير حلة؛ أي: كسا كل واحد منا حلة، ويجوز أن يراد:
ولقد أوحي إلى كل واحد واحد من الأنبياء ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ الآية.
قوله: ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ﴾ رد لما أمروه به من عبادة آلهتهم؛ فحذف الشرط وجعل تقديم المفعول عوضا منه.
﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٦٧) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩)﴾
روي أن يهوديّا قال بحضرة النبي ﷺ: إن الله يمسك السماوات يوم القيامة على
_________________
(١) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٦٥٤) لابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس ﵂.
(٢) هذا صدر بيت لطرفة بن العبد وعجزه: وأن أشهد اللّذّات هل أنت مخلدي ينظر في: الإنصاف في مسائل الخلاف لابن الأنباري (٢/ ٩١)، خزانة الأدب (٨/ ٥٧٩، ١/ ١١٩)، الدرر اللوامع (١/ ٧٤) ديوان طرفة (ص: ٣٢)، سر صناعة الإعراب (١/ ٢٨٥)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص: ٨٤)، الكتاب (١٠٠، ٣/ ٩٩)، لسان العرب (أنن)، المقتضب للمبرد (٢/ ٨٣)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ٧١). والشاهد فيه: نصب الفعل "أحضر" بأن بعد حذفها. وهو قول الكوفيين، ويروى: أحضر بالرفع بعد حذف "أن"، وهذا على الرواية الصحيحة عند البصريين. وينظر تفصيل ذلك في الإنصاف لابن الأنباري المسألة رقم (٧٧).
[ ٢ / ٢٤٦ ]
إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى والجبال (٢٣٣ /ب) على إصبع، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك. فضحك النبي ﷺ تعجبا مما قال الحبر " (^١).وهذا يسمى في علم البيان: التخييل، وهو أن يفهم من مساق هذا الكلام تعظيم قدرة الله، وأن هذه الأجرام العظيمة مطيعة له؛ كانقياد ما هو على الإصبع من غير تصوير شيء يشبه الإصبع، ولا شيء يشبه الهز؛ كذلك لا يتصور وجود قبضة في قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ لا حقيقة ولا مجازا بل حكاية هذا الكلام بصورة توقع في النفس إجلالا وتعظيما، وكذلك ﴿وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ والمراد بالأرض: الأرضون السبع، ويشهد لذلك قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا﴾ وقوله: ﴿وَالسَّماواتُ﴾ وإنما قدم ﴿جَمِيعًا﴾ بأول وهلة قبل مجيء الخبر؛ ليعلم أنه ليس شيء من الأرض خارجا عن قبضته. والقبضة:
المرة من القبض؛ كقوله: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ (^٢) والقبضة - بضم القاف -: هو الشيء المقبوض باليد، وتقول: أعطني قبضة، بالفتح؛ تسمية بالمصدر.
﴿مَطْوِيّاتٌ﴾ قيل: في طاعته من غير منازع. ﴿بِيَمِينِهِ﴾ بقدرته. وقيل: بقسمه؛ فالله تعالى أقسم ليطوينها، وإذا عرض مثل هذا التفسير على أصحاب علم البيان تلهوا به، ولم يرفعوا به رأسا، وتراهم يجذبون عقول السامعين له ويستحسونه على منابرهم.
وقرئ" مطويات "على نظم ﴿وَالسَّماواتُ﴾ في حكم ﴿وَالْأَرْضُ﴾ ودخولها تحت القبضة ونصب" مطويات " (^٣) على الحال. وقرئ ﴿قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (^٤) يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا دهمه ما يكرهه. وقيل: ينظرون ماذا يفعل بهم، ويجوز أن يكون قوله: ﴿فَإِذا هُمْ قِيامٌ﴾ يريد به الوقوف في كل مكان واحد؛ كالمتحير ما يدري ماذا يصنع.
قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ أي: بعدله؛ كما أن الظلم ظلمات، وفي الحديث:" الظلم ظلمات يوم القيامة " (^٥).ولما افتتح الله الأرض بالعدل ختمها بقوله:
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٧٤١٤، ٤٨١١)، ومسلم رقم (٢٧٨٦)، وأحمد في المسند (١/ ٤٢٩)، والترمذي رقم (٣٢٣٨)، عن ابن مسعود ﵁.
(٢) سورة طه، الآية (٩٦).
(٣) قرأ بالنصب عيسى بن عمر والجحدري. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤٤٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٤)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٤٧٥)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٥٧).
(٤) قرأ بها زيد بن علي. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤٤٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٥)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٤٧٥)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٥٧).
(٥) رواه البخاري رقم (٢٤٤٧)، ومسلم رقم (٢٥٧٩)، والترمذي رقم (٢٠٣٠).
[ ٢ / ٢٤٧ ]
﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ﴾ أي: صحف الأعمال. وقيل: اللوح المحفوظ. و﴿وَالشُّهَداءِ﴾ الذين يشهدون للأمم وعليهم.
وقيل: الشهداء في قتال الكفار. الزمر: الأفواج المتفرقة بعضها في إثر بعض، وكثر استعمال العرب لفظ الأيام في الحروب والأمور العظيمة، ومنه: ﴿هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (^١) وقال: ﴿لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ (^٢) قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٢٣٤ /أ) كقوله: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ (^٣).
﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥)﴾
قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ أنهم يذهبون إليها راكبين مكرمين، وسوقهم للاستعجال بهم إلى دار الكرامة، وسوق الكفار بالهوان. ودخلت الواو في قوله: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ في سوق أهل الجنة؛ لأن أهل الجنة تفتح لهم أبوابها قبل قدومهم، وعادة المنزل للأضياف أن يهيئ منزلهم على أحسن الوجوه قبل قدومهم، وليست واو الثمانية (^٤) كما زعموا؛ بدليل قوله تعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ﴾. قوله تعالى:
﴿طِبْتُمْ﴾ أي: من دنس المعاصي والخطايا. وقوله: ﴿خالِدِينَ﴾ حال مقدرة. وقوله:
﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ ملكنا إياها. وقوله: ﴿حَافِّينَ﴾ محدقين من حول العرش.
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية (١٠٣).
(٢) سورة الأنعام، الآية (١٣٠).
(٣) سورة المؤمنون، الآية (١٠٦).
(٤) تقدم الكلام على واو الثمانية في سورة الكهف، الآية (٢٢).
[ ٢ / ٢٤٨ ]