﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤)﴾
﴿الم﴾ على أنها اسم للسورة مبتدأ، و﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ﴾ خبره، وإن جعلته تعديدا للحروف ارتفع ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ﴾ بأنه خبر مبتدأ محذوف، أو: هو مبتدأ خبره ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ والوجه أن يرتفع ﴿الم﴾ بالابتداء، وخبره: ﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ و﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ جملة معترضة، والضمير في ﴿فِيهِ﴾ راجع إلى مضمون الجملة، أي: في كونه منزلا من ربّ العالمين. أثبت أولا أنه منزل من رب العالمين، وأنه لا ريب فيه ولا شك، ثم انتقل إلى تقريعهم على ما يعتقدونه من أنه مفترى.
فإن قلت: نفى أن يكون مرتابا فيه، وأثبت ما هو أشد من ذلك؛ أن يكون مفترى؟
قلت: إنما نفى الريب لأن القرآن معجزة الرسول ﷺ وإذا (١٨٥ /ب) انتفى الريب عن المعجزة صحّ الإسلام، ولا شيء أنفع من صحته، وأما قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ فهو إما قول متجاهل يعلم أن الأمر بخلاف ذلك، أو معاند مكابر لا غيره يقوله؛ فكان الأول أهم. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ؛﴾ كقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ (^١).
فإن قلت: فإذا لم يأتهم نذير لم تقم عليهم حجة؟ قلت: أما معرفة الله تعالى ووحدانيته وعلمه وقدرته فهو ثابت بأدلة العقل، وأما ما سوى ذلك فلا.
﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يكون على ترجية النبي ﷺ؛ كما كان قوله: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ (^٢) على ترجية موسى وهارون. والثاني: أن يستعار الترجي للإرادة؛ أي: إرادة أن تهتدوا، وهو بعيد؛ لأنه لو أراد أن يهتدوا لاهتدوا.
_________________
(١) سورة يس، الآية (٦).
(٢) سورة طه، الآية (٤٤).
[ ٢ / ٨٩ ]
قيل: إن "لا" في قوله: ﴿وَلا شَفِيعٍ﴾ زائدة، وليس كذلك؛ فإنه لو قال: ما لكم من دونه من ولي وشفيع. انتفى مجموع الأمرين، فإذا وجد الشفيع دون الولي أو بالعكس لم يناقض ذلك. أي: فبطل فكركم الصحيح فلا تتذكرون، أي: من قدر على خلق الأعلى الأعظم وهو السماوات والأرض فهو على ما سواهما أقدر؛ ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ (^١). ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ﴾ الآيات (^٢).
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ (٥)﴾
﴿الْأَمْرَ﴾ المأمور به من الطاعات، ينزله مدبرا من السماء إلى الأرض، ثم لا يعمل به ولا يصعد إليه ذلك المأمور كما يرتضيه إلا في مدة متطاولة؛ لقلة عمال الله المخلصين، وقلة الأعمال الصاعدة؛ لأنه لا يوصف بالصعود إلا الخالص، دل عليه قوله على أثره:
﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ أو يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من أيام الدنيا وهو ألف سنة؛ كما قال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ (^٣). ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ أي: يصير إليه، ويثبت عنده، ويكتب في صحف ملائكته كل وقت من أوقات هذه المدة ما يرتفع من ذلك الأمر، ويدخل تحت الوجود إلى أن تبلغ المدة آخرها ثم يدبر - أيضا - ليوم آخر وهلمّ جرّا إلى أن تقوم الساعة. وقيل: ينزل الوحي مع جبريل من السماء إلى الأرض ثم يرجع إليه ما كان من قبول الوحي أو ردّه مع جبريل، وذلك في وقت هو في الحقيقة ألف سنة؛ لأن المسافة في الصعود والنزول مقدار ألف سنة؛ لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة، وهو يوم من أيامكم لسرعة جبريل (١٨٦ /أ) ﵇؛ لأنه يقطع مسيرة ألف سنة في يوم واحد. وقيل: يدبر أمر الدنيا من السماء إلى الأرض إلى أن تقوم الساعة، ثم يعرج إليه ذلك الأمر كله ليحكم فيه ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ وهو يوم القيامة، وقال في موضع آخر ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (^٤). فعن ابن عباس: "هذه سنون لا أدري ما هي" (^٥).وقيل: ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ تقدير عروج الملائكة من العرش إلى الأرض وعكسه مسافة يقطعها الراكب المجد في خمسين ألف سنة،
_________________
(١) سورة غافر، الآية (٥٧).
(٢) سورة النازعات، الآية (٢٧).
(٣) سورة الحج، الآية (٤٧).
(٤) سورة المعارج، الآية (٤).
(٥) رواه الطبري في التفسير (٢٩/ ٧٢)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥٣٧ - ٥٣٨) -
[ ٢ / ٩٠ ]
من العرش إلى الأرض وعكسه مسافة يقطعها الراكب المجد في خمسين ألف سنة، وقوله - هاهنا -: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾ هو لمدة العروج من سماء الدنيا إلى الأرض أو عكسه. وقيل:
اختلاف القول في ذلك اليوم يوجب ظنونا مختلفة؛ فبعض من اشتد عليه الهول يقدره بخمسين ألف سنة، وبعض من كان أنقص عذابا يقدره بألف سنة.
﴿ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٩)﴾
﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ أي: حسنه؛ لأنه ما من شيء خلقه إلا وهو مرتب على ما اقتضته الحكمة، وجميع المخلوقات حسنة وإن تفاوتت إلى حسن وأحسن؛ كقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (^١). وقيل: علم كيف يخلقه؛ من قولهم: قيمة المرء ما يحسن وقرئ ﴿خَلَقَهُ﴾ (^٢) على البدل من ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: أحسن كل شيء وخلقه؛ على الوصف ل "شيء". سميت الذرية نسلا؛ لأنها تنسل من الإنسان، أي: تخرج من صلبه ﴿مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ من مني مستقذر تكره أن تراه على ثوبك أو بدنك.
_________________
(١) = لعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه عن عبد الله بن أبي مليكة - رضي الله تعالى عنه - قال: "دخلت على ابن عباس أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه - قال فيروز: يا ابن عباس، قوله: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ فكأن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - اتهمه فقال: ما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ فقال: إنما سألتك لتخبرني. فقال ابن عباس - ﵄ -: هما يومان ذكرهما الله في كتابه الله أعلم بهما، وأكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم. فضرب الدهر من ضرباته حتى جلست إلى ابن المسيب - ﵁ - فسأله عنها إنسان فلم يخبر، ولم يدر، فقلت: ألا أخبرك بما أحضرت من ابن عباس؟ قال: بلى فأخبرته، فقال للسائل: هذا ابن عباس - ﵄ - أبي أن يقول فيها وهو أعلم مني".
(٢) سورة التين، الآية (٤).
(٣) قرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي وخلف "خلقه" وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب "خلقه". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٩٩)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٨٧)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٦٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٩٥)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥١٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٤١)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٤٧).
[ ٢ / ٩١ ]
﴿سَوّاهُ﴾ قومه؛ كقوله: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (^١). ودل بإضافته الروح إلى ذاته الشريفة على أنه مخلوق عظيم لا يعلم قدره؛ كقوله: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ..﴾. الآية (^٢). كأنه قال: ونفخ فيه من الشيء الذي اختص بمعرفته.
﴿وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إِنّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾
﴿وَقالُوا﴾ أضاف القول إلى جميعهم، والقائل أبيّ بن خلف؛ رضاهم بقوله.
﴿ضَلَلْنا﴾ صرنا ترابا وذهبنا مختلطين بتراب الأرض لا نتميز منه؛ كما يضل الماء في اللبن، أي: غبنا في الأرض بالدفن فيها، وقرئ بكسر اللام، وقرئ ﴿ضَلَلْنا﴾ (^٣) بالصاد المهملة؛ أي: أنتنت أجسادنا تحت الأرض، وانتصب الظرف في ﴿أَإِذا ضَلَلْنا﴾ بما دل عليه ﴿أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهو: نبعث، أو: يجدد خلقنا.
﴿بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ هو الوصول إلى العاقبة من تلقي ملك الموت وما بعده، فلما ذكر كفرهم بالإنشاء أضرب عنه إلى ما هو أشد منه وهو كفرهم بالعاقبة لا بالإنشاء وحده، ألا ترى كيف خوطبوا بتوفي ملك الموت وبالرجوع إلى (١٨٦ /ب) الله ﷿. ﴿يَتَوَفّاكُمْ﴾ هو من استيفاء الحق، يقال: وفيت فلانا حقه. إذا أعطيته له كاملا. ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ بقبض أرواحكم. وقيل: إن الأرض بين يدي ملك الموت يقبض منها ما يشاء.
_________________
(١) سورة التين، الآية (٤).
(٢) سورة الإسراء، الآية (٨٥).
(٣) قرأ بكسر اللام يحيى بن يعمر وابن محيصن وأبو رجاء، وقرأ "صللنا" بالصاد علي بن أبي طالب والحسن والأعمش وأبان بن سعيد ومعناه: أنتنا. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٢٠٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٩٦)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٢٥٠)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٢٠)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٧٣)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٣١).
[ ٢ / ٩٢ ]
معه أعوان من الملائكة؛ لقوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ (^١). وقيل: ملك الموت تعرفه الأرواح فتجيبه، ثم يأمر أعوانه بقبضها.
﴿وَلَوْ تَرى﴾ يحتمل أن يكون خطابا لرسول الله ﷺ وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون تمنيّا، أي: وليتك تراهم. والثاني: أن تكون شرطية وجوابها محذوف؛ تقديره: لرأيت أمرا فظيعا، أو: لرأيت أسوأ حال، ويجوز أن يخاطب غير معين؛ كما تقول: فلان لئيم؛ إن أكرمته أهانك، وإن أحسنت إليه أساء إليك، فلا تريد به مخاطبا معينا، وكأنك قلت:
إن أكرم وإن أحسن إليه، والمعنى في قوله ﷿ ﴿بِما نَسِيتُمْ﴾ الترك والإهمال، أي:
لم تعملوا للقاء هذا اليوم. ﴿إِنّا نَسِيناكُمْ﴾ تركناكم، أي: جازيناكم على نسيانكم ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ (^٢) وقيل: هو بمعنى الترك. ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ﴾ العذاب المخلد بسبب أعمالكم القبيحة.
﴿إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾
﴿إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها﴾ بادروا بوضع جباههم على الأرض؛ مسارعة إلى الطاعة، وشكرا على ما رزقوا من الإسلام.
﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ وسبحوا الله تعالى حامدين غير مستكبرين كما يفعل المنافقون من إظهار الطاعة. ﴿تَتَجافى﴾ ترتفع وتتنحى عن المضاجع، أي: عن الفرش ومواضع النوم، وفي الحديث: "أن مناديا ينادي يوم القيامة يسمع الخلائق كلهم: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم. ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع.
فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانوا يحمدون الله تعالى في البأساء والضراء. فيقومون وهم قليل، فيدخلون جميعا إلى الجنة، ثم يحاسب سائر الناس" (^٣).
وقيل: كان ناس من أصحاب رسول الله ﷺ يصلّون من صلاة المغرب إلى صلاة
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية (٦٥).
(٢) سورة البقرة، الآية (١٩٤).
(٣) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٣٨) للبيهقي في شعب الإيمان، عن ربيعة الجرشي.
[ ٢ / ٩٣ ]
العشاء الآخرة؛ فنزلت فيهم (^١). وقيل: هم الذين يصلون صلاة العشاء ولا ينامون عنها.
وفي الحديث عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه - ﷿ - يقول الله - تعالى -:
"أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (^٢). وعن الحسن: أخفى القوم أعمالهم في الدنيا فادخر الله لهم، فأخفى الله تعالى لهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت (^٣).
وقرئ ﴿ما أُخْفِيَ﴾ بسكون الياء؛ على أنه فعل مضارع، وبفتحها على البناء (^٤). وقرة العين:
سكونها؛ فلا تمتد لطلب ما ليس لها، من قر بالمكان أي: استقر به. وقيل: من قرت العين: دمعت دمعا باردا، وهو دمع السرور.
﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾
_________________
(١) رواه الطبري في التفسير (٢١/ ١٠٠)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥٤٦).
(٢) رواه البخاري رقم (٤٧٧٩، ٣٢٤٤)، ومسلم رقم (٢٨٢٤)، وأحمد في المسند (٢/ ٤٦٦)، والترمذي رقم (٣١٩٧)، وابن ماجه رقم (٤٣٢٨)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٢١/ ١٠٦) عن الحسن بلفظ:" أخفوا عملا في الدنيا فأثابهم الله بأعمالهم ".
(٤) قرأ حمزة ويعقوب" ما أخفي "وقرأ الباقون" أخفي ". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٢٠٢)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٦٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٩٨)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥١٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٤٣)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٤٧).
[ ٢ / ٩٤ ]
ودمعة الحزن حارة ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا﴾ كلاهما على لفظ "من"، وهو للإفراد، و﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ حمل على المعنى في الجمع. ﴿جَنّاتُ الْمَأْوى﴾ مذكورة في سورة النجم (^١) تأوي إليها أرواح الشهداء. النزل: دار الضيافة. ﴿الْعَذابِ الْأَدْنى﴾ من القتل والأسر يوم بدر، وما امتحنوا به من القحط سبع سنين. وعن مجاهد: عذاب القبر و﴿الْعَذابِ الْأَكْبَرِ﴾ عذاب الآخرة (^٢). روي أنه وقع كلام بين علي والوليد بن عقبة بن أبي معيط؛ فقال له الوليد: اسكت؛ فإنك صبي، وأنا أملأ منك حشوا في الكتيبة؛ فقال له علي ﵁: اسكت فإنك فاسق؛ فنزلت: ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا﴾ الآيات (^٣).
قوله: ﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها﴾ أتى ب "ثم" للاستبعاد، والمعنى أن الإعراض عن مثل آيات الله في وضوحها وإنارتها وهدايتها إلى سواء السبيل الفوز بالسعادة بعد التذكير بها مستبعد في العقل والعدل كما تقول لصاحبك: وجدت مثل هذه الفرصة ثم لم تنتهزها.
﴿الْكِتابَ﴾ للجنس، والضمير في ﴿لِقائِهِ﴾ لموسى؛ أي: من لقاء موسى التوراة، ويجوز أن يكون من لقاء الله تعالى، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ﴾ (^٤) وقد ذكر. ﴿يَفْصِلُ﴾ يميز الحق من الباطل، أو يحكم، وأهل اليمن يسمون القاضي المفتصل. وربما سموه فصيلا؛ فعيلا بمعنى فاعل.
﴿يَهْدِ لَهُمْ﴾ يبين لهم كثرة إهلاكنا، ﴿كَمْ أَهْلَكْنا﴾ في موضع المفعول، ولا يكون فاعلا؛ لا تقول: لقيني كم رجل. ﴿الْجُرُزِ﴾ الأرض التي جرز نباتها، أي: قطع بحصاد أو رعي أو بآفة سماوية. وقيل: الغليظة. ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ﴾ أي: بالماء في كل من الزرع.
﴿أَنْعامُهُمْ﴾ من عصفه و﴿وَأَنْفُسُهُمْ﴾ من حبه.
﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾
_________________
(١) الآية (١٥).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢١/ ١١٠).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٢١/ ١٠٧)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥٥٣) لأبي الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني والواحدي وابن عدي وابن مردويه والخطيب وابن عساكر.
(٤) سورة يونس، الآية (٩٤).
[ ٢ / ٩٥ ]
﴿الْفَتْحُ﴾ النصر أو الفصل بالحكومة؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا﴾ (^١). وكان المسلمون واثقين بما وعدهم الله تعالى به من النصر ويشيعونه بينهم؛ فيقول الكفار:
(١٨٧ /ب) ﴿مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ﴾ وهذا يدل على أنه يوم القيامة، فإنه في يوم بدر لو آمن منهم أحد قبل. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قيل: نسخت بآية السيف. وقيل: الإعراض عن السفيه ليس بمنسوخ؛ فهي محكمة (^٢). ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ أي: هم بصدد أن تلقاهم الملائكة يوم القيامة، فيغلون أعناقهم بالسلاسل ﴿يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ (٧٢) (^٣) أجارنا الله تعالى من عذابه ونقمته وأدرج خطايانا في سعة رحمته.
***
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية (٨٩).
(٢) ينظر: جمال القراء وكمال الإقراء لعلم الدين السخاوي (١/ ٣٠٨).
(٣) سورة غافر، الآية (٧١ - ٧٢).
[ ٢ / ٩٦ ]