﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤)﴾
بتفخيم الألف وإمالتها وإظهار النون وإدغامها ﴿آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ الظاهر إعجازه والمراد به السورة أو القرآن. ﴿باخِعٌ﴾ قاتل بقطع البخاع، وهو عرق مستبطن للقفا.
و"لعل" للإشفاق، يعني: أشفق على نفسك، ولا تقتلها غمّا بسبب تأخرهم عن الإيمان.
وقرئ ﴿باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ (^١).
﴿نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ أراد آية ملجئة إلى الإيمان؛ كنتق الجبل فوق رؤوسهم كالظلة.
﴿فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ﴾ معطوف على الجزاء؛ لأنه لو قيل: أنزلنا. لكن صحيحا ونظيره:
﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ (^٢) كأنه قيل: أصدق. وقرئ (فتظلّ أعناقهم) (^٣).
فإن قيل: ما وجه ﴿خاضِعِينَ﴾ بجمع السلامة والأعناق لا تعقل؟ قلنا: الأصل فظلّ أصحاب الأعناق كقولك: ذهبت أهل اليمامة، كأن الأهل غير مذكور.
وقيل: إنما خصّ الأعناق؛ لأنها محلّ الخضوع. وقيل: أعناق الناس رؤساؤهم، كما قيل لهم: الرؤوس والنواصي والصدور، قال الشاعر [من البسيط]:
في محفل من نواصي النّاس مشهود (^٤)
وقيل: جماعة من الناس، تقول: أتانا عنق، أي: جماعة. وعن ابن عباس: نزلت هذه
_________________
(١) قرأ قتادة وزيد بن علي "باخع نفسك" على الإضافة، وقراءة الجمهور "باخع نفسك". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٤٣٤)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٩٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٩٨).
(٢) سورة المنافقون، الآية (١٠).
(٣) قرأ بها طلحة. تنظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٦٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٩٩).
(٤) هذا عجز بيت لأم قيس الضبية، وصدره: ومشهد قد كفيت الناطقين به ينظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٦٧)، روح المعاني للألوسي (١٢/ ١٣٨)، الفائق للزمخشري (٣/ ٤٣٤)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٤٢٨).
[ ١ / ٦٤٩ ]
الآية فينا وفي بني أمية، ستكون لنا عليهم الدولة، فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة، ويلحقهم هوان بعد عزة (^١).
﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧)﴾
﴿وَما يَأْتِيهِمْ﴾ وما يجدّد الله لهم بوحيه موعظة وتذكيرا إلا أعرضوا عنه، وخالف بين الألفاظ والغرض واحد وهي الإعراض والتكذيب والاستهزاء، والغرض وإن تقارب فهو مختلف؛ لأنهم حين أعرضوا فقد كذبوا، ولما كذبوا شرعوا في الاستهزاء. ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾ تهديد معناه: سيعلمون في الآخرة خبر ما كذبوا به، وهو القرآن، فإنه الفصل الحق الذي لا محيد عنه. ﴿زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الكريم: وصف لكل ما يحمد ويرضى به، تقول وجه كريم:
مرضيّ في جماله، وكتاب كريم: مرضيّ في معانيه وفوائده.
وقال [من المنسرح]:
حتّى يشقّ الصّفوف من كرمه (^٢)
أي: من كونه مرضيا في شجاعته وبأسه. والنبات الكريم: المرضيّ فيما يتعلق به من المنافع. ﴿إِنَّ فِي﴾ إنبات تلك الأصناف ﴿لَآيَةً﴾ دليلا على أن منبتها قادر على إحياء الموتى، وقد علم الله أن أكثرهم مطبوع على قلوبهم غير مرجوّ إيمانهم.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب ﴿الرَّحِيمُ﴾ من آمن وعمل صالحا (١٥٤ /أ)
فإن قيل: ما معنى الجمع بين كل وكم؟ ولو قيل: كم أنبتنا فيها من زوج كريم؟
قلنا: قد دل "كل" على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، ودلت "كم" على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة، ونبه بذلك على كمال قدرته، ووصف الزوج بالكرم يحتمل وجهين:
أحدهما: أن النبات على قسمين: نافع وضار، فذكر النافع وترك الضار.
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٩٩).
(٢) هذا عجز بيت لرجل من حمير يمدح قومه، وصدره: ولا يخيم اللقاء فارسهم ينظر في: ديوان الحماسة (١/ ١٢٣)، روح المعاني للألوسي (١٩/ ٦٢)، الفائق للزمخشري (٣/ ٣٦٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٠٠) ولا يخيم: لا يجبن عن اللقاء. ومن كرمه: من شجاعته وجرأته.
[ ١ / ٦٥٠ ]
والثاني: أن يريد جميع النبات من نافع وضار؛ لأنه تعالى حكيم ما يفعل شيئا إلا بمقتضى حكمة ولا بد في النوع الضار من منفعة، إما بقتل طاغية من الطغاة أو يستعمل اليسير منه للأمراض الخطرة وغير ذلك.
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (١١) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢)﴾
قوله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ ولم يقل: لآيات، مع أن النبات متكثر لوجهين:
أحدهما: أن المراد إن في كل واحد لآية.
والثاني: أن يكون الضمير عائدا على الإنبات، إن في إنبات ذلك.
سجل عليهم بالظلم بأن وصفهم به أولا، ثم عطفهم على ﴿الظّالِمِينَ﴾ عطف البيان كأن حقيقة الظالمين إنما هي هؤلاء، وكأنهما لفظان مترادفان، إن شئت فسمّهم بالقوم الظالمين، وإن شئت فسمهم بقوم فرعون، وهم ظلمة من وجهين:
أحدهما: شركهم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١٣) (^١).
والثاني: ظلمهم بني إسرائيل لاستعبادهم.
قوله: ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾ قرئ بكسر النون أصله: يتقونني، فحذفت إحدى النونين لاجتماع المثلين تخفيفا، وقوله: ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾ كلام مستأنف. لما وصف قوم فرعون بالظلم فعجب الناس من جرأتهم على الله وأنهم لا يخافون عقابه، ومن قرأ (ألا تتّقون) (^٢) فهو التفات عن الغيبة إلى الخطاب، وأجرى الوحي إلى موسى بذلك مجرى خطاب الكفار به وكم آية أنزلت في حق الكفار والقصد بها تسميع المؤمنين.
﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾
_________________
(١) سورة لقمان، الآية (١٣).
(٢) قرأ "تتقون" بالخطاب عبيد بن عمير وأبو حازم، وقرأ الجمهور "يتقون" بالغيبة. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٧)، تفسير القرطبي (١٣/ ٩٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٦٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٠١)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٢٧).
[ ١ / ٦٥١ ]
قرئ ﴿وَيَضِيقُ﴾ ﴿يَنْطَلِقُ﴾ بالرفع فيهما؛ [لأنهما معطوفان] (^١) على خبر "إن" وقرئ بالنصب (^٢) لعطفهما على صلة أن، والفرق بينهما في المعنى أن الرفع يفيد أن فيه ثلاثة علل: خوف التكذيب، وضيق الصدر، وامتناع انطلاق اللسان، والنصب على أن خوفه متعلق بهذه الثلاثة. فإن قلت: في النصب تعليق الخوف بالأمور الثلاثة، وفي جملتها نفي انطلاق اللسان، وحقيقة الخوف إنما هو غمّ يلحق الإنسان لأمر سيقع وذلك (١٥٤ /ب) كان واقعا، فكيف جاز تعليق الخوف به؟
قلت: قد علق الخوف بتكذيبهم وبما يحصل له بسببه، وضيق الصدر والحبسة في اللسان زيادة على ما كان به، على أن الحبسة التي في لسانه قد زالت بدعوته.
وقيل: بقيت منها بقية يسيرة. فإن قلت: اعتذارك هذا يرده الرفع؛ لأن المعنى: إني خائف، ضيق الصدر، غير منطلق اللسان!
قلت: يجوز أن يكون هذا قبل الدعوة بإطلاق لسانه واستجابتها، ويجوز أن يريد القدر اليسير الذي بقي منها، ويجوز ألا يكون مع حل العقدة من لسانه من الفصحاء، فإن العقدة انحل بعضها وبقي منها بقية، ولذلك قال فرعون عن موسى: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ (٥٢) (^٣) أي: لا يفصح عما يريد أن يتكلم به.
﴿فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ﴾ أرسل إليه جبريل واجعله نبيّا، وهذا اختصار للقصة؛ كقوله:
﴿فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيرًا﴾ (٣٦) (^٤) فاقتصر على ذكر طرفي القصة. فإن قيل: كيف ساغ لموسى أن يعتذر بعد أمر الله له بمشاركة هارون في النبوة وهي رتبة عظيمة؟ قلت: موسى لم يعتذر، وإنما قصد إزاحة علته وأن موسى رجل واحد فقير، وغريمه فرعون بلغ من كبره أنه ادعى الإلهية، وكفى بطلبه العون بأخيه دليلا على أنه قبل ولم يعتذر.
_________________
(١) في الأصل: لأنه معطوف. والمثبت هو الصحيح.
(٢) قرأ يعقوب من العشرة "ويضيق صدري ولا ينطلق لساني" وقرأ الباقون "ويضيق صدري ولا ينطلق لساني". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٧)، تفسير القرطبي (١٣/ ٩٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٧٠)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٠٢)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٥).
(٣) سورة الزخرف، الآية (٥٢).
(٤) سورة الفرقان.
[ ١ / ٦٥٢ ]
أراد بالذنب قتله القبطي، أي: ولهم عليّ تبعة ذنب، وهي قود القتل (^١) سمّي جزاء التبعة ذنبا مجازا، وأراد أنه خائف أن يقتل قبل أداء الرسالة، فيفوت القصد
﴿قالَ كَلاّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦)﴾
وقوله: ﴿كَلاّ﴾ أي: ليس يقدر على قتلك. وقوله: ﴿فَاذْهَبا﴾ إجابة لموسى في جعل هارون نبيّا معه وزيرا. قوله ﷿: ﴿مَعَكُمْ﴾ و﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ خبر ل "إن" وهذا من مجاز الكلام يعني: إنني أشاهد ما يجري منكما وأنا قادر على دفعه عنكما.
ومن صفات الله تعالى السميع، ولكن لا يسمى مستمعا؛ لأن المستمع هو المصغي، والاستماع من السمع، كالنظر من الرؤية، فإن قيل: لم أفرد ﴿رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿إِنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ (^٢)؟ قيل: أراد بالإفراد المصدر، كأنه قال: إنا ذويا رسول ربك، فأفرد كما يفرد المصدر؛ كقوله [من المتقارب]:
ألكني إليها وخير الرّسو ل أعلمهم بنواحي الخبر (^٣)
وكقوله (١٥٥ /أ) [من الطويل]:
لقد كذب الواشون ما فهت عندهم بزور ولا أرسلتهم برسول (^٤)
_________________
(١) القود: قتل النفس بالنفس، والقود: القصاص، وأقدت القاتل بالقتيل: قتلته به. ينظر: لسان العرب (قود).
(٢) سورة طه، الآية (٤٧).
(٣) البيت لأبي ذؤيب الهذلي ينظر في: شرح أشعار الهذليين (ص: ١١٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٠٤)، لسان العرب (لوك)، المخصص لابن سيده (١٢/ ٢٢٥) وألكني: أرسلني. والرسول هنا مصدر فجاز إفراده مع تعدد معناه، ولذلك عاد إليه ضمير الجمع في "أعلمهم"، وشبه الخبر بمكان ذي جهات على الاستعارة المكنية.
(٤) البيت لكثير عزة ينظر في: تهذيب اللغة للأزهري (١٢/ ٣٩١)، ديوان كثير (ص: ١١٠)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٤٤)، لسان العرب (رسل)، النكت والعيون للماوردي (٣/ ١٧٢) ويروى: ما بحت عندهم بسر والواشون: الذين يخلطون الصدق بالكذب ويحرفون الكلم عن مواضعه، ورسول: رسالة.
[ ١ / ٦٥٣ ]
وقيل: أفرده لأن هارون وزير لموسى يشتوران على أمر واحد ويعزمون عليه (١٥٥ /أ).
﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (١٧) قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (١٩)﴾
﴿أَنْ أَرْسِلْ﴾ بمعنى: أي أرسل؛ لتضمن الرسول معنى الإرسال، وهي قوله يفسّر بأي ومعنى الإرسال ههنا التخلية والإطلاق، ويمكنهم أن يذهبوا مع موسى إلى فلسطين ويروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون ولم يؤذن لهما سنة، حتى قيل لفرعون: إن ههنا إنسانا يزعم أنه رسول الله، فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه، فدخلا عليه وأديا الرسالة، فعرف فرعون موسى، فإنه تربّى في حجره، فقال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا﴾ الوليد الصبي لقرب عهده بالولادة، وقرئ بسكون الميم من ﴿عُمُرِكَ﴾ (^١).
قوله: ﴿سِنِينَ﴾ قيل: مكث عندهم ثلاثين سنة وفر منهم على إثرها.
عدد فرعون على موسى نعمته عليه بالتربية، ووبخه بقتل خبازه، وعظم ذلك بقوله:
﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ جملة حالية، أي: وأنت من الكافرين بنعمتي، ويجوز أن يكون كلاما مستأنفا نسب به فرعون موسى إلى الكفر، وقد افترى عليه؛ فإن الأنبياء معصومون من الكفر، أو: كافر بأمر فرعون، أو كان ممن يكفر بإلهية فرعون، فقد قيل: إنه كان لهم أصنام يعبدونها؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ (^٢).
﴿قالَ فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)﴾
فأجاب موسى: بأني إنما قتلت القبطي وأنا جاهل بالحكم.
_________________
(١) قرأ بها أبو عمرو البصري. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٧٠)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٧١)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٠٥).
(٢) سورة الأعراف، الآية (١٢٧).
[ ١ / ٦٥٤ ]
وقرأ ابن مسعود (من الجاهلين) (^١) أي: فعلت فعل أولي الجهل والسفه، كما قال يوسف لإخوته: ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ (٨٩) (^٢) أو المخطئين، أي: لم أتعمد القتل، بل كنت مخطئا أو الناسين ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى﴾ (^٣) ثم كرر موسى على إبطال ما عدد فرعون عليه من النعيم، يعني إن هذا الذي عددته نعمة هو نقمة على التحقيق، فإنه ما أكرم من أهين قومه. ﴿عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ اتخذتهم عبيدا. وقوله: (إذن) جزاء وجواب فما وضعه وقوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ كأنه قال: وجازيتني على حسن التربية قتلت خبازي، وأما الجواب فهو حاصل.
وأفرد في قوله: ﴿تَمُنُّها﴾ وفي ﴿مِنْكُمْ﴾ جمع، وكذلك (١٥٥ /ب) قوله: ﴿خِفْتُكُمْ﴾ لأن الخوف والفرار لم يكونا من فرعون وحده، ولكن منه ومن ملئه ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ (^٤) وأما الامتنان والتعبيد فمن جهة فرعون خاصة.
قوله: ﴿وَتِلْكَ﴾ إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة لا تعرف إلا بتفسيرها، وقد فسرها بقوله: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ﴾. وقال الزجاج (^٥): إنما ألقي موسى في اليم للخوف عليه حين كان يبقي الغلمان، ويقتل الذكور، فلو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي.
وقول فرعون: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ سؤال عن حقيقة ذاته، فأجاب موسى بأن الذي يعرف من صفات الله مخلوقاته وآثاره، فأما ذاته سبحانه تعالى فلا سبيل إلى معرفتها إنه شيء لا كالأشياء، ومعنى سؤال فرعون إنكار أن يكون للعالمين إله سواه.
تعجب فرعون والحاضرون من جواب موسى، حيث نسب الربوبية إلى غيره، ولما ثبت موسى على التعريف بآثار الله ومخلوقاته جننه فرعون وقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾
_________________
(١) وقرأ بها أيضا ابن عباس. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١١)، تفسير القرطبي (١٣/ ٩٥)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٩٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٠٥)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٧٩).
(٢) سورة يوسف، الآية (٨٩).
(٣) سورة البقرة، الآية (٢٨٢).
(٤) سورة القصص، الآية (٢٠).
(٥) ينظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٨٧).
[ ١ / ٦٥٥ ]
﴿لَمَجْنُونٌ﴾ وأعاد موسى الجواب بمثل ذلك فقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ولوّح موسى بالجواب عن إساءة فرعون بنسبة موسى إلى الجنون فقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يعني: أنتم أحق أن تنسبوا إلى الجنون.
قيل: كان حوله خمسمائة رجل في أيديهم الأساور، وكانت للملوك خاصة - أعني الأساور - وعم بقوله: ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ فلم خص بعد ذلك الآباء؟ لأن أقرب المنظور إليه أبو الإنسان وخاصته، ثم خصص المشرق والمغرب؛ لأن تعاقبهما بالشروق والغروب يدل على قادر يحركهما عالم بالمصلحة في ذلك، وهو مما لا يستطيع البشر المشاركة فيه، ولظهور هذا الدليل انتقل إبراهيم الخليل عن الاستدلال بالإحياء والإماتة إلى قوله: ﴿قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ (^١) فلا ينهم، فلما أغلظوا له في القول ونسبوه إلى الجنون قابل ذلك بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ و﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ (٣٣) قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾
قال له فرعون: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ ولم يقنع بأن يقول: لأسجننك وأراد ﴿مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ الذين عرفت خبرهم، وكان من عادته أن يلقي المسجون في هوّة ذاهبة في الأرض وحده لا يسمع ولا يرى. الواو في قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ (١٥٦ /أ) واو الحال دخل الاستفهام عليها، أي: أتفعل بي ذلك ولو جئتك بحجة ظاهرة وآية بينة؟
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ محذوف الجزاء، أي: إن كنت من الصادقين فأت به.
﴿ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ أي: ظاهر كونه ثعبانا، وليس كالمصنوع المزوّر. روي أنها انقلبت حية ورفعت رأسها إلى السماء قدر ميل ثم انحطت وقصدت فرعون، وقالت لموسى: مرني بما شئت، فقال فرعون لموسى: أسألك بالذي أرسلك إلا أخذتها فأخذها فعادت عصا (^٢).
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٢٥٨).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٩/ ٧١)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٥١١) لأبي الشيخ عن المنهال.
[ ١ / ٦٥٦ ]
﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ يدل على أن بياضها كان شديدا يستوقف النظار؛ لتعجبهم منه لخروجه عن البياض المعتاد. قيل: كان لها ليده شعاع يغشى الأبصار ويسد الأفق و﴿حَوْلَهُ﴾ منتصب بوجهين: أحدهما: أنه ظرف، وفي الظرف ضمير هو صاحب الحال.
والثاني: النصب على الحال، ولقد تحيّر فرعون لما أبصر الآيتين وبقي لا يدري أي طرفيه أطول؟ حتى زل عنه ذكر دعوى الإلهية، ورعدت فرائصه حتى احتاج إلى مشاورة الذين هو إلههم بزعمه. قوله: ﴿لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ قول باهت قد انقطعت حججه.
﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ (٣٥) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (٤٠) فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦) قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (٤٨) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩)﴾
﴿تَأْمُرُونَ﴾ من المؤامرة وهي المشاورة، أو من الأمر ضد النهي، جعل العبيد آمرين وإلههم مأمور لما لحقه من الدهش و﴿فَماذا﴾ منصوب، إما لكونه في معنى المصدر، وإما لكونه مفعولا به كقوله [من البسيط]:
أمرتك الخير (^١)
أرجأته وأرجيته إذا أخّرته، وهم لغتان ومنه المرجئة وهم الذين لا يقطعون بوعيد الفساق ويقولون: هم مرجئون لأمر الله (^٢). والمعنى: أخره ومناظرته ليجتمع السحرة.
وقيل: احبسهما. ﴿حاشِرِينَ﴾ شرطا يجمعون السحرة. وأتوا بلفظة ﴿بِكُلِّ﴾ وبلفظ ﴿سَحّارٍ﴾ للمبالغة في تطمين نفس فرعون. ﴿لِمِيقاتِ يَوْمٍ﴾ هو يوم الزينة ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ استبطاء لإجابتهم ﴿نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ إن غلبوا موسى، وليس القصد إلا الطمع في أن يغلب فرعون موسى. قوله: ﴿إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ جزاء وجواب.
_________________
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة النحل، الآية (٥٠).
(٢) تقدم الحديث عن المرجئة في تفسير سورة طه، الآية (٤٨).
[ ١ / ٦٥٧ ]
أقسموا بعزة فرعون، ولا يجوز القسم بغير الله ولو كان معظّما في الشرع، كالنبي والكعبة، فكيف بفرعون (١٥٦ /ب) وعزته؟! وقد استحدث الناس جاهلية؛ يحلف أحدهم بالله وبصفاته فلا يقبل منه حتى يحلف برأس سلطانه، فهي عندهم جهد اليمين (^١).
﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ ما يقلبونه عن الحق بالسحر والتخييل. أو: ما يكذبون، جعل أفعالهم كذبا مجازا. ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ لأنهم لم يتمالكوا حين رأوا ما رأوا أن أسرعوا في السقوط.
﴿ساجِدِينَ﴾ فاعل إلقائهم هو الله الذي قذف في قلوبهم الإيمان، أو إيمانهم، أو ما رأوه من الآيات. ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وبال ما فعلتم.
﴿قالُوا لا ضَيْرَ إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (٥٥) وَإِنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمّا تَراءَ االْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾
﴿لا ضَيْرَ﴾ أي: لا ضرر علينا في ذلك بل هو أعظم نفع، وهو نصرة دين الحق. أو لا ضير علينا فيما تعذبنا به؛ لأنه لابد من لقاء الله حتى يأخذ كل ذي حق حقه، وخبر ﴿لا ضَيْرَ﴾ محذوف، أي: لا ضير علينا في ذلك ﴿أَنْ كُنّا﴾ لأن كنا، وكانوا أول جمع أسلموا حينئذ.
وقيل: أول جمع من قوم فرعون أو من المشهد، وقرئ ﴿أَنْ كُنّا﴾ بالكسر (^٢)، وهو من الشرط الذي يقوله من يدل بحصوله، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا فِي سَبِيلِي﴾ (^٣)
_________________
(١) قاله الزمخشري في الكشاف (٣/ ٣١٢) ومثل هذا ما يقع من بعض الجهال من القسم بالطلاق والشرف وغير ذلك، وقد يكون عنده وعند من يقسم له أن القسم بذلك أشد وآكد من القسم بالله تعالى ولا حول ولا قوة إلا بالله وهذا من الطامات التي أصيب بها المسلمون، ومن المعلوم أن القسم لا يكون إلا بالله كما قال النبي ﷺ: "من كان حالفا فليحلف بالله أو ليسكت" وورد في ذلك الكثير من الأحاديث تنظر في كتب الحديث.
(٢) قرأ بها أبان بن تغلب وأبو معاذ. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٧٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣١٣)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٢٧).
(٣) سورة الممتحنة، الآية (١).
[ ١ / ٦٥٨ ]
ويقول الصانع بعد فراغه مما استأجر عليه: إن كنت عملت لك فأعطني حقي.
﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ معناه: يتبعكم فرعون وقومه، فأغرقهم وأنجاكم ﴿إِنَّ هؤُلاءِ﴾ محكي بعد قول مضمر ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ جماعة قليلة، وثوب شراذم، أي: منقطع، ووصفهم بالقلة مع ذلك، وجمعهم جمع سلامة وهو دليل القلة، وأراد فرعون بهذا القول ألا تضعف حرمة فرعون عند الرعايا بما جرى له مع موسى من العصا واليد البيضاء.
سمّى ما أخرجهم منه كنزا؛ لأنه لم ينفق في طاعة الله. ﴿وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ أي: المنابر.
وقيل: السّرر. وقيل: المنازل الحسنة ﴿كَذلِكَ﴾ في محل الكاف ثلاثة أوجه:
أحدها: النصب، أي: أخرجناهم إخراجا مثل ذلك. والثاني: الجرّ على الصفة لمقام. والثالث: الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك. ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾ فلحقوهم ﴿مُشْرِقِينَ﴾ داخلين في وقت شروق الشمس. ﴿سَيَهْدِينِ﴾ إلى طريق النجاة.
﴿تَراءَ االْجَمْعانِ﴾ أبصر كل فريق أصحابه (١٥٧ /أ) قرئ ﴿إِنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ بتشديد الدال وكسر الراء (^١) من ادّرك الشيء: إذا تتابع وهلك. قرئ (كل فلق) (^٢) والفلق والفرق بمعنى واحد، والطود: الجبل العظيم.
﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (٧٠)﴾
﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ﴾ حيث انفلق البحر ﴿الْآخَرِينَ﴾ قوم فرعون، أي: قربناهم من بني إسرائيل.
وقرئ ﴿وَأَزْلَفْنا﴾ بالقاف (^٣)، أي: أزللنا أقدامهم، ويحتمل أن يكون الله تعالى جعل البحر لبني إسرائيل طريقا يبسا، ولفرعون وأصحابه زلقا. قيل: كان جبريل بين صفي موسى وفرعون فكان يقول لبني إسرائيل: ليلحق آخركم أولكم، ويقول لأصحاب فرعون:
_________________
(١) قرأ بها الأعرج وعبيد بن عمرو. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٢٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٧٥)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣١٦)، مختصر الشواذ لابن خالويه (ص: ١٠٧).
(٢) تنظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٧٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣١٦).
(٣) قرأ بها أبي وابن عباس وعبد الله بن الحارث، والمعنى: وأذللنا وأهلكنا. وقراءة الجمهور "وأزلفنا". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٢٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٧٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣١٦)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٢٩).
[ ١ / ٦٥٩ ]
دونكم يلحق آخركم أولكم، فلما وصل موسى إلى البحر قال له مؤمن آل فرعون: أين أمرت فهذا البحر أمامك والعدو خلفك، وقد غشيك آل فرعون قال: أمرت بالبحر، ولا يدري موسى ما يصنع، فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فصار فيه اثنا عشر طريقا، لكل سبط طريق (^١).
وروي أن موسى لما أجاب يوشع خاض يوشع في البحر تصديقا لقول موسى، فلما انفلق البحر بضرب العصا وجدوا يوشع في موضع الماء الذي خاض فيه لم يبتل له ثوب ولا عدة فرس (^٢)، وهذا البحر بحر القلزم. وقيل: بحر من وراء مصر يقال له: إساف (^٣).
قوله ﷿: ﴿لَآيَةً﴾ أي: آية عظيمة. كان إبراهيم يعلم أنهم عبدة أوثان، وإنما سألهم ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ ليبكتهم.
﴿قالُوا نَعْبُدُ أَصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٧١) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾
فإن قيل: هم سئلوا عن المعبود فكان يكفي في الجواب أن يقولوا: أصناما؛ كقوله:
﴿ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا﴾ (^٤) وكقوله: ﴿ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (^٥) وكقوله: ﴿ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ﴾ (^٦) قلنا: هؤلاء أتوا بالقصة على وجهها، ولهذا قالوا: ﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ كما لو قلت لرجل: ما تلبس من الثياب؟ فيقول: البرد الأتحميّ (^٧) فأجرره بين
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١/ ٢٧٨) ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٠٤) لابن عبد الحكم وعبد بن حميد عن مجاهد ﵁.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٩/ ٨٠).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٢٠/ ٧٨).
(٤) سورة النحل، الآية (٣٠).
(٥) سورة البقرة، الآية (٢١٩).
(٦) سورة سبأ، الآية (٢٣).
(٧) الأتحميّ: ضرب من البرود. ويقال تحّمت الثوب إذا وشّيته. وفرس متحّم اللّون إلى الشّقرة كأنه شبه بالأتحميّ من البرود وهو الأحمر، وفرس أتحميّ اللّون، وروي عن الفراء قال: التّحمة البرود المخطّطة بالصّفرة. ينظر: لسان العرب (تحم).
[ ١ / ٦٦٠ ]
جواري الحي، وذلك يدل على ابتهاجه بهذا اللباس، وعلى ابتهاج قوم إبراهيم بعبادة الأصنام. وإنما قالوا: نظل. لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل.
لابد في ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾ من تقدير، وهو هل يسمعون دعاءكم؟ فإنك لو قلت: سمعت زيدا. لم يستقم حتى تقول: سمعته يقول أو يحدث. وقرئ ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾ بضم الياء (^١)، أي: هل يسمعونكم جوابا؟ وجاء ب ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾ فيما مضى متكررا دعاؤكم (١٥٧ /ب) إياهم، ولم يجيبوا قط في حال من الأحوال، فلما أجابوا إبراهيم باتباع التقليد قال لهم:
انتهوا بالتقليد إلى غاياته، وهو تقليد الأقدمين من آبائكم وصور المحاكمة في نفسه فقال:
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ كأنه قال: وجدت عبادتي للشيطان متابعة لعدو، وقد أخبرنا الله بعداوته لنا، وهذه نصيحة بدأت فيها بنفسي. العدو: واحد أتى به في موضع الجمع كما في المصادر ﴿إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ قيل: هو استثناء منقطع معناه لكن ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ هدى كل حيوان إلى مصالحه.
وقال: ﴿وَإِذا مَرِضْتُ﴾ ولم يقل: أمرضني؛ لأن أكثر الأمراض تحصل من سوء تصرف العبد في زيادة أكل أو نقصه أو في جنس المطعوم. وقيل: استعمل الأدب مع الله تعالى، فنسب الأمراض إلى نفسه ونسب العافية إلى الله.
قوله: ﴿خَطِيئَتِي﴾ ما ينذر وقوعه من الأنبياء ﵈ من الصغائر. وقيل: هو قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (^٢) وقوله للقمر: ﴿هذا رَبِّي﴾ (^٣) وقوله لسارة: هي أختي، وما هذه إلا معاريض، فهي حق وليست كذبا، والصغائر تقع مكفرة باجتناب الكبائر عند المعتزلة وعندنا أمرها راجع إلى المشيئة ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ (^٤) وإنما استغفر إبراهيم عند المعتزلة تواضعا وتعليما لأمته، وطلب المغفرة يوم الدين والمغفرة ممكنة في الدنيا؛ لأن ظهور أثر المغفرة إنما يظهر في الآخرة (^٥).
_________________
(١) قرأ بها قتادة. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٢٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٧٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣١٨)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٢٩).
(٢) سورة الصافات، الآية (٨٧).
(٣) سورة الأنعام، الآية (٧٦).
(٤) سورة النساء، الآية (٤٨).
(٥) تقدم الحديث عن ذلك في سورة النساء، الآية (٣١).
[ ١ / ٦٦١ ]
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ (٨٦) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾
﴿حُكْمًا﴾ أي: حكمة. وقيل: سأل الإصابة في الحكم بين الخلق. وقيل: النبوة.
والإلحاق بالصالحين: أن يوفقه لعمل ينتظم به في جملة الصالحين. ﴿وَلا تُخْزِنِي﴾ ولا تهنّي، أو لا تجعلني مستحييا. ﴿يُبْعَثُونَ﴾ فيه ضمير إلى العباد أو إلى الضالين ﴿إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ إلا حال من أتى الله، وهو كقوله [من الوافر]:
تحيّة بينهم ضرب وجيع (^١)
كما تقول: هل لفلان مال؟ فيقال: ماله سلامة قلبه، مرادك: نفي المال عنه، ويجوز أن يراد: إلا غنى من أتى الله. وقيل: إلا مال من أنفق ماله في الخير وأولاد من علمهم الخير والقرآن. وقيل: السليم الملسوع تألّما على ما سلف منه من التقصير، وهو من بدع التفاسير (^٢).
رتب إبراهيم الكلام مع الكفار فاستفهم عما يعبدونه وهو يعلم أنهم يعبدون الأصنام ثم أبطل إلهية (١٥٨ /أ) أصنامهم بأنها لا تنفع ولا تضر، ورد تقليد آبائهم الأولين، ثم عدد نعم الله عليه بالهداية والإطعام والسقي والشفاء من المرض وغير ذلك، ثم تضرع إلى الله أن يلحقه بالصالحين، وأن يجعل له ذكرا جميلا إلى يوم القيامة، ثم وصله بذكر يوم القيامة.
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)﴾ ﴿قالُوا وَهُمْ فِيها﴾
_________________
(١) البيت لعمرو بن معدي كرب، وصدره: وخيل قد دلفت لها بخيل ينظر في: خزانة الأدب للبغدادي (٤/ ٥٣)، الخصائص لابن جني (٤/ ٣٥)، ديوان عمرو بن معدي كرب (ص: ١٣٧)، شرح أبيات سيبويه (١/ ٣٦٥)، الكشاف للزمخشري (١/ ٦٠) (٣/ ٣٢٠)، المقتضب للمبرد (٢/ ٢٠) أي: وأصحاب خيل تقدمت لها بمثلها، والتحية بالضرب الوجيع على سبيل التهكم.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٣٢١).
[ ١ / ٦٦٢ ]
﴿يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٩٨) وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)﴾
﴿الْجَنَّةُ﴾ تكون قريبة من موقف السعداء، وهو معنى قوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ أي:
قربت للمتقين، وقال: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ وهذه الصيغة كرر فيها الكب، ونحوه الصلصلة لتكررها، جعل التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في المعنى.
﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾ متبعوه من شياطين الإنس والجن، يجوز أن ينطق الله الأصنام فيختصموا مع عابديها، ويجوز أن يكون المراد العصاة ممن عبد ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ﴾ بأنهم تبين لهم أنهم مفترون في كون آلهتهم تشفع لهم، فأخبر عنهم أنهم لا يشفعون ولا ينفعون، وما لا ينفع فهو في حكم المعدوم. الحميم: هو الذي يهمه ما أهمك أو من الحامة بمعنى الخاصة وهو الصديق الخاص، وجمع الشفعاء وأفرد الصديق لكثرة الشفعاء وقلة الصديق، فمن وقع في شدة يستشفع بالصديق وغير الصديق.
وسئل بعضهم عن الصديق فقال: اسم لا معنى له، ويجوز أن يراد بالصديق الجمع كما في العدو. الكرّة: الرجعة إلى الدنيا و﴿فَلَوْ﴾ هاهنا للتمني كأنهم قالوا: يا ليتنا نرد ويجوز أن تكون "لو" على بابها ويحذف الجواب، أي: لو أن لنا كرة لأطعنا.
﴿قَوْمُ﴾ مؤنثة وتصغيرها: قويمة. ونظير قوله: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ والمراد نوح وحده قولك:
فلان يركب الدواب ويلبس البرود، وما له إلا دابة وبرد.
قوله ﷿: ﴿أَخُوهُمْ﴾ أي: في الدين لا في النسب، وكذلك قولهم: يا أخا بني تميم ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أدعوكم إليه. ﴿عَلَيْهِ﴾ أي: على هذا الأمر، وكرر الأمر بالتقوى ليؤكده عليهم؛ ولأنه علل الأمر الأول بكونه أمينا، وفي الثاني حسم طمعه عنهم.
وقرئ ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ (^١) جمع تابع، والواو للحال، و"قد" بعدها مضمرة
_________________
(١) هذه قراءة يعقوب من العشرة. وقراءة الجمهور "واتّبعك". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان -
[ ١ / ٦٦٣ ]
﴿الْأَرْذَلُونَ﴾ يريد الأحقرين واسترذلوهم لفقرهم. وقيل: لصناعتهم الدنية كالحاكة والأساكفة (^١).
﴿قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسابُهُمْ إِلاّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢) كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٢٧) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (١٣٦)﴾
قوله: ﴿وَما عِلْمِي﴾ يريد انتفاء علمه بثبوت إيمانهم وأنه ليس مسؤولا (١٥٨ /ب) عن ذلك، وإنما عليه البلاغ. ﴿وَما أَنَا بِطارِدِ﴾ طمعا في إيمانكم، وإنما عليّ الإنذار، وأقنع ممن يتابعني بالإيمان الظاهر.
﴿فَافْتَحْ﴾ أي: فاحكم. والفتاحة: الحكم ﴿الْفُلْكِ﴾ السفن يطلق على الواحد والجمع، ونظيره الهجان والدلاص (^٢) للواحد والجمع. ﴿الْمَشْحُونِ﴾ المملوء.
والريع بكسر الراء وفتحها (^٣) المكان المرتفع، ومنه قولك: كم ريع أرضك؟ أي: كم ارتفاعها؟ و﴿لَآيَةً﴾ العلم، وكانوا يهتدون بالنجوم في أسفارهم، فاتخذوا في طرقهم
_________________
(١) = (٧/ ٣١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٨٠)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٢٤)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٣١)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٨١)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٥).
(٢) الحاكة: جمع حائك وهم الذين ينسجون ويخيطون الثياب، والأساكفة: جمع الإسكاف وهو الصانع أيّا كان وخص بعضهم به النجار. ينظر: لسان العرب (حيك - سكف).
(٣) الدّلاص من الدّروع: الليّنة ودرع دلاص برّاقة ملساء ليّنة بيّنة الدّلص والجمع دلصّ. وقد يكون الدّلاص جمعا مكسّرا وليس من باب جنب لقولهم: دلاصان. حكاه سيبويه قال: والقول فيه كالقول في هجان وحجر دلاص شديد الملوسة ويقال: درع دلاص وأدرع دلاص الواحد والجمع على لفظ واحد. ينظر: لسان العرب (دلص).
(٤) قال الزمخشري في الكشاف (٣/ ٣٢٥): وقرئ بالفتح والكسر.
[ ١ / ٦٦٤ ]
أعلاما طوالا فنسبوا إلى العبث؛ لأنهم كانوا مستغنين بالنجوم عن العلامات.
وقيل: أراد بيوت الحمام. وقيل: القصور المشيدة والحصون ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ ترجون الخلود في الدنيا، أو يشبه حالكم حال من يخلد. وقرئ ﴿تَخْلُدُونَ﴾ بضم التاء مشددا ومخففا (^١) والبطش بالسيف والصوت من الجبروت والعلو. وقيل: الجبار الذي يقتل ويضرب على الغضب. وقيل: تبادرون عند الغضب إلى البطش من غير تثبت ونظر في العواقب، واستشهد بعلمهم بما أنعم به عليهم، وقرن الأولاد بالنعم؛ لأنهم الذين يعينون آباءهم على اقتنائها.
﴿إِنْ هذا إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) ما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (١٥٤) قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦)﴾
من قرأ ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ بالفتح فمعناه: إن ما جئت به اختلاق الأولين، ومن قرأ بضم الخاء واللام (^٢) فالمراد: عادة الأولين، قام فيهم قوم ادعوا النبوة فلم يثبت لهم أمر.
وقوله: ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ﴾ لأنهم طلبوا أن الرسل لا يصلح أن يكونوا من الواعظين، فهو أبلغ من قولهم: أو لم تعظ. قوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ إنكار أن يخلدوا في
_________________
(١) قرأ "تخلّدون" بالتشديد قتادة، وقراءة الجمهور "تخلدون" بالتخفيف. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٨١)، فتح القدير للشوكاني (٣/ ١٢٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٢٦)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٣٠).
(٢) قرأ أبو عمرو والكسائي وابن كثير وأبو جعفر ويعقوب "خلق"، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف "خلق". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٣)، حجة ابن خالويه (ص: ٢٦٨)، حجة أبي زرعة (ص: ٥١٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٨٢)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٧٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٢٧)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٥).
[ ١ / ٦٦٥ ]
نعيمهم، ويجوز أن يكون إنكارا لتركهم لا يجازون أجمل النعم في قوله: ﴿ما هاهُنا﴾ ثم فسرها بقوله: ﴿فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ قوله: ﴿وَنَخْلٍ﴾ هو داخل في قوله: ﴿جَنّاتٍ﴾ يجوز أن يكون من عطف الخاص على العام ويجوز أن يراد بالجنات ما سوى النخل ثم يعطف عليه النخل، والهضيم: الضامر، وطلع الإناث من النخل ألطف وألين من طلع الفحال، ويجوز أن يريد أن هذه النخيل أصابت أرضا طيبة، فحملت الحمل الكثير، وإذا أكثر الحمل ضمر. الفراهة: الكيس والنشاط.
وقوله: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ (١٥٩ /أ) يريد أن فسادهم لا ينفع فيه شيء من الصلاح. ﴿الْمُسَحَّرِينَ﴾ الذي سحر كثيرا فغلب على عقله. وقيل: هو من السّحر وهو الرئة.
الشرب: النصيب من الماء. سألوا صالحا أن يخرج لهم من هضبة ناقة عشراء وتلد سقبا فصلى صالح ركعتين ودعا الله، فتمخضت الهضبة وانشقت عن ناقة لا يعلم قدرها إلا الله، ثم تمخضت فنتجت سقبا يقاربها في العظم (^١) ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ بنحر أو بعقر أو غيرهما، وعظم اليوم والمراد تعظيم ما وقع فيه.
﴿فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (١٦٦) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلاّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥) كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦)﴾ ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٨/ ٢٢٦) والسقب: ولد الناقة، وقيل: الذكر من ولد الناقة بالسين لا غير وقيل: هو سقب ساعة تضعه أمه. قال الأصمعي: إذا وضعت الناقة ولدها فولدها ساعة تضعه سليل قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى، فإذا علم فإن كان ذكرا فهو سقب وأمه مسقب. ينظر: لسان العرب (سقب).
[ ١ / ٦٦٦ ]
﴿أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (١٨٧) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)﴾
وقوله: ﴿فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ. فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ﴾ فندموا على ما فعلوا من مخالفة صالح، ولم يكن ندمهم توبة؛ لأنهم ما ندموا على العصيان، وإنما ندموا على فساد رأيهم، واللام في ﴿الْعَذابُ﴾ إشارة إلى عذاب يوم عظيم. أراد ب ﴿الْعالَمِينَ﴾ الناس مع كثرتهم وغلبة إناثهم على ذكورهم في الكثرة والعالمون على هذا كل ما ينكح من الحيوان
و﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ أَزْواجِكُمْ﴾ لبيان الجنس أو للتبعيض. ويراد ب ﴿ما خَلَقَ﴾ العضو المباح منهن. وقرئ "ما أصلح لكم ربّكم من أزواجكم" (^١) وكأنهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم ﴿قَوْمٌ عادُونَ﴾ قد تجاوزوا الحد في العصيان بل أنتم عادون في جميع المعاصي. ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن إنكارك لما نحن عليه لتكونن من جملة من أخرجناه من المدينة. قوله: ﴿مِنَ الْقالِينَ﴾ أبلغ من أن يقول: إني قال لعملكم. والقلي أشد البغض، كأنه يقلي الفؤاد بحرقته.
﴿مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ من إتيان الذكران. وقيل: أمدني بالعصمة. قوله: ﴿إِلاّ عَجُوزًا﴾ استثناها لأنها هلكت لرضاها بفعل قومها. قيل: إنها هلكت مع من خرج من القرية بما أمطر عليهم من الحجارة.
وكان أصحاب الأيكة أصحاب شجر ملتف، وشجرهم الدوم. ﴿بِالْقِسْطاسِ﴾ الميزان.
وقيل: العدل، ونهاهم عن الفساد في الأرض وقطع الطريق و﴿وَالْجِبِلَّةَ﴾ الخلقة، ودخلت الواو في قوله: ﴿وَما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ﴾ ولم تدخل في قصة صالح، فإذا دخلت كانوا قد أنكروا أمرين، وإذا لم تدخل كانوا لأمر واحد، والسماء: السحاب، أو المظلة. وإنما طلبوا ذلك
_________________
(١) قرأ بها ابن مسعود. تنظر في: تفسير القرطبي (١٣/ ١٣٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٣٠).
[ ١ / ٦٦٧ ]
إفحاما لشعيب وتعجيزا له، لو تصوروا صورة سقوطها لما أخطر ذلك ببالهم (١٥٩ /ب) يروى أنه حبس عليهم الريح سبعا فخرجوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، فأووا إلى بردها، فأمطرت عليهم نارا. وكرر في أول كل قصة وآخرها ما كرره من المواعظ الحسنة لعلة، لعله أن يفتح آذانا صما، وقلوبا غلفا، وهكذا فائدة التكرير
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾
وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ﴾ أي: ذو تنزيل ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ أي: لتحفظه. ﴿بِلِسانٍ﴾ إما أن يتعلق ب ﴿الْمُنْذِرِينَ﴾ أي: من المنذرين باللسان العربي، وهم خمسة: هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد صلوات الله عليهم. وإما أن يتعلق ب ﴿نَزَلَ﴾ أي: نزله بلسان عربي قوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: وإن ذكره ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: كتبهم. وقيل: إن معانيه فيها ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ احتج به أبو حنيفة على جواز قراءة القرآن بالعجمية (^١).
وقيل: الهاء في ﴿وَإِنَّهُ﴾ عائد إلى النبي ﷺ.
قرئ ﴿يَكُنْ﴾ بالتذكير، و﴿آيَةً﴾ بالنصب على أنها خبره ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ هو الاسم، وقرئ ﴿يَكُنْ﴾ بالتأنيث (^٢)، وجعلت ﴿آيَةً﴾ اسما و﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ خبرا، وليست كالأولى؛ لوقوع النكرة اسما والمعرفة خبرا، وقد خرج لها وجه آخر للتخلص من ذلك، فقيل في ﴿يَكُنْ﴾ ضمير القصة و﴿آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ جملة واقعة موقع الخبر، ويجوز على هذا أن تكون ﴿لَهُمْ آيَةً﴾ هي جملة الشأن و﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ بدلا عن ﴿آيَةً﴾ ويجوز مع نصب الآية تأنيث
_________________
(١) ينظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٩٦)، المبسوط للسرخسي (١/ ٣٥).
(٢) قرأ ابن عامر من العشرة "تكن" بالتاء للمؤنث، وقرأ الباقون "يكن" بالياء للمذكر. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤١)، حجة ابن خالويه (ص: ٢٦٨)، حجة أبي زرعة (ص: ٥٢١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٨٧)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٧٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٣٥)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٦).
[ ١ / ٦٦٨ ]
(تكن) كقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا﴾ (^١).
و﴿عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ من آمن منهم كعبد الله بن سلام ﴿سَلَكْناهُ﴾ أدخلناه ومكناه مكذبا. ودخلت الفاء في قوله: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ يعني يترتب هذا على هذا، ولم يرد أنه يقع عقيبه ﴿ما﴾ في قوله: ﴿ما أَغْنى عَنْهُمْ﴾ أي: لم يغن عنهم.
﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرى وَما كُنّا ظالِمِينَ (٢٠٩) وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠) هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤)﴾
وقوله هاهنا: ﴿إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ﴾ وقال في الحجر: ﴿إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ (^٢) فأثبت الواو، إنما كان ذلك؛ لأن الأصل حذف الواو؛ لأن الجملة بعدها صفة للنكرة، والأصل في الصفات ألا تعطف بالواو (^٣).
قوله: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ﴾ المراد به كل سامع، وروي أنه لما نزل قوله ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صعد النبي ﷺ على الصفا فنادى قبائل العرب بطنا بطنا، فاجتمعوا إليه (١٦٠ /أ) فذكرهم وحذرهم فقال أبو لهب: تبت يداك ألهذا جمعتنا؟ فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (١) (^٤).
الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع خفض جناحه، وإذا أراد أن يطير نشره، فقيل له:
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية (٢٣).
(٢) سورة الحجر، الآية (٤).
(٣) قال أبو حيان في البحر المحيط (٧/ ٤٤): "وإنما تدخل الواو في الصفات جوازا إذا عطف بعضها على بعض وتغاير مدلولها نحو: مررت بزيد الشجاع والشاعر". وينظر: الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٩٠)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٣٨ - ٣٣٩).
(٤) سورة المسد، الآية (٤) والحديث رواه البخاري رقم (٤٩٧١)، ومسلم رقم (٢٠٨).
[ ١ / ٦٦٩ ]
﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ﴾ أي: ألن جانبك، وكانت المتكاهنة كشق وسطيح يسمعون إلى الملأ الأعلى وينزلون بأخبار السماء، فعزلوا عن ذلك، ومنعوا من استراق السمع.
وقرأ عيسى بن عمر (^١) «والشعرآء» بالنصب (^٢)، بإضمار فعل.
قال أبو عبيد (^٣): كان الغالب عليه حبّ النصب، قرأ «حمّالة الحطب» (^٤) و«وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ» (^٥) و«سورة أنزلنها» (^٦).
وقرئ «يتّبعهم» بسكون العين (^٧) تشبيها له ب "عضد".
_________________
(١) هو عيسى بن عمر الثقفي، أبو عمرو، من أئمة اللغة، وهو شيخ الخليل وسيبويه وابن العلاء، أول من هذب النحو ورتبه، كان يكثر من استعمال الغريب، له مصنفات من أشهرها الجامع والإكمال. مات سنة ١٤٩ هـ. قال بعض الشعراء فيه: بطل النحو جميعا كله غير ما أحدث عيسى بن عمر ذاك إكمال وهذا جامع فهما للناس شمس وقمر تنظر ترجمته في: خزانة الأدب للبغدادي (١/ ١١٦)، وفيات الأعيان (٣/ ٤٨٦).
(٢) تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤٨)، تفسير القرطبي (١٣/ ١٥٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٩٣)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ١٢١)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٤٤).
(٣) نقله عنه الزمخشري في الكشاف (٣/ ٣٤٤).
(٤) سورة المسد، الآية (٤) وقرأ بها عاصم، وقرأ الباقون "حمالة". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٥٢٦)، حجة ابن خالويه (ص: ٣٧٧)، حجة أبي زرعة (ص: ٧٧٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٥٨٦)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٧٠٠)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٩٧)، معاني القرآن للفراء (٣/ ٢٩٨)، النشر لابن الجزري (٢/ ٤٠٤).
(٥) سورة المائدة، الآية (٣٨) وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي عبلة "والسارق والسارقة" بالفتح، وقرأ الجمهور "والسارق والسارقة" بالرفع. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٤٧٦)، تفسير القرطبي (٦/ ١٦٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٢/ ٥٢٠)، الكشاف للزمخشري (١/ ٣٧٧)
(٦) سورة النور، الآية (١) وقرأ "سورة" بالنصب عيسى بن عمر الثقفي ومجاهد وأبو حيوة، وقرأ الجمهور "سورة" تنظر في: البحر المحيط لأبي المحيط (٦/ ٤٢٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٠٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٠٨).
(٧) قرأ بها الحسن ورويت عن أبي عمرو، وقرأ "يتبعهم" نافع، وقرأ الباقون "يتّبعهم". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤٨)، حجة ابن خالويه (ص: ٢٦٩)، حجة أبي زرعة (ص: ٥٢٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٩٣)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٧٤)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٤٤)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٧٤).
[ ١ / ٦٧٠ ]
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾
ذكر الوادي والهيوم لذهابهم في كل شعب، ومدحهم من لا يستحق حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة، وأبخل الناس على حاتم.
وعن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله [من الوافر]:
فبتن بجانبيّ مصرّعات وبتّ أفضّ أغلاق الختام (^١)
فقال: قد وجب عليك الحدّ. فقال: يا أمير المؤمنين، قد درأ الله عني الحد: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ (^٢). قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لما استثنى المؤمنين من الشعراء المذمومين، وهم الذين لا يقولون شعرا يكسبون فيه إثما، وينظمون الحكم والآداب وينافحون عن النبي ﷺ وهم أربعة: عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك.
﴿وَانْتَصَرُوا﴾ على من ظلمهم وهجاهم من الكفار.
ختم الله هذه السورة بتهديد بليغ وهو ما في السين من قوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾ وعمّ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وما منا إلا من عصا ربه وظلم، فعلى العاقل أن يجعل هذه الآية نصب عينيه، والله ﷾ أعلم. (١٦٠ /ب).
***
_________________
(١) البيت للفرزدق، ينظر في: الأغاني للأصفهاني (١٠/ ٣٧٥)، تاج العروس للزبيدي (غلق)، تفسير القرطبي (١٣/ ١٣٧)، روح المعاني للألوسي (١٩/ ١٥٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٤٤)، لسان العرب (غلق).
(٢) ذكر القصة الزمخشري في الكشاف (٣/ ٣٤٤).
[ ١ / ٦٧١ ]