﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الم (١) أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾
الحسبان: لا يجوز أن يتعلق بالمفردات لكن يتعلق بمضامين الجمل، والجملة هاهنا هي قوله: ﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾. وليس الأمر كما حسبوه (١٧٥ /أ) بل لا بد من الامتحان بالأمر والنهي والوعد والوعيد. قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ﴾ بالامتحان ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في الإيمان. ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ فيه. فإن قلت: كيف وهو عالم بذلك فيما لم يزل؟ قلت: لم يزل يعلمه معدوما ولا يعلمه موجودا إلا إذا وجد، والمعنى: وليتميزنّ الصادق منهم من الكاذب. وقيل: ليرى. وقيل: ليعلم العلم الذي يتعلق به الثواب والعقاب، وأنه تعالى لا يثيب ولا يعاقب إلا على ما وجد.
وقرئ ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ﴾ (^١) أي: ليطلعن المؤمنين على بواطنهم بعلامة يعرفون بها من بياض وجوه المؤمنين، وسواد وجوه الكافرين، وزرقة عيونهم. ﴿أَنْ يَسْبِقُونا﴾ أن يفوتونا، وهم لم يعتقدوا أنهم يعجزون الله، لكن فعلهم فعل من يظن ذلك، ومنه: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾ (^٢) ﴿لِقاءَ اللهِ﴾ مثل للوصول إلى العاقبة من تلقي ملك الموت وابتداء الشروع في المجازاة. ﴿يَرْجُوا﴾ يؤمل أو يخاف. ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ﴾ وهو الموت ﴿لَآتٍ﴾ لا محالة.
_________________
(١) قرأ بها علي بن أبي طالب وجعفر، وقراءة الجمهور "وليعلمن". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٤٠)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٩٦)، مجمع البيان للطبرسي (٨/ ٢٧١)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٥٩).
(٢) سورة الأنفال، الآية (٩).
[ ٢ / ٤٩ ]
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنّا كُنّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢)﴾
قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ﴾ إما أن يكون في قوم من المسلمين سيئاتهم مكفّرة بالحسنات، وإما قوم من المشركين آمنوا فمعاصيهم تكفر بالإسلام.
﴿وَوَصَّيْنَا﴾ بمعنى عهدنا. ﴿حُسْنًا﴾ أي: أمرا ذا حسن، أو جعل الوصية الحسنى؛ مبالغة. ويجوز أن يكون حسنا مفعولا بفعل مضمر، أي: أوصل إليهما حسنا؛ كما تقول: ضربا. إذا أمرت شخصا بالضرب. قيل: نزلت في سعد بن أبي وقاص، وامتناع أمّه أن يظلها سقف حتى يكفر بمحمد (^١). وقيل: في عياش بن أبي ربيعة، خدعه أخواه، وقالا: ارجع إلى أمك؛ فإنها في شدّة لفراقك، فرجع معهما قاصدا مكة؛ فربطاه، وضربه كلّ واحد منهما مائة سوط، ورجعا به إلى أمه؛ فقالت: لا يزال في عذاب حتى يرجع عن دينه (^٢). ﴿فِي الصّالِحِينَ﴾ في زمرتهم، ووصف الصلاح من أتم الأوصاف، قال في إبراهيم: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ (^٣).
وقال يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ (^٤) أو في مدخل الصالحين وهو الجنة؛ كقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ ..﴾. الآية (^٥).
قوله ﷿: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا﴾ (١٧٥ /ب) فإذا آذاه المشركون أطاعهم برجوعه إلى الشرك وهو المراد بقوله: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾
_________________
(١) رواه مسلم رقم (٤٤٣٢)، والترمذي رقم (٣١١٣)، والطبري في تفسيره (٢٠/ ١٣١).
(٢) نسبه الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار التي في الكشاف (٣/ ٤٢) للبزار في مسنده ولابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق.
(٣) سورة البقرة، الآية (١٣٠).
(٤) سورة يوسف، الآية (١٠١).
(٥) سورة النساء، الآية (٦٩).
[ ٢ / ٥٠ ]
سلقوكم بألسنة حداد وطلبوا الشركة في المغانم؛ فأكذبهم الله - تعالى - بأنه هو العالم بما في صدور هؤلاء، وبما في صدور جميع العالمين ثم هدد هؤلاء الكفار بقوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: ليجازينهم. قوله: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ أمروا أنفسهم بحمل خطاياهم، أي: تتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ونرى بعض [المتسمين بالإسلام من يستن بأولئك، فإذا رأى صاحبه مترددا] (^١) في الإقدام على أمر عظيم، فيقول له صاحبه: افعل هذا وإثمك في عنقي. فربما اغتر به (^٢).
ويروى: أن أبا جعفر المنصور طلب منه رجل حوائج فلما قضاها له قال: يا أمير المؤمنين بقيت الحاجة العظمى، وهي الشفاعة لي في الآخرة. فقال له عمرو بن عبيد (^٣): يا أمير المؤمنين لا تغتر بهؤلاء؛ فإنهم قطاع الطريق في المأمن. وسماهم كاذبين؛ إما لأنهم أشبهوا الكاذبين في مخالفة أقوالهم لأفعالهم، وإما لأنهم قالوا ذلك وقلوبهم على خلافه كالكاذبين.
﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (١٥) وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٢٢)﴾
_________________
(١) ما بين المعقوفين بياض في الأصل، وأثبتناه من الكشاف (٣/ ٤٤٤).
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٤٤٤).
(٣) هو عمرو بن عبيد بن باب التيمي بالولاء أبو عثمان البصري شيخ المعتزلة في عصره ومفتيها وأحد الزهاد المشهورين له رسائل وخطب وكتب منها: التفسير والرد على القدرية. توفي سنة ١٤٤ هـ. تنظر ترجمته في: البداية والنهاية (١٠/ ٧٨)، تاريخ بغداد (١٢/ ١٦٦)، وفيات الأعيان (١/ ٣٨٤).
[ ٢ / ٥١ ]
قوله: ﴿أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا﴾ هي الضلال الذي حملوا عليه أضدادهم فيجتمع عليهم إثم الضلال والإضلال.
﴿وَلَيُسْئَلُنَّ﴾ سؤال تقريع ﴿عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: يختلفون من الأكاذيب والأباطيل.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا ..﴾. (^١). قيل: كان عمر نوح ألفا وخمسين سنة، أربعون قبل النبوة وستون بعد الطوفان، وفي قومه تسعمائة وخمسون وقوله: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ﴾ ولم يقل:
تسعمائة وخمسين؛ لأنه لو قال مثل ما قلت لتطرق إليه المجاز، وأيضا فذكر عقد الألف أهيب وأدل على الكثرة. فإن قلت: فلم جاء المميز أولا بالسنة وثانيا بالعام؟
قلت: لأن تكرير اللفظ الواحد في الكلام الواحد مما يمجّه السمع. و﴿الطُّوفانُ﴾ ما أحاط وأطاف بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام ليل أو نحوهما، والضمير في ﴿وَجَعَلْناها﴾ للسفينة أو للقصة، ونصب ﴿وَإِبْراهِيمَ﴾ بإضمار اذكر، وأبدل عنه "إذ" بدل الاشتمال. ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ هو تسميتهم الأصنام آلهة. ونكر الرزق الأول، وعرف الرزق الثاني؛ لأنه أراد: لا يقدرون على شيء؛ فاطلبوا الرزق كله من الله الذي لا رزاق إلا هو.
﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ﴾ سبقكم غيركم بتكذيب الأنبياء، فهلكوا.
وهذه الآيات (١٧٦ /أ) إلى قوله: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ يجوز أن تكون من كلام إبراهيم صلوات الله عليه، وأن تكون آيات معترضة في شأن رسول الله ﷺ وقريش، بين أول قصة إبراهيم وآخرها، وإذا كانت من كلام إبراهيم فوجه مجيئها معترضة أن المراد بها تسلية رسول الله ﷺ على ما كان يلقاه من الكفر.
وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ليس بمعطوف على ﴿يُبْدِئُ؛﴾ لأنها ليست معلومة للمخاطب، وصلة ﴿الَّذِينَ﴾ لا بدّ من العلم بها. قوله ﷿: ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ لو كنتم فيها. وقيل: ولا من في السماء بمعجزين؛ كقول حسان [من الوافر]:
أمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء (^٢)
_________________
(١) انظر الكشاف (٣/ ٤٤٤).
(٢) ينظر في: تذكرة النحاة لأبي حيان (ص: ٧٠)، الدرر اللوامع على همع الهوامع لأحمد الأمين الشنقيطي (٥/ ١٨٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٤٥)، ديوان حسان بن ثابت (ص: ٧٦)، مغني اللبيب لابن هشام (ص: ٦٢٥)، همع الهوامع للسيوطي (١/ ٨٨).
[ ٢ / ٥٢ ]
أو: لا تعجزون أمره الجاري في السماء والأرض أن يجري عليكم حكمه. وقيل: ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ لو تغلغلتم في أعماق الأرض أو علوتم في القصور المشيدة.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٣) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٥)﴾
﴿بِآياتِ اللهِ﴾ بدلائله على قدرته وصدق رسله وعلى البعث. ﴿يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ أي: في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (^١).
لا يجوز للمسلم أن ييأس من رحمة الله وروحه. قرئ ﴿جَوابَ قَوْمِهِ﴾ بالنصب والرفع (^٢). وروي: أنه لم ينتفع بالنار يوم ألقي إبراهيم فيها؛ لذهاب حرّها.
قرئ ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ بنصب المودة (^٣). ليكون ذلك سببا لتوادّكم ومحبتكم، أو اتخذتموها مودة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ (^٤).
وقرئ بالرفع (^٥) خبرا ل "إنّ " على أن "ما" موصولة، وقرئ بنصب ﴿بَيْنِكُمْ﴾ مع الإضافة (^٦) كقوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ (^٧). بفتح ﴿بَيْنِكُمْ﴾ وهو فاعل. ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ تكون تلك المودة بغضا ولعنة. ﴿وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ كما زعمتم أنهم
_________________
(١) سورة الروم، الآية (١٢).
(٢) تقدم تخريج القراءة عند تفسير سورة النمل، الآية (٥٦).
(٣) قرأ بها عاصم في رواية حفص عنه، وحمزة وروح. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٤٨)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٧٩)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٥٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٦٤)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٩٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٠٣)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٤٣).
(٤) سورة البقرة، الآية (١٦٥).
(٥) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس. تنظر المراجع السابقة.
(٦) قال السمين الحلبي في الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٦٤): نقلت عن عاصم.
(٧) سورة الأنعام، الآية (٩٤).
[ ٢ / ٥٣ ]
شفعاؤكم عند الله.
﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (٢٧) وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٢٩) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١)﴾
كان لوط ابن أخي إبراهيم ﵇، وهو أول من آمن له حين رأى النار لم تؤثر في إحراقه، وقال إبراهيم ﴿إِنِّي مُهاجِرٌ﴾ من لوثى وهي من ضياع الكوفة إلى حرّان ثم منها إلى فلسطين. ﴿إِلى رَبِّي﴾ إلى حيث أمرني ربي بالهجرة إليه، وكان معه سارة زوجته ولوط ابن أخيه في هجرته. ﴿أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا﴾ الثناء الحسن، والصلاة عليه إلى يوم القيامة.
فإن قلت: ولم لم يذكر إسماعيل ﵇؟ وذكر إسحاق وذريته؟! قلت: ذكر إسماعيل في قوله: (١٧٦ /ب) ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ﴾ والمراد بالكتاب جنس الكتاب فيدخل فيه التوراة والإنجيل والزبور والفرقان.
﴿وَلُوطًا﴾ معطوف على ﴿إِبْراهِيمَ﴾ أو على ما عطف عليه. والفاحشة: الفعلة البالغة القبح. وقطع السبيل: هو فعل قطاع الطريق. وقيل: هو الإتيان في غير المأتي؛ فإنه ليس محل حرث، ولا بذر. والمنكر: هو الخذف بالحصى والرمي بالبنادق. والدّفعة بالأصابع، ومضغ العلك والسواك بين الناس، والسباب والفحش في المزاح.
وعن عائشة ﵂: "كانوا يتضارطون" (^١).وقيل: السخرية ممن يمر بهم.
وقيل: المجاهرة في ناديهم بذلك العمل. وكل معصية فإظهارها أقبح من سترها، وكانوا يحملون الناس على الفاحشة التي يعملونها طوعا وكرها. أراد لوط ﵇ أن يؤكد السؤال في هلاك قومه فوصفهم بالفساد، والفساد تستحق العقوبة بسببه.
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٠/ ١٤٥)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٤٦١) للبخاري في تاريخه ولابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عائشة ﵂.
[ ٢ / ٥٤ ]
﴿بِالْبُشْرى﴾ بالولد، والنافلة وهما إسحاق ويعقوب، وأضاف ﴿مُهْلِكُوا﴾ إلى أهل القرية إضافة تخفيف لا تعريف، والقرية سدوم، وهي التي يقال فيها: أجور من قاضي سدوم (^١).
﴿قالَ إِنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٢) وَلَمّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣) إِنّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥) وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٣٧) وَعادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠) مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣) خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤)﴾
_________________
(١) سدوم: فعول من السدم وهو الندم مع غم. قال أبو منصور: مدينة من مدائن قوم لوط كان قاضيها يقال له: سدوم. وقال أبو حاتم في كتاب المزال والمفسد: إنما هو سذوم بالذال المعجمة. قال: والدال خطأ. قال الأزهري: وهو الصحيح وهو أعجمي. وقال الشاعر: كذلك قوم لوط حين أضحوا كعصف في سدومهم رميم وهذا يدل على أنه اسم البلد لا اسم القاضي إلا أن قاضيها يضرب به المثل فيقال: أجور من قاضي سدوم. ينظر: معجم البلدان لياقوت الحموي (٣/ ٢٠٠)، معجم ما استعجم لأبي عبيد البكري (٣/ ٧٢٩).
[ ٢ / ٥٥ ]
﴿إِنَّ فِيها لُوطًا﴾ اعتراض على الملائكة، حيث قالوا: ﴿إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ،﴾ أي: فيها من لا يستحق العقوبة، فأجابته: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها﴾ ووعدوه نجاة لوط وأهله، ثم جددت الملائكة استحقاق الوعيد على قوم لوط؛ فقالوا: ﴿إِنّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا﴾ أي: عذابا ﴿مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾. قوله ﷿:
﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ مثل مضروب بقصير اليد لو أمدها ليأخذ شيئا لم تصل. ومثل القويّ بطويل إذا مدّ يده إلى شيء وصل إليه. الرجز والرجس: العذاب؛ من قوله: ارتجز وارتجس: إذا اضطرب. ﴿مِنْها﴾ أي: من القرية. ﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾ آثار هلاكهم. قوله:
﴿لِقَوْمٍ﴾ يتعلق ب ﴿تَرَكْنا﴾ أو ب ﴿بَيِّنَةً﴾ ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ أي: افعلوا ما تستحقون به النجاة من العذاب. وقيل: هو من الرجاء؛ بمعنى الخوف.
﴿الرَّجْفَةُ﴾ الزلزلة الشديدة، وعن الضحاك: صيحة جبريل ﵇؛ لأن القلوب رجفت لها (^١). ﴿فِي دارِهِمْ﴾ في بلدهم (١٧٧ /أ) وأرضهم. ﴿جاثِمِينَ﴾ باركين على الركب.
قوله: ﴿وَعادًا وَثَمُودَ﴾ منصوب بإضمار: أهلكنا؛ لأن قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ يدل عليه. ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ ذلك من هلاك مساكنهم ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ الآية (^٢). ﴿وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ عقلاء قادرين على النظر في مصالح دينهم؛ فأهملوا ذلك. وقيل: كانوا متثبتين أن العذاب نازل بهم؛ لأن ذلك قد بين على ألسنة الرسل، ولكنهم لجوا حتى هلكوا ﴿سابِقِينَ﴾ فائتين، أدركهم أمر الله فلم يفوتوه.
الحاصب لقوم لوط: وهو ريح عاصف فيها حصباء. وقيل: ملك كان يرميهم.
والصيحة لمدين وثمود، والخسف لقارون، والغرق لقوم نوح وفرعون. الغرض تشبيه ما اتخذوه مثلا ومعتمدا في دينهم، وتولوه من دينه بما هو مثل عند الناس في الوهن وضعف القوة وهو نسج العنكبوت ولذلك قال: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾. فإن قلت: كل أحد يعلم وهن بيت العنكبوت؟ قلت: معناه: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أن
_________________
(١) ذكره البيضاوي في تفسيره (٤/ ٣١٦)، والشوكاني في فتح القدير (٤/ ٢٠٢).
(٢) سورة الفرقان، الآية (٤٠).
[ ٢ / ٥٦ ]
هذا مثلهم إذا شابه دينهم نسج العنكبوت ثبت أن دينهم أوهن الأديان، وهذا زائد على ضرب المثل بالعنكبوت؛ لأنه لم يجعل ما اتخذوه من عبادة أوثانهم شيئا.
﴿اُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥) وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (٤٧)﴾
﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ فإن قلت: كم من مصل لم تنهه صلاته؟
قلت: الصلاة التي تنهى هي التي يدخل فيها خاشعا مستحضرا أنه بين يدي ربه سائلا منه التوفيق والهداية. روى: أن رجلا كان يصلي مع النبي ﷺ ولا يدع شيئا من المعاصي إلا ركبه، فوصف حاله للنبي ﷺ فقال: ستنهاه صلاته، فلم يمض إلا يسير حتى تاب وأصلح وترك ما كان يرتكبه من المعصية (^١). وأراد ب ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ﴾ الصلاة؛ يريد أنها أفضل أعمال البر.
وعن ابن عباس: ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته (^٢).
﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ بالخصلة التي هي أحسن. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إلا الذين آذوا رسول الله ﷺ. وقيل: إلا الذين دعوا لله ولدا وشريكا. وعن قتادة: منسوخة بآية السيف (^٣).
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (٢/ ٤٤٧)، وابن حبان في صحيحه رقم (٢٥٦٠)، والبزار (٧٢٠ - كشف الأستار) عن ونسبه له الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٦١) عن أبي هريرة ﵁. وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٠/ ١٥٦)، وأبو السعود في تفسيره (٧/ ٤٢)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٤٦٦) للفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن ربيعة عن ابن عباس - ﵄.
(٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٢٨١) ونسبه لابن جرير وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان.
[ ٢ / ٥٧ ]
وعن النبي ﷺ: "ما حدثكم به أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ﴿وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ الآية فإن كان باطلا (١٧٧ /ب) لم تصدقوهم وإن كان حقا لم تكذبوهم" (^١).ومثل ذلك الإنزال ﴿أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ﴾ أي: مصدقا لسائر الكتب السالفة تحقيقا لقوله: ﴿آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾
﴿فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ هم عبد الله بن سلام ومن آمن معه. ﴿وَمِنْ هؤُلاءِ﴾ أهل مكة.
﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ مع ظهورها ﴿إِلاَّ الْكافِرُونَ﴾ المتوغلون في الكفر. وقيل:
هم كعب بن الأشرف وأصحابه.
﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظّالِمُونَ (٤٩) وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٥٢) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)﴾
قوله: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ﴾ لأنه لو كان قارئا لقالوا: وجد هذه القصص التي [يقصها] مذكورة في كتب الأولين فارتابوا أو شكوا. ﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ كما جاء في بعض الآثار: "أناجيل أمتي في صدورهم" (^٢).
﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ﴾ نقترحها؟ فأجابهم الله بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا﴾ الآية. والقرآن معجزة باقية على وجه الدهر. ﴿وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ كلفت الإنذار ولست آتي من المعجزات إلا بما أنزل عليّ، ولست أقترح على الله آيات معينات؛
_________________
(١) رواه أحمد (٤/ ١٣٦)، وأبو داود رقم (٣٦٤٤)، وابن حبان رقم (٦٢٥٧)، والبغوي في شرح السنة (١/ ٢١٨) رقم (١٢٥، ١٢٤)، والبيهقي في شعب الإيمان رقم (٩٣٩٦).
(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٢٨٣ - ٢٨٤) ونسبه للدارمي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.
[ ٢ / ٥٨ ]
إنما أنا نذير أبلغ ما أمرت بإبلاغه. وروي أن ناسا أتوا رسول الله ﷺ بكتف كتبوا فيه شيئا منقولا عن اليهود في التوراة؛ فقال ﵇: "كفى بقوم حماقة أن يتركوا ما جاء به نبيهم ويسألوا عمّا لم يأت به نبيهم" (^١). ﴿كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ أني قد بلغتكم ما أرسلت ﴿بِهِ﴾ إليكم، وأنذرتكم، وأنكم قابلتموني بالجحد والتكذيب.
﴿لَجاءَهُمُ الْعَذابُ﴾ أي عاجلا، والمراد بالأجل: الآخرة؛ لأن الله تعالى وعد نبيه ﷺ ألاّ يعذب قومه ولا يستأصلهم، وأن يؤخّر عذابهم إلى يوم القيامة.
وقيل: الأجل: يوم بدر. وقيل: وقت فنائهم بآجالهم. ﴿لَمُحِيطَةٌ﴾ أي: ستحيط بهم. ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ﴾. وقيل: هي محيطة بهم في الدنيا؛ لأن الأعمال التي توجبها محيطة بهم. ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي جزاؤه. والمعنى: أن الإنسان إذا لم يتهيأ له في بلد إصلاح شأنه في دينه ولا من يعينه عليه فليرحل عنها إلى حيث يتيسر له. وقال الزمخشري: جربنا وجرب الأولون منا فلم نر ما هو أجمع للخاطر وأعون على التقوى من المجاورة بحرم الله (^٢).
﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُها وَإِيّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٦٣) وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾
وعن النبي ﷺ: "من فرّ بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان قدر شبر (١٧٨ /أ) وجبت له الجنة، وكان رفيق إبراهيم ومحمد" (^٣).وقيل: نزلت في المستضعفين من
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢١/ ٧)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٤٧١) للدارمي وأبي داود في مراسيله وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن يحيى بن جعدة ﵁.
(٢) ينظر: الكشاف (٣/ ٤٦١).
(٣) ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (١/ ٣٥١) تفسير سورة النساء، (٣/ ٥٠) تفسير سورة العنكبوت، ونسبه للثعلبي في تفسيره. وقال: مرسل.
[ ٢ / ٥٩ ]
المؤمنين؛ كانوا بمكة لا يتمكنون من إقامة شعائر دينهم فدلهم الله على الهجرة. والتقدير في الآية: وإياي اعبدوا فاعبدون. ومعنى الفاء في ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ جواب شرط مقدر؛ المعنى:
إن لم يتيسر لكم القيام بوظائف الدين في أرض فأخلصوا لله العبادة في غيرها. المعنى: أنها تحس بالموت إحساس الذائق. ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ لننزلنهم، وقرئ ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ (^١) والوجه في تعديته إلى ضمير المؤمنين، وإلى العرف إجراؤه مجرى لننزلنهم ولنثوينهم، وتقديم المجرور في قوله: ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يدل على الاختصاص. الدابة: اسم لكل نفس دبت على وجه الأرض عقلت أو لم تعقل.
قيل: كان المسلمون إذا أمروا بالهجرة قالوا: كيف نذهب إلى بلد ليس لنا فيه رزق ولا معيشة؟ فنزلت ﴿لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ لضعفها عن حمله. ﴿اللهُ يَرْزُقُها وَإِيّاكُمْ﴾.
وقيل: لا تحمل رزقها، أي: لا تدخر شيئا لغد. قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يريد: أهل مكة.
﴿يُؤْفَكُونَ﴾ يصرفون عن التوحيد. قدر الرزق وقتره: إذا ضيقه، يحتمل أن يراد:
ويقدر له: يجمع له بين التوسعة والتقتير، وأن يكون المراد شخصين في وقتين. ﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ كما يلعب الصبيان ساعة ثم يتفرقون. ﴿وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ﴾ الدائمة. والحيوان: مصدر وهذا الوزن الحركة والاضطراب؛ كالنزوان والغليان والضربان؛ فهو أبلغ من أن يقول: لهي الحياة.
﴿فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾
_________________
(١) قرأ بها حمزة والكسائي وخلف، وقرأ الباقون "لنبوئنهم". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٥٧)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٨١)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٥٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٦٨)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٠٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢١٠)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٤٤).
[ ٢ / ٦٠ ]
﴿فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ الفاء في قوله: ﴿فَإِذا رَكِبُوا﴾ أي: هم على ما هم عليه من دعوى الشرك فإذا دهمهم أمر عظيم التجأوا إلى الله وحده، وسماهم ﴿مُخْلِصِينَ﴾ تهكّما بهم.
اللام في ﴿لِيَكْفُرُوا،﴾ و﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ يجوز أن تكون لام كي، وأن تكون لام الأمر للتهديد. وجاء قوله: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ إيذانا بفساد ذلك الإخلاص الذي أخلصوه في الشدة.
كانت العرب حول مكة يغير بعضهم على بعض، ويأكل القوي منهم الضعيف، وكان أهل الحرم آمنين في رحلتي الشتاء والصيف؛ فذكرهم الله تعالى هذه النعمة.
قوله: ﴿لَمّا جاءَهُ﴾ أي: كذبوا به لما جاءهم، ولم يتثبتوا؛ بل بادروا إلى التكذيب.
﴿جاهَدُوا فِينا﴾ أي: بالصبر على قتال الكفار وأذاهم. وقوله: ﴿فِينا﴾ أي: في طاعتنا.
قوله: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ﴾ لنزيدنهم هداية إلى سبل الخير. وعن أبي سليمان الداراني (^١):
والذين جاهدوا فيما عملوا لنهدينهم إلى ما لم يعملوا (^٢). وقيل: إن الذي (١٧٨ /ب) يشاهد فينا من جهلنا بما لا نعلم إنما هو من تقصيرنا فيما علمناه. ﴿لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ لناصرهم ومعينهم.
***
_________________
(١) هو الإمام زاهد العصر عبد الرحمن بن أحمد بن عطية أبو سليمان الداراني من أهل داريا وهي ضيعة إلى جنب دمشق كان أحد عباد الله الصالحين ومن الزهاد المتعبدين، ورد بغداد وأقام بها مدة ثم عاد إلى الشام فأقام بداريا حتى توفي سنة خمس عشرة ومائتين، وقيل: سنة خمس ومائتين. تنظر ترجمته في: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٠/ ٢٤٨)، حلية الأولياء لأبي نعيم (٩/ ٢٥٤)، سير أعلام النبلاء للذهبي (١٠/ ١٨٢).
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٤٦٥).
[ ٢ / ٦١ ]