﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَياةً وَلا نُشُورًا (٣)﴾
البركة: الخير وزيادته، وفيه معنيان: أحدهما: تكاثر خير الذي نزل الفرقان.
والثاني: تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله.
و﴿الْفُرْقانَ﴾ مصدر فرق؛ كالغفران والشكران، وسمي به القرآن؛ لأنه فرق بين الحق والباطل، أو لأنه نزل مفرقا مفصلا؛ لقوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ﴾ الآية (^١).
وقرئ (على عباده) (^٢) يعني النبي ﷺ وأمته؛ لقوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا﴾ (^٣) ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا﴾ (^٤). ﴿لِيَكُونَ﴾ الرسول أو القرآن، ويعضد عوده إلى القرآن قراءة من قرأ "على عباده".
﴿لِلْعالَمِينَ﴾ الجن والإنس ﴿نَذِيرًا﴾ بمعنى: منذرا، أي: مخوفا أو إنذارا كالنكير بمعنى الإنكار، ومنه ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ﴾ (^٥) ﴿الَّذِي لَهُ﴾ رفع على الإبدال من ﴿الَّذِي نَزَّلَ﴾ أو على المدح، أو نصب عليه، وجاز الفصل بين البدل والمبدل منه؛ لأنه ليس بأجنبي. فإن قلت: في الخلق معنى التقدير فكيف قال بعده: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾؟
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية (١٠٦).
(٢) قرأ بها عبد الله بن الزبير. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٨٠)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٦٢)، المحتسب لابن جني (٢/ ١١٧)، النكت والعيون للماوردي (٣/ ١٤٨).
(٣) سورة الأنبياء، الآية (١٠).
(٤) سورة البقرة، الآية (١٣٦).
(٥) سورة القمر، الآية (١٦).
[ ١ / ٦٢٥ ]
قلت: الخلق فيه معنى التقدير فكأنه قال: قدر كل شيء، يعني: أحدث كل شيء على مقتضي الحكمة أي: أوجده غير متفاوت. وقيل: معناه فقدر له مدة لبقائه. ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ لا تقدر على جلب نفع ولا (١٤٦ /أ) دفع ضرّ ولا إيجاد مخلوق.
﴿وَلا يَمْلِكُونَ﴾ إحياء ولا إماتة.
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾
﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ اليهود. وقيل: عدّاس مولى حويطب بن عبد العزّى، ويسار مولى العلاء بن الحضرمي، وأبو فكيهة الرومي قال ذلك النضر بن الحارث (^١). جاء وأتى يستعملان بمعنى فعل فيعديان تعديته، ويجوز أن يكون بمعنى ورد ظلما، تقول: جئت المكان، ويجوز أن يحذف الجار، أي: جاءوا بظلم وزور، وظلمهم أن جعلوا أفصح العرب يتلقى من الرومي وقد أتاهم بكتاب أعجز العالم بفصاحته، والزور: نسبتهم إياه إلى الافتراء الذي هو بريء منه.
﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أحاديث سطرها المتقدمون، كأحاديث رستم واسفنديار (^٢)، جمع أسطورة، كأحدوثة. ﴿اِكْتَتَبَها﴾ أي: استدعى كتابتها لنفسه، وقرئ (اكتتبها) على البناء للمفعول (^٣) أي: كتبها له كاتب؛ لأنه كان أميّا لا يكتب ﴿تُمْلى عَلَيْهِ﴾ أي: تلقى عليه ليحفظها؛ لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب.
وعن الحسن أنه قول الله - سبحانه - يكذبهم، وإنما يستقيم أن لو فتحت الهمزة على الاستفهام في معنى الإنكار (^٤) كقول الشاعر [من المنسرح]:
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٨/ ١٨٢).
(٢) من ملوك الفرس.
(٣) قرأ بالبناء للمجهول طلحة بن مصرف. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٨٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٤٣)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٦١)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٦٤)، المحتسب لابن جني (٢/ ١١٧).
(٤) قاله الزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٦٤).
[ ١ / ٦٢٦ ]
أفرح أن أرزأ الكرام وأن أرزق ذودا شصائصا نبلا (^١)
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠)﴾
﴿فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: يعلم كل سرّ خفي فيهما، ومنه كيدهم برسول الله ﷺ وتمحلهم للطعن في الدين.
فإن قلت: كيف طابق قوله: ﴿إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ هذا المعنى؟ قلت: من عادته - ﷾ - أن يقرن الوعد بالوعيد أو: غفور رحيم لم يعاجل بالعقوبة على ما صنعتموه، لكنه أمهل وما أهمل.
﴿ما لِهذَا﴾ وقع في المصحف فصل اللام عن الهاء، والأصل وصلها، وخط المصحف سنة لا تغير. وقولهم "ما لهذا": فيه تحقير واستهانة بجانب النبوة ومثله قوله - تعالى:
﴿أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ (^٢) وتسميته بالرسول سخرية منهم، ومنه قول فرعون:
﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ (^٣).
و﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ﴾ لطلب المعاش، يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن ذلك، ثم نزلوا فقالوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ (١٤٦ /ب).
قوله - ﷿: ﴿وَقالَ الظّالِمُونَ﴾ وضع للظاهر موضع المضمر والنصب في "فيكون" جواب ﴿لَوْلا﴾ التي للتحضيض. القائلون كفار قريش؛ النضر بن الحارث وعبد
_________________
(١) البيت لحضرمي بن عامر يخاطب جزء بن سنان حين اتهمه بسروره بأخذ دية أخيه المقتول. ينظر في: تاج العروس للزبيدي (شصص)، تهذيب اللغة للأزهري (١١/ ٢٦٣)، جمهرة اللغة (ص: ٣٧٩)، العين المنسوب للخليل (٨/ ٣٢٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٦٤)، لسان العرب (شصص)، مقاييس اللغة (٥/ ٣٨٣) ويروى "أورث" بدل "أرزق". أي: أأفرح أن أعطى قطيعا من الإبل بعد موتهم، والذود: ما بين الثلاثة إلى العشرة وعبر بها عن الدية استقلالا وتحقيرا لها، والشصائص: جمع شصوص وهي الناقة قليلة اللبن، والنبل: جمع النبيل وهو الصغير من الإبل.
(٢) سورة الأنبياء، الآية (٣٦).
(٣) سورة الشعراء، الآية (٢٧).
[ ١ / ٦٢٧ ]
الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد ومن ضامهم. ﴿مَسْحُورًا﴾ سحر فغلب على عقله، أو ذا سحر وهو الرئة، عنوا أنه بشر لا ملك.
﴿ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ﴾ أي: قالوا فيك تلك الأقوال ﴿فَضَلُّوا﴾ عن طريق الحق فلا يجدون طريقا إلى سلوكه. جاء بكل بركة ﴿الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا﴾ وقرئ (ويجعل) بالرفع عطفا على ﴿جَعَلَ﴾ لأن الشرط إذا كان ماضيا جاز في جزائه الجزم والرفع (^١) وقرئ بالنصب (^٢) على أنه جواب الشرط بالواو.
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا (١٣) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾
﴿بَلْ كَذَّبُوا﴾ أي: أتوا بما هو أشد من ذلك كله وهو تكذيبهم بالبعث ﴿سَعِيرًا﴾ النار الشديدة الاستعار. وقيل: هو اسم من أسماء جهنم. ﴿إِذا رَأَتْهُمْ﴾ من قولك: دورهم تتراءى أي: تتقابل، ومنه قوله ﷺ: "لا تراءى ناراهما" (^٣).
كأن بعضها يرى بعضا على سبيل المجاز، والمعنى: إذا قربت منهم سمعوا صوت غليانها، وشبهه بصوت المتغيظ والزافر ويجوز أن يراد: إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضبا.
والكرب مع الضيق كما أن الفرج مع السعة، ولهذا قال ﴿مَكانًا ضَيِّقًا﴾ ووصف الله الجنة
_________________
(١) ينظر: الإنصاف لابن الأنباري (٢/ ٦٢٨)، شرح ابن عقيل للألفية (٤/ ٣٥)، المغني لابن هشام (١/ ٥٠٥).
(٢) قرأ ابن كثير وابن عامر وشعبة عن عاصم (ويجعل) وقرأ الباقون (ويجعل). وقرأ عبد الله بن موسى وطلحة بن سليمان (ويجعل). تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٨٤)، حجة ابن خالويه (ص: ٢٦٤)، حجة أبي زرعة (ص: ٥٠٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٤٤)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٦٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٦٦)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٦٣)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٣).
(٣) رواه أبو داود في سننه رقم (٢٦٤٥)، والترمذي رقم (١٦٠٤) عن جرير بن عبد الله قال: "بعث رسول الله ﷺ سرية إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ فأمر لهم بنصف العقل وقال: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين قالوا: يا رسول الله لم؟ قال: لا تراءى ناراهما". وقال الشيخ الألباني في صحيح أبي داود رقم (٢٣٠٤): صحيح دون جملة العقل.
[ ١ / ٦٢٨ ]
بأن عرضها السماوات والأرض. جمع الله للكفار ضيق محلهم حتى قيل: إنه يزج الكافر في جهنم كما يزج الوتد في الحائط، وهم مغلون في أعناقهم وفي أرجلهم الأصفاد، وهي القيود وقد قرنت أيديهم مع أعناقهم. وقيل: قرن كل إنسان مع شيطانه في الدنيا بالسلاسل.
الثّبور: الهلاك، ودعاء الثبور أن يقال: واثبوراه، أي: تعال يا ثبور، فهذا حينك وزمانك.
﴿لا تَدْعُوا﴾ أي: يقال لهم ذلك، أو هم أحقاء بأن يدعوا الويل والثبور وإن لم يكن ثم قول، ومعنى ﴿وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ أي: ليس ثبوركم ثبورا واحدا، بل هو متعدد إما لتعدد أسبابه، أو لتعدد أنواع العذاب، أو لأنه كلما بدلوا جلودا غير الأول تضاعفت عقوبتهم، وكثر ثبورهم والضمير الرابط في قوله: ﴿الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ محذوف، أي: وعدها.
﴿قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُلًا (١٦) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)﴾
قوله: ﴿جَزاءً وَمَصِيرًا﴾ ذكر المصير في الجنة (١٤٧ /أ) ولم يذكره في النار؛ لأن السرور التام إنما يحصل لموافقة المسكن الغرض وسلامته من الغثاثة، فذكره من جزاء الخير وعدا من الله، حقه أن يسأل، وقد سألته الملائكة والصالحون من الإنس، قالت الملائكة: ﴿رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ (^١) وقال الصالحون: ﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ (^٢) وقرئ (يحشرهم) بكسر الشين، و(نحشرهم) و(نقول) بنونين (^٣). وجائز ﴿وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ يريد: المعبودين من الملائكة والمسيح وعزير (^٤). وعن الكلبي: ينطق
_________________
(١) سورة غافر، الآية (٨).
(٢) سورة آل عمران، الآية (١٩٤).
(٣) قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب (يحشرهم) وقرأ الباقون (نحشرهم). وقرأ ابن عامر (فنقول) وقرأ الباقون (فيقول). تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٨٧)، حجة ابن خالويه (ص: ٢٦٥)، حجة أبي زرعة (ص: ٥٠٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٤٦)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٦٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٦٨)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٣٣).
(٤) رواه الطبري في تفسيره (١٨/ ١٨٩) عن مجاهد.
[ ١ / ٦٢٩ ]
الله الأصنام ويسألها (^١). ويجوز أن يعم الجميع، وإذا اجتمع ما يعقل وما لا يعقل غلب العاقل، ولهذا قال: ﴿وَما يَعْبُدُونَ﴾ وذكر الفاعل لأنه ليس الإنكار على الفعل فإن عبادة الأصنام قد وقعت، وإنما السؤال عن فاعلها فيبهت وتنقطع حجته فيبادرون إلى الإنكار، ويقولون: بل أنت يا ربنا متعتهم بالأموال والبنين حتى نسوا الذكر وهلكوا بسبب ذلك.
والبوار: الهلاك، والبور: الهالكون، فإذا تبرأت الملائكة وصلحاء الإنس والجن عن ذلك بهت الكفار وقالوا: أنت الذي أنعمت عليهم فبطروا وجعلوا بدل الشكر كفرانا.
وقوله: ﴿سُبْحانَكَ﴾ تعجب منهم مما قيل لهم. وقرأ أبو جعفر المدني ﴿أَنْ نَتَّخِذَ﴾ بضم النون وفتح التاء والخاء (^٢) ﴿الذِّكْرَ﴾ ذكر الله والإيمان به، أو القرآن.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا (١٩) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)﴾
وقرئ (بما يقولون) بالياء والتاء، و(فما يستطيعون) بالتاء والياء (^٣) صرف العذاب عنكم ولا تخليصا. الجملة الواقعة بعد إلا محذوفة وهي في موضع مفعول، والتقدير: وما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين إلا إنهم؛ كقوله: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ (^٤) أي: وما منا أحد.
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٦٨).
(٢) قرأ بها أبو جعفر وأبو الدرداء وزيد بن ثابت وأبو رجاء والحسن، وقرأ الباقون "نتّخذ". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٨٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٤٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٧٠)، المحتسب لابن جني (٢/ ١١٩)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٦٤)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٣).
(٣) قرأ حفص عن عاصم (تستطيعون)، وقرأ الباقون (يستطيعون). تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٩٠)، حجة أبي زرعة (ص: ٥٠٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٤٨)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٦٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٧١)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٤).
(٤) سورة الصافات، الآية (١٦٤).
[ ١ / ٦٣٠ ]
وقرئ: (يمشّون في الأسواق) (^١) أي: تمشيهم حوائجهم، أو يمشيهم الناس. وقيل: هذا ردّ على من قال: ﴿مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ﴾.
﴿فِتْنَةً﴾ محنة وابتلاء وهذا تصبير لرسول الله ﷺ على ما قالوه. الرجاء يكون بمعنى الخوف، كقول الشاعر في رجل يجني العسل فتلسعه زنابير العسل [من الطويل]:
إذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها (^٢)
أي: لم يخف، ويراد به رجاء الخير (١٤٧ /ب) كقوله - تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ (^٣) ويجوز أن يراد الأمران: أمل الخير وخوف الشر.
﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢) وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا (٢٣) أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾
﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ﴾ فيخبرونا بصدقك يا محمد ﴿أَوْ نَرى رَبَّنا﴾ عيانا فيخبرنا بصدقك، وسواء كانوا عالمين بأن الله لا يبعث الملائكة إلا لقضاء الأمر ونزول عذاب أو لا يعلمون ذلك فهم على كل حال يسعون في إبطال الرسالة.
ومعنى قوله: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أنهم أنكروا الرسالة، ومنعهم كفرهم واستكبارهم من طاعة النبي، كما قال: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ﴾ (^٤) (وعتو) تجاوزوا الحد في الظلم، وهذه الجملة وهي قوله: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ فيها تعجيب من حالهم بغير صيغة التعجب، كأنه قال: ما أشد استكبارهم.
وقوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾ ظرف، العامل فيه ﴿لا بُشْرى﴾ وقيل: العامل فيه ما دلّ عليه ﴿لا﴾
_________________
(١) هذه قراءة علي وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود. وقراءة الجمهور "يمشون". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٩٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٤٩)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٩٨)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٨٧)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٢٠).
(٢) تقدم تخريجه في سورة يونس، الآية (٧).
(٣) سورة الإسراء، الآية (٥٧).
(٤) سورة غافر، الآية (٥٦).
[ ١ / ٦٣١ ]
﴿بُشْرى﴾ كأنه قال: يوم يرون الملائكة يضعون أو يعدمون البشرى. ويجوز أن ينتصب قوله:
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾ بقوله «اذكر» فيكون مفعولا به لا ظرفا.
وقوله: ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ يريد: لا بشرى لهم، أو لا بشرى لأحد من المجرمين. ويدخل في هؤلاء ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا﴾ وقال سيبويه (^١): حجر من المصادر المتروك إظهار عاملها قال الراجز:
قالت وفيها حيدة ودعر عود بربى منكم وحجر (^٢)
وأصل الحجر: المنع، ووصفه بكونه محجورا مبالغة في المنع، كما قالوا: ذيل ذايل، ومعناه: حرام محرم عليكم المغفرة والجنة، تقوله الملائكة عند الموت، أو يوم القيامة ولا بشرى لهم يومئذ.
وقوله: ﴿وَقَدِمْنا﴾ أي: قصدنا، والهباء: ما يظهر من الكوة مع ضوء الشمس، وصفه بكونه ﴿مَنْثُورًا﴾ تحقيرا له، ونحوه ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (^٣) لم يكتف بتشبيههم بالعصف حتى جعله مأكولا، ولا بأعمالهم بالهباء حتى جعله منثورا، وأصل همزة هباء واو، لقولهم:
الهبوة.
روي أنه يفرغ من الحساب في مقدار نصف يوم فلا يجيء وقت القيلولة إلا وقد فرغ منه ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ فيه إشارة إلى ما اشتمل عليه مقيل أهل الجنة من المحاسن التي يقصر الوصف عنها.
﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾
وقرئ (تشّقّق) (^٤) وأصله: تتشقق، فحذف بعضهم التاء وبعضهم أدغمها ولما كان
_________________
(١) ينظر: الكتاب لسيبويه (١/ ١٦٣).
(٢) ينظر بلا نسبة في: تاج العروس للزبيدي (عوذ)، تهذيب اللغة للأزهري (٣/ ١٤٧)، ديوان الأدب (١/ ١٥٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٧٤)، لسان العرب (عوذ)، المخصص لابن سيده (٢٩٩/ ١٢) والحيدة: الصدود، وذعر: فزع، والعوذ: التعوذ، وحجر: امتناع وتحصن.
(٣) سورة الفيل، الآية (٥).
(٤) قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب (تشّقّق) وقرأ الباقون (تشقّق). -
[ ١ / ٦٣٢ ]
انشقاق السماء بسبب نزول الملائكة جعل الغمام كأنه الذي (١٤٨ /أ) شقها، ونظيره قوله:
﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ (^١) والمعنى: أن السماء تتفتح بغمام يخرج منها، وفي الغمام الملائكة معهم صحف أعمال العباد. وقيل: هو غمام أبيض رقيق كالضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في التيه. ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ الثابت في أن كل ملك غير ملك الله، فإن مفهوم قوله: ﴿عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ أنه يسير على المؤمنين، ومثله: ﴿يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ (^٢).
عض اليدين كناية عن شدة الغضب. وقيل: إن عقبة بن أبي معيط كان يكثر مجالسة رسول الله ﷺ. وقيل: صنع ضيافة فدعا رسول الله ﷺ أن يأكل منها فأبى حتى ينطق عقبة بالشهادتين، فتلفظ بهما فعتب على ذلك فقال: استحييت منه حيث لم يأكل من طعامي فأجبته، وكان أبيّ بن خلف صديقه فقال له: وجهي من وجهك حرام إن لم تأت محمدا فلم تطأ قفاه، ولم تبصق في وجهه، فوجده ساجدا في دار الندوة ففعل ذلك فقال رسول الله ﷺ:
«لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف» وقدم ليقتل يوم بدر فقال: يا محمد لمن الصبية؟ وطعن رسول الله ﷺ أبيا بأحد فرجع إلى مكة ومات " (^٣).
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا (٢٩) وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا وَنَصِيرًا (٣١) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾
واللام في ﴿الظّالِمُ﴾ يراد به المعهود، وهو عقبة، أو للجنس. تمنى أن لو صحب الرسول وسلك معه طريق الحق. فلان: كناية عن اسمه العلم، فإن أريد ب ﴿الظّالِمُ﴾ عقبة كان كناية عن اسمه، وإن أريد به الجنس فكل واحد منهم اسم علم، ففلان كناية عن ذلك الاسم.
_________________
(١) = تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٩٤)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٦٥)، حجة أبي زرعة (ص: ٥١٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٥١)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٦٤)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٧٥)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٤).
(٢) سورة المزمل، الآية (١٨).
(٣) سورة القمر، الآية (٨).
(٤) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٥٠) ونسبه لأبي نعيم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
[ ١ / ٦٣٣ ]
﴿عَنِ الذِّكْرِ﴾ ويجوز أن يريد نطقه بشهادة الحق و﴿الشَّيْطانُ﴾ إشارة إلى خليله أو إلى إبليس، أو الجنس، أو كل من تشيطن من الجن والإنس، وهذا الكلام من كلام الظالم أو كلام مستأنف.
﴿الرَّسُولُ﴾ محمد ﷺ وقومه قريش حكى شكاية رسول الله ﷺ من قومه وكان الأنبياء إذا التجأوا إلى الله فيمن ظلمهم عذبوا ولم يمهلوا، ثم سلاّه فقال: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ (^١) أي: قبلك أعداء ﴿مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿مَهْجُورًا﴾ أعرضوا عنه وهجروه. وقيل: الهجر هو (١٤٨ /ب) الكلام القبيح. جعل القرآن محلاّ للتكذيب، أي: مهجورا فيه؛ كقوله: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ (^٢) وقيل:
قالوا: إنه أساطير الأولين ومفترى. والعدو: يجوز أن يكون واحدا وجمعا ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ (^٣) ﴿نُزِّلَ﴾ هاهنا بمعنى أنزل، قالوا: لم نزل متفرقا، ولم ينزل جملة كالتوراة والإنجيل والزبور؟ والقائلون قريش. وقيل: اليهود. أي: كذلك أنزل مفرقا لتحفظه وتقرأه على الناس على مكث، وكان رسول الله ﷺ أميّا لا يحسن الكتابة، ولو كان كاتبا لارتاب به المبطلون، وكان ينزل بحسب الحوادث، وبعضه ينسخ بعضا. وذلك لا يتأتى إلا فيما نزل مفرقا، ومعنى نزوله سورة بعد سورة وآية بعد آية.
وقيل: أمرنا بترتيله إذا قرئ، والترتيل مأخوذ من ترتيل الأسنان، وهو تفليجها، يقال:
ثغر رتل، ويفسر بنور الأقحوان في تفليجه.
﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا أَلِيمًا (٣٧)﴾
﴿وَلا يَأْتُونَكَ﴾ بسؤال عجيب من سؤالاتهم الباطلة التي كأنها مثل في البطلان، ووصف السبيل بالضلال من الإسناد المجازي، فإن الضالّ سالكه. الوزارة لا تنافي النبوة؛ فقد كان
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية (١١٢).
(٢) سورة فصلت، الآية (٢٦).
(٣) سورة الشعراء، الآية (٧٧).
[ ١ / ٦٣٤ ]
يبعث في الزّمن الواحد أنبياء، ويؤمرون أن يؤازر بعضهم بعضا، والمعنى: فذهبا إليهم فكذبوهما.
﴿فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيرًا﴾ كقوله: ﴿اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ (^١) ﴿لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ إما لأن كلّ من كذّب نبيّا فهو كمن كذّب الأنبياء كلهم، أو كانوا كالبراهمة (^٢) لا يعتقدون جواز بعثة نبيّ.
﴿وَجَعَلْناهُمْ﴾ وجعلنا إغراقهم أو قصّتهم. ﴿لِلظّالِمِينَ﴾ لقوم نوح، أو للعموم، وعطف (عادا) على (هم) في قوله: ﴿وَجَعَلْناهُمْ﴾ أو على (الظالمين) لأن المعنى: ووعدنا الظالمين.
﴿وَعادًا وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيرًا (٣٩) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠) وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)﴾
_________________
(١) سورة الشعراء، الآية (٦٣).
(٢) البراهمة: قبيلة بالهند فيهم أشراف أهل الهند ويقولون: إنهم من ولد برهمي. ملك من ملوكهم قديم ولهم علامة ينفردون بها وهي خيوط ملونة بحمرة وصفرة يتقلدونها تقلد السيوف وهم يقولون بالتوحيد على نحو قولنا إلا أنهم أنكروا النبوات. وعمدة احتجاجهم في دفعها أن قالوا: لما صح أن الله - ﷿ - حكيم وكان من بعث رسولا إلى من يدري أنه لا يصدقه فلا شك في أنه متعنت عابث فوجب نفي بعث الرسل عن الله - ﷿ - لنفي العبث والعنت عنه وقالوا أيضا: إن كان الله - تعالى - إنما بعث الرسل إلى الناس ليخرجهم بهم من الضلال إلى الإيمان فقد كان أولى به في حكمته وأتم لمراده أن يضطر العقول إلى الإيمان به قالوا: فبطل إرسال الرسل على هذا الوجه أيضا ومجيء الرسل عندهم من باب الممتنع". وقد رد العلامة ابن حزم في كتابه الفصل في الملل على هذه الحجج الواهية لهم وأورد قول الحق لأهل السنة والجماعة الذين يرون أن الإيمان بالرسل أحد أصول الإيمان التي لا يصح ولا يقبل إلا بالإيمان بها جميعا. وينظر عنهم وعن عقائدهم الباطلة: تلبيس إبليس لابن الجوزي (١/ ٨٧) ط. دار الكتاب العربي - بيروت - ١٩٨٥ م - تحقيق: د. السيد الجميلي، الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (١/ ٦٣) ط. مكتبة الخانجي - القاهرة، الملل والنحل للشهرستاني (٢/ ٢٤٩).
[ ١ / ٦٣٥ ]
وقرئ (وثمود) بغير تنوين (^١) بتأويل القبيلة، وأمّا صرفه فعلى تأويل الحيّ أو الأب الأكبر.
قيل في «أصحاب الرّس» إنهم قوم من عبدة الأوثان، أصحاب آبار ومواش. وقيل: هم بقية من قوم شعيب. وقيل: هم أصحاب النبي حنظلة بن صفوان (^٢)، وكان عندهم العنقاء، سميت به لطول عنقها، وكانت تنقضّ على أولادهم فتأخذهم لتهلكهم، فدعا عليها حنظلة فهلكت وانهارت بهم البئر. وقيل: رسّوه في البئر، أي: دفنوه فيها. وقيل: هم أصحاب الأخدود، والرسّ هو الأخدود (١٤٩ /أ) وقيل: الرس بأنطاكية، قتلوا فيها حبيبا النجّار (^٣).
﴿بَيْنَ ذلِكَ﴾ أي: بين أولئك المذكورين. ﴿ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ﴾ بينا له القصص العجيبة.
والتّتبير: التكسير والتفتيت، ومنه التّبر، وهو كسار الذهب والفضة، و﴿وَكُلاًّ﴾ الأول منصوب بما دل عليه ﴿ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ﴾ وهو أنذرنا أو حذرنا أو منصوب ب «تبّرنا» لأن الفعل مفرّغ له. أراد ب ﴿الْقَرْيَةِ﴾ سدوم، وهي إحدى قرى قوم لوط، وكانت خمسا، أهلك الله أربعا بأهلها وبقيت واحدة.
قوله - تعالى: ﴿أُمْطِرَتْ﴾ إمّا القرية وإمّا أهلها، ولذلك جاء ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ (^٤) ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْها﴾ (^٥) وكانت قريش كثيرا ما تمرّ على تلك الآثار. ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ في مرار مرورهم، بلى مرّوا ونظروا ولكن كانوا لا يؤمنون بالبعث فلم ينفعهم نظر العين.
﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ﴾ أي: لا يؤملون خيرا، ولا يخافون عاقبة.
﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ ما يتخذونك ﴿إِلاّ هُزُوًا﴾ أي: مهزوءا به، أو محلاّ للهزء، أو نفس الهزء مبالغة. وقوله: ﴿أَهذَا الَّذِي﴾ استصغار، وقولهم: ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا﴾ إن مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة، وفي الكلام دليل على مبالغة رسول الله ﷺ في دعائهم حتى كادوا
_________________
(١) قرأ حفص عن عاصم وحمزة ويعقوب (وثمود)، وقرأ الباقون (وثمودا). تنظر في: إتحاف فضلاء البشر للبنا (١/ ٣٢٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ١١١)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٣٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٨٠)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠).
(٢) قال العيني في عمدة القاري (١٧/ ٧٢): "من الأنبياء في الفترة حنظلة بن صفوان نبي أصحاب الرس قال ابن عباس: كان من ولد إسماعيل ﵇ وكان في فترة".
(٣) ذكر هذه الأقوال الزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٨٠).
(٤) سورة الأعراف، الآية (٨٤).
(٥) سورة هود، الآية (٨٢).
[ ١ / ٦٣٦ ]
أن يطيعوه مع شدّة شكيمتهم في الكفر.
﴿لَوْلا أَنْ صَبَرْنا﴾ ثبتنا على ديننا. ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا بد لهم من العقوبة على كفرهم. وقوله: ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ كالجواب عن قولهم: ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا﴾.
﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤) أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا وَالنَّوْمَ سُباتًا وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)﴾
﴿أَفَأَنْتَ﴾ تجبر هذا الكافر على الإسلام، وهو مطبوع على قلبه؟ كقوله: ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ (^١) ﴿أَمْ﴾ هذه منقطعة، أي: هذه المذمّة أشد مما قبلها، وقدم المفعول الثاني وهو ﴿إِلهَهُ﴾ للعناية. وقوله: ﴿أَنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ ولم يقل: كلهم؛ لأنه كان فيهم من لا يرده عن الدخول في الإسلام إلا الكبر، وجعلوا أضل من الأنعام؛ لأن الأنعام تنقاد لأربابها وتجتنب ما يضرها بخلاف هؤلاء.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ﴾ ألم تنظر إلى صنيع ربك؟ وجعل الظل يمتد وينبسط لينتفع الناس به.
﴿وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ في أصل كل مظلل من جبل أو شجر أو غيرهما، والظّلّ تتصرف الشمس فيه بالزيادة والنقصان.
﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ﴾ الظل (١٤٩ /ب) بالتقلص يسيرا يسيرا حتى صار في مكانه ضوء الشمس. ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ أي: كاللباس الذي يغشى الجسد، و(السّبت) القطع، يقال: سبت رأسه إذا حلقها، وسمي يوم السبت؛ لأن الله - تعالى - فرغ من المخلوقات في آخر ساعة من يوم الجمعة ولم يخلق شيئا يوم السبت، وجعل القيام من النوم كالقيام من القبور. ﴿نُشُورًا﴾ إحياء، و(نشرا) جمع نشور، وهي المحيية للأرض بعد موتها ويبسها. قوله - ﷿: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: بين يدي المطر. ﴿طَهُورًا﴾ بليغا في طهارته. وقيل:
هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره. قوله: ﴿بَلْدَةً﴾ وإن كان مؤنثا لفظا فهو أيضا بلد مذكر، ولهذا قال: ﴿مَيْتًا﴾ ولم يقل: ميتة.
_________________
(١) سورة ق، الآية (٤٥).
[ ١ / ٦٣٧ ]
وقرئ (ونسقيه) بفتح النون (^١) وسقى وأسقى بمعنى. وقيل: سقاه أعطاه ماء ليشربه، وأسقاه: جعل له سقيا لأرضه ودوابّه، قال الله - تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ﴾ (^٢) (الأناسي) أصلها أناسين وقوم من العرب يقلبون النون ياء، ويحذفونها تخفيفا فيقولون: أناسي وأناسيّ بالتشديد والتخفيف.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا (٥٠) وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كَبِيرًا (٥٢) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦)﴾
قوله - ﷿: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ﴾ يعني: القرآن في الكتب المنزلة كلها. ﴿فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا﴾ فقالوا: مطرنا بنوء كذا ونوء كذا، وعن ابن عباس: «ما من عام أقل مطرا من عام ولا أكثر، ولكن الله - تعالى - قسم ذلك بين عباده على ما شاء، وتلا هذه الآية» (^٣). فإن قلت: هل يكفر من ينسب الأمطار إلى الأنواء؟
قلت: إن كان لا يراها إلا من الأنواء، ويجحد أن تكون هي والأنواء من خلق الله - تعالى - فهو كافر، وإن كان يرى أن الله خالقها وقد نصب الأنواء دلائل وأمارات عليها - لم يكفر.
﴿وَلَوْ شِئْنا﴾ لخففنا عنك أعباء الرسالة فبعثنا ﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ لكنا عظمناك وجعلناك رسولا إلى الجميع فقابل ذلك بالتشدد ﴿فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ﴾ فيما يقترحون عليك ﴿وَجاهِدْهُمْ﴾ بالقرآن وبحججه وجعل الجهاد به كبيرا؛ لما يتحمل فيه من المشقة الشديدة. سمّي كلّ واحد من الماءين الكثيرين بحرا، والفرات: الشديد الحلاوة، والأجاج:
_________________
(١) قرأ بها أبو عمرو وعاصم في رواية عنهما، وقراءة الباقين "ونسقيه". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٥٠٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٥٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٨٥)، مجمع البيان للطبرسي (٧/ ١٧١).
(٢) سورة الحجر، الآية (٢٢).
(٣) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٣٦٣)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٦٤) ونسبه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس - ﵄.
[ ١ / ٦٣٨ ]
الشديد المرارة، ومرجهما (١٥١ /أ) خلاّهما متجاورين، وبينهما حاجز من قدرة الله - تعالى - يمنعهما التمازج والاختلاط.
﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ هي الكلمة التي قالتها الملائكة لمن وقع في شدة لا يجد منها مخلصا والمعنى: كأن كلّ واحد من البحرين يتعوّذ من صاحبه أن يبغي عليه، ومنه قوله - تعالى:
﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ (^١) أراد قسمة البشر قسمين: ذكورا وإناثا من نطفة واحدة، وهو كقوله: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى﴾ (٤٦) (^٢). الظهير والمظاهر كالعوين والمعاون، والمعنى: أن الكافر يظاهر الشيطان على ربه بالعداوة. قيل: نزلت في أبي جهل (^٣).
ويجوز أن يراد بالظهير الجمع، كما جاز في الصديق والعدو، ومنه قوله - ﷿:
﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (^٤) أي: ظهراء، ويجوز أن يراد بالظهير ما خلف خلف الظهر فلم يعبأ به؛ كقوله: ﴿لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ (^٥) مثال قوله: ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ﴾.
﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾
والمراد فعل من شاء أن يتخذ، واستثنى به عن الأجر قول ذي شفقة عليك قد سعى لك في تحصيل مال: ما أطلب منك ثوابا على ما سعيت إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه، فيجعل حفظه ثوابا وليس بثواب، ولكنه صوّره بصورة الثواب، فأفاد ذلك أمرين:
أحدهما: أنه قد أنهى السعي في حفظ المال نهايته.
والثاني: سرورهم ببقائه لك، حتى جعله كأنه حاصل له ثوابا. وقيل: المراد النفقة في
_________________
(١) سورة الرحمن، الآية (٢٠).
(٢) سورة النجم.
(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٩/ ٢٧)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٦٧) ونسبه لابن مردويه عن ابن عباس، ولابن أبي حاتم عن الشعبي، ولابن المنذر عن عطية.
(٤) سورة التحريم، الآية (٤).
(٥) سورة آل عمران، الآية (٧٧).
[ ١ / ٦٣٩ ]
سبيل الله. أمره بأن يتوكل على الله ويثق به، وعرّفه بأن الحيّ الذي لا يموت حقيق بأن نتوكل عليه وحده، فإنه إذا مات من يتوكل عليه فاتت مقاصد التوكل. ﴿وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ مطلعا على أعمالهم وأقوالهم. ﴿فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ مقدار ستة أيام.
وقيل: ستة أيام من أيام الآخرة، وكل يوم ألف سنة، والأول أظهر. وعن مجاهد: أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة (^١). ووجهه أن يسمي الله - تعالى - لملائكته تلك الأيام المقدّرة بهذه الأسماء، فلما خلق الشمس وأدارها جرت التسمية على هذه الأيام.
وعن سعيد بن جبير: خلقها في ستة أيام مع قدرته على خلقها في لحظة، ليعلّم عباده التثبت. وقيل: اجتمع خلقها يوم الجمعة فجعله الله عيدا للمسلمين (^٢) ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ مبتدأ و﴿الرَّحْمنُ﴾ خبره، أو هو صفة ل ﴿الْحَيِّ﴾ و﴿الرَّحْمنُ﴾ خبر (١٥١ /ب) مبتدأ محذوف، أو بدل عن المستتر في ﴿اِسْتَوى﴾.
وقرئ (الرّحمن) بالجر (^٣) صفة ل ﴿الْحَيِّ﴾. الباء في ﴿بِهِ﴾ كقوله: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ (^٤) وقد تكون (عن) صلته في نحو قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (^٥).
وقيل: تقديره: فاسأل عنه رجلا يخبرك بصفاته، أو فاسأل بسؤاله خبيرا؛ كقولك: رأيت به أسدا، أو حالا عن الهاء، يريد فاسأل عنه عالما بكل شيء، و﴿الرَّحْمنُ﴾ اسم من أسماء الله - تعالى - وهو مذكور في الكتب القديمة والصحف المنزلة، أي: فاسأل عن هذا الاسم من أهل الكتاب يخبروك بأنه موجود في كتبهم، ولم يتسمّ بهذا الاسم أحد، وكانوا يقولون لمسيلمة: رحمان اليمامة. وقيل: كانوا ينكرون إطلاق اسم الرحمن على الله.
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾
_________________
(١) ذكره النسفي في تفسيره (٣/ ١٧٤).
(٢) ذكر هذه الأقوال الزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٨٨)، وذكر قول ابن جبير العيني في عمدة القاري في شرح صحيح البخاري (٢٥/ ١٤٤).
(٣) قرأ بها زيد بن علي، على أنه نعت للحي، أو الموصول. وقراءة الجمهور (الرحمن). تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٥٠٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٦٠)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٨٩).
(٤) سورة المعارج، الآية (١).
(٥) سورة التكاثر، الآية (٨).
[ ١ / ٦٤٠ ]
﴿لِما تَأْمُرُنا﴾ للذي تأمرناه؛ كقوله [من البسيط]:
أمرتك الخير (^١)
وقرئ (يأمرنا) بالياء (^٢) أي: لما يأمرنا محمد ﴿وَزادَهُمْ﴾ ذكر اسم الرحمن ﴿نُفُورًا﴾ البروج: منازل الكواكب السيارة، مأخوذ من التبرج وهو الظهور؛ كقوله: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ﴾ (^٣) وسميت بروجا، مأخوذ من تسمية القصور بروجا؛ كقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (^٤) لأنها منازل للكواكب، كالقصور للإنس والجن.
﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيها سِراجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُورًا (٦٢)﴾
وقرئ (سرجا) وهي الشمس والكواكب الكبار معها. ومن قرأ ﴿سِراجًا﴾ (^٥) أراد به الشمس، وقرأ الأعمش والحسين (وقمرا) (^٦) وهو جمع ليلة قمراء، كأنه: وذا قمر منيرا؛ لأن الليالي تكون قمرا به فأضافها إليه، ومثله قول حسان [من الكامل]:
بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل (^٧)
_________________
(١) تقدم تخريجه في سورة النحل، الآية (٥٠).
(٢) قرأ حمزة والكسائي (يأمرنا)، وقرأ الباقون (تأمرنا). تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٥٠٩)، حجة ابن خالويه (ص: ٢٦٦)، حجة أبي زرعة (ص: ٥١١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٦٠)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٦٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٨٩)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٤).
(٣) سورة الأحزاب، الآية (٣٣).
(٤) سورة النساء، الآية (٧٨).
(٥) قرأ حمزة والكسائي وخلف (سرجا)، وقرأ الباقون (سراجا). تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٥١١)، حجة ابن خالويه (ص: ٢٦٦)، حجة أبي زرعة (ص: ٥١٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٦١)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٦٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٩٠)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٤).
(٦) تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٥٠٩)، تفسير القرطبي (١٣/ ٦٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٦١)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٨٥)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٩٠).
(٧) هذا عجز بيت لحسان يذكر أيام ملوك الشام الغسانيين، وصدره: يسقون من ورد البريص عليهم -
[ ١ / ٦٤١ ]
أي: ماء بردى ولا يبعد أن يكون القمر لغة في القمر، كالرّشد والرّشد، والعرب والعرب. الخلفة: من خلف، كالرّكبة من ركب، أعني: الحال التي هو عليها، أي: جعلهما ذوي خلفة، يذهب هذا ويأتي هذا. وقيل: يخلفه: يقوم مقامه في أداء الوظائف من فاته ورده بالليل قضاه بالنهار، أو بالنهار قضاه بالليل. ﴿لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ لأنه إذا رأى حركتهما علم أن لهما محركا قادرا عالما بالمصالح وشكر الله - تعالى - على النعمة بهما.
﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا (٦٥)﴾
﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ﴾ مبتدأ خبره آخر السورة، وهو ﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ ويجوز أن يكون خبره ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ وأضافهم إلى ﴿الرَّحْمنِ﴾ تخصيصا وتفضيلا.
وقرئ ﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ﴾ (^١) ﴿هَوْنًا﴾ أي: يمشون مشيا ليّنا، إلا أن في وضع المصدر (١٥٢ /أ) موضع الصفة مبالغة، والهون: الرفق واللين، وفي الحديث: "أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما" (^٢).وقوله: "المؤمنون هيّنون ليّنون" (^٣).
_________________
(١) = ينظر في: تاج العروس للزبيدي (صفق)، خزانة الأدب للبغدادي (٤/ ٣٨١)، ديوان حسان (ص: ١٢٢)، شرح المفصل لابن يعيش (٦/ ٢٥)، لسان العرب (برد)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ٤٢٩) والبريص: اسم واد، وبردى: علم لنهر بدمشق، أو جبل بالحجاز، أو بحر، ويصفق: يمتزج. والرحيق: الصافي، والسلسل: السهل المساغ. والمعنى: أن كل من ورد عليهم البريص يسقونه ماء بردى ممتزجا بالرحيق الصافي.
(٢) قرأ بها اليماني. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٥١٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٦٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٩١).
(٣) رواه الترمذي رقم (١٩٩٧)، والخطيب البغدادي في تاريخه (١١/ ٤٢٧) وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٥١) عن أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه وقد رواه الحسن بن أبي جعفر بإسناده عن علي عن النبي ﷺ وهو ضعيف أيضا والصحيح أن هذا عن علي موقوفا. وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع رقم (١٧٨).
(٤) رواه القضاعي في مسند الشهاب (ص: ١٣٩)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (٢/ ٢٧٩)، من حديث عبد الله بن عمر، ورواه القضاعي في مسند الشهاب (ص: ١٤٠)، وابن المبارك في كتاب الزهد (ص: ٣٨٧)، عن مكحول مرسلا. وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (٩٣٦).
[ ١ / ٦٤٢ ]
وفي المثل: "إذا عز أخوك فهن" (^١)،أي: إذا عسّر فيسّر، أي: يمشون بسكينة ووقار وتواضع. وكره بعض العلماء الركوب في الأسواق؛ لقوله: ﴿وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ﴾ (^٢) ﴿سَلامًا﴾ أي: لا نستعمل الجهل معكم فيسلمون بذلك عن الإثم والجهل والسفه، قال عمرو بن كلثوم [من الوافر]:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا (^٣)
وعن أبي العالية: نسختها آية القتال، ولا حاجة إلى ذلك، لأن الأمر بحسن الخلق ومقابلة الغليظ من القول باللين محمود في الشرع والعقل والمروءة، وأبعد عن الوقوع في الحرج (^٤). يقال: بات فلان عند فلان إذا أدركه الليل عنده نمت أو لم تنم. قالوا: من قرأ شيئا من القرآن في صلاة وإن قلّ بات ساجدا أو قائما. وقيل: هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء (^٥)، والظاهر أنه أراد وصفهم بإحياء الليل أو أكثره، يقال: فلان يظل صائما ويبيت قائما (^٦).
﴿غَرامًا﴾ هلاكا ملحّا لازما، ومنه الغريم لإلحاحه. وصفهم بإحياء الليل ساجدين وقائمين وهم مع ذلك خائفون من الله يبتهلون إليه بصرف العذاب عنهم.
﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا﴾ (٦٦) ﴿ساءَتْ﴾ مثل يئست، وفيها ضمير مبهم يفسره ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا﴾ والمخصوص بالذم محذوف، تقديره: جهنم، ويجوز أن تكون ﴿ساءَتْ﴾ بمعنى أحزنت، وفيها ضمير اسم إنّ و﴿مُسْتَقَرًّا﴾ حال أو تمييز، والتعليلان
_________________
(١) ينظر المثل في: تهذيب الأسماء للنووي (٣/ ٢٠٤)، لسان العرب (عز) ونقلا عن ثعلب في كتابه الفصيح أن معناه: إذا تعظم أخوك شامخا عليك فالتزم له الهوان، قال أبو إسحاق: هذا خطأ من ثعلب إنما هو فهن بكسر الهاء معناه: إذا اشتد فهن من هان يهين إذا صار هينا لينا فإن العرب لا تأمر بالهوان لأنهم أعزة أباة للضيم.
(٢) سورة الفرقان، الآية (٢٠١) ويروى هذا القول عن الإمام أحمد بن حنبل، ذكره أبو نعيم في ترجمة الإمام أحمد في حلية الأولياء (٩/ ١٨٤)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٣٤٨).
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء، الآية (١٧).
(٤) هذا قول الزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٩١).
(٥) هذا قول الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٧٧).
(٦) هذا قول الزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٩٢).
[ ١ / ٦٤٣ ]
يصحّ أن يكونا متداخلين أو مترادفين، وأن يكونا من كلام الله - تعالى - حكاية لقولهم.
﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا (٦٧) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا (٦٨)﴾
﴿يَقْتُرُوا﴾ بكسر التاء وضمها و﴿يَقْتُرُوا﴾ بتخفيف التاء وتشديدها (^١)، وهي نقيض الإسراف الذي معناه مجاوزة الحدّ في الإنفاق، وهو كقوله - تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (^٢) وقيل: الإسراف إنما هو في المعاصي، فأما في القرب فلا إسراف. وقال قائل: لا خير في السرف، فقيل له: لا سرف في الخير. وقيل: أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة (١٥٢ /ب) ولا يلبسون ثوبا للجمال والزّينة، ولقد كانوا يأكلون ما يسد جوعتهم، ويعينهم على عبادة ربهم، ويلبسون ما يستر عوراتهم، ويكنهم من الحرّ والقرّ.
وقال عمر ﵁: «كفى سرفا ألا يشتهي الرجل شيئا إلا اشتراه وأكله» (^٣).
والقوام: العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين وقرئ (قواما) بالكسر (^٤)، وهو ما يقام به الشيء ﴿بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا﴾ يجوز أن يكونا خبرين لكان، وأن يجعل «بين ذلك» لغوا،
_________________
(١) قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر (يقتروا)، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب (يقتروا)، وقرأ باقي العشرة (يقتروا)، وقرأ العلاء بن سيابة واليزيدي (يقتّروا). تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٥١٤)، حجة ابن خالويه (ص: ٢٦٦)، حجة أبي زرعة (ص: ٥١٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٦٣)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٦٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٩٢)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٧١)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٤).
(٢) سورة الإسراء، الآية (٢٩).
(٣) ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (٢/ ٤٦٧) ونسبه لعبد الرزاق، كما نسبه له السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٧٥) عن الحسن عن عمر ﵁.
(٤) قرأ "قواما" حسان بن عبد الرحمن، وقراءة الجمهور "قواما". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٥١٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٦٤)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٨٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٩٣)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٢٥).
[ ١ / ٦٤٤ ]
و«قواما» مستقرا، وأن يكون الظرف خبرا و«قواما» حال مؤكدة، وأجاز الزجاج (^١) أن يكون ﴿بَيْنَ ذلِكَ﴾ اسم كان، على أنه مبني لإضافته إلى غير متمكن، كقول الشاعر [من البسيط]:
لم يمنع الشّرب منها غير أن نطقت حمامة (^٢)
وهو حسن من جهة الإعراب، ولكن المعنى ليس بقوي؛ لأنّ ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة، فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة (^٣). ﴿حَرَّمَ اللهُ﴾ أي: حرّم قتلها، و﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ متعلق بهذا القتل المحذوف، أو ب ﴿وَلا يَقْتُلُونَ﴾. وذكر نفي هذه القبائح بعد وصفهم بتلك المحاسن العظيمة تعريض بالكفار؛ كأنه قال: وعباد الرحمن الفاعلون للخير المبرؤون مما نسب إلى هؤلاء، و﴿يَقْتُلُونَ النَّفْسَ﴾ يدخل فيه الوأد وغيره. وقرئ (يلقى) بإثبات الألف (^٤). والآثام: جزاء الإثم. ﴿يَلْقَ أَثامًا﴾ أي: جزاء آثام. وقرأ ابن مسعود (أياما) (^٥) أي: شدائد. يقال: يوم ذو أيام، لليوم العصيب.
_________________
(١) في الأصل: الزجاج، والصواب المثبت كما في الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٩٣) وهذه عبارته، وكلام الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣) ولم أجده في معاني القرآن للزجاج، فلعله سبق قلم من الناسخ أو وهم.
(٢) هذا صدر بيت لأبي قيس بن الأسلت يصف ناقة، وعجزه: في غصون ذات أوقال ينظر في: الإنصاف لابن الأنباري (١/ ٢٨٧)، الدر اللوامع (٣/ ١٥٠)، ديوان أبي قيس (ص: ٨٥)، شرح أبيات سيبويه (٢/ ١٨٠)، شرح شواهد المغني (١/ ٤٥٨)، شرح المفصل لابن يعيش (٣/ ٨٠)، الكتاب لسيبويه (٢/ ٣٢٩)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٤٢٢)، مغني اللبيب لابن هشام (١/ ١٥٩)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ١٧٣) والشرب - بالكسر: النصيب من الماء، وبالضم: المصدر من شرب، والأوقال: جمع وقل وهي الحجارة، أو بقايا جذع الشجرة بعد تقليم بعض أغصانها. والشاهد فيه: نصب "غير" حيث أضيف إلى "أن" فبنيت، وهذا جائز، ويروى "غير" بالضم على الفاعلية، ولا يكون فيه شاهد حينئذ.
(٣) هذا كلام الزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٩٣).
(٤) قرأ بها ابن مسعود وأبو رجاء. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٥١٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٦٤)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٩٤).
(٥) وقرأ بها أيضا الحسن البصري. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٥١٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٦٤)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٨٨)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٩٤).
[ ١ / ٦٤٥ ]
﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا (٦٩) إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتابًا (٧١) وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا (٧٤)﴾
﴿يُضاعَفْ﴾ بدل من ﴿يَلْقَ﴾ لأنهما بمعنى واحد، وقرئ (ويخلد) على البناء للمفعول، مخففا ومثقلا (^١) ومعنى مضاعفة العذاب تكثيره لاختلاف موجباته من الكفر والمعاصي.
﴿يُبَدِّلُ﴾ ما كانوا عليه من التقصير بما وفقهم له من التوبة النصوح واستدل أصحاب السوء بأصحاب الخير، واستبدال السيئات بالحسنات. ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ﴾ أي: يرجع إليه مرجعا حسنا، وهو الذي يحب التوابين ويحب المتطهرين. ﴿لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أي: لا يحضرون مواضع الفسق والفجور؛ صيانة لدينهم عما يثلمه، ولذلك امتنعوا من حضور أعياد المشركين. ﴿وَإِذا مَرُّوا﴾ بمن يتكلم باللغو والفاحشة أعرضوا عنه وأكرموا أنفسهم أن يحضروا مثل ذلك المكان. ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها﴾ ليس للخرور وإنما هو إثبات له (١٥٣ /أ) ونفي للصمم والعمى، كما تقول: لا يلقاني زيد مسلما. هو نفي للسلام لا للقّاء، والمعنى:
مسارعتهم إلى الخرور ومبادرتهم إليه بآذان سامعة وقلوب واعية، وقرئ (قرّات أعين) (^٢) سألوا ربهم أن يرزقهم ذرية صالحة عاملين لله وليس شيء أقرّ لعين المسلم من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله.
وقيل: سألوا أن يلحق الله بهم أزواجهم وذريتهم في الجنة ليتم لهم سرورهم. أراد أئمة
_________________
(١) قرأ (يخلد) أبو عمرو في رواية عنه، وغلطها الفارسي من جهة روايتها. وقرأ (ويحلّد) أبو حيوة. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٥١٥)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥١٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٦٤)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٦٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٩٤)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٤).
(٢) قرأ بها ابن مسعود وأبو الدرداء وأبو هريرة. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٥١٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٦٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٩٦)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٧٤).
[ ١ / ٦٤٦ ]
فاكتفى بالواحد في قوله: ﴿إِمامًا﴾ لدلالته على الجنس، ولعدم اللبس؛ كقوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ (^١) أو اجعل كل واحد منا إماما، أو أراد جمع آم، كصائم وصيام، أو أراد واجعلنا إماما واحدا لاتحادنا واتفاق كلمتنا، وفيه دليل على أن الرياسة ينبغي طلبها قيل:
نزلت الآية في العشرة المبشرين بالجنة (^٢).
﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ أَزْواجِنا﴾ يجوز أن تكون للبيان، كأنه قال: هب لنا قرّة أعين، ثم بيّن ذلك في الذريّة والأزواج، كقولك: رأيت منك أسدا، وأن تكون لابتداء الغاية، أي:
هب لنا من جهة الأزواج والذرية، وإنما نكر القرّة لأنها مضافة إلى النكرة، وذكر جمع القلة؛ لأن المتقين قليل بالإضافة إلى غيره؛ لقوله - تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ (^٣).
﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلامًا (٧٥) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا (٧٦) قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا (٧٧)﴾
وقوله: ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ اكتفى فيه بالواحد للدلالة على الجنس؛ كقوله: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ (^٤) ﴿بِما صَبَرُوا﴾ أي: بصبرهم على الطاعات وعن الشهوات وعلى أذى الكفار ومجاهدتهم وعلى الفقر.
وقرئ ﴿وَيُلَقَّوْنَ﴾ كقوله: ﴿وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً﴾ (^٥) وقرئ (يلقون) (^٦) مخففا؛ كقوله:
﴿يَلْقَ أَثامًا﴾.
_________________
(١) سورة غافر، الآية (٦٧).
(٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون (٣/ ١٦٨)، والزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٩٦).
(٣) سورة سبأ، الآية (١٣).
(٤) سورة سبأ، الآية (٣٧).
(٥) سورة الإنسان، الآية (١١).
(٦) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه وأبو جعفر ويعقوب (ويلقّون)، وقرأ حمزة والكسائي وشعبة عن عاصم وخلف (ويلقون). تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٥١٧)، حجة ابن خالويه (ص: ٢٦٧)، حجة أبي زرعة (ص: ٥١٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٦٦)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٦٨)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٩٧)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٥).
[ ١ / ٦٤٧ ]
التحية: دعاء بالحياة وطول العمر، والسلام: دعاء بالسلامة.
تقول: ما عبأت به، أي: ما تحملت عنه ولا اكترثت به. لولا أنه دعانا إلى الإسلام والخير. ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ أي: إذا كنت لا أعبأ إلا بدعائكم فقد كذبتم وأبطلتم الطريق الموصّلة إلى الاكتراث بكم.
وقيل: ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة؟ والخطاب للمؤمنين والكفار جميعا، خوطبوا بما وجد في جنسهم من العناد والتكذيب ﴿فَسَوْفَ﴾ أي: فسوف يكون العذاب ﴿لِزامًا﴾ أي: لازما.
وقرئ (لزاما) بالفتح (^١) بمعنى اللزوم كالثبات والثبوت (١٥٣ /ب).
***
_________________
(١) قرأ (لزاما) بفتح اللام أبو السمال وأبان بن تغلب، وقراءة الجمهور (لزاما) بكسر اللام. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٥١٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٦٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٩٧)، مختصر الشواذ لابن خالويه (ص: ١٠٥).
[ ١ / ٦٤٨ ]