﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٦) وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾
﴿مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ﴾ أي: نتلو عليك بعض نبأ موسى وفرعون. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لمن سبق في علمنا أنه مؤمن ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ طغى فيها، وعنى بالأرض أرض مملكته، وجاوز الحد. ﴿شِيَعًا﴾ فرقا يشيعونه على ما يريد، أو يشيع بعضهم بعضا في طاعته ويسخرهم في البنيان وغيره ومن لم يستعمله ضرب عليه خراجا. أو فرقا مختلفة قد أغرى بينهم العداوة وهم بنو إسرائيل والقبط، وبنو إسرائيل هم المستضعفون، وسبب ذبحه الأبناء أن كاهنا قال له: سيولد في هذا العام مولود يكون هلاكك وزوال ملكك على يده؛ فأمر بذبح الأبناء واستبقاء المولودات.
﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ حال من الضمير في جعل. ﴿إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ وذلك لأن الكاهن إن صدق لم يغن الحذر، وإن كذب فلا معنى للذبح؛ فكان القتل فسادا.
﴿وَنُرِيدُ﴾ حكاية حال ماضية، ويجوز أن يكون حالا من ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ أي:
يستضعفهم فرعون ونحن نريد أن نمنّ عليهم. ﴿أَئِمَّةً﴾ مقدمين في الدين والدنيا. وقيل:
ملوكا.
﴿الْوارِثِينَ﴾ يرثون فرعون وقومه وأموالهم. ﴿الْيَمِّ﴾ البحر. وقيل: نيل مصر.
قوله: ﴿فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ أي: من أمر الذباحين فاسكني إلى وعد الله بنجاته.
وقوله ثانيا: ﴿وَلا تَخافِي﴾ أي: لا تخافي عليه الغرق، أو من الذباحين، أو أن يقع في يد
[ ٢ / ٣١ ]
بعض العيون. والفرق بين الحزن والخوف أن الخوف غمّ يلحق الإنسان لمتوقع، والحزن غم يلحق لواقع، وهو فراقه وإلقاؤه في البحر، ويروى أنه ذبح في طلب موسى سبعون ألفا، وكانت بعض القوابل من جملة عيون فرعون، وكانت مصافية لأم موسى؛ فقالت لها أم موسى: لتنفعني محبتك اليوم. فلما وضعته ظهر معه نور بين عينيه، فعظم في قلبها وأحبته فلم تنم على الولد، فلما خرجت دخل الذباحون، فأخذت ابنها من الدهش (^١) فألقته في التنور والنار مشتعلة فيه، ولا تدري ما تصنع، فلما خرج الذباحون لم تدر أين ولدها، فسمعت بكاءه في التنور، فوجدته قد صار عليه بردا وسلاما، فلما ألحّ فرعون في قتل الولدان (١٧٠ /أ) أوحى الله إليها أن تلقيه في اليم. وروي أنها أرضعته ثلاثة أشهر في تابوت من بردي مطلي بالقار من داخله.
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (٨) وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩)﴾
قوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ "ليكون" منصوب بلام كي التي للتعليل، في مثل قوله:
ضربت بنيّ للتأديب، ولكن التعليل - هاهنا - مجاز؛ لأن التقاطه لم يكن ليكون لهم عدوا؛ فإن الالتقاط لا ينتج العداوة، ولكن لما كانت العداوة قرينة لهذا الفعل استعير له التعليل كما يستعار لفظ الأسد للشجاع. وقرئ "وحزنا" (^٢) وهما لغتان؛ كالعدم والعدم.
﴿كانُوا خاطِئِينَ﴾ فليس خطؤهم في تربية موسى ببدع أو كانوا مجرمين خاطئين فعاقبهم الله بأن ربى عدوهم ومن هو سبب هلاكهم على أيديهم.
فلما وقع التابوت في أيديهم عالجوا فتحه فلم يستطيعوا فدنت آسية امرأة فرعون فعالجته ففتحته فرأت بين عينيه نورا هالها عظمه فأحبته محبة شديدة، وكان موسى ﵇ لا
_________________
(١) الدهش: ذهاب العقل من الذهل والوله. وقيل: من الفزع ونحوه، ودهش الرجل بالكسر دهشا: تحير. ينظر: لسان العرب (دهش).
(٢) قرأ بها حمزة والكسائي وخلف، وقرأ بقية العشرة "وحزنا". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٠٥)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٧٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٣٢)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٩٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٦٦)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٤١).
[ ٢ / ٣٢ ]
يراه أحد إلا أحبّه، وقد قال الله تعالى في حقه: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾ (^١) وكانت لفرعون ابنة برصاء، قالت له الكهنة: إن هذا المرض لا يزول إلا بشيء يجيء من قبل البحر شبيه بالإنسان، لعابه شفاؤها؛ فأخذ من ريقه ولطخوا ذلك البرص فبرئ.
وقيل: لما نظرت إلى وجه موسى برأت فقالوا: إن هذه لنسمة مباركة فأحبّوه، وهمّ فرعون بقتله فمنعته آسية واستوهبته منه. قوله: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ حال من آل فرعون، والتقدير: فالتقطه آل فرعون وهم لا يشعرون أنه المولود الذي يكون هلاكهم على يديه.
وقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ﴾ إلى قوله: ﴿خاطِئِينَ﴾ جملة معترضة.
﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)﴾
﴿فارِغًا﴾ صفرا من العقل لشدة ما دهمها من وقوع موسى في يد فرعون. ﴿لَتُبْدِي بِهِ﴾ لتصرّح به. ﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ بإلهام الصبر؛ كما يربط على الشيء المتفلت.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ من المصدقين بالوعد، وهو قوله: ﴿إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ ويجوز: وأصبح فؤادها فارغا من الهمّ حين سمعت أن فرعون أحبه وتبناه. ﴿كادَتْ﴾ تبدي بأنه ولدها لسرورها بما سمعت ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الواثقين بوعد الله.
﴿قُصِّيهِ﴾ قصي أثره، وتتبعي خبره. وقرئ "فبصرت" (^٢) (١٧٠ /ب) وهما
_________________
(١) سورة طه، الآية (٣٩).
(٢) قرأ "فبصرت" بكسر الصاد عيسى بن عمر، وقرأ "فبصرت" بفتح الصاد، وقرأ الجمهور "فبصرت" بضم الصاد. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٠٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٣٤)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ١٦١)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٥٩).
[ ٢ / ٣٣ ]
لغتان، بمعنى علمت. و﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ أي: عن جانب؛ يقال: قعد على جنبه وإلى جانبه، أي: نظرت إليه مزوّرة؛ حتى لا يحسبوا أنها أخته. التحريم استعارة للمنع وذلك أن الله تعالى منعه قبول المراضع، فلم يقبل ثدي امرأة حتى جاءت أمه ووجد ريحها ارتضع حتى امتلأ جنباه. ﴿الْمَراضِعَ﴾ جمع مرضعة. وقيل: جمع مرضع، وهو موضع الرضاع من قبل قصها أثره.
روي أنها لما قالت: ﴿وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ﴾ قال هامان: إنها لتعرفه، فقالت: إنما أردت وهم للملك ناصحون، والنصح: خلاص العمل من شوائب الفساد فجاءت أخته بأمه فوجدت موسى على يد فرعون يبكي، ويطلب الرضاع؛ فدفعه إليها وأجرى عليها رزقا وذهبت به إلى بيتها وأنجز الله وعده في قوله: ﴿إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ فعند ذلك استقرّ عندها أنه سيكون مرسلا في قوله: ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (^١) وجاز لها أن تأخذ ما أعطاه فرعون لأنه مال حربي مباح ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنه حق فيرتابون، وفيه تسميع لأم موسى حيث لحقها الجزع حين وقع ولدها في يد فرعون.
﴿وَاسْتَوى﴾ واعتدل، وبلوغ الأشد: أربعون سنة وهي التي يبعث فيها الأنبياء.
﴿حُكْمًا﴾ السنة، و﴿وَعِلْمًا﴾ التوراة. وقيل: معناه: آتيناه سيرة الحكماء العلماء وسمتهم قبل البعث فكان لا يفعل فعلا يستجهل فيه. ﴿الْمَدِينَةَ﴾ مصر. وقيل: ريف من ضياع مصر و"حين غفلتهم": ما بين العشاءين. وقيل: وقت القائلة. وقيل: يوم عيدهم وهم مشتغلون بلهوهم فيه. وقيل: لما استحكم عقله شرع يتحدث في إبطال المذاهب الفاسدة فنهوه عن ذلك. ﴿شِيعَتِهِ﴾ ممن شايعه على دينه من بني إسرائيل. ﴿مِنْ عَدُوِّهِ﴾ من مخالفيه من القبط، وكان يسخر الإسرائيلي بحمل الحطب إلى مطبخ فرعون.
والوكز: الدفع بأطراف الأصابع. وقيل: بجميع الكف، وجعل قتل الكافر ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ لأنه وقع من غير إذن فيه.
﴿قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّارًا فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ﴾
_________________
(١) الفرقان: آية ٢٠.
[ ٢ / ٣٤ ]
﴿تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩) وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٢١) وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾
قوله: ﴿بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ يجوز أن يكون قسما؛ أقسم بما أنعم الله عليه. ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا﴾ ويجوز أن يكون استعطافا؛ كأنه قال: رب اعصمني بما أنعمت عليّ من المغفرة؛ فلن أكون - إن تعصمني - ظهيرا للمجرمين، وأراد بمظاهرة المجرمين: إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته (١٧١ /أ) وتكثير سواده، وكان عند فرعون كالولد، وإمّا مظاهرة من أدت مظاهرته إلى الجرم كما أدت نصرة الإسرائيلي إلى القتل. وقيل: معناه: بما أنعمت عليّ من القوة فلن أستعملها إلاّ في مظاهرة أولئك. ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ المكروه، وهو طلب القود (^١) منه، أو يترقب الأخبار وما يقال عنه.
﴿بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما﴾ القبطي؛ لأنه ليس على دينهما. والجبار: الذي يقتل ويضرب عند الغضب. وقيل: المتعظم الذي لا يتواضع لأمر الله. ولما قال هذا وصل آل فرعون وهموا بقتله. قيل: الرجل: مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون.
﴿يَسْعى﴾ يجوز أن يكون ارتفاعه وصفا لرجل وانتصابه حالا منه؛ لأنه قد تخصص بأن وصف من قوله: ﴿مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ﴾. ﴿تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ قصدها ونحوها، ومدين: قرية شعيب ﵇، سميت بذلك؛ لأن مدين بن إبراهيم نزلها ولم تكن في سلطان فرعون، بينها وبين مصر ثمانية أيام، وخرج وهو لا يدري كيف الطريق، بل وثق بربه وهدايته فقال: ﴿عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أي: وسط الطريق. وقيل: حماه ملك على فرس بيده عنزة فانطلق به إلى مدين. ﴿ماءَ مَدْيَنَ﴾ الماء الذي يستقون منه، وكان بئرا.
ووروده: الوصول إليه. ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ﴾ وجد فوق شفيره ومستقاه. ﴿أُمَّةً﴾ جماعة كثيرة العدد من الناس من أناس مختلفين. ﴿مِنْ دُونِهِمُ﴾ من مكان أسفل من مكانهم. والذود:
_________________
(١) تقدم معنى القود في تفسير سورة الشعراء، الآية (١٤).
[ ٢ / ٣٥ ]
الطرد والدفع، وكان على الماء من هو أقوى منهما؛ فلا يتمكنان من السقي. ﴿حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ أي: حتى يذهب. ﴿كَبِيرٌ﴾ كبير السن لا يقدر على السقي. ﴿فَسَقى لَهُما﴾ فسقى عنهما لأجلهما. وقيل: إن الرعاة كانوا يضعون حجرا على البئر لا يقله إلا سبعة.
وقيل: عشرة. وقيل: أربعون. وقيل: مائة فأقله موسى وحده، وساغ لشعيب ﵇ أن يستعمل ابنتيه في سقي المواشي، وذلك لا يليق برفعة قدرهن؛ لأن العوائد في ذلك مختلفة. ﴿إِنِّي﴾ لأي شيء أنزلته إليّ من قليل أو كثير لفقير، وإنّما عدّي ﴿فَقِيرٌ﴾ باللام؛ لأنه ضمّن معنى سائل وطالب. قيل: ذكر ذلك وخضرة البقل ترى في بطنه من الهزال، ما سأل الله إلا أكله (١٧١ /ب) ويحتمل أن يريد: إني فقير من الدنيا، غنيّ بما آتيتني من النجاة من الظالمين ومن العلم والحكمة، وكان الظل ظل شجرة.
﴿فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٢٥) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّالِحِينَ (٢٧) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨) فَلَمّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (٣٥) فَلَمّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ (٣٧) وَقالَ فِرْعَوْنُ﴾
[ ٢ / ٣٦ ]
﴿يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨)﴾
﴿عَلَى اسْتِحْياءٍ﴾ أي: مستحيية متخفرة (^١) قد استترت بكم درعها، وإنما ماشى موسى ابنة شعيب؛ لأن هذه الحالة يقطع فيها بالأمن من الفتنة، نبيّ كريم وابنة نبي.
وقوله: ﴿لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ﴾ لم يقبله موسى على أنه أجرة؛ بل ضيافة وكرامة لما علم أنه من أولاد إبراهيم، ومثله من يكرم ويحتفل بأمره.
وقولها: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ كلام حكيم جامع لا مزيد عليه؛ لأنه إذا حصل في وكيلك الأمانة والكفاية فقد تفرغ بالك من جهته. قوله ﷿: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ قصد بنفي علمه بإله غيره نفي وجود معناه:
ما لكم من إله غيري؛ كقوله تعالى عن ذاته المقدسة: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٢)؛ لأن العلم تابع للمعلوم يتعلق به على ما هو عليه، ويجوز أن يكون المراد أن إلها آخر غير معلوم عنده، ولكنه مظنون كما قال في آخر الآية: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ ولو لم يكن المخذول ظانا ظنا كاليقين، بل عالما بصحة قول موسى ﵇؛ لقول موسى له: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ﴾ (^٣) لما تكلف ذلك البنيان العظيم ولا تعب في بنائه ما تعب لعله يطلع بزعمه إلى إله موسى، وإن كان جاهلا مفرط الجهل به وبصفاته؛ حيث حسب أنه في مكان، وأنه يطلع إليه كما كان يطلع إليه إذا قعد في عليته، وليت شعري أكان يضحك على أهل بلاده ويسخر منهم، أم كان هو بهذه الصفات؟! فإن صح ما يروى من عود النشّابة (^٤) إليه ملطوخة بالدم فتهكّم به بالفعل؛ كما جاء التهكّم بالقول في آيات كثيرة، ويجوز أن يفسّر
_________________
(١) الخفر بالتحريك: شدة الحياء، وخفرت المرأة خفرا وخفارة، فهي خفرة على الفعل ومتخفرة، وتخفرت: اشتد حياؤها. ينظر: لسان العرب (خفر).
(٢) سورة يونس، الآية (١٨).
(٣) سورة الإسراء، الآية (١٠٢).
(٤) النشابة بضم النون وتشديد الشين المعجمة وموحدة وبتاء التأنيث ودونها: السهم. لسان العرب (نشب).
[ ٢ / ٣٧ ]
الظن على القول الأول باليقين، ويكون بناء الصرح مناقضة لما ادّعاه من العلم واليقين، وإنما قال: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ﴾ ولم يقل: اطبخ لي الآجرّ؛ لشدة اهتمامه ببناء الصّرح ومناداة هامان الوزير بالأمر بالطبخ، ودخول حرف النداء في وسط الكلام دليل التعظّم والتجبّر. وعن عمر ﵁: أنه حين سافر إلى الشام ورأى (١٧٢ /أ) القصور المتخذة بالآجرّ قال: "ما علمت أن أحدا بنى بالآجر غير فرعون" (^١).والطلوع والإطلاع بمعنى الصعود.
والاستكبار بالحق إنما هو لله - ﷿ - فهو المتكبر على الحقيقة.
وعن رسول الله ﷺ فيما حكى عن ربه - ﷿ -: "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار" (^٢).
﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ (٤٠)﴾
﴿يُرْجَعُونَ﴾ بالضم والفتح (^٣). قوله: ﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ من الكلام الفخم الدالّ على العظمة؛ شبهّهم مع كثرتهم بحصيات أخذهن آخذ في كفه فطرحهن في البحر، ومثله قوله - تعالى -: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ (^٤). ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ (^٥) وما هي إلا تصويرات وتمثيلات لاقتداره، وإن كل مقدور وإن عظم وجلّ فهو حقير بالنسبة إلى قدرته ﷾.
﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى﴾
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٢٤٤) ونسبه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم بنحوه.
(٢) رواه أحمد في المسند (٤١٤، ٣٧٦، ٢/ ٢٤٨)، وأبو داود رقم (٤٠٩٠)، وابن ماجه رقم (٤١٧٤)، وابن حبان في صحيحه رقم (٣٢٨) عن أبي هريرة ﵁. ورواه ابن ماجه رقم (٤١٧٥)، وابن حبان رقم (٥٦٧٢) عن ابن عباس ﵄.
(٣) قرأ بفتح الياء والبناء للمعلوم "يرجعون" نافع حمزة والكسائي، وقرأ الباقون "يرجعون" بالضم والبناء للمجهول تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٠٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٤٥)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٩٤).
(٤) سورة الحاقة، الآية (١٤).
(٥) سورة الزمر، الآية (٦٧).
[ ٢ / ٣٨ ]
﴿الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ (٤٤) وَلكِنّا أَنْشَأْنا قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨)﴾
قوله ﷿: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي: دعوناهم بهذه السمة؛ كقوله تعالى:
﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا﴾ (^١). لم يصيروهم إناثا، بل: وصفوهم بذلك.
﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ كما ينصر الأئمة الدعاة إلى الحق. ﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ من المطرودين. البصيرة: نور القلب؛ كما أن التبصر نور العين؛ سماها بصائر؛ لأنها سبب في الاهتداء بكشف الغطاء عن الحقائق. ﴿وَرَحْمَةً﴾ لأنهم لو عملوا بها لوصلوا إلى نيل الرحمة. يجوز أن يكون المراد: ترجّي موسى هدايتهم؛ كقوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ (^٢). ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ المكان الواقع في شق الغرب، وهو موضع خطاب الله لموسى، وقوله ﷿: ﴿إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ أي: خاطبناه بالأمر والنهي، وثواب المطيع وعقاب العاصي، والمعني بقوله: ﴿وَلكِنّا أَنْشَأْنا﴾ الاستدراك، أي: أنشأنا بعد عهد الوحي إلى عهدك. ﴿قُرُونًا﴾ كثيرة ﴿فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ إلى القرن الذي أنت فيه، واندرست العلوم فوجب إرسالك إليهم فأرسلناك، فذكر سبب الوحي الذي هو طول الفترة ودلّ به على المسبب، وإذن هذا الاستدراك شبيه الاستدراكين بعده، ودلّ (١٧٢ /ب) هذا الكلام على أن بعثة الرسل حق، ولمّا كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي جعل كل عمل من كسب الأيدي وإن كان من أعمال القلوب، والمعنى: ولولا كراهة أن تصيبهم مصيبة فيقولوا:
﴿لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فبعث الرسل لقطع المعاذير؛
_________________
(١) سورة الزخرف، الآية (١٩).
(٢) سورة طه، الآية (٤٤).
[ ٢ / ٣٩ ]
لقوله ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (^١). ﴿فَلَمّا﴾ جاءتهم الرسل تعنتوا واقترحوا على الرسل بعد ظهور معجزاتهم أن يؤتى كل رسول مثل ما جاء به موسى؛ فأنكر الله ذلك عليهم بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ﴾ وقالوا في حق موسى وهارون:
﴿سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنّا بِكُلٍّ﴾ واحد منهما ﴿كافِرُونَ﴾. وقيل: قالوا: في محمد وموسى - صلى الله عليهما وسلم. وقيل: في التوراة والقرآن ﴿سِحْرانِ تَظاهَرا﴾.
﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٥٠) وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥) إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾
هذا الشرط في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ يقوله المدلّ لصحة قوله؛ كما يقوله الصانع لمن عمل له عملا: إن كنت قد عملت لك فأعطني حقي. فإن قلت: ما الفرق بين الاستجابة في الآية، وبينها في قول الشاعر [من الطويل]:
وداع دعانا من يجيب إلى النّدى فلم يستجبه عند ذاك مجيب (^٢)
حيث عدّي في الآية باللام، وفي قول الشاعر بغير لام؟ قلت: إذا عدّي باللام فالمراد
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية (١٥).
(٢) البيت من بحر الطويل، لكعب بن سعد الغنوي. ينظر في الأصمعيات (ص: ٩٦)، تاج العروس (جوب)، جمهرة أشعار العرب ص (١٣٤)، خزانة الأدب للبغدادي (١٠/ ٤٣٦)، لسان العرب (جوب). ويروي الشرط الثاني منه: فلم يستجب عند النداء مجيب قال البغدادي في "خزانة الأدب": والمعنى: رب داع دعا: هل من أحد يمنح المستمنحين؟ فلم يجبه أحد. ومعنى الندى: الغاية، وبعد ذهاب الصوت، والجود. كما في "الصحاح".
[ ٢ / ٤٠ ]
استجابة المدعوّ، فيكون معنى قوله: ﴿لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ،﴾ أي: لم يستجيبوا لأجلك، وإذا عدّي الفعل بنفسه، كما في قول الشاعر: فلم يستجبه - جاز دخول اللام وحذفها، تقول:
استجاب الله دعاءك، ولا يكاد يقال: استجاب الله لك دعاءك.
فإن قلت: فالاستجابة تقتضي دعاء ولا دعاء هاهنا؟! قلت: قوله: ﴿فَأْتُوا بِكِتابٍ﴾ استدعاء للإجابة. ﴿بِغَيْرِ هُدىً﴾ في موضع الحال ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ أي: أنزلناه متواصلا؛ وعدا ووعيدا وعبرا. (ليتفكروا) قيل: نزلت في أربعين من مسلمي أهل الإنجيل؛ اثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من الشام، والضمير في ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ للقرآن.
﴿مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ وكل من اتبع نبيّا فهو مسلم. ﴿بِما صَبَرُوا﴾ بصبرهم على إيذاء الكفار، أو بثبوتهم على دين الحق. ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ الطاعة. ﴿السَّيِّئَةَ﴾ (١٧٣ /أ) المعصية المتقدمة.
﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ سلام متاركة. ﴿لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ لا نريد مخالطتهم وصحبتهم. ﴿لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ لا تقدر على أن تدخل في الإسلام من طبع على قلبه. قال الزجاج (^١): أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب، وذلك أن أبا طالب لما حضرته الوفاة قال له النبي ﷺ: "يا عم قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاجّ لك بها عند الله" فقال: أما والله إني لأعلم أنك صادق ولولا أن تعيرني نساء قريش لأقررت بها عينك؛ فقال له بعض من حضر: أنت على دين آبائك، فكان آخر ما قاله هو على ملة الأشياخ (^٢).
﴿وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاّ قَلِيلًا وَكُنّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٥٩) وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠) أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾
وقالت الكفار للنبي ﷺ: إنا نخاف إن اتبعناك أن تتخطفنا العرب. فأجاب الله تعالى وقال: قد مكنت لخدمة البيت ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ وهم كفار فإذا ضموا إلى ذلك الإيمان كانوا
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ١٤٩)، وفيه: أجمع المفسرون.
(٢) رواه البخاري رقم (٤٦٧٥، ٣٨٨٤، ١٣٦٠)، ومسلم رقم (٢٤٢٥)، وأحمد (٥/ ٤٣٣).
[ ٢ / ٤١ ]
أولى أن يحفظوا. وسخر لهم في واد غير ذي زرع أن جلب إلى مكة أنواع الثمرات.
وقوله: ﴿ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: أكثرها؛ فإن بعضها لا يتيسر نقله إليها.
وقوله: ﴿رِزْقًا﴾ إن جعلته مصدرا انتصب بأنه مفعول له، وإن جعلته اسم المرزوق، كان مفعولا به معمولا ل ﴿يُجْبى﴾. ﴿مَعِيشَتَها﴾ منصوب بحذف حرف الجر، أي:
بطرت في معيشتها، أو: بتقدير حذف الزمان، أي: بطرت في زمن معيشتها. أو ضمن "بطرت" معنى: كفرت وغمطت. بطر النعمة هو ألا يرعى حق الله فيها. ﴿إِلاّ قَلِيلًا﴾ من السّكنى، أي: لا يسكنها إلا المسافر، ومارّ الطريق يقضي فيها وطره ثم يرحل. ﴿وَكُنّا نَحْنُ الْوارِثِينَ﴾ لتلك المساكن، قال الشاعر [من الكامل]:
تتخلّف الآثار عن أصحابها حينا ويدركها الفناء فتتبع (^١)
﴿حَتّى يَبْعَثَ﴾ في القرية التي هي أمّ لما سواها. ﴿رَسُولًا﴾ لإلزام الحجة وقطع المعاذير وقيل: المراد بأم القرى: مكة؛ فإن الأرض دحيت من تحتها. ﴿لاقِيهِ﴾ أي: يلقاه؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ (^٢) ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (^٣).
﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ الذين أحضروا للنار، ولا تكاد تجد في القرآن لفظ المحضر إلا ومعناه:
المحضر للعذاب ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ (^٤) ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ (^٥) قيل: نزلت في رسول الله ﷺ وفي أبي جهل (^٦). وقيل: في علي وحمزة (^٧). (١٧٣ /ب) وقيل: في عمار ابن ياسر والوليد بن المغيرة (^٨). والفاء في قوله: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْناهُ﴾ معناها: أبعد هذا البيان
_________________
(١) البيت للمتنبي، ينظر في: الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٢٤)، نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري (١/ ٧١٢)، الوساطة بين المتنبي وخصومه لأبي الحسن الجرجاني (٢٤٦)، وفيات الأعيان لابن خلكان (١٢٣٧)، والبيت الذي قبله: أين الذي الهرمان من بنيانه ما قومه ما يومه ما المصرع
(٢) سورة الإنسان، الآية (١١).
(٣) سورة مريم، الآية (٥٩).
(٤) سورة الصافات، الآية (٥٧).
(٥) سورة الصافات، الآية (١٢٧).
(٦) رواه الطبري في تفسيره (٢٠/ ٩٧)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٤٣١).
(٧) رواه الطبري في تفسيره (٢٠/ ٩٧).
(٨) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٤٢٥).
[ ٢ / ٤٢ ]
البيان نسوّي بين رتب المؤمنين والكافرين.
﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦) فَأَمّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾
قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكائِيَ﴾ على زعمكم، ومفعولا ﴿تَزْعُمُونَ﴾ محذوفان، أي: الذين تزعمونهم شركاء. ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي: الشياطين، أو أئمة الكفر الداعون إلى النار.
﴿هؤُلاءِ﴾ مبتدأ، و﴿الَّذِينَ أَغْوَيْنا﴾ خبره. ومعنى الكلام: أنا لم نكره الذين أغويناهم؛ فلا فرق حينئذ بين غيّهم وغيّنا، فقال الله تعالى - حكاية عن إبليس في جهنم -: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ (^١).
وقوله: ﴿تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ﴾ من سوء عملهم وجحدوا عبادتهم لهم فقالوا: ﴿ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾. والخيرة: من التخير، أي: هو المتخير. قيل: السبب في قوله: ﴿ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ قول الوليد بن المغيرة: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (^٢).
والتقدير: ما كان لهم فيه الخيرة، والمعنى: أن تخيّر الرسول ليس إليهم وإنما هو لله وحده. ﴿ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ من عداوة رسول الله ﷺ وحسده. ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ من مطاعنهم فيه. ﴿وَهُوَ اللهُ﴾ المستأثر بالإلهية المختص بها، ومعنى الحمد في الآخرة قوله - تعالى -: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ (^٣) ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ﴾ (^٤).
والتحميد هنالك على وجه اللذة والتفكّه.
_________________
(١) سورة إبراهيم، الآية (٢٢).
(٢) سورة الزخرف، الآية (٣١).
(٣) سورة فاطر، الآية (٣٤).
(٤) سورة الزمر، الآية (٧٤).
[ ٢ / ٤٣ ]
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥) إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾
﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ معناه: أخبروني من يقدر على هذا؟ والسرمد: الدائم المتصل، مأخوذ من السرد وهو المتابعة. كان قارون حسن الصورة، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة، ولكنه نافق وقال: إذا كانت النبوة لموسى والحبورة لهارون فما لي؟ ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ من البغي وهو الظلم. قيل: ملّكه فرعون على بني إسرائيل. وقيل: إنه خاطب موسى فقال له: إذا كانت النبوة لك والحبورة لأخيك فما لي؟ فقال له موسى: هذا من أمر الله، وليس لي فيه صنع. فقال: والله لا أصدقك حتى تأتي بآية. فجمع موسى عصيّ الصلحاء والأبرار وربطها وجعلها في قبة كان الوحي ينزل على موسى، فيها فأصبحت عصا موسى وحدها عليها ورق أخضر، وليس على عصيّ غيره شيء، فقال قارون: ما هذا بأعجب مما تأتي به من السحر. ﴿لا تَفْرَحْ؛﴾ كقوله: ﴿وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ (^١) قال الشاعر (١٧٤ /أ) [من الوافر]:
أشدّ الغمّ عندي في سرور تيقّن عنه صاحبه ارتحالا (^٢)
﴿فِيما آتاكَ اللهُ﴾ من الغنى والثروة والسعادة. ﴿الدّارَ الْآخِرَةَ﴾ بأن تفعل فيه أفعال
_________________
(١) سورة الحديد، الآية (٢٣).
(٢) البيت لأبي الطيب المتنبي، ينظر في: تفسير البيضاوي (٤/ ٣٠٣)، روح المعاني للألوسي (٢٠٥/ ١) و(٢٠/ ١١٢)، فيض القدير للمناوي (٣/ ١٥٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٣٠). ويروى: تيقن عنه صاحبه انتقالا
[ ٢ / ٤٤ ]
الخير من أصناف الواجب والمندوب. ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ﴾ وهو أن تأخذ منه ما يكفيك ويصلحك. ﴿وَأَحْسِنْ﴾ إلى عباد الله. ﴿كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ وقيل: أحسن شكرك وطاعتك لله، كما أحسن الله إليك. والفساد في الأرض: الظلم والبغي. قيل: القائل موسى ﵇. قوله: ﴿وَابْتَغِ﴾ قرئ ﴿وَابْتَغِ﴾ (^١) قوله: ﴿عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أي:
على بصر بالتجارة. وقيل: علم الله موسى علم الكيمياء؛ فعلّم يوشع بن نون ثلاثة، وكالب بن يوفنا ثلاثة، وقارون ثلاثة، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه فكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهبا وفضة. قوله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ يجوز أن يكون نفيا لعلمه بذلك، ويجوز أن يكون إثباتا؛ لأنه قد علم ذلك من التوراة ومن صحف إبراهيم وموسى، وسمعه من نقلة الأخبار، يعني: فمع علمه بذلك كيف يعصى الله ويخالف، وعلى الأول يكون قد نفي عنه العلم بذلك لما تعظّم بالعلم، وزعم أن الذي هو فيه من العلم عنده، فقيل له: لا علم عندك. ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: لا يحتاج في العلم إلى سؤال واستعلام.
﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا وَلا يُلَقّاها إِلاَّ الصّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢)﴾
﴿فِي زِينَتِهِ﴾ قيل خرج على بغلة شهباء عليه الأرجوان (^٢) وعليها سرج من ذهب، ومعه أربعة آلاف على زيّه. وقيل: في تسعين ألفا عليهم المعصفرات. ومن الغبطة قوله تعالى: ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ ومن الحسد قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ﴾
_________________
(١) ذكرها الأخفش كما في: تفسير الألوسي (٢٠/ ١١٢)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ١٨٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٩١).
(٢) الأرجوان: الثياب الحمر. والأرجوان: صبغ أحمر شديد الحمرة. قال أبو عبيد: الأرجوان: الشديد الحمرة لا يقال لغير الحمرة أرجوان، وقال غيره: أرجوان معرب أصله أرغوان بالفارسية فأعرب قال: وهو شجر له نور أحمر أحسن ما يكون وكل لون يشبهه فهو أرجوان. ينظر: لسان العرب (رجا).
[ ٢ / ٤٥ ]
﴿بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ (^١). والحظ: البخت والدّولة. قوله: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ أصله الدعاء بالويل، ثم استعمل في الردع والزجر، وإنما يكون ذلك للإفراط في الاعتماد على ما لا ينبغي. وقوله: ﴿وَلا يُلَقّاها﴾ الضمير فيها يرجع إلى الكلمة التي قالها أهل العلم أو الحسنة أو للسيرة. ﴿الصّابِرُونَ﴾ على الطاعات وعن المعاصي وعند الشدائد. ﴿مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ من المنتقمين من موسى، أو: من المتخلصين من عذاب الله.
قوله: ﴿بِالْأَمْسِ﴾ لا يراد به اليوم الذي قبل يومك، وإنما (١٧٤ /ب) المراد الإخبار عن مدة ماضية قريبة. ﴿مَكانَهُ﴾ منزلته.
"وي" مفصولة عن "كأن" وهي كلمة تنبيه على الخطأ، وهو مذهب الخليل وسيبويه، وعند الكوفيين أن (ويك) بمعنى (ويلك) ويجوز أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى (وي) كقول عنترة [من الكامل]:
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها قول الفوارس ويك عنتر أقدم (^٢)
و"أنه" بمعنى لأنه، ومن الناس من يقف على "وي" ويبتدئ "كأنه"، ومنهم من يقف على "ويك" (^٣).
وقرئ (لولا منّ الله علينا) (^٤). وقرئ (لخسف بنا) (^٥) يعني: الله ﷿.
وعن عمر بن عبد العزيز: أنه كان يكرر هذه الآية حتى قبض (^٦). وعن علي ﵁: "إن
_________________
(١) سورة النساء، الآية (٣٢).
(٢) ينظر البيت في: الجنى الداني للمرادي (ص: ٣٥٣)، خزانة الأدب للبغدادي (٦/ ٤٠٦)، ديوان عنترة (ص: ٢١٩)، شرح الأشموني (٢/ ٤٨٦)، شرح شواهد المغني (ص: ٤٨١)، شرح المفصل (٤/ ٧٧)، المحتسب لابن جني (١/ ١٦)، وبلا نسبة في مغني اللبيب (ص: ٣٦٩).
(٣) ينظر تفصيل ذلك في: البيان في غريب القرآن لابن الأنباري (٢/ ٢٣٧)، التبيان للعكبري (١٨٠/ ٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٥٤)، معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ١٥٦).
(٤) قرأ بها الأعمش. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٣٥)، تفسير القرطبي (٣/ ٣١٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٩٣).
(٥) قرأ بها حفص عن عاصم ويعقوب، وقرأ بقية العشرة" لخسف ". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٣٥)، تفسير القرطبي (١٣/ ٣١٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٥٥)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٩٥)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٩٣).
(٦) رواه عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد (١/ ٣٠٩ - ٣١٠) قال:" أخبرنا جرير بن حازم قال -
[ ٢ / ٤٦ ]
الرجل ليحب أن يكون شراك نعله حسنا فيدخل في هذه الآية " (^١).
﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾
وزعم قوم أن قوله: ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا﴾ لما صنع فرعون في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٢). وأن المراد بالفساد ما صنعه قارون لقول قومه له: ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ﴾ ولا دليل على التخصيص، واللفظ عام لكل من علا وأفسد.
﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤) إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ (٨٦) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾
وضع ﴿الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ موضع المضمر. وهو باب من أبواب البلاغة.
﴿فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه، يعني: إن الذي حملك صعوبة التكليف. ﴿لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ نكّره للتعظيم، أي: معاد وأيّ معاد؛ قيل:
المراد به مكة، أي: وعده بردّه إليها يوم الفتح ظاهرا عليها منتصرا على أعدائه، والسورة
_________________
(١) = حدثني مغيرة بن حكيم قال: قالت لي فاطمة:" كنت أسمع عمر في مرضه الذي مات فيه يقول: اللهم أخف عليهم موتي ولو ساعة من نهار. قالت: فقلت له يوما يا أمير المؤمنين، ألا أخرج عنك عسى أن تغفى شيئا فإنك لم تنم. قالت: فخرجت عنه إلى بيت غير البيت الذي هو فيه. قالت: فجعلت اسمعه يقول: تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ يرددها مرارا ثم أطرق فلبث طويلا لا أسمع له صوتا فقلت لوصيف له كان يخدمه: ويحك انظر. فلما دخل صاح، قالت: فدخلت عليه فوجدته ميتا قد أقبل بوجهه على القبلة ووضع إحدى يديه على فيه والأخرى على عينه ". ورواه أبو نعيم في حلية الأولياء (٥/ ٣٣٥) بهذا السياق.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٠/ ١٢٢) ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٤٤٤) لابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب ﵁. قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ١٢٢): في إسناده نظر.
(٣) سورة القصص، الآية (٢٤).
[ ٢ / ٤٧ ]
مكية، وأصحاب النبي ﷺ مستضعفون، فوعده وأتاهم بالنصر والغلبة (^١).
وقيل: نزلت عليه بالجحفة، فنزل جبريل وقال: أتحب مكة؟ قال: نعم؛ فقال: إن الله سيعطيك إياها، وتلاها عليه: ﴿الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ الآية (^٢). ﴿بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ بعد وقت نزولها. و"إذ" يضاف إليه أسماء الزمان؛ كقولك: حينئذ وساعتئذ.
﴿إِلاّ وَجْهَهُ﴾ إلا إيّاه، والوجه يعبر به عن الذات.
***
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٠/ ١٢٥)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٤٤٥) لابن أبي شيبة وعبد ابن حميد والبخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن عباس ﵄.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٤٣٦).
[ ٢ / ٤٨ ]