﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا (٤) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِبًا (٥) فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا (٨) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (١٠)﴾
حمد الله نفسه، واستحمد إلى خلقه بإنزال الكتاب إذ هو كافل بمصالح الدين والدنيا.
وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ معترض بين فعل ﴿يَجْعَلْ﴾ ومفعوله ﴿عِوَجًا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ قائما بمصالح العباد (^١) ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ ولم يذكر من أنذره ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ثم ذكر إنذار الكفار فبيّن المنذر ولم يبين ما أنذروا به، فقال: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾ الآية، وقد صرح بهما في قوله: ﴿إِنّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا﴾ (^٢) وحذفهما في قوله:
﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (^٣).
وقوله: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ﴾ إشارة إلى أنه كان يجب ألا تبرز هذه الكلمة من صدورهم، كما جاء في الحديث: "إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يذكره" (^٤) ونصب ﴿كَلِمَةً﴾ كما انتصب في قوله: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ ونعم زيد رجلا. ﴿باخِعٌ﴾
_________________
(١) قال الأشموني في منار الهدى (ص: ٢٢٨): "الوقف على" عوجا "حسن، وبين الوقف عليه أن " قيما "منفصل عن" عوجا ".
(٢) سورة النبأ، الآية (٤٠).
(٣) سورة نوح، الآية (٢).
(٤) رواه مسلم رقم (١٣٢) عن أبي هريرة قال:" جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذاك صريح الإيمان ".
[ ١ / ٤٨٥ ]
﴿نَفْسَكَ﴾ قاتلها ﴿أَسَفًا﴾ مفعول من أجله ﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ﴾ من الناس والنبات والأنهار والثمار. ﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أكثر توقيا للحرام أو أكثرهم ذكرا للموت واستعدادا له. ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ قد استهلك ما عليه من النبات بالأكل والرعي والجفاف. ولما سأل الكفار رسول الله ﷺ عن قصة فتية ذهبوا فلم يعرف لهم خبر، وتوهموا أن تلك القصة من أعجب ما يكون وأغربه، فأنكر الله ذلك بقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا﴾ (^١). والرقيم: جانب الوادي. وقيل: هو لوح رقمت فيه قصتهم، وجعلت علي باب الغار حين غلب المؤمنون على أمرهم واتخذوا عليهم مسجدا.
﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا (١٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣) وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا (١٤) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾
﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ﴾ حجبوا عن الإدراك بالحواس فهم مشبهون بمن ضرب على حواسّه بشيء يمنعها من الإحساس. كان أهل الكتاب قد تنازعوا في مدة لبثهم، وفي عددهم، فأخبر الله نبيه ﵇ بحقيقة الأمر. ﴿وَزِدْناهُمْ هُدىً﴾ كما قال - تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا﴾ (^٢).
﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ ثبتنا قلوبهم حتى اجتهدوا في كتمان أمرهم، استعار لهم الربط حتى لا ينفلت منهم ما يدل على حالهم. اعترفوا بأن خالقهم خالق السماوات والأرض؛ لأن أحدا لا يدعي في (١٠٦ /ب) خلقهما مشاركة ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي﴾
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٥/ ١٩١)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٥٧) لابن إسحاق وابن المنذر وأبي نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن ابن عباس - ﵄.
(٢) سورة الأنفال، الآية (٢٩).
[ ١ / ٤٨٦ ]
﴿ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ﴾ (^١) ﴿لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا﴾ بعيدا عن الصواب، يقال شط المزار: إذا بعد ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ (^٢) ولا تبعد عن الحق.
﴿قَوْمُنَا﴾ بدل من ﴿هؤُلاءِ﴾ ﴿لَوْلا﴾ هلاّ ﴿يَأْتُونَ﴾ على تصحيح عبادتهم ببرهان بيّن فلا أحد ﴿أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ وافترى إن كانت بمعنى كذب ف" كذبا "مصدر، وإن كان بمعنى اقتطع واختلق جاز أن يكون مفعولا.
﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ وإذ اعتزلتم قومكم بكفرهم. ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ﴾ ما ترتفقون به، سمي المرفق؛ لأنه ارتفق بدخول عظم الساعد في عظمي (^٣) فهيأ بذلك بسط اليدين وقبضهما.
قيل: إن الشمس كانت إذا طلعت تميل عنهم خاصة ذات اليمين، وإذا غربت تميل ذات الشمال، وهذا بعيد، بل الصواب أن باب الغار كان في مقابلة بنات نعش (^٤) فكانت الشمس لا تدخل لهم بكرة ولا عشية ولا في شيء من النهار. واحتج الأولون بقوله - تعالى:
﴿ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ﴾ وأجيب بأن المراد بقاؤهم ثلاثمائة سنة من غير غذاء ولا شراب وتهيئة هذا الكهف في فجوة في مكان لا تتسلط عليه الشمس. ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ الكامل الهداية.
﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ﴾
_________________
(١) سورة الأحقاف، الآية (٤).
(٢) سورة ص، الآية (٢٢).
(٣) كذا بالأصل ويبدو أن هنا سقطا.
(٤) بنات نعش: سبعة كواكب؛ أربعة منها نعش؛ لأنها مربعة، وثلاثة بنات نعش الواحد ابن نعش؛ لأن الكوكب مذكر فيذكرونه على تذكيره، وإذا قالوا: ثلاث أو أربع. ذهبوا إلى البنات. ويقال فيما يعرف ببنات: بنات الدم بنات أحمر، وبنات المسند صروف الدهر، وبنات معي البعر، وبنات اللبن ما صغر منها، وبنات النقا هي الحلكة تشبه بهن بنان العذارى، وبنات بخر سحائب يأتين قبل الصيف منتصبات، وبنات غير الكذب وبنات بئس الدواهي وكذلك بنات طبق وبنات برح وبنات أودك وابنة الجبل الصدى وبنات أعنق النساء ويقال: خيل نسبت إلى فحل يقال له: أعنق. وبنات صهال الخيل وبنات شحاج البغال وبنات الأخدردي الأتن وبنات نعش من الكواكب الشمالية، وبنات الأرض الأنهار الصغار، وبنات المنى الليل، وبنات الصدر الهموم، وبنات المثال النساء والمثال الفراش، وبنات طارق بنات الملوك، وبنات الدو حمير الوحش وهي بنات صعدة أيضا، وبنات عرجون الشماريخ، وبنات عرهون الفطر، وبنت الأرض وابن الأرض ضرب من البقل، والبنات التماثيل التي تلعب بها الصبايا وبنات الليل الهموم". ينظر: لسان العرب (بني - نعش).
[ ١ / ٤٨٧ ]
﴿ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨) وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠) وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١) سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾
قيل: كانوا حين ضرب على آذانهم أعينهم مفتحة فظنهم الرائي أيقاظا ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ﴾ حتى لا تأكل الأرض لحومهم إذا استمروا عليها.
قيل: كانوا يقلبون في كل سنة مرة. وقيل: في كل سنة مرتين (^١). وقيل: كانوا يقلبون في يوم عاشوراء وهذا مما لا دليل عليه (^٢).
قوله: ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ اسم فاعل بمعنى المضي، فقياسه ألا يعمل، لكنه حكاية حال ماضية (^٣) والوصيد: الباب.
حكي: «أن معاوية بعث قوما يستطلعون خبرهم، فلما دخلوا من باب الكهف بعث الله
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٧٣).
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٢/ ٧٠٩).
(٣) يشترط جمهور النحاة لعمل اسم الفاعل أن يدل على الحال أو الاستقبال فإذا كان للمضي فلا يعمل، وأجاز ذلك بعض الكوفيين، كالكسائي. وفي هذا يقول ابن مالك: كفعله اسم فاعل في العمل إن كان عن مضيّه بمعزل وأما في هذه الآية باسِطٌ ذِراعَيْهِ فإنها حكاية حال كما ذكر المصنف هنا، والمعنى: يبسط ذراعيه، بدليل ما قبله وهو وَنُقَلِّبُهُمْ ولم يقل "وقلبناهم". وتنظر المسألة في: شرح الأشموني لألفية ابن مالك (٢/ ٥٦٢)، اللباب في علل البناء والإعراب للعكبري (١/ ٤٣٧)، همع الهوامع للسيوطي (٣/ ٥٣ - ٥٥).
[ ١ / ٤٨٨ ]
ريحا شديدة فأخرجتهم وهم كارهون، فبلغ معاوية، فقال له بعض جلسائه: قد منع الله من هو خير منك من رؤيتهم، فقال: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾» (^١).
﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا﴾ كانوا يظنون أن الشمس غابت [فقالوا: يوما] فرأوها لم تغب فقالوا ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ وكان معهم دراهم من ضرب دقيانوس الملك المتقدم ثم تغير ذلك الضرب تغييرات كثيرة في مدة (١٠٧ /أ) الثلاثمائة سنة. ﴿أَيُّها أَزْكى طَعامًا﴾ أرخص أو أحلّ.
﴿وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ وهم يظنون أن الملك دقيانوس يطلبهم. ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ إن يغلبوكم؛ كقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ (^٢) ﴿أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ أطلعنا ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقّا إِثْمًا﴾ (^٣) وكان ملكهم في ذلك الزمان مسلما وكان يرى ببعث الأجساد والأرواح، وقوم ينكرون ذلك، فأقام الملك متضرعا أن يريهم الله آية تدل على بعث الأجسام، فلذلك قال: ﴿أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها﴾ فلما اطلع عليهم تنازع فيهم المسلمون، فغلب الملك والمسلمون عليهم، فبنوا عليهم مسجدا.
كان ابن عباس يحلف أنه من القليل الذين يعلمون عددهم، ويقول: هم سبعة وثامنهم كلبهم (^٤) فإن الله - تعالى - عقب القولين الأولين بقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ ولم يقل ذلك في قولهم الثالث.
وزعم قوم أن هذه واو الثمانية، وليس عند العرب للثمانية واو.
وأما سورة التحريم قوله: ﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا﴾ (^٥) فتلك الواو واجبة الدخول، سواء كان ثالثة أو رابعة أو ما سوى ذلك؛ لأنه لو قال: ثيبات أبكارا لاجتمع الضدان. وقد كان
_________________
(١) ذكره الماوردي في النكت والعيون (٢/ ٤٧٢)، ونسبه الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار التي في الكشاف (٢/ ٣٠١) للواحدي في تفسيره الوسيط.
(٢) سورة الصف، الآية (١٤).
(٣) سورة المائدة، الآية (١٠٧).
(٤) رواه الطبري في تفسيره (١٥/ ٢٢٦)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٧٥) لعبد الرزاق والفريابي وابن سعد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس، ونسب للطبراني في الأوسط بسند صحيح عن ابن عباس - ﵄ - قال: "أنا من القليل، مكسلمينا وتمليخا وهو المبعوث بالورق إلى المدينة ومرطوس ونينونس ودردوتس وكفاشطهواس ومنطفواسيسوس وهو الراعي والكلب اسمه قطمير".
(٥) سورة التحريم، الآية (٥).
[ ١ / ٤٨٩ ]
القاضي الفاضل (^١) يعتقدها واو ثمانية فرد عليه أبو الجود بما ذكرته فقال: أرشدك الله يا أبا الجود (^٢).
وأما سورة الزمر وقوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ (^٣) في صفة أهل الجنة، فليس ذلك لأن أبواب الجنة ثمانية كما زعموا فإنه لم يسبق ذكر عدد، وإنما هذه الواو واو الحال والتقدير:
جاءوها وقد فتحت أبوابها كما تعد الدار نزلا للضيف وتكنس وتفتح أبوابها (^٤).
قوله: ﴿إِلاّ مِراءً ظاهِرًا﴾ يدل على جواز المماراة إذا ظهر دليلها وإن كان في لسان حملة
_________________
(١) هو الإمام العلاّمة البليغ القاضي الفاضل محيي الدين سيد الفصحاء أبو علي عبد الرحيم بن علي بن الحسن بن الحسن بن أحمد بن المفرج اللخمي الشامي البيساني الأصل العسقلاني المولد المصري الدار الكاتب صاحب ديوان الإنشاء الصلاحي ولد سنة تسع وعشرين وخمسمائة، انتهت إلى القاضي الفاضل براعة الترسل وبلاغة الإنشاء وله في ذلك الفن اليد البيضاء والمعاني المبتكرة والباع الأطول لا يدرك شأوه ولا يشق غباره مع الكثرة، توفي ليلة سابع ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة. تنظر ترجمته: في سير أعلام النبلاء للذهبي (٢١/ ٣٣٨).
(٢) هو الإمام المحقق شيخ المقرئين أبو الجود غياث بن فارس بن مكي اللخمي المنذري المصري الفرضي النحوي العروضي الضرير مولده في سنة ثماني عشرة وخمسمائة وتلا بالروايات على الشريف الخطيب أبي الفتوح الزيدي، وتصدر للإقراء دهرا وانتشر أصحابه منهم الشيخ علم الدين السخاوي وعبد الظاهر بن نشوان والفقيه زيادة وأبو عمرو بن الحاجب والمنتجب الهمذاني أقرأ الناس دهرا ورحل إليه وأكثر المتصدرين للإقراء بمصر أصحابه وأصحاب أصحابه، وكان ديّنا فاضلا بارعا في الأدب حسن الأداء لفّاظا متواضعا كثير المروءة، توفي في تاسع رمضان سنة خمس وستمائة ﵀. تنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء للذهبي (٢١/ ٤٧٣).
(٣) سورة الزمر، الآية (٧٣).
(٤) هناك أربعة مواضع في القرآن سميت الواو فيها بواو الثمانية عند بعض النحاة والأدباء والمفسرين؛ وهي هذا الموضع من سورة الكهف، وقوله - تعالى: التّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة: ١١٢] وقوله - تعالى: وَفُتِحَتْ أَبْوابُها [الزمر: ٧٣] وقوله - تعالى: ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا [التحريم: ٥] وقد عددها ابن هشام في مغني اللبيب (١/ ٥٨٢) وقال: "ذكرها جماعة من الأدباء كالحريري، ومن النحويين الضعفاء كابن خالويه، ومن المفسرين كالثعلبي، ونسب السمين الحلبي في الدر المصون إلى أبي بكر راوي عاصم أنه قال بذلك. ورد المحققون هذه التسمية ونفوا وجود هذه الواو في العربية وقالوا عن ذلك:" وهو قول لا دليل له ولا أصل له ". وينظر في ذلك: الجنى الداني للمرادي (ص: ١٦٨٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٥٠٨)، الفصول المفيدة في الواو المزيدة لصلاح الدين العلائي (١/ ١٤٠ - ١٤٥).
[ ١ / ٤٩٠ ]
الشريعة لا يذكرونه إلا مذموما.
﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا (٢٣) إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا (٢٤) وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦) وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾
﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا (٢٣) إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ نزلت حين قال رسول الله ﷺ للكفار:" سأخبركم غدا "ولم يقل: إن شاء الله (^١). ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ﴾ الاستثناء بالمشيئة ﴿وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ﴾ مما نسيته ﴿رَشَدًا﴾. ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ سنين بدل من ثلاثمائة.
قوله: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ أي لما انتقل الحساب من السنة الشمسية (١٠٧ /ب) إلى السنين العربية صارت الثلاثمائة الشمسية ثلثمائة وتسعة بالعربية، وفيها تفاوت يسير كما قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ (^٢) وإنما هو شهران وثلث.
له علم ما غاب في السماوات والأرض. ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ ما أبصر الله بما تفعلون وما أسمعه لما تقولون! ﴿وَاتْلُ﴾ أي: اقرأ. وقيل: واتبع كقوله: ﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ (^٣) أي:
تبعها في السير. ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ وكان عيينة بن حصن وأضرابه من المترفين يكرهون مجالسة عمار بن ياسر وخبّاب بن الأرت وبلال وابن مسعود ويقولون:
اجعل لمجلسنا يوما لا يحضرونه، فهمّ رسول الله ﷺ بذلك حرصا على إيمان المترفين، فإنهم إذا آمنوا تبعهم خلق كثير، فنهي عن طرد الفقراء، وأمر أن يصبر نفسه معهم، فكان إذا
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٥٧) ونسبه لأبي نعيم في الدلائل من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس - ﵄.
(٢) سورة البقرة، الآية (١٩٧).
(٣) سورة الشمس، الآية (٢).
[ ١ / ٤٩١ ]
جلس معهم لا يقوم من مجلسه حتى يبدؤوا هم بالقيام (^١).
﴿مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾ خلقنا الغفلة في قلبه وكان أمره مقدّما في الشر.
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا (٣٣) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ﴾ إذا شاء الله رب العالمين ﴿وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ إذا شاء الله رب العالمين، فلنا مشيئة نفرق بها بين الفعل الاختياري والاضطراري ولا يقع الفعل إلا بمشيئة الله - تعالى.
المهل: درديّ الزيت المغلي. وقيل: الذهب والفضة إذا أذيبا. وقوله: ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ﴾ أي: يجعل مكان الغوث وإلا فهو ليس بغوث. ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ إذا دنا منها ويقطع الأمعاء إذا شرب، ويصب من فوق رؤوسهم فيذيب شحم بطونهم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، وخبره ﴿أُولئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ و﴿إِنّا لا نُضِيعُ﴾ جملة معترضة. وقيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ وخبره ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ وعلى هذا دخلت ﴿إِنَّ﴾ في خبر ﴿إِنَّ﴾. وقيل بجوازه؛ كقوله - تعالى - في سورة الحج:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ (^٢)، وأنشدوا عليه
_________________
(١) رواه ابن ماجه في سننه رقم (٤١٢٧)، والطبري في تفسيره (١٥/ ٢٣٥)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ٣٠٥ رقم ٦٠٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٣٣٤ رقم ١٠٤٩١) ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٢٧٣) لابن أبي شيبة وأبي يعلى وأبي نعيم في الحلية وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن خباب.
(٢) سورة الحج، الآية (١٧) قال السمين الحلبي في الدر المصون (٤/ ٤٥٢):" ويجوز أن تكون -
[ ١ / ٤٩٢ ]
[من البسيط]:
إن الخليفة إن الله سربله سربال عزّ به ترجى الخواتيم (^١)
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ إن كانت عدن اسم مكان مخصوص، فهي معرفة، وإن كانت من عدن بالمكان إذا أقام به فهي نكرة. قيل: السندس ما رقّ من الديباج. والإستبرق (١٠٨ /أ) ما غلظ منه، ولهذا قال: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ (^٢) ولا يعني بما غلظ من الديباج له ناقص القيمة؛ لأنه ليس في الجنة ناقص إنما هو نوع من الحرير ينسج ثخينا. ﴿الْأَرائِكِ﴾ السرر في الحجال. ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾ ﴿مَثَلًا﴾ و﴿رَجُلَيْنِ﴾ مفعولان ل ﴿وَاضْرِبْ﴾ ومعناها:
صيّر؛ كقولك: ضربت الطين لبنا، وقد سبق أن الزمخشري (^٣) قال: إن الجنة من النخل، والفردوس من الكرم، وظاهر هذه الآية يخالفه؛ لأنه جعل الجنتين من الأعناب، ﴿أُكُلَها﴾ أي: ثمرتها.
لم تظلم: لم تنقص. وكان له أموال مختلفة بثمرها. ﴿يُحاوِرُهُ﴾ يراجعه للكلام.
النفر: القوم الذين ينفرون معك إذا استدعيتهم. وقال الزمخشري (^٤): ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ أي: التي لا جنة له سواها، وليس له في الآخرة إلا النار، وزعم أنه إن كان ثم آخرة فنصيبه منها وافر، ولا دليل له على ذلك ولا باعث إلا البطر، وسعة الرزق. جعل صاحبه إنكاره للبعث وقسمه أن جنته لا تبيد، وأنه يؤتى في الآخرة نصيبا وافرا كفرا بالله.
﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا (٣٧) لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا (٣٩)﴾ ﴿فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها﴾
_________________
(١) = الجملتان أعني قوله: إِنّا لا نُضِيعُ وقوله: أُولئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ خبرين ل إِنْ عند من يرى جواز ذلك، أعني تعدد الخبر وإن لم يكونا في معنى خبر واحد ".
(٢) البيت لجرير ينظر في: أمالي الزجاجي (ص: ٦٢)، تذكرة النحاة (ص: ١٣٠)، خزانة الأدب للبغدادي (١٠/ ٣٦٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٤٥٢)، ديوان جرير (ص: ٦٧٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٤٨)، لسان العرب (ختم)، معاني القرآن للفراء (٢/ ١٤٠).
(٣) سورة الرحمن، الآية (٥٤).
(٤) تقدم في تفسير سورة الرعد، الآية (٤).
(٥) ينظر: الكشاف للزمخشري (٢/ ٧٢١).
[ ١ / ٤٩٣ ]
﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾
﴿خَلَقَكَ﴾ أي: خلق أصلك من تراب، ثم جعل نسلك من سلالة من ماء مهين.
﴿وَلَوْلا﴾ بادرت حين دخول جنتك فقلت: ﴿ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾.
وقيل: من أكثر قول هذه الكلمتين في بستانه تضاعف ثمره وأمن الجائحة (^١).
والحسبان: عذاب. ﴿غَوْرًا﴾ أي: غائرا. ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ هلك. ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ يديه ندما على خسران ﴿ما أَنْفَقَ فِيها﴾ وجعل نفسه مشركا بذلك من دون الله من سوى الله.
﴿وَما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ بنفسه. ﴿هُنالِكَ﴾ أي: في ذلك الوقت، أو في ذلك الزمان ﴿الْوَلايَةُ﴾ بكسر الواو وفتحها (^٢) لغتان. من رفع ﴿الْحَقِّ﴾ فهو صفة للولاية ومن جرّه (^٣) فهو نعت لله.
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)﴾ ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾
_________________
(١) ذكر السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٩٢) نحو ذلك ونسبه لابن أبي حاتم عن أنس ﵁ قال:" من رأى شيئا من ماله فأعجبه فقال: ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ لم يصب ذلك المال آفة أبدا وقرأ وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ الآية ".
(٢) قرأ حمزة والكسائي وخلف" الولاية "بكسر الواو، وقرأ الباقون" الولاية "بفتح الواو. تنظر القراءات في: الإتحاف للبنا (٢/ ٢١٦)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٢٥)، البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ١٣١)، الجامع للقرطبي (١٠/ ٤١١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٤٦٠)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٤٦٨ - ٤٦٩)، معاني القرآن للفراء (٢/ ١٤٦)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣١١).
(٣) قرأ أبو عمرو" الحقّ "بالفتح، وقرأ الكسائي" الحقّ "بالرفع، وقرأ الباقون" الحقّ "بالجر. تنظر القراءات في المراجع السابقة.
[ ١ / ٤٩٤ ]
﴿(٤٩) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠) ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ في حسن إقبالها وسرعة زوالها بجملة؛ وهي أن ماء نزل من السماء إلى آخره. ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ﴾ أي: اختلط التراب بالماء، واختلطت أنواع العشب النابتة من الأرض. ﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ تحمله وتفرقه في نواح شتى.
﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ سائر الأعمال الصالحة (^١). وقيل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر (^٢). وقيل: الصلوات الخمس (^٣) (١٠٨ /ب).
﴿وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ أي: مأمولا. ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً﴾ ليس عليها شجر ولا نبات يستر شيئا منها. ﴿لا يُغادِرُ﴾ لا يترك، ومنه سمّي الغدير؛ لأن السيل تركه لانخفاض مكانه. وقيل:
سمي به لأن المسافرين يمرّون عليه وهو ملآن، ثم إذا تهيأ عودهم يظنون أن ذلك الماء باق، فيجدون الرياح قد أذهبته، فكأنه غدرهم. فعيل بمعنى فاعل وعلى الأول بمعنى مفعول.
﴿وَوَجَدُوا﴾ جزاء ﴿ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ ووجدوه مسطورا في صحائف الأعمال. ﴿اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ قيل: اجعلوه قبلتكم. وقيل: اجعلوه إماما تسجدون لسجوده. والصحيح اسجدوا له تعظيما، وتختلف الشرائع في ذلك. ومنه: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ (^٤).
﴿كانَ﴾ من خدم الجنة، وبه سمي الجن. وقيل: سمي به لاستتاره عن الأعين، ولا يتعدى ذلك إلى الملائكة، فهو مشتق لا يعم كالقارورة والملك والخابية (^٥) ﴿فَفَسَقَ﴾ فخرج والفاء لردّ السببية الباطلة، كأنه قال: أفمع فعله مع أبيكم هذا تتخذونه وليّا من دون الله.
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٥/ ٢٥٦) عن ابن زيد.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٥/ ٢٥٤ - ٢٥٥) عن عثمان ﵁ وغيره.
(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٥/ ٢٥٤) عن ابن عباس - ﵄ وغيره.
(٤) سورة يوسف، الآية (١٠٠).
(٥) الخابية: هي الخب أصلها الهمزة من خبأت إلا أن العرب تركت همزة قال أبو منصور: تركت العرب الهمز في أخبيت وخبيت وفي الخابية لأنها كثرت في كلامهم فاستثقلوا الهمز فيها. ينظر: لسان العرب (خبأ).
[ ١ / ٤٩٥ ]
وقوله: ﴿وَذُرِّيَّتَهُ﴾ احتج بها قوم على أن إبليس تزوج وولد له.
﴿ما﴾ أحضرتهم ﴿خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ولا استعنت بهم في خلقهما، ومثله ﴿أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية (^١) واذكر يوم يقول الله: ﴿نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ﴾ زعمتموهم شركاء ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ أي مهلكا، وهو سرادق جهنم. وقيل: البين بمعنى الوصل ومنه: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ (^٢) بالضم، المعنى هنا: وجعلنا تواصلهم في الدنيا سببا لهلاكهم في الآخرة.
﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا (٥٣) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤) وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا (٥٥) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)﴾
﴿فَظَنُّوا﴾ فأيقنوا. وقيل: هو ظن على بابه، والمواقعة مفاعلة من واحد مأخوذ من الوقوع، فهم يقعون فيها وهي لا تقع فيهم. ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ من كل حكم أو قصة أو موعظة هي في غرابتها كالمثل.
﴿أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ بالباطل، وفي البخاري: «أنّ النبي ﷺ طرق عليّا وفاطمة بعد أن أخذا مضاجعهما فأرادا أن يقوما فقال: على مكانكما. فجلس بينهما. قال عليّ: حتّى وجدت برد قدميه على صدري، ثمّ قال: يا عليّ وفاطمة، ألا تقومان الليل؟ فقالا: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، إن شاء أن يقيمنا أقامنا، وإن شاء أن ينيمنا أنامنا، فلم يرجع النبي ﷺ إليهم جوابا. قال عليّ: (١٠٩ /أ) فسمعته وهو مولّ يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾» (^٣).
_________________
(١) سورة الأحقاف، الآية (٤).
(٢) سورة الأنعام، الآية (٩٤) وتقدم تخريج القراءة هناك.
(٣) رواه البخاري رقم (٤٧٢٤).
[ ١ / ٤٩٦ ]
﴿وَما مَنَعَ النّاسَ﴾ الإيمان إلا الاستهانة بما ذكّروا به من قصص الأولين. ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا﴾ أي: معاينة ﴿وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الرسل ﴿بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا﴾ ليبطلوا ﴿بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي﴾ وإنذاري محل هزء أو مهزوّا به، أو جعله نفس الهزء مبالغة، ولا أحد ﴿أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما﴾ قدم من الأعمال السيئة حتى جعلته على شفا جرف من النار. الأكنة: جمع كنان؛ كراهة أن يفقهوا أو لئلا يفقهوا. والوقر بفتح الواو: هو الثقل في الأذن، وبكسرها الحمل ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ فيلزم من الغفران الرحمة؛ لأن الرحمة أعم والمغفرة جزء منها قد تحصل الرحمة بكشف الشدائد وسعة الرزق وبلوغ الآمال. ﴿بَلْ﴾ لمجازاتهم ﴿مَوْعِدٌ﴾ ﴿مَوْئِلًا﴾ أي: منجى.
﴿وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩) وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا (٦٢) قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قالَ ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْمًا (٦٥) قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠) فَانْطَلَقا حَتّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقا حَتّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾
﴿الْقُرى﴾ عطف بيان أو صفة و﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾ الخبر، ويبعد أن يجعل ﴿الْقُرى﴾ خبرا عن ﴿تِلْكَ﴾ لقلة الفائدة فيه، وإن كان قد جاء مثله خبرا ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (^١) ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ (^٢) فيه إشارة إلى معاجلتهم بالعقوبة. ﴿وَجَعَلْنا﴾ لوقت إهلاكهم موعدا.
_________________
(١) سورة هود، الآية (٧٢).
(٢) سورة النمل، الآية (٥٢).
[ ١ / ٤٩٧ ]
روي: «أن موسى ﵇ خطب الناس ووعظهم موعظة بليغة، فقال له رجل: هل تعلم أحدّا أعلم منك؟ فقال: لا. فعتب الله عليه، إذ لم يرد العلم إليه، فقال: عبد لنا بمجمع البحرين هو أعلم منك. فقال: يا ربّ كيف السبيل إلى لقائه؟ قال: خذ حوتا في مكتل، فحيث فقدت الحوت فهو ثمّ، فتوجه هو ويوشع بن نون فتاه لطلبه، واتخذ حوتا في مكتل، فلما وصلا إلى المكان توضأ يوشع من عين، فأصاب الماء الحوت المشويّ - وكان قد أكل أحد شقيه - فحيى، ووقع في الماء، وصار الماء عليه مثل الطاق، ثم توجها لطلبهما بقية يومهما فوجدا التعب والجوع، فقال موسى لفتاه: آتنا غداءنا. فأخبره بخبر الحوت، فقال:
ذلك ما كنا نبغي. فرجعا يقصان الأثر، فوجدا الخضر. وقيل: إنهما دخلا في الماء في المكان الذي دخل فيه الحوت، فوجدا الخضر جالسا هناك، فسلّم موسى عليه، فقال الخضر: أنّى بأرضك السلام؟ فقال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟! قال: نعم، جئتك لتعلمني مما علمت رشدا. وتأدب موسى مع الخضر لما ردّه بقوله: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (١٠٩ /ب) فقال له: ﴿قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ فركبا في سفينة، فلما توسطا البحر خرق الخضر السفينة ﴿شَيْئًا إِمْرًا﴾ أي: منكرا، وكذلك ﴿نُكْرًا﴾ و﴿إِذا﴾ وكانت الأولى من موسى نسيانا، فاعتذر عن فعله بنسيانه، فقبل عذره، ثم وجدا غلاما صبيح الوجه، فأخذه الخضر فقتله، فأنكر موسى عليه ثانيا، واختلف في أي الأمرين أشد؟ فقيل: خرق السفينة؛ لأنه يخشى بذلك هلاك خلق كثير. وقيل: قتل الغلام؛ لأنا تيقنّا ذهاب روحه بخلاف ركبان السفينة. قال له الخضر مغلظا عليه: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ فزاد لفظة ﴿لَكَ﴾ في الثانية دون الأولى، فحكّمه موسى عليه وقال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾ قال النبي ﷺ: "وددنا لو أن موسى سكت حتى يقصّ الله علينا من خبرهما" (^١).
﴿قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)﴾ ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ﴾
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٤٧٢٧)، ومسلم رقم (٢٣٨٠)، وأحمد في المسند (١١٩، ١١٨، ٥/ ١١٦)، وأبو داود رقم (٤٧٠٧)، والترمذي رقم (٣١٤٩).
[ ١ / ٤٩٨ ]
﴿سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩) وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾
المراد بالانطلاق: الذهاب ولا يشترط فيه السرعة، وأصله من إطلاق الإنسان أو الدابة الممنوعين عن التصرف. وقوله: ﴿فَانْطَلَقا﴾ يعني موسى والخضر، ولم يجر ذكر يوشع بعد انطلاقهما، وكملت القصة في محاورة موسى والخضر دون يوشع.
﴿اِسْتَطْعَما أَهْلَها﴾ وقد احتج بهذه الآية من أجاز السؤال عند الحاجة، فإن الخضر وموسى استطعما وردّا. وفيه دليل على أن إعطاء المسكين والسائل ضيافة.
وقوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ نسبة الإرادة للجدار مجاز والمراد إشرافه على السقوط.
﴿فَأَقامَهُ﴾ الخضر. وقوله: ﴿لاتَّخَذْتَ﴾ قرئ ﴿لاتَّخَذْتَ﴾ وهما لغتان (^١) فلما استكمل موسى ثلاثة أسئلة على خلاف ما شرط عليه في قوله: ﴿فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ الآية قال له الخضر: وفاء بالشرط ﴿هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ وقد زعم بعضهم البين بمعنى الوصل، احتج بقوله - تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ في قراءة من ضم النون (^٢).
واحتج الشافعي في قوله: إن المسكين أكثر موجودا من الفقير بهذه الآية (^٣) فجعل لهم سفينة وسماهم مساكين. وقال بعضهم: لما جاز إرادة إفساد السفينة للمصلحة، وإن كان ضرر ظاهر نسب ذلك إلى نفسه بقوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها﴾ ولما كان بقاء الكنز في مكانه ليأخذه اليتيم إذا بلغ مصلحة مجرّدة نسبه إلى الله - تعالى - فقال: ﴿فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا﴾ وقد سأل نافع الأزرق (^٤) ابن عباس ﵁ فقال: "كيف جاز للخضر قتل الغلام ولم يحتلم، وهو لم
_________________
(١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب" لتخذت "، وقرأ الباقون" لاتّخذت". وتنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ١٥٢)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٢٨)،، الحجة لأبي زرعة (ص: ٤٢٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٤٧٦)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٩٦)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٤٩٥)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣١٤).
(٢) تقدم تخريجها في سورة الأنعام، الآية (٩٤).
(٣) ينظر: المبسوط للسرخسي (٣/ ٢)، المغني لابن قدامة (٧/ ٣١٣).
(٤) هكذا وقع هنا نافع الأزرق، وفي كتب التخريج وفي الكشاف للزمخشري (٢/ ٧٣٦) أن الذي سأل -
[ ١ / ٤٩٩ ]
يجر عليه قلم؟ قال ابن عباس: علم منه أنه يكفر إذا بلغ. فقال: إذا غلب على (١١٠ /أ) ظن الإنسان ذلك يجوز له أن يقتل ولم يتحقق منه جناية بعد؟ فقال ابن عباس: إن علمت من الغلام ما علمه الخضر فاقتله" (^١).
وقد قيل في الكنز: إنه لوح مكتوب فيه: "عجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن رأى تقلب الدنيا بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله" (^٢)،وظاهر لفظ الكنز يخالف هذا.
وقيل في الأب الصالح: إن ذلك الولد كان سابع بطن من ذريته، وقد ورد في الأثر: "إن الرجل الصالح يحفظ في السابع من ذريته" (^٣).والأشد: جمع شد، وبلوغ الأشد هو تكامل القوى. وقوله: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ يريد أن الله أعلمه ذلك بطريق من طرق الإعلام لم يطلع الله موسى عليه.
_________________
(١) = ابن عباس عن ذلك هو نجدة الحروري، وكلاهما من الخوارج؛ أما نافع فهو ابن الأزرق الحروري من رؤوس الخوارج ذكره الجوزجاني في كتاب الضعفاء، كان من رؤوس الخوارج وإليه تنسب الطائفة الأزارقة، وكان قد خرج في أواخر دولة يزيد بن معاوية، وكان يخرج في سوق الأهواز ويعترض الناس بما يحير العقل، وجعل يقرأ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّارًا إلى فاجِرًا كَفّارًا وكان يطلب العلم، وله أسئلة عن ابن عباس مجموعة في جزء من روايته، وأخرج الطبراني بعضها في مسند ابن عباس من المعجم الكبير، كان قتله في جمادي الآخرة سنة خمس وستين. تنظر ترجمته في: لسان الميزان لابن حجر العسقلاني (٦/ ١٤٤). وأما نجدة الحروري فهو نجدة بن عامر الحروري من رؤوس الخوارج زائغ عن الحق ذكر في الضعفاء للجوزجاني، وهو ابن عمير اليمامي خرج باليمامة عقب موت يزيد بن معاوية وقدم مكة وله مقالات معروفة وأتباع انقرضوا. ترجمته في: لسان الميزان لابن حجر العسقلاني (٦/ ١٤٨).
(٢) رواه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٣٥٢) رقم (٣٢٩٩)، وأبو يعلى في مسنده (٤/ ٤٢٣) رقم (٢٥٥٠)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٤٢٦) ونسبه لأحمد عن عطاء قال: "كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن قتل الصبيان فكتب إليه إن كنت الخضر تعرف الكافر من المؤمن فاقتلهم". ورواه مسلم في صحيحه رقم (١٨١٢) بلفظ نحو ذلك.
(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٦/ ٦) عن الحسن، ورواه البيهقي في كتاب الزهد الكبير (٢/ ٢١٥) عن علي بن أبي طالب ﵁ وذكره الماوردي في النكت والعيون (٢/ ٥٠٣) عن ابن الكلبي عن أنس.
(٤) رواه الطبري في تفسيره (١٦/ ٦)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٤٢٩) ونسبه لابن أبي حاتم من طريق شيبة عن سليمان بن سليم بن سلمة قال: "مكتوب في التوراة: إن الله ليحفظ القرن إلى القرن إلى سبعة قرون وإن الله يهلك القرن إلى القرن إلى سبعة قرون".
[ ١ / ٥٠٠ ]
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قالَ أَمّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْرًا (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا (٩٠) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾
وقوله - تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ وهو ملك ملك الأرض كلها، ولم يملكها إلا أربعة: مسلمان: ذو القرنين وسليمان، وكافران: بختنصر والنمرود. واختلف لم سمي ذا القرنين؟ فقيل: لأنه بعث إلى أمتين في مشرق الأرض ومغربها. وقيل: لأنه بلغ مسيره إلى المشرق والمغرب. وقيل: دعا قومه إلى الله فشجوا قرن رأسه، ثم أعاد دعوتهم إلى الله فشجوا القرن الآخر. وقيل: عاش عمر قرنين، والأمة الكبيرة تسمى قرنا ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ﴾ (^١) ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ (^٢) وقيل: كانت له ذؤابتان حسنتان فسميتا قرنين، ومن العجيب قول بعضهم: إنه كان له قرنان من نحاس، فليتني أدري كيف يمتزج النحاس باللحم والدم، وكيف يأخذ حظه من الغذاء؟! (^٣)
﴿وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يستعين به على الملك ﴿سَبَبًا﴾ فإنه لم يؤت السبب إلى ملك السماوات ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ﴾ الجهة التي تلي مغرب الشمس ﴿وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أي:
في نظر عينه قرى حامية، فالهمز يريد به كثيرة الحمأة وهي الطين، وغير المهموز يريد شدة الحر (^٤). ﴿إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ هؤلاء القوم، وإما أن تفعل فيهم فعلا حسنا، فرد عليهم الجواب
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية (١٧).
(٢) سورة المؤمنون، الآية (٣١).
(٣) ذكر بعض هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون (٢/ ٥٠٤)، وذكر بقية الأقوال السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٤٣٩) عن وهب بن منبه اليماني، والزمخشري في الكشاف (٢/ ٧٤٣).
(٤) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم "حمئة" بالهمز، وقرأ الباقون "حمية" غير مهموز. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ١٥٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٤٨٠)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٩٨)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٧٤٤).
[ ١ / ٥٠١ ]
مفصلا فقال: ﴿أَمّا مَنْ ظَلَمَ﴾ فله كذا. ﴿وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى﴾ ومن نصب ﴿جَزاءً﴾ جعله مفعولا من أجله. ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ﴾ عراة، وأنهم حين تطلع الشمس ينزلون في الماء حتى ترتفع الشمس فيخرجون.
﴿حَتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ أي: بين رأسي الجبلين، وكان بينهما فرجة متسعة يخرج منها غاشية يأجوج ومأجوج (١١٠ /ب) فيفسدون في الأرض ويقتلون.
﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتّى إِذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا (٩٩) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾
فسأل القوم ذا القرنين أن يسدّ ما بين الجبلين الذي ليس لهم طريقا غيره، وعرضوا عليه أن يبذلوا له مالا، فقال: ﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ طلب منهم الآلة وهي الحديد حتى جمعوا له ما سد بين الجبلين حديدا، ثم دعا بالنحاس، فأوقد عليه النار حتى ذاب، ثم أفرغه على ذلك الحديد المرصوص، فدخل وهو حار في الخلل الذي بين الحديد، فصار كأنه قطعة واحدة. ﴿فَمَا اسْطاعُوا﴾ أن يعلوه ولا أن ينقبوه. ﴿قالَ هذا﴾ السد ﴿رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ بمجيء الآخرة ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: مدكوكا ومن قرأ ﴿دَكّاءَ﴾ (^١) بالمد والهمز أي:
لا رأس له، يقال: ناقة دكاء أي: لا سنام لها.
قوله: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ قيل: الضمير يعود إلى يأجوج ومأجوج وقيل: هو كلام مستأنف يريد به الكفار والظلمة، وشبه اختلاطهم وتظالمهم بتموج البحر فقال: ﴿يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ والصور: قرن ينفخ فيه إسرافيل، وفي ذلك القرن لوى بعدد أرواح بني آدم، فيصل إلى كل جسد روحه بتلك النفخة. وقيل: الأرض بمنزلة الصور ينفخ فيها إسرافيل.
_________________
(١) تقدم في سورة الأعراف، الآية (١٤٣).
[ ١ / ٥٠٢ ]
وقيل: الصّور جمع صورة (^١) أي: ينفخ في الصّور وهو كقولك: بوص وبوصة، وتوتة وتوت، وثوم وثومة. ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ﴾ يراها المؤمنون والكفار. لما لم يعتبروا بآيات الله التي شاهدوها في الآفاق وفي أنفسهم كمن غطيت عيناه فلم تستطع الأبصار فقال: ﴿كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ وجعلهم في أمر السمع كالصم. ﴿وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي﴾ أي: ويسلمون من العقوبة جعل جهنم كالنزل المهيّأ للضيف وهو تهكم بهم، و﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا﴾ هم الرهبان، ومن كان على خطأ يحسب أنه على هدى.
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا (١٠٨) قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾
وقوله: ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾؛ كقوله: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا﴾ (^٢) وقوله: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ﴾ الآية (^٣).
وقوله: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا﴾ قال عبيد بن عمير (^٤): "يؤتى بالرجل البدين السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة" (^٥). ﴿وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ (١١١ /أ) يهزءون بهم.
_________________
(١) قرأ بها الحسن وابن عامر. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٢٧٨)، الجامع للقرطبي (١١/ ٢٤٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٥٤)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٥٥٣)، المحتسب لابن جني (٢/ ٥٩)، المحرر الوجيز لابن عطية (١١/ ١٠٥).
(٢) سورة الفرقان، الآية (٢٣).
(٣) سورة آل عمران، الآية (١١٧).
(٤) هو عبيد بن عمير بن قتادة الليثي الجندعي المكي الواعظ المفسر ولد في حياة رسول الله ﷺ وحدث عن أبيه وعن عمر بن الخطاب وعلي وأبي ذر وعائشة وأبي موسى الأشعري وابن عباس وطائفة وكان من ثقات التابعين وأئمتهم بمكة، وكان يذكر الناس فيحضر ابن عمر - ﵄ - مجلسه، توفي قبل ابن عمر بأيام يسيرة وقيل: توفي في سنة أربع وسبعين. تنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٤/ ١٥٦).
(٥) ورد ذلك مرفوعا رواه البخاري في صحيحه رقم (٤٤٥٢)، ومسلم رقم (٢٧٨٥) عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا إن شئتم فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا.
[ ١ / ٥٠٣ ]
قال بعض العلماء: لم تمدح الجنة بأحسن من قوله تعالى: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ لأن الإنسان لو هيأ قصرا من ذهب، وجمع فيه كل ما يحبه ويملأ عينه ويسر قلبه وأقام في ذلك المكان بعينه مدة فإنه يمله ويود لو انتقل إلى هيئة أخرى من التلذذ (^١).
﴿قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ﴾ زاد في سورة لقمان ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ (^٢) التقدير: لو كان البحر مدادا تكتب به كلمات ربي.
«ونفد» بكسر الفاء والدال المهملة أي: فرغ «ونفذ» بفتح الفاء والذال المعجمة (^٣).
فمعناه: نفذ، تقول نفذ السهم أي: خرق إلى الجانب الآخر.
وقوله: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ قيل: نزلت في المرائين، وسماهم مشركين وفعلهم شركا بقوله: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (^٤).
***
_________________
(١) ذكر نحوه ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٠٩).
(٢) سورة لقمان، الآية (٢٧).
(٣) تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ١٦٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٤٨٧)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٧٥٠).
(٤) رواه الطبري في تفسيره (١٦/ ٤٠).
[ ١ / ٥٠٤ ]