﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)﴾
قوله - ﷿: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الفلاح البقاء، قال لبيد [من السريع]:
لو كان حيّ مدرك الفلاح أدركه ملاعب الرّماح (^١)
قيل: أراد بقاءهم في الجنة. وقيل: بقيت لهم أعمالهم فلم تبطل. وقيل: الفلاح الفوز بالجنة. وروى عمر ﵁ قال: «كان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه دويّ كدويّ النحل، فأنزل عليه مرّة، فلما سرّي عنه استقبل القبلة ورفع يديه، وقال: اللهمّ زدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنّا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض علينا، ثم قال: لقد أنزل عليّ عشر آيات من أقامهنّ دخل الجنة، ثم قرأ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾» (^٢) ﴿خاشِعُونَ﴾ قيل: خائفون. وقيل: خاضعون.
وقيل: غضّ البصر وخفض الجناح. وقيل: أن يجعل نظره إلى موضع سجوده، ولا يجاوزه.
وفي محل الخشوع قولان: أحدهما: القلب. والثاني: القلب والبصر معا.
﴿اللَّغْوِ﴾ الباطل. وقيل: الكذب. وقيل: الشتم، وكان كفار مكة يشتمون المؤمنين فأمر المؤمنون بالإعراض عن شتمهم (^٣). قوله - ﷿: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾ روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ما منكم إلا من له منزلان: منزل في الجنّة، ومنزل في النار، فإن مات ودخل
_________________
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة، الآية (٥).
(٢) رواه أحمد في المسند (١/ ٣٤)، والترمذي رقم (٣١٧٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٩٢) وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي رقم (٦٢٠).
(٣) ذكره الماوردي في النكت والعيون (٣/ ٩٣) عن النقاش.
[ ١ / ٥٨٧ ]
النار ورث أهل الجنة منزله، وإن مات ودخل الجنة ورث منزله، فذلك قوله - ﷿:
﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾ ثمّ بيّن ما يرثون فقال: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ (^١) الفردوس:
اسم من أسماء الجنة. وقيل: هو أعلى الجنان. وقيل: جبل في الجنة تتفجر أنهار الجنة من تحته. وقيل: هو البستان، وهو روميّ عرّب. وقيل: هو الكرم وهو عربيّ (^٢).
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤)﴾
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ قيل: أراد آدم خلقه من تراب. (١٣٦ /أ) وقيل: المراد كل إنسان؛ لأنه يرجع في نسبه إلى آدم وهو من التراب. وقيل: لأن كل إنسان استلّ من نطفة أبيه. والسلالة من كل شيء: صفوته التي تستل منه.
وقال الزجاج (^٣) السلالة: القليل مما ينسل، وحكى الكلبي أن السلالة: الطين الذي إذا اعتصرته بين أصابعك خرج منه شيء. وقيل: السلالة: التراب (^٤). قال أمية بن أبي الصلت [من الكامل]:
خلق البرية من سلالة منتن وإلى السّلالة كلها ستعود (^٥)
﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً﴾ النطفة هي بعض ماء الذكر المصبوب في الرحم، وقد ينطلق اسم النطفة على كل ماء. والقرار: الرحم، والمكين أي: قد هيئ لاستقراره فيه.
_________________
(١) رواه ابن ماجه رقم (٤٣٤١) وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٣/ ٣٢٧): إسناده صحيح، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٩) وعزاه لسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان وابن مردويه في تفسيره عن أبي هريرة ﵁.
(٢) روى هذه الأقوال الطبري في تفسيره (١٨/ ٦) والماوردي في النكت والعيون (٣/ ٩٣).
(٣) ينظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٨).
(٤) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون (٣/ ٩٤) عن الكلبي، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٩٠) ونسببه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد.
(٥) ينظر البيت في: النكت والعيون للماوردي (٣/ ٩٤).
[ ١ / ٥٨٨ ]
العلقة: الدم الطريّ الذي خلق من النطفة، سمي علقة؛ لأنه أول أحوال العلوق، وإنما عرّفنا الله - تعالى - كيفية انتقال الولد في الأطوار؛ ليعلمك عظيم النعمة في إيجادك ونقلك من حال إلى أكمل منها. ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أي: بنفخ الروح فيه. وقيل: بنبات الشعر. وقيل: بأنه ذكر أو أنثى. وقيل: بتكامل أسنانه. وقيل: بالعقل والتمييز. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵁:
أنه لما نزلت هذه الآية إلى قوله - تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال عمر ﵁: فتبارك الله أحسن الخالقين فنزل قوله - تعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ (^١).
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ (٢٥) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٢٨)﴾
﴿سَبْعَ طَرائِقَ﴾ أي: سبع سماوات ﴿طَرائِقَ﴾ قيل: مطابق بعضها فوق بعض.
وقيل: لأن مدارات الأفلاك متعددة، ولكلّ واحد طريقة في سيره. ﴿غافِلِينَ﴾ أي: من سقوط السماء عليهم. قوله - ﷿: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ﴾ هي شجرة الزيتون، خصّها بالذكر لعموم منافعها في الاستصباح والادّهان والائتدام بها.
_________________
(١) ذكره بهذا السياق الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار التي في الكشاف (٢/ ٤٠١) ونسبه لابن مردويه في تفسيره عن ابن جبير وابن عباس، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٩٤) ونسبه للطبراني وابن مردويه عن ابن عباس، وذكره في (٦/ ٩٢) ونسبه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن صالح أبي الخليل، مرفوعا وفي آخره قال ﷺ: «والذي نفسي بيده إنها ختمت بالذي تكلمت يا عمر».
[ ١ / ٥٨٩ ]
﴿سَيْناءَ﴾ هي البركة، فكأنه قال: شجرة مباركة. وقيل: هي الحسنة المنظر.
وقيل: الكثيرة الشجر. وقيل: اسم الجبل الذي كلّم الله - تعالى - عليه موسى.
وقيل: المرتفع (^١) مأخوذ من قولهم: هذا سيني، أي: مرتفع القدر؟ وسيناء أعجميّ معرّب، أو عربيّ؟ فيه وجهان. قوله: ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ أي: يأتدمون به قوله - ﷿: ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا﴾ (١٣٦ /ب) قيل: ما سمعنا بمثل دعوته. وقيل: ما سمعنا بمثله بشيرا أتى برسالة ربه، وفي قوله ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ وجهان: أحدهما: أنه أول أب (^٢)؛ لأنه أول أب ولدك. والثاني: أنه الأدنى؛ لأنه أقرب فصار هو الأول.
قوله - ﷿: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ إلى أن يستبين جنونه. ﴿التَّنُّورُ﴾ تنور الخبز. وقيل: طلوع الفجر. وقيل: هو مثل ضربه الله - تعالى، ولا فوران ثمّ ولا تنّور، وكذلك قول النبي ﷺ: «الآن حين حمي الوطيس» (^٣) والوطيس التنور وكقولهم: قامت الحرب على ساق، ولا ساق ثمّ.
﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرابًا وَعِظامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩) قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤) ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا عالِينَ (٤٦)﴾
_________________
(١) روى هذه الأقوال الطبري في تفسيره (١٨/ ١٣).
(٢) في النكت والعيون للماوردي (٣/ ٩٦) أنه الأب الأبعد؛ لأنه أول أب ولدك.
(٣) رواه مسلم في صحيحه رقم (١٧٧٥) في حديث غزوة حنين.
[ ١ / ٥٩٠ ]
﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾
﴿مُنْزَلًا﴾ بضمّ الميم بمعنى المصدر، أي: نزولا، ومن فتح الميم (^١) أراد موضع النزول.
قوله - ﷿: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ قيل: إن نوحا ﵇ قال ذلك حين ركب في السفينة فدعا بالبركة والسلامة. وقيل: قاله عند نزوله من السفينة ودعا بحصول الماء والشجر والبركة فيه.
﴿نَمُوتُ وَنَحْيا﴾ يموت قوم ويحيا قوم. وقيل: يموت قوم ويولد قوم. وقيل: فيه تقديم وتأخير، ومعناه: ونحيا ونموت ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿غُثاءً﴾ هلكى، والغثاء: البالي من الشجر. وقيل: ورق الشجر إذا ابتلّ وجفّ. وقيل: هو ما احتمله الماء من الزبد والوسخ.
قوله - ﷿: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ وضع المظهر وهو ﴿الظّالِمِينَ﴾ موضع المضمر، وتقديره: فبعدا لهم من الرحمة. وقيل: المراد بالبعد: الزيادة في العذاب والهلاك. قوله - ﷿: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ قيل: هم قوم صالح أرسل إليهم صالحا.
وقيل: قوم هود أرسل إليهم هودا.
﴿تَتْرا﴾ أي: يتبع بعضهم بعضا. وقيل: منقطعين بين كل اثنين زمن طويل وتترى مشتق من الوتر، وهو الفرد. وقيل: من وتر القوس لاتصاله بمكانه. وقيل: هو من التواتر. قوله - ﷿: ﴿عالِينَ﴾ أي: متكبرين. وقيل: قاهرين. وقيل: ظالمين.
﴿وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ مطيعون. وقيل: خاضعون. وقال الحسن: كان بنو إسرائيل يعبدون فرعون، وفرعون يعبد الأصنام (^٢).
الربوة: ما ارتفع من الأرض، ولا تسمّى ربوة إلا إذا اخضرّت بالنبات، وإن لم تنبت قيل
_________________
(١) قرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه «منزلا»، وقرأ الباقون «منزلا». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٠٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ١٨٠)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٤٥)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٨٥)، النكت والعيون للماوردي (٣/ ٩٧).
(٢) ذكره بهذا السياق الماوردي في النكت والعيون (٣/ ٩٨)، ورواه الطبري في تفسيره (٩/ ٢٥) بنحوه.
[ ١ / ٥٩١ ]
لها نشز. (١٣٧ /أ) وقيل: الربوة الرّملة. وقيل: دمشق. وقيل: بيت المقدس. وقيل: مصر (^١).
﴿ذاتِ قَرارٍ﴾ أي: ذات ثمار. وقيل: ذات معيشة تستقرون بها فيها وقيل: ذات منازل.
المعين: الجاري. وقيل: الظاهر المرئي بالعين وهو مشتق من الإمعان، إذا قيل إنه عبارة عن الجري. وقيل: مشتق من الماعون.
﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١) وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣) حَتّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦)﴾
﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ﴾ أي: فرقوا دينهم وكانوا شيعا ﴿زُبُرًا﴾ أي: قطعا. وقيل: كتبا أي:
أخذ كلّ قوم كتابا آمن به وكفر بما سواه. ﴿بِما لَدَيْهِمْ﴾ أي: بما اختاروه من الكتب. وقيل:
بأموالهم وأولادهم. ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ أي: في ضلالتهم ﴿حَتّى حِينٍ﴾ أي: إلى الموت. وقيل: إلى وقعة بدر.
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ﴾ رجاء مسارعة لهم في الخيرات؟ ليس الأمر كذلك، ولا يعلمون أنه استدراج. قوله - ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ﴾ أي: الزكاة.
وقيل: أعمال البر. ﴿وَجِلَةٌ﴾ خائفة. قوله - ﷿: ﴿أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ أي:
يخافون عقوبة ربهم. وقيل: يخافون ألا يتقبل عملهم، روته عائشة - ﵂ - مرفوعا (^٢). ﴿يُسارِعُونَ﴾ يسابقون. وقيل: يستكثرون من عمل البر. ﴿وَهُمْ لَها﴾ أي: إلى الجنّة
_________________
(١) روى ذلك الطبري في تفسيره (١٨/ ٢٥)، والسيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٠١ - ١٠٢).
(٢) رواه الترمذي في سننه رقم (٣٠٩٩)، وابن ماجة رقم (٤٣٢٧) عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: -
[ ١ / ٥٩٢ ]
﴿سابِقُونَ﴾ وقيل: إلى فعل البر سابقون. ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ أي: غطاء.
وقيل: في غفلة ﴿مِنْ هذا﴾ أي: من هذا القرآن. وقيل: من هذا الحق. ﴿وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ﴾ أي: من دون الحق. ﴿مُتْرَفِيهِمْ﴾ (المترفون) الموسع عليهم بالخصب.
وقيل: بالمال والولد. ﴿يَجْأَرُونَ﴾ يرفعون أصواتهم بالاستصراخ. وعن قتادة: نزلت هذه الآية في قتلى بدر (^١) ﴿عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ راجعين عما كنتم عليه من الكفر.
﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣) قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ فَأَنّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠)﴾ ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ﴾
_________________
(١) = سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ قالت عائشة: هم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون ألا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات». وصححه الشيخ الألباني في صحيح الترمذي (٢٥٧٣).
(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٠٧) ونسبه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
[ ١ / ٥٩٣ ]
﴿إِلهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ (٩١) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٩٢) قُلْ رَبِّ إِمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٩٤) وَإِنّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥)﴾
﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ أي: بالحرم (^١). السمر: الحديث ليلا، والسمر: ضوء القمر.
قوله: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ أي: تهجرون الحق بالإعراض عنه. وقيل: تهجرون بالقول القبيح من الكلام (^٢)، وفي المعنى قولان: أحدهما: إنكار تسامرهم بالإزراء على الحق في ظهوره لهم. والثاني: إنكار أمنهم حتى تسامروا في ليلهم والخوف أحق بهم.
﴿بِالْحَقِّ﴾ الحق هو الله - تعالى، قاله الأكثرون. وقيل: (١٣٧ /ب) إنه التنزيل، أي: لو نزل القرآن بما يريدون لفسدت السماوات والأرض. قوله - ﷿: ﴿لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ لأنها مخلوقة بالحق، فالباطل أفسد لها.
قوله - ﷿: ﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ أي: بشرفهم؛ لأن القرآن نزل بلغتهم والرسول ﷺ منهم. وقيل: بتذكيرهم وموعظتهم. ﴿لَناكِبُونَ﴾ أي: لمعرضون قوله - ﷿: ﴿حَتّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ نصره المؤمنين على الكفار ببدر. ﴿ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: خلقكم. وقيل: خلقكم ونشركم.
قوله - ﷿: ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ أي: الطول والقصر. قوله - ﷿:
﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: خزائنه، والملكوت مبالغة في الملك.
﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ أي: يمنع ولا يمنع منه في الدنيا ولا في الآخرة.
قوله - ﷿: ﴿فَأَنّى تُسْحَرُونَ﴾ أي: فمن أي وجه تصرفون عن التصديق بالبعث.
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٨/ ٣٨) عن ابن عباس قال: «مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ مستكبرين بحرم البيت أنه لا يظهر علينا فيه أحد».
(٢) وهذا على قراءة «تهجرون» وقرأ بها نافع وابن محيصن وابن عباس، وتنظر القراءة في: الإتحاف للبنا (٢/ ٢٨٦)، البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤١٣)، الجامع للقرطبي (١٢/ ١٣٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ١٩٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٦)، المحتسب لابن جني (٢/ ٩٦)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٣٩)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٢٨).
[ ١ / ٥٩٤ ]
وقيل: فكيف تكذبون فيخيل إليكم الكذب حقّا.
﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ (١٠٧) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١)﴾
قوله - تعالى: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: بالإغضاء عن إساءة المسيء. وقيل: ادفع الفحش بالسلام. وقيل: ادفع المنكر بالموعظة. وقيل: امح السيئة بالحسنة، وهذه الآية وإن كانت خاصة بالنبي ﷺ فالمقصود به جميع الأمة.
قوله - ﷿: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ أي: من وسوستهم.
وقيل أذاهم بالصرع. ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ﴾ أي: من قدّامهم. ﴿بَرْزَخٌ﴾ حاجز، ومنه قوله:
﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ (^١) والمراد بالحاجز: ما بين الموت والبعث. وقيل: بين الدنيا والآخرة.
وقيل: بين الميت ورجوعه إلى الدنيا. وقيل: هو ما بين النفختين، وهو أربعون سنة (^٢). ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: لا يتعارفون؛ لشدة الهول ﴿وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ أي: لا يسأل أحد أحدا أن يعينه. وقيل: لا يسأل أحد أحدا عن خبره لاشتغاله بنفسه. قوله - ﷿: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ﴾
_________________
(١) سورة الرحمن، الآية (٢٠).
(٢) روى البخاري في صحيحه رقم (٤٦٥١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما بين النفختين أربعون. قال: أربعون يوما. قال: أبيت. قال: أربعون شهرا. قال: أبيت. قال: أربعون سنة. قال: أبيت. قال: ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة».
[ ١ / ٥٩٥ ]
﴿عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ فيها وجهان:
أحدهما: الهوى (١٣٨ /أ). الثاني: حسن الظن بالنفس وسوء الظن بالخلق.
الخاسئ: الصاغر الذليل. وقيل: المبعد. ﴿وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ أي: في رفع العذاب عنكم.
وقيل: إنهم زجروا عن الكلام غضبا عليهم. قال الحسن: فهو آخر كلام يتكلم به أهل النار (^١). ﴿سِخْرِيًّا﴾ بالضم من التسخير، وبكسر السين من الاستهزاء، وقد قرئ بهما (^٢).
﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ (١١٨)﴾
﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: في مدة حياتكم في الدنيا. استقصروها؛ لشدة عذاب الآخرة.
وقيل: سؤال عن لبثهم في القبور.
﴿الْعادِّينَ﴾ قيل: هم الملائكة. وقيل: الحسّاب. قوله - ﷿: ﴿فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي: إن حسابهم على الله - تعالى. وقيل: إن مكافأتهم على ربهم، ومنه قولهم:
حسبي الله، أي: كفاني. والله أعلم.
***
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٢٠) ونسبه لعبد بن حميد عن الحسن.
(٢) قرأ نافع وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف «سخريا»، وقرأ باقي العشرة «سخريا». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٢٣)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٥٨)، حجة أبي زرعة (ص: ٤٩١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٠٣)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٤٨)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٤)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٤٣)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٢٩).
[ ١ / ٥٩٦ ]