﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢)﴾
قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ بما عاهدتم الله عليه وعقدتم الأيمان، يدخل فيه الوفاء بمقتضى العقود الشرعية. ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ﴾ الأزواج الثمانية. وقيل: الظباء. وقيل: الجنين الذي يوجد في بطن الأم عندما تذبح وفي الحديث: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» (^١).
﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ من تحريم المنخنقة والمتردية والنطيحة. روي أن رجلا يقال له:
الحطم أغار على المسلمين، وأخذ أموالا لهم، ثم جاء في صورة حاج أو معتمر، وقلد الهدي، وقلد نفسه، وهو باق على كفره على عادة العرب في حج البيت وهم كفار، فأراد المسلمون أن يخرجوا عليه ويأخذوه؛ لبغيه عليهم أول مرة فنزلت (^٢) ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ﴾ ولا قاصدين البيت الحرام.
﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ أمر إباحة؛ لأنه جاء بعد التحريم، فهو كقوله: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٣).
﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ ولا يحملنكم. ﴿شَنَآنُ﴾ أي: بغض و﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ مفعول ثان
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (٥٣، ٣٩، ٣/ ٣١)، وأبو داود رقم (٢٨٢٧)، والترمذي رقم (١٤٧٦)، وابن ماجه رقم (٣١٩٩)، وابن حبان في صحيحه رقم (٥٨٨٩)، من حديث أبي سعيد الخدري وصححه الألباني في إرواء الغليل رقم (٢٥٣٩) بمجموع طرقه.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٦/ ٥٨)، وذكره الواحدي في أسباب النزول (ص: ١٩١)، رقم (٣٧٩).
(٣) سورة الجمعة، الآية (١٠).
[ ١ / ٢١٤ ]
ل «يجرمنكم»، أي: لا يكسبنكم العدوان التعدي. ﴿وَلا تَعاوَنُوا﴾ أي: ولا تتعاونوا على موجبات الإثم.
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلا السمك والجراد، والجنين يوجد في بطن الأم بعد ذبحها، ﴿وَالدَّمُ﴾ إلا الكبد والطحال ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ وكذا عظمه ومخه وسائر أجزائه (^١)، والإهلال: رفع الصوت، وكانوا إذا ذبحوا لأصنامهم رفعوا أصواتهم بالذبح باسمها.
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥)﴾
﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ المقتولة بالمثقل ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ بمعنى: المنطوحة ﴿وَما أَكَلَ السَّبُعُ﴾ ولم يبق فيه حياة مستقرة. وفي «النصب» قولان:
أحدهما: الأصنام، قال الأعشى [من الطويل]:
وذا النّصب المنصوب لا تعبدنّه ولا تعبد الشّيطان والله فاعبدا (^٢)
والثاني: أن النصب: حجارة كان يذبح عليها للأصنام، وهو ظاهر قوله: ﴿وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ والقائل الأول يقول: معناه: وما ذبح على اسم النصب، يعني: الصنم.
_________________
(١) تقدم القول في ذلك عند تفسير سورة البقرة، الآية (١٧٣).
(٢) ينظر البيت في: تذكرة النحاة لأبي حيان (ص: ٧٢)، سر صناعة الإعراب (٢/ ٦٧٨) دار القلم، دمشق، ١٩٨٥ م، تحقيق: الدكتور حسن هنداوي، ديوان الأعشى (ص: ١٨٧)، شرح التصريح (٢/ ٢٠٨)، الكتاب لسيبويه (٣/ ٥١٠)، لسان العرب (نصب)، المقتضب للمبرد (٣/ ١٢) ويروى الشطر الأول منه: فإياك والميتات لا تقربنها.
[ ١ / ٢١٥ ]
الاستقسام: طلب القسم والنصيب. الأزلام: سهام صغار، وكان يوجد منها ثلاثة يكتب على أحدها: أمرني ربي، وعلى الثانية: نهاني ربي، والثالث غفل لا يكتب عليه شيء وتوضع السهام في خريطة عند رجل عند البيت، فمن أراد سفرا أو نكاحا أو أمرا مهمّا، جاء لذلك الرجل فوهبه شيئا، فيأخذ تلك الخريطة، فيحركها تحريكا يتغير كل سهم عن مكانه، ثم يدخل يده، فيخرج سهما، فإن خرج: «أمرني» توجه للأمر الذي طلبه، وإن خرج: «نهاني ربي» كف عنه، وإن خرج السهم الذي لا كتابة عليه أعاد الاستقسام بالسهام.
﴿الْيَوْمَ﴾ يعني: هذا الوقت ﴿يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من رجوعكم ﴿مِنْ دِينِكُمْ﴾ لما رأوا من استقامة دينكم وعلو كلمتكم. ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ نزلت هذه الآية يوم الجمعة، وكان يوم عرفة من حجة الوداع، وعاش بعدها ﷺ نيفا وثمانين يوما، ولم يتجدد بعدها نزول فرض ولا تحريم (^١).
والمخمصة: المجاعة. والمتجانف: المائل ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ له. ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ ذبائحهم حلال لنا وذبائحنا حلال لهم.
﴿وَالْمُحْصَناتُ﴾ يريد العفائف ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هم اليهود والنصارى، أو الكتاب: هو التوراة والإنجيل؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا﴾ (^٢) ﴿إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: إذا سميتم لهن في العقد مهرا، وإن لم تقبضوه ﴿مُحْصِنِينَ﴾ متزوجين ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ غير زانين مع كل من طلب ذلك منهم ﴿وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ﴾ أي: صديقا يقع الزنى معه خاصة.
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ بهذا احتج أبو حنيفة على أن من كفر بعد الإيمان حبط عمله، فلو كان حج حجة الإسلام ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام، لزمه إعادة الحج وعند الشافعي: لا تحبط الردة إلا بشرط أن يموت عليها؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ﴾
_________________
(١) روى البخاري في صحيحه رقم (٤٥٤) عن عمر بن الخطاب أن رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: أي آية؟ قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ وهو قائم بعرفة يوم جمعة.
(٢) سورة الأنعام، الآية (١٥٦).
[ ١ / ٢١٦ ]
﴿عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾ (^١) فحمل الشافعي المطلق في هذه الآية على المقيد في تلك (^٢).
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾
﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ أي: إذا أردتم؛ كقوله: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ (^٣) وكقوله: إذا لقيت الأسد فاستعد، أي: إذا أردت القراءة، ولقاء الأسد. من قرأ «وأرجلكم» بالخفض، وعطفه على الرؤوس. ومن قرأها بالنصب (^٤) عطفه على «وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ» وتكون الأرجل مغسولة على هذا، وعلى الأول ممسوحة أي: إذا كان لابس خف.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ أو مسافرين مجنبين، أو محدثين حدثا أصغر بمجيء أحدكم من الغائط أو بملامسة النساء، فاقصدوا صعيدا طاهرا، واللام في «لِيَجْعَلَ»
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٢١٧).
(٢) ينظر: الأم للشافعي (٤/ ١٨٧) وتقدم قول أبي حنيفة في تفسير سورة البقرة، الآية (٢١٧).
(٣) سورة النحل، الآية (٩٨).
(٤) قرأ نافع وابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب «وَأَرْجُلَكُمْ»، وقرأ الباقون «وأرجلِكم». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٤٣٧)، حجة ابن خالويه (ص: ١٢٩)، حجة أبي زرعة (ص: ٢٢٣)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٤٢)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٥٤).
[ ١ / ٢١٧ ]
و«لِيُطَهِّرَكُمْ» بمعنى «أن».
﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ ولا يكسبنكم بغض قوم. الضمير في ﴿هُوَ أَقْرَبُ﴾ راجع إلى مصدر «اِعْدِلُوا»، التقدير: العدل أقرب للتقوى.
﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فقال: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾
روي: «أن النبي ﷺ نزلا منزلا، واختار ظل شجرة، فأوى إليها، وتفرق أصحابه تحت الشجر، فجاء أعرابي والنبي ﷺ مضطجع، فسل السيف من غمده، وقال للنبي ﷺ: من
[ ١ / ٢١٨ ]
يمنعك مني، فقال: «الله» فأغمد السيف وجلس ونادى رسول الله ﷺ أصحابه، فأخبرهم، فنزلت ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ﴾ الآية (^١).
وقيل: نزل من التنعيم سبعون شابّا لابسين السلاح، أرادوا أن يوقعوا بالمسلمين، فكفهم الله، وأنزل هذه الآية ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ على الإيمان بمحمد وأخذ منهم اثنى عشر نقيبا. ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أي: منعتموهم ممن يؤذيهم، وأصل التعزير المنع، وكذلك قوله: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ (^٢) ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ (^٣) والتعزير الذي يذكره الفقهاء على من أتى معصية لاحد بها، ولا كفارة، فسمي به؛ لأنه يمنع من العود إلى الذنب.
﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ قد مضى شرحه (^٤). ما في ﴿فَبِما﴾ زائدة. وقوله: ﴿وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً﴾ لا تتأثر بالمواعظ. وفيه دليل على أن الله - تعالى - فاعل الخير والشر.
﴿عَلى خائِنَةٍ﴾ ومثله من المصادر التي على «فاعلة»؛ العاقبة، والعافية، والكاذبة في قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ (^٥) واللاغية في قوله: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ (^٦).
﴿فَأَغْرَيْنا﴾ فألصقنا بهم التعادي والتباغض ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ويجازيهم عليه.
﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾ أي: سبل السلامة. وقد أخبر عن «من» بالمفرد في قوله: ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾ ثم بالجمع في قوله: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ﴾ ﴿وَيَهْدِيهِمْ﴾، وهو كثير وعكسه قليل. ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ﴾ أي: من رد أمره. ﴿نَحْنُ أَبْناءُ﴾ أنبياء ﴿اللهِ﴾.
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٤١٣٩)، ومسلم برقم (٨٤٣) عن جابر بن عبد الله - ﵄.
(٢) سورة الفتح، الآية (٩).
(٣) سورة الأعراف، الآية (١٥٧).
(٤) في الآية (٢٤٥) من سورة البقرة.
(٥) سورة الواقعة، الآية (٢).
(٦) سورة الغاشية، الآية (١١).
[ ١ / ٢١٩ ]
﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وَإِنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنّا داخِلُونَ (٢٢) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَدًا ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤) قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٦) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾
﴿عَلى فَتْرَةٍ﴾ متعلق ب ﴿قَدْ جاءَكُمْ﴾ كراهة ﴿أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾.
وقوله: ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ﴾، كقول الشاعر [من البسيط]:
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ثمّ القفول فقد جئنا خراسانا (^١)
فضل بني إسرائيل بكثرة الأنبياء فيهم ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ زعم بعضهم أن من ملك دارا وخادما وكفاية من الرزق فهو ملك، والأحسن أن الملك كان في القبط، وكانوا يستعبدون بني إسرائيل؛ فلما أغرق الله - تعالى - فرعون وقومه، انتقلت المملكة إلى بني إسرائيل فهو كما يقول أكابر أصحاب الملك: نحن الملوك.
﴿ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ﴾ من انفراق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى وغير ذلك ﴿إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ أراد العمالقة، وكانوا كبار الأجسام جدّا.
﴿قالَ رَجُلانِ﴾ هما يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا، وقولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾
_________________
(١) البيت للعباس بن الأحنف، ينظر في: روح المعاني للألوسي (١/ ٣٠٤)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٧١)، معجم البلدان لياقوت الحموي (٢/ ٣٥٣).
[ ١ / ٢٢٠ ]
﴿فَقاتِلا﴾ جرأة على الله، وإطلاق اللسان، حيث يجب حبسه.
قيل: ﴿وَأَخِي﴾ لا يملك إلا نفسه. وقيل: «﴿وَأَخِي﴾» معطوف على «نَفْسِي»، فكأنه مالك لأمر أخيه. قيل: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ظرف، والصحيح أنها متعلقة ب «يَتِيهُونَ» تحريمها عليهم ليس بمؤقت، وإنما المؤقت مقامهم في التيه أربعين سنة (^١). ﴿فَلا تَأْسَ﴾ فلا تحزن.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ قيل: المراد ولدا آدم لصلبه وهما: قابيل وهابيل. وقيل:
هما بني إسرائيل، والناس كلهم بنو آدم، ويقوي هذا قوله في آخر القصة: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ ﴿إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا﴾ وكانت القرابين على عهد الأنبياء الأولين إذا قربت وأراد الله قبولها نزلت نار من السماء فأكلت ما تقرب له. وقوله: ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ جواب لقوله: ﴿لِأَقْتُلَكَ﴾ كأنه قيل: إنما امتنع قبول قربانك؛ لأنك لم تتق الله ﷿ فيه، فلذلك لم تقبل، ولم يمتنع قبوله لسبب من جهتي، حتى تقتلني، وعمل الحسن البصري عبادة، فقال له قائل: تقبل الله منك، قال: لو علمت أن الله قبل مني ذرة لاطمأن قلبي، لكن الله - تعالى - يقول: ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (^٢).
﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ (٢٩)﴾
﴿ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ قال النبي ﷺ: «إذا التقى
_________________
(١) قال الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨٥، ٦/ ١٨٤): «وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: إن الأربعين منصوبة بالتحريم وإن قوله: يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ معنى به جميع قوم موسى لا بعض دون بعض منهم؛ لأن الله عز ذكره عم بذلك القوم ولم يخصص منهم بعضا دون بعض. وقد وفى الله بما وعدهم به من العقوبة فتيههم أربعين سنة وحرم على جميعهم في الأربعين سنة التي مكثوا فيها تائهين دخول الأرض المقدسة، فلم يدخلها منهم أحد لا صغير ولا كبير ولا صالح ولا طالح حتى انقضت السنون التي حرم الله - ﷿ - عليهم فيها دخولها، ثم أذن لمن بقي منهم وذراريهم بدخولها مع نبي الله موسى والرجلين اللذين أنعم الله عليهما».
(٢) جاء في كتاب الزهد لابن المبارك (١/ ١٩) رقم (٧٨)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٥٧) لابن أبي الدنيا عن فضالة بن عبيد قال: لأن أكون أعلم أن الله تقبل مني مثقال حبة من خردل أحب إلى من الدنيا وما فيها.
[ ١ / ٢٢١ ]
المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟! قال: «إنه كان حريصا على قتل صاحبه» (^١).
فإن قيل: كيف استجاز أن يريد أن يبوء صاحبه بالإثم، وإرادة المعصية معصية؟
قلنا: كأنه يقول: إذا كان ولابد من أن نقتتل حتى يقتل أحدنا الآخر، فأنا أختار أن أكون عند الله المقتول، ولا أكون عند الله القاتل. واعلم أن من طلب منك مالك، جاز لك أن تبيحه له ولا تقاتله، وجاز أن تقاتله، وإن قصد نفسك ففي جواز الاستسلام قولان للشافعي، وهذه الآية حجة الجواز. وكذلك فعل عثمان بن عفان حين تسوروا عليه الجدار ونزلوا ليقتلوه، كان عنده عبيد فقاموا دونه، فقال: من ألقى سلاحه، فهو حر (^٢) والقائل الآخر يقول: لا يجوز إباحة الدماء (^٣).
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ (٣١) مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٧٠٨٣، ٦٨٧٥، ٣١)، ومسلم رقم (٢٨٨٨) عن أبي بكرة. ورواه أحمد (٤٠٣، ٤/ ٤٠١)، والنسائي (١٢٥، ٧/ ١٢٤)، وابن ماجه رقم (٣٩٦٤) عن أبي موسى الأشعري.
(٢) قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير (٤/ ٨٦): «حديث أن عثمان منع من عنده من الدفع يوم الدار وقال: من ألقى سلاحه فهو حر» لم أجده وفي ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن عامر سمعت عثمان يقول: «إن أعظمكم عندي حقا من كف سلاحه ويده». وقال الصنعاني في سبل السلام (٤/ ٤٠): «وصح أن عثمان - ﵁ - منع عبيده أن يدافعوا عنه وكانوا أربعمائة وقال: من ألقى سلاحه فهو حر».
(٣) ينظر: الأم للشافعي (٦/ ٤٦)، المبسوط للسرخسي (٧/ ٣١١).
[ ١ / ٢٢٢ ]
﴿فَطَوَّعَتْ﴾ فسهلت. وقيل: زينت. قوله: ﴿فَأَصْبَحَ﴾ خرجت عن أصل الاشتقاق وصارت بمعنى «صار». يقال لما حدث وقت الصبح، ولما حدث وقت المساء، ووقت الظهيرة. وقوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ أبلغ من قوله: «فقد خسر» لأن من ربح في نهاره مائة درهم، وخسر في سلعة خمسة دراهم يقال: إنه قد خسر، ولا يقال: أصبح من الخاسرين إلا إذا غلب عليه الخسران، ومثله ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ (^١) ﴿قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ﴾ (^٢) هو أبلغ من أن تقول: ندم، أو نادما، ومسجونا، وقاليا. وقوله: ﴿يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ حال مقدرة؛ لأنه حين بعثه لم يكن باحثا في الأرض. سميت السوأة سوأة؛ لأن صاحبه يسوءه كشفها ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا﴾ متعلق بقوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾. وقيل: هو متعلق ب «كتبنا».
﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أو بغير ﴿فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ عند المقتول؛ لأنه فقد الدنيا بأسرها، ولم يبق له انتفاع بحياة غيره هو. وقيل: من استحل قتل نفس بغير حق، فهو في الكفر كمن استحل الجميع «قدم المدينة نفر من عكل، فأصابهم وباء المدينة فأمرهم النبي ﷺ أن يخرجوا إلى لقاح الصدقة؛ ليشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا فصحوا، فقتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فأمر النبي ﷺ بطلبهم، فطلبوهم فأدركوهم، فلما جيء بهم إلى النبي ﷺ قطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، وتركهم بالحرة، يستسقون فلا يسقون، حتى ماتوا، فأنزل الله - تعالى: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية» (^٣) «فما قام رسول الله ﷺ بعدها مقاما إلا ونهى عن المثلة» (^٤).
وقيل: إنهم كانوا صنعوا بالرعاة مثل ذلك، فاقتص لهم، وقوله: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا﴾ هي عند غير الشافعي للتخيير، وعند الشافعي منزل على أحوال؛ فإن أخذ المال وقتل قتل وصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل، قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، وإن أخاف السبيل ولم يأخذ شيئا طلب إلى أن يحضر به فيؤدب، وهذا معنى النفي من الأرض عنده. وقيل: أراد النفي من الأرض: الحبس، وهو
_________________
(١) سورة الشعراء، الآية (٢٩).
(٢) سورة الشعراء، الآية (١٦٨).
(٣) رواه البخاري رقم (٤١٩٢)، (٥٧٢٧)، ومسلم رقم (١٦٧١) عن أنس ﵁.
(٤) هذه زيادة في رواية أبي داود في سننه رقم (٤٣٦٨).
[ ١ / ٢٢٣ ]
مذهب أبي حنيفة (^١).
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٧) وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠) يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤)﴾
الخزي: الهوان. من تاب في المحاربة قبل الظفر قبلت توبته، ومن سرق ففي قبول توبته قولان: إذا أصلح؛ لقوله - تعالى - في السارق: ﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ وكذا في الزاني قوله - تعالى: ﴿فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما﴾ (^٢) علل الأمر بالتقوى وابتغاء
_________________
(١) ينظر: الأم الشافعي (٦/ ٢٠٢)، بدائع الصنائع للكسائي (٦/ ٥٠)، المبسوط للسرخسي (٦/ ١٢١)، المغنى لابن قدامة (١٠/ ٣٠٧).
(٢) سورة النساء، الآية (١٦).
[ ١ / ٢٢٤ ]
الوسيلة إلى الله - تعالى - بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ﴾ الآيتين بدأ في السرقة بالسارق، وفي الزنى بالزانية؛ لأن أكثر السرقة تقع من الرجال؛ لما أوتوا من القوة، ولولا إطماع المرأة في نفسها بلين الكلام وغيره، لما وقع الزنى غالبا. قدم ها هنا ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾؛ لأن السابق قبلها ذكر قاطع الطريق والسارق ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أي: يسمعون انتقلوا إليهم. قوله: ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ صفة لقوم آخرين. وكان في التوراة الرجم في الزنى على المحصن، فغيروه وقالوا: يسود وجهه فزنى منهم رجل فاختلفوا في الحد الذي يقام عليه، ثم قالوا: ائتوا محمدا، فسلوه فإن أفتاكم بالرجم، فلا تقبلوه، وإن اختار تسويد الوجه والتطويف فاقبلوا. فجاؤوا إليه، فقال: ما عندكم في التوراة في ذلك؟ قالوا: يسود وجهه، ويطوف. قال: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (^١) فجاؤوا بها، فوضع رجل منهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا آية الرجم، فأمر النبي ﷺ باليهودي واليهودية فرجما (^٢).
﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ﴾ رد أمر الله شيئا ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الإمام مخير بين الأمرين. ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ وصف الأنبياء بالإسلام، وهو دليل على عظمة وصف الإسلام، كما وصف النبيين في سورة «الصافات» بالإيمان ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣) وكذلك في إبراهيم وموسى وهارون وإلياس. اختلف العلماء في شريعة من قبلنا؛ هل هي شرع لنا؟ فإن اتصل بها تقرير وجب العمل بها، وإن اتصل بها إنكار فلا عمل بها، وإن أطلقت مجردة عن الأمرين ففيه الخلاف في شريعة من قبلنا، وهذه الآية اتصل بها التقرير؛ لقول النبي ﷺ لأنس بن النضر: «كتاب الله القصاص» (^٤) وليس القصاص في كتاب الله في السّنّ إلا في هذه الآية (^٥).
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية (٩٣).
(٢) رواه أبو داود رقم (٤٤٥١، ٤٤٥٠)، والواحدي في أسباب النزول (٣٩٢)، عن أبي هريرة ﵁ بهذا السياق. ورواه البخاري رقم (٦٨٤١، ٣٦٣٥)، ومسلم رقم (١٦٩٩) عن ابن عمر - ﵄ - بنحو ذلك.
(٣) سورة الصافات، الآية (٨٠).
(٤) رواه البخاري في صحيحه رقم (٤٥٠٠، ٤٤٩٩، ٢٧٠٣)، ومسلم رقم (١٦٧٥) عن أنس ﵁.
(٥) قال الإمام الشيرازي في كتاب اللمع في أصول الفقه (١/ ٣٤) ط. دار الكتب العلمية، بيروت، -
[ ١ / ٢٢٥ ]
﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٤٥) وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧) وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (٥٢)﴾
وقوله: ﴿فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ يجوز أن يعود إلى الذي تصدق، تكفر عنه سيئاته، ويجوز أن يرجع إلى المتصدق عليه إذا وهبه أصحاب الحق، كفر عنه ذنب الجناية.
_________________
(١) = ١٩٨٥ م: «اختلف أصحابنا في شرع من قبلنا على ثلاثة أوجه: فمنهم من قال: ليس بشرع لنا دون غيره، ومنهم من قال: شرع موسى شرع لنا إلا ما نسخ بشريعة عيسى صلوات الله عليه، ومنهم من قال: شريعة عيسى ﷺ شرع لنا دون غيره. وقال الشيخ الإمام - ﵀ ونور ضريحه: والذي نصرت في التبصرة أن الجميع شرع لنا إلا ما ثبت نسخه والذى يصح الآن عندي أن شيئا من ذلك ليس بشرع لنا والدليل عليه أن رسول الله ﷺ لم يرجع في شيء من الأحكام ولا أحد من الصحابة إلى شيء من كتبهم ولا إلى خبر من أسلم منهم ولو كان ذلك شرعا لنا لبحثوا عنه ورجعوا إليه ولما لم يفعلوا ذلك دل ذلك على ما قلناه».
[ ١ / ٢٢٦ ]
واختلف العلماء هل نسخ شرع موسى أو قرره، فاختار الماوردي (^١) أنه ناسخ لا مقرر؛ لأن عيسى دعا الناس إلى إنجيله، وحلل السبت، وحرم الأحد، وأحل لحوم الإبل وألبانها. و«المهيمن»: الشديد.
قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ﴾ تطلعونهم على عورات المسلمين، وتودون أن تكون الدولة لهم على المؤمنين.
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شك أو نفاق ﴿يُسارِعُونَ﴾ في مرضاتهم، معتذرين بقولهم:
﴿نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ أي: بالحكم بينكم بالحق، فندم المشركون على مسارعتهم في رضائهم، وتكشف حال الكفار للمؤمنين، فيقول المؤمنون: ﴿أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾. ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ لم يضر الله شيئا، وإذا جاء وصف النكرة بمفردات وجمل، فالأولى تقديم المفردات، وتأخير الجمل، ويجوز خلافه؛ لقوله هاهنا: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ﴾ وأعزة ولقوله: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ (^٢) ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ﴾ إنكار لما سبق من موالاة اليهود والنصارى؛ لأنه حصر الولاية في الله ورسوله والذين آمنوا بلفظة «إنما».
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (٥٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا وَلَعِبًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (٥٨) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (٥٩)﴾
قوله: ﴿وَهُمْ راكِعُونَ﴾ يجوز أن يكون حالا من ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ وقد روي: أن عليّا تصدق في الصلاة بخاتمه (^٣). ويجوز أن يكون وصفا لهم بالركوع الذي هو جزء من الصلاة؛
_________________
(١) ينظر: النكت والعيون للماوردي (٤٦٩، ١/ ٤٦٨).
(٢) سورة الأنعام، الآية (٩٢).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٦/ ١٨٨)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ١٠٥) لأبي الشيخ وابن -
[ ١ / ٢٢٧ ]
كما سميت الصلاة قرآنا في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ (^١) وتسبيحا: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (^٢) وقد سماها ركوعا في قوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ (^٣)، أي: ومن يتول الله ورسوله فقد تولى حزب الله، ومن يتول حزب الله يغلب ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ ﴿وَالْكُفّارَ﴾ بالخفض؛ عطفا على ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ وبالنصب (^٤)، على ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ﴾ وكان بعض النصارى إذا سمع الأذان قال: حرق الكاذب فأضرمت داره عليه نارا واحترق، ونزلت ﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الآية (^٥).
﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ فإن علمكم بفسق أنفسكم، وبأنا قائمون بدين الحق، هذا الذي كرهتموه منا، وعبتموه علينا، وهو مما لا يكره مثله ولا يعاب؛ كقوله: ﴿وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ﴾ (^٦) ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (^٧) ﴿تَنْقِمُ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ (^٨) ومن هذا الباب قول الشاعر [من الطويل]:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم بهنّ فلول من قراع الكتائب (^٩)
فإن فلول السيف وإن كان عيبا في السيف تنقص به قيمته فليس عيبا فيهم، بل ذلك
_________________
(١) = مردويه عن علي بن أبي طالب ﵁.
(٢) سورة الإسراء، الآية (٧٨).
(٣) سورة الطور، الآية (٤٨).
(٤) سورة آل عمران، الآية (٤٣).
(٥) قرأ بالخفض «والكفار» أبو عمرو الكسائي، وقرأ الباقون «والكفار». تنظر القراءة في: حجة ابن زنجلة (ص: ٢٣٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٢/ ٥٥٢)، الكشاف للزمخشري (١/ ٦٢٤).
(٦) رواه الواحدي في أسباب النزول (ص: ٢٠٣)، رقم (٤٠٠)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٩٤) لابن جرير وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.
(٧) سورة التوبة، الآية (٧٤).
(٨) سورة البروج، الآية (٨).
(٩) سورة الأعراف، الآية (١٢٦).
(١٠) البيت للنابغة الذبياني، ينظر في: خزانة الأدب للبغدادي (٣/ ٣٢٧)، ديوان النابغة (ص: ٤٤)، العين للخليل (٨/ ٣١٦) باب الفاء واللام، الكتاب لسيبويه (٢/ ٣٢٦)، لسان العرب (قرع)، همع الهوامع (١/ ٢٣٢).
[ ١ / ٢٢٨ ]
دال على كثرة ضربهم بالسيف.
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣) وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾
﴿مَثُوبَةً﴾ مرجعا. من قرأ «وعبد الطاغوت» على الفعل الماضي، فهو معطوف على ﴿الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ﴾ (^١) و﴿سَواءِ السَّبِيلِ﴾ وسط الطريق.
﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ﴾ هلا ينهاهم، وجعل فعل الربانيين والأحبار أبلغ من المسارعة في الإثم والعدوان وأكل السحت؛ لأنه ختمه بقوله: ﴿يَصْنَعُونَ﴾ ولا يطلق اسم الصانع إلا على من اتقن العمل ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (^٢).
قالت اليهود: إن الله لن يبسط النفقة علينا، وله القدرة وسعة المملكة، فلعنهم الله، ورد عليهم بقوله: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ أي: هو أكرم الكرماء، وهذا مثل لجوده وكرمه، بحال من يعطي بيديه كلتيهما (^٣) وإيقاد نار الحرب وإطفاؤها أيضا من باب الاستعارة.
_________________
(١) هذه قراءة عامة القراء غير حمزة؛ فقد قرأ «عبد» بضم الباء وفتح الدال. وفي هذه الآية أربع وعشرون قراءة كما قال السمين الحلبي في الدار المصون، وتنظر القراءة في: حجة ابن زنجلة (ص: ٢٣١)، البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٥١٨)، الدر المصون (٢/ ٥٥٨)، الكشاف للزمخشري (١/ ٦٢٥).
(٢) سورة النمل، الآية (٨٨).
(٣) هذه الآية من جملة الآيات التي اشتملت على صفة من الصفات التي وصف الله - تعالى - بها نفسه العلية، وقد ثبت في صحيح البخاري رقم (٧٤١٩)، وصحيح مسلم رقم (٩٩٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يمين الرحمن ملأى سحّاء، لا يغيضها الليل والنهار. قال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى الميزان يرفع ويخفض». قال الترمذي - ﵀ - في جامعه (٣٠٤٥) بعد هذا الحديث: «وهذا حديث قد روته الأئمة، نؤمن به كما جاء من غير أن يفسر أو يتوهم، هكذا قال غير واحد من الأئمة؛ الثوري -
[ ١ / ٢٢٩ ]
﴿فَسادًا﴾ يجوز أن يكون مصدرا، والعامل فيه «يسعون» من غير لفظه، وأن يكون مفعولا من أجله. وعد الله أهل الكتاب على الإيمان والتقوى بتكفير السيئات ودخول الجنة على إقامة التوراة وصيانتها عن التحريف بسعة الأرزاق.
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (٦٦) يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٦٧) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٧١)﴾
﴿أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ متوسطة الحال في الطاعة والمعصية. ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ في بعض، فكأنك لم تفعل شيئا من الرسالة، وروي عن النبي ﷺ أنه قال ذات ليلة: «ليت حارسا يحرسني الليلة، فجاء الزبير بن العوام عليه سلاحه، قال النبي ﷺ: من هذا؟ قال: أنا الزبير جئت لأحرسك، فلما كان بعض الليل أخرج النبي ﷺ رأسه من القبة، وقال: أيها الحارس، اذهب فقد عصمني الله، وتلا ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ (^١) يعني: من القتل بأيديهم،
_________________
(١) = ومالك بن أنس وابن عيينة وابن المبارك، أنه تروى هذه الأشياء، ويؤمن بها فلا يقال كيف؟! وقال ابن حبان في صحيحه: «هذه أخبار أطلقت من هذا النوع توهم من لم يحكم صناعة العلم أن أصحاب الحديث مشبهة، عائذ بالله أن يخطر ذلك ببال أحد من أصحاب الحديث، ولكن أطلق هذه الأخبار بألفاظ التمثيل بصفاته على حسب ما يتعارفه الناس فيما بينهم، دون تكييف صفات الله جل ربنا أن يشبه بشيء من المخلوقين، أو يكيف بشيء من صفاته؛ إذ ليس كمثله شيء».
(٢) رواه الترمذي في الجامع الصحيح رقم (٣٠٤٦)، والطبري في تفسيره (٦/ ٣٠٨)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣١٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٨)، وفي دلائل النبوة (٢/ ١٨٤)، وصححه الألباني - ﵀ - في صحيح الترمذي رقم (٢٤٣٨).
[ ١ / ٢٣٠ ]
وإلا فقد شج وجهه، وكسرت رباعيته ﷺ.
﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ أي: لستم على شيء من الدين ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ تلاوة وعملا. ﴿فَلا تَأْسَ﴾ فلا تحزن. وإذا عطف على اسم «فلا تأس» فلا تحزن. وإذا عطف على اسم «إن» بعد استيفاء الخبر، جاز النصب والرفع؛ كقولك: إن زيدا قائم وعمرا وعمرو، فأما قبل استيفاء الخبر فالنصب أرجح، والرفع قليل، ومنه هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ﴾ وأنشد سيبويه [من الوافر]:
وإلا فاعلموا إنّا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق (^١)
والقياس على اللغة الفصيحة: إنا وإياكم (^٢). ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما يستقبل. ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما مضى. ﴿أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قرئ بالرفع والنصب (^٣).
وإذا وقع قبل «أن لا» فعل يقين تعين الرفع، وتكون مخففة من الثقيلة؛ كقوله: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ (^٤). وإن كان قبلها فعل خوف أو طمع وجب النصب؛ كقوله:
﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ (^٥) وإن كان قبلها فعل ظن وحسبان ففيه قولان؛ كهذه الآية. ﴿اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ أمرهم بعبادة الله دونه وجعله ربه وهو ضد ما تقوله النصارى.
_________________
(١) البيت لبشر بن أبي خازم ينظر في: الإنصاف لابن الأنباري (١/ ١٧٥)، خزانة الأدب للبغدادي (٢٩٧، ١٠/ ٢٩٣)، ديوان بشر بن أبي خازم (ص: ١٦٥)، شرح أبيات سيبويه (٢/ ١٤)، شرح التصريح (١/ ٢٢٨)، الكتاب لسيبويه (٢/ ١٥٦)، المقاصد النحوية (٢/ ٢٧١)، وبلا نسبة في: أسرار العربية لابن الأنباري (ص: ١٥٤)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٦٩).
(٢) ذهب البصريون إلى عدم جواز العطف على موضع اسم «إنّ» قبل تمام الخبر، بخلاف الكوفيين الذين يجوزون ذلك. تنظر المسألة في: الإنصاف في مسائل الخلاف لابن الأنباري (١/ ١٧٥)، أوضح المسالك لابن هشام (١/ ٣٥١).
(٣) قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب «تكون»، وقرأ باقي العشرة «تكون». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٥٣٣)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٣٤، ١٣٣)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٢٣٣)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٤٧)، الكشاف للزمخشري (١/ ٣٥٥)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٥٥).
(٤) سورة طه، الآية (٨٩).
(٥) سورة البقرة، الآية (٢٢٩).
[ ١ / ٢٣١ ]
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٧٧) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٨١) لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾
﴿مِنْ أَنْصارٍ﴾ «من» زائدة؛ لتأكيد النفي، فإن قيل: لو قيل: وما للظالمين من نصير لكان أبلغ، فإنه يلزم من نفي النصير نفي الأنصار، ولا يلزم من نفي الأنصار نفي النصير؟ فالجواب: أنهم زعموا أن لهم أنصارا وهم ما أشركوه مع الله في الإلهية، وآباءهم الأنبياء زعموا أنهم يشفعون فيهم، فنفى ما اعتقدوه من الأنصار.
«من» في ﴿مِنْ إِلهٍ﴾ مزيدة. الصّدّيق: الكثير التصديق؛ لقوله - تعالى - في حقها:
﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها﴾ (^١) وقيل: الكثيرة الصدق، كالشرّيب، والخمّير، والعربيد (^٢).
_________________
(١) سورة التحريم، الآية (١٢).
(٢) العربدة: سوء الخلق ورجل معربد: يؤذي نديمه في سكره، والعربد: الذكر من الأفاعي، ويقال: بل هي حية حمراء خبيثة، ومنه اشتقت عربدة الشارب. ينظر: لسان العرب (عربد).
[ ١ / ٢٣٢ ]
﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ كناية عن احتياجهما إلى خروج الخبث الذي يستحيى من التلفظ به ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ يقلبون عن الحق. والمؤتفكات: قرى قوم لوط؛ لأنها قلبت بهم. كان النبي ﷺ قد مني (^١) بمجاورة اليهود، وكانوا يدّعون العلم بما في التوراة، فلما ظهرت معجزات النبي ﷺ وصدقه عادوه، ولم يكن بجواره أحد من النصارى، فكان يجد أشد الناس عداوة اليهود، وأما المشركون فهم جهلة، نقلوا عن آبائهم عقائد فاسدة، فاقتدوا بهم فيها، ولم يرجعوا عنها، وعادوا كل من يروم منهم الرجوع عنها، وكان قد ورد المدينة جماعة من النصارى يجادلون في دينهم، فلما تلوا عليهم القرآن بكوا وصدقوا وجعل علة تصديقهم بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم غير مستكبرين، فإنهم إذا سمعوا القرآن بكوا، واعترفوا بأنهم عرفوا أنه الحق، وسألوا الله - تعالى - أن يميتهم في زمرة من يشهد لمحمد بالرسالة، وأقبلوا على نفوسهم باللوم، وإن أخروا الإجابة والقبول، فمن لم يكن علمه وتعبده بهذه الصفة فليس مراعيا للإذعان بالحق، ولم يكن مستكبرا، وكان خاشع القلب، سريع الدمعة، أعد له الثواب المذكور في آخر هذه الآية. والقسيس: العالم.
والراهب: الخائف من الله.
﴿وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ (٨٣) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصّالِحِينَ (٨٤) فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾
قوله: (ونطمع) جملة حالية، وتقديرها: ونحن نطمع، ويكون الحال جملة اسمية،
_________________
(١) يقال: منيت بكذا وكذا: ابتليت به، ومناه الله بحبها يمنيه ويمنوه أي: ابتلاه بحبها منيا ومنوا. ينظر: لسان العرب (مني).
[ ١ / ٢٣٣ ]
وإلا فالفعل المضارع إذا وقع حالا مثبتا لم يجز دخول الواو فيه. روي أن جماعة أتوا بيوت أزواج النبي ﷺ فسألوهن عن أعماله في الليل والنهار، فذكرن لهم ذلك، فكأنهم استقلوها، فقال أحدهم: «أما أنا فأصوم فلا أفطر، وقال الآخر: أنا لا آكل لحما، ولا دسما، وقال الآخر: أنا لا آتي النساء، فجاء النبي ﷺ، فأطلعه الله على ما قالوا، فقال:
أما والله إني لأتقاكم لله، وأشدكم له خشية، أما أنا فأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني» (^١) فنزلت ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ﴾ الآية (^٢).
والاعتداء: مجاوزة الحد.
أصل اللغو في لغة العرب: أنهم إذا أتوا بإبل الدية، ومع النوق فصلان صغار لها، فلا يعتد بالفصلان في الدية، ويقال: هذه لغو، فاستعير ذلك في الكلام الذي لا تعقد فيه النية من الأيمان، وهو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، وهو مخير في كفارة اليمين بين العتق والإطعام والكسوة، فإن عجز عن الجميع صام ثلاثة أيام. ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ﴾ فلا تحلفوا، أو احفظوها إذا حلفتم فلا تحنثوا، أو احفظوها إذا حلفتم وحنثتم فلا تتركوا الكفارة.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٩٥)﴾
﴿وَالْمَيْسِرِ﴾، القمار، وكانوا يتفاءلون به للغنى، فاشتق له الميسر، من اليسار.
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٥٠٦٣)، ومسلم رقم (١٤٠١) عن أنس ﵁.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٧/ ٧)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ٢٠٨، ٢٠٧) رقم (٤١١)، وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٣٠٧) لابن أبي حاتم وابن مردويه.
[ ١ / ٢٣٤ ]
﴿وَالْأَنْصابُ﴾ الأصنام. وقيل: حجارة تذبح عليها للأصنام. ﴿وَالْأَزْلامُ﴾ سهام صغار وقد تقدم ذكرها (^١). والرجس: المبعد من عمل الشيطان مما وسوس به، وقد عدد - ﷾ - صوارف موانع من شرب الخمر، والاستقسام بالأزلام، ومعاناة الميسر منها: أنها رجس، ومنها: أنها من عمل الشيطان، ومنها: الأمر باجتناب ذلك، ومنها: أن باجتناب ذلك يحصل الفلاح، ومنها: أن فعل ذلك يورث العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ثم أتبع ذلك استفهام الإنكار، بقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ولهذا قال عمر لما نزلت هذه الآية: انتهينا يا رسول الله، انتهينا (^٢). ولما نزل تحريم الخمر، قال بعض المسلمين: كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر قبل تحريمها؟ فنزلت ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ الآية (^٣).
ابتلى الله المؤمنين عام الحديبية، وهم يحرمون بالصيد فكانت الغزلان وحمر الوحش تدخل بين الإنسان وبين رجله، فيتمكن الإنسان من إمساكها بيده (^٤)، كما ابتلى أصحاب طالوت بتحريم شرب ماء نهر، مع شدة العطش إلا من اغترف غرفة بيده، وكذلك ابتلى أهل «أيلة» بتحريم الصيد يوم السبت، فكانت الحيتان تأوي ليلة السبت إلى شاطئ البحر كأنها كباش سمان؛ ليظهر بهذا الابتلاء المطيع من العاصي.
﴿لِيَعْلَمَ اللهُ﴾ علما يتعلق به الجزاء، فإن علمه في الأزل أن زيدا سيعصي لا يستحق عقوبة. أو ليرى؛ فإن الرؤية لابد فيها من وجود المرئي.
أراد بالصيد: المصيد. وقوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ خبر لقوله: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾.
وروي أن سائلا سأل عمر بن الخطاب عن محرم قتل أرشا، وكان عبد الرحمن بن عوف حاضرا، فسأل عمر بن الخطاب عبد الرحمن بن عوف عن جزائه، فاتفقا على أمر، فأفتاه عمر بما اتفقا عليه، فقال المستفتي لرجل كان معه: ما درى أمير المؤمنين ما تقول حتى علمه
_________________
(١) في الآية (٣) من سورة المائدة.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٧/ ٣٣).
(٣) رواه الترمذي في الجامع الصحيح رقم (٣٠٥١)، والطبري في تفسيره (٧/ ٢٥)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ٢١٢) رقم (٤١٦) وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٤) ينظر: الكشاف للزمخشري (١/ ٦٤٣).
[ ١ / ٢٣٥ ]
هذا الشيخ، يشير إلى عبد الرحمن بن عوف فسمعه، فقال: يا عدو نفسه تغمص الفتيا (^١)، وتقتل الصيد وأنت محرم، وقد قال الله - تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فها أنا عمر وهذا عبد الرحمن بن عوف، ثم ضربه ضربات (^٢).
﴿هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ يريد الكعبة وما حولها. ويجب سوق جزاء الصيد إلى منى وذبحه بها، وتفرقة لحمه على من حضر. ﴿أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا﴾ وهو مخير بين الأمور الثلاثة.
﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾
﴿صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ﴾ قيل: طعامه: ما مات فيه وهو حلال عند الشافعي (^٣). ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ أي: يقوم مصالحهم، فلا يصح الحج إلا بالطواف بها ولا الصلاة إلا باستقبالها.
قيل: والقلائد: أي: وذوات القلائد.
﴿ذلِكَ لِتَعْلَمُوا﴾ بحكم الله في هذه الجزئيات إنه سبحانه يعلم الكليات والجزئيات، فإن القائل قائلان: قائل يقول: لا يعلم الجزئيات، ولا شيء منها، وهو مذهب الفلاسفة.
وقائل يقول: يعلم جميعها، فالقول إنه يعلم بعضها دون بعض خلاف الإجماع.
ومثل ذلك أي: ذلك الذي ذكر في هذه السورة من الأحكام من أولها؛ من الوفاء بالعقود إلا ما يتلى من المنخنقة والموقوذة وأخواتها، وتحريم الصيد حالة الإحرام، وعدم انتهاك حرمة الحجاج، وأن العداوة لا تكون سببا للجور، والأمر بالتعاون على البر والتقوى، والنهي عن التعاون على الإثم والعدوان، وتحريم الميتة وما يتبعها، وتحليل ما
_________________
(١) غمص الناس أي: احتقرهم ولم يرهم شيئا، وتغمص الفتيا، أي: تحتقر الفتيا وتستهين بها. ينظر: لسان العرب (غمص)، والأرش: دية الجراحات. ينظر: لسيان العرب (أرش).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٧/ ٤٥).
(٣) ينظر: الأم للشافعي (٢/ ١٧٦).
[ ١ / ٢٣٦ ]
أمسكه الصيد على صاحبه إذا كان معلّما، وتحليل طعام اليهود والنصارى وذبائحهم ومناكحتهم وتحريم السفاح، وتحريم اتخاذ الأخدان، وكيفية الوضوء ونواقضه، والتيمم عند عدم الماء، والأمر بالقيام بالقسط والشهادة به، وتذكار نعم الله وشكرها، وهلم جرا إلى حد المحاربين والسارقين، والتخيير في الحكم بين أهل الكتاب وتركه إلى ما ذكره آنفا من كفارة اليمين، وتحريم صيد البحر حالة الإحرام، وتحليل ميتة البحر، وكيفية جزاء الصيد وكفارة اليمين، فقال ذلك المذكور كله، والخبيث والطيب: الحرام والحلال.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْها وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (١٠٢) ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾
روي أن الأقرع بن حابس (^١) قال: يا رسول الله: أحجنا هذا لعامنا هذا أم للأبد؟ فسكت زمنا طويلا، ثم قال: «بل للأبد ولو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم» فنزلت ﴿لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (^٢).
وفي الحديث: أن النبي ﷺ قال: «أعظم الناس جرما من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته» (^٣) الضمير في «سألها» يعود إلى المصدر، أي: قد سأل هذه المسألة قوم.
_________________
(١) هو الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان التميمي المجاشعي، وفد على النبي ﷺ، وشهد فتح مكة وحنينا والطائف وهو من المؤلفة قلوبهم وقد حسن إسلامه. وقيل: كان الأقرع حكما في الجاهلية وشهد مع خالد حرب أهل العراق، وقتل باليرموك في عشرة من بنيه. تنظر ترجمته في: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (١/ ١٠١).
(٢) رواه أحمد (٣٥٢، ١/ ٢٥٥)، وأبو داود رقم (١٧٢١)، والنسائي في سننه (٥/ ١١١)، وابن ماجه رقم (٢٨٨٦)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٤١)، عن ابن عباس - ﵄. وله شاهد من حديث أبي هريرة عند مسلم في صحيحه رقم (١٣٣٧)، والنسائي (٥/ ١١١).
(٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (٧٢٨٩)، ومسلم رقم (٢٣٥٨) عن سعد بن أبي وقاص ﵁.
[ ١ / ٢٣٧ ]
إذا ولدت الناقة خمسة أبطن: بحروا أذنها أي: شقوها وحرموا ركوبها، ولا تطرد عن ماء ولا مرعى، وكانوا ينذرون إن شفى الله مريضه أن يجعل ناقته سائبة على حكم البحيرة في عدم الانتفاع، وكانوا في الجاهلية يعتقون سائبة، يعني بغير ولاء، وكانوا إذا ولدت الناقة أنثى فهو لهم، وإن ولدت ذكرا فهو لآلهتهم، وإذا ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، وإذا نجب من ظهر الفحل عشرة أبطن قالوا: قد حمي ظهره، فلا يركب، ولا يحمل عليه، ويسمونه: الحامي، فأبطل الله جميع ذلك وهذه أحكام ما نزل الله بها من سلطان، وهم مقبلون عليها. ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ أعرضوا، أو يتبعون أهواءهم ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾.
﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ نصب على الإغراء، أي: ألزموها الخير. قوله: ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ من الاهتداء للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فمن تركهما ضرّه تركهما. روي أن تميما (^١) وعدي بن بدّاء (^٢) سافرا مع رجل مسلم في تجارة، فحضرت المسلم الوفاة في الطريق، فجعل تجارته في عدل كبير، وكتب جملته وتفصيله في ورقة وتركهما في العدل، ثم سلم العدل إلى الرجلين؛ ليوصلاه إلى أهله، ولم يشعرهما بالورقة (^٣). فقوله: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ أي: ليحضر الوصية اثنان.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾ ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقّا إِثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ﴾
_________________
(١) هو أبو رقية تميم بن أوس بن خارجة الداري، صاحب رسول الله ﷺ والدار: بطن من لخم ولخم فخذ من يعرب بن قحطان، كان نصرانيا فأسلم سنة تسع من الهجرة، وكان عابدا تلاّء لكتاب الله، سكن المدينة، ثم انتقل منها إلى الشام بعد مقتل عثمان ﵁. تنظر ترجمته في: الاستيعاب لابن عبد البر (١/ ١٩٣)، سير أعلام النبلاء للذهبي (٢/ ٤٤٢).
(٢) هو عدي بن بدّاء - بتشديد الدال قبلها موحدة مفتوحة - لا يعرف له إسلام. قال ابن عطية: لا يصح لعدي عندي صحبة، وقد وضعه بعضهم في الصحابة، قال الحافظ ابن حجر: ولا وجه لذكره عندي، ومات عدي بن بداء نصرانيا. تنظر ترجمته في: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (٤/ ٤٦٨).
(٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (٢٧٨٠)، وأبو داود في سننه رقم (٣٦٠٦)، والترمذي في سننه رقم (٣٠٦٠).
[ ١ / ٢٣٨ ]
﴿اِسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنّا إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ (١٠٧)﴾
﴿أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ عند أبي حنيفة: من غير أهل ملتكم، فتقبل شهادة أهل الذمة في السفر عنده، وعند الشافعي: من غير قبيلتكم (^١).
﴿ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ سافرتم. ﴿تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ يريد بعد صلاة العصر، والريبة: هو أن وجدت الورقة في العدل فقابلوا بها ما حضر، فعدم منه إناء من فضة مخوض بالذهب، فقال الرجلان الوصيان: ما نعرف ذلك.
فحلّفوهما، بعد ذلك وجد الجام (^٢) عند رجل في السوق يبيعه، فقيل له: من باعك هذا؟ فقال: تميم وعدي بن بداء (^٣) فهو معنى قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقّا إِثْمًا﴾ حلف الورثة أن الجام ملكهم. وقوله: ﴿فَآخَرانِ﴾ خبر مقدم. والأوليان: تثنية الأولى هو المبتدأ، تقديره: فالأوليان آخران يقومان مقامهما. واعلم أن هذا الحكم موافق للقواعد الشرعية، فإن القول قول من يترجح جانبه مع يمينه، فإذا ادّعى عليك دين، فالقول قولك مع يمينك؛ لأن الأصل البراءة فإن كانت العين في يدك، فالقول قولك مع يمينك؛ لأن اليد مرجحة، فإن شهد بذلك شاهد واحد فالقول قولك مع يمينك؛ لأن جانبك ترجح بالشهادة، وهاهنا ترجح جانب الورثة بظهور الجام الذي أنكره الرجلان ثم بقول المشتري:
أنه اشتراه من الرجلين المذكورين فحلف الورثة واستحقوا.
وقوله: ﴿لَشَهادَتُنا﴾ أي: يميننا أحق من أيمانهم ﴿ذلِكَ﴾ أي الحكم برد اليمين أقرب إلى ﴿أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ إذا عثر على أنهما استحقا إثما. إنما قالوا: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ وقد علموا أن الأمم كذبوهم؛ لأنهم دهشوا من هول الموقف. وقيل: تأدبوا مع الله؛ لأنه عالم الخفيات.
_________________
(١) ينظر: الأم للشافعي (٦/ ١٩١)، بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ٥٢٤)، المبسوط للسرخسي (٧/ ٤٩٢)، المغني لابن قدامة (١٠/ ١٦٩).
(٢) الجام: إناء للشراب والطعام من فضة أو نحوها وقد غلب استعماله في قدح الشراب. ينظر: لسان العرب (جوم).
(٣) رواه ابن جرير في التفسير (٧/ ١١٥)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ٢١٥)، رقم (٤٢١)، وزاد السيوطي نسبته في الدر المنثور (٢/ ٢٤٢) لابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.
[ ١ / ٢٣٩ ]
﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨) يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (١٠٩) إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ (١١٣) قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (١١٤) قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥)﴾
﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ بجبريل و﴿تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ فسّر في آل عمران (^١).
﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أي: مثل. (وتنفخ) في الذي هو مثل هيئة الطير. ومن قرأ (هل تستطيع) (^٢) فمعناه: هل تستطيع سؤال ربك. وقول عيسى لهم: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تشكيك في إيمان الحواريين، ويقوي ذلك قوله في آخر الآية: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا﴾ فهذا يدل على أنهم لم يكونوا يعلمون أنه صدقهم، ومن شك في نبوة نبي فقد كفر، لكنهم بعد ذلك قوي إيمانهم، ونصحوا في صحبة عيسى ﵇. قوله:
﴿وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ العامل في المجرور مضمر والتقدير شاهدين عليه من الشاهدين؛ لأن اسم الفاعل إذا كان فيه الألف واللام، فهو موصول، ومعمول الصلة لا يجوز تقديمه عليها (^٣).
_________________
(١) عند الآية (٤٦).
(٢) قرأ بها الكسائي، وقرأ الباقون «هل يستطيع ربّك». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٥٤)، حجة ابن خالويه (ص: ١٣٥)، حجة أبي زرعة (ص: ٢٤٠)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٤٩)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٥٦).
(٣) تقدم التعليق على هذه المسألة في تفسير سورة البقرة، الآية (١٣٠).
[ ١ / ٢٤٠ ]
قوله: ﴿قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ الآية. قيل: لما سمعوا أن الله يعذب من كفر بعد نزول المائدة عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين، استقالوا وسألوا ألا تنزل المائدة، فلم تنزل وقال الأكثرون: بل نزلت بين غمامتين، فقال عيسى للحواريين: ليتقدم من يكشفها، فقالوا له: أنت أولى بذلك منا، فتوضأ وصلى ركعتين وكشفها، فوجد فيها سمكة وأرغفة من الخبز وزيتونا وخلاّ وملحا فأكلوا منها، واستمر أكلهم منها، فكانت تنزل كل يوم (^١).
﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (١١٦) ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) قالَ اللهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾
قيل: المراد ب (ما في نفسك) ما في نفسي؛ لأن نفسه ملك لله، والتقدير: تعلم ما في نفسي، ولا أعلم أنا ما في نفسي، أنت أعلم به مني.
﴿ما قُلْتُ لَهُمْ﴾ في أمر الدعوة ﴿إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ ولم يرد نفي النطق بأمر أجنبي عن الدعوة. قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ولم يقل: الغفور الرحيم؛ لأنه لو قال ذلك، كان كالشفيع لهم، والطالب لرحمتهم، وهو في مقام الاعتذار، لا في مقام الشفاعة.
_________________
(١) روى تلك الأقوال الطبري في تفسيره (٧/ ١٣٥) ثم قال: والصواب من القول عندنا في ذلك أن يقال: إن الله - تعالى - أنزل المائدة على الذين سألوا عيسى مسألته ذلك ربه وإنما قلنا ذلك للخبر الذي روينا بذلك عن رسول الله ﷺ وأصحابه وأهل التأويل من بعدهم غير من انفرد بما ذكرنا عنه وبعد، فإن الله - تعالى - لا يخلف وعده ولا يقع في خبره الخلف وقد قال - تعالى - مخبرا في كتابه عن إجابة نبيه عيسى ﷺ حين سأله ما سأله من ذلك: إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ وغير جائز أن يقول - تعالى ذكره - إني منزلها عليكم ثم لا ينزلها؛ لأن ذلك منه - تعالى - خبر ولا يكون منه خلاف ما يخبر، ولو جاز أن يقول: إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ. ثم لا ينزلها عليهم جاز أن يقول: فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين. ثم يكفر منهم بعد ذلك فلا يعذبه فلا يكون لوعده ولا لوعيده حقيقة ولا صحة وغير جائز أن يوصف ربنا - تعالى - بذلك.
[ ١ / ٢٤١ ]
﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ قرئ بنصب يوم ورفعه (^١) وإن أضيف الظرف إلى الفعل المضارع، جاز إعرابه وبناؤه، ومثله: ﴿ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ﴾ بالرفع والنصب (^٢).
قال قتادة: متكلمان تكلما يوم القيامة وصدقا، لكن كان أحدهما كذابا في الدنيا، فلم ينفعه صدقه في الآخرة، وهو إبليس، حيث قال: ﴿إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ إلى آخر الآية (^٣) والآخر كان صادقا في الدنيا، فنفعه صدقه في الآخرة، وهو عيسى ﵇ قال الله: ﴿هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ (^٤). أتى في بعض الألفاظ بما يدل على ملكه - سبحانه - السماوات والأرض، قوله: ﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وفي بعضها ما يدل على ملكه لما فيهما: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ (^٥). وجاء في هذه الآية بالأمرين معا فقال: ﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ﴾.
***
_________________
(١) قرأ نافع من العشرة "هذا يوم"، وقرأ باقي العشرة "هذا يوم". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٦٣)، حجة ابن خالويه (ص: ١٣٦)، حجة أبي زرعة (ص: ٢٤٣)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٥٠)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٥٦).
(٢) سورة الانفطار، الآية (١٩) وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب "يوم"، وقرأ الباقون "يوم". تنظر في: البحر المحيط (٨/ ٤٣٧)، تفسير القرطبي (١٩/ ٢٤٩)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣٦٥)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٧٥٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٤٨٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٦٧٤)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٩٩).
(٣) سورة إبراهيم، الآية (٢٢) والكوفيون يجيزون بناء الظرف إذا أضيف إلى جملة فعلية، والبصريون لا يجيزون بناءه إلا إذا صدّرت الجملة المضاف إليها بفعل ماض. وتنظر المسألة في: الدر المصون للسمين الحلبي (٢/ ٦٥٩)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ١٧٢).
(٤) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٢٤٢) لعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ عن قتادة.
(٥) سورة النساء، الآية (١٢٦).
[ ١ / ٢٤٢ ]