﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥)﴾
وتسمّى سورة النعم، ويروى أنه لما نزل ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ وثب النبي ﷺ وجماعة من الصحابة، وظنوا أن القيامة قد أتت حتى نزل قوله: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فسكن ما بهم (^١).
والهاء في ﴿تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ تعود على الأمر، أو على اسم الله، والمعنى يختلف، فالأول تقديره:
لا تستعجلوه بالعذاب. والثاني: لا تطلبوا من الله العجلة، والهاء في ﴿سُبْحانَهُ﴾ في موضع جرّ؛ لأنه لو ظهر لكان مجرورا؛ لقوله: ﴿سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى﴾ (^٢) ولو ظهر وكان مجرورا ففي تقديره قولان: أحدهما: تنزّه الله، فيكون فاعلا مرفوعا؛ لأنه عطف عليه ﴿وَتَعالى﴾ وهو فعل ماض. والثاني: نصب، تقديره: نزهت الله، وأصل المتنزه: المكان البعيد المنفسح. وقوله ﵇: "تنزهوا من البول" (^٣) أي: تباعدوا منه. و﴿ما﴾ في ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ مصدرية، ويستغنى بذلك عن الإضمار، فإنك إذا جعلتها موصولة كان التقدير: وتعالى عن مشابهة ما يشركونه به. سمّى الله القرآن روحا هاهنا وفي قوله: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا﴾ (^٤) (٩٨ /أ). وفي سورة غافر ﴿ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ (^٥) لأن به حياة القلوب، كما أن بالروح حياة الجسد. ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ١٠٧) ونسبه لابن مردويه عن ابن عباس - رضي الله عليهما.
(٢) سورة القصص، الآية (٦٨).
(٣) رواه أحمد في المسند (٣٨٩، ٣٨٨، ٢/ ٣٢٦)، وابن ماجه رقم (٣٤٨)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٨٣) عن أبي هريرة ﵁. وصححه الشيخ الألباني في إرواء الغليل (١/ ٣١٠) رقم (٢٨٠).
(٤) سورة الشورى، الآية (٥٢).
(٥) سورة غافر، الآية (١٥).
[ ١ / ٤٤٨ ]
أي أنذروا.
﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يستنكف من استصحابها في ثوب أو جسد، ففاجأ بكونه خصيما شديد الخصومة. و﴿وَالْأَنْعامَ﴾ هي الإبل والبقر والغنم، ومما تفرد به هذا الاسم أنك إن أفردته فقلت: النّعم كانت إبلا محضة، وإن جمعته فقلت: أنعام. كان إبلا وبقرا وغنما. ﴿لَكُمْ فِيها دِفْءٌ﴾ بأصوافها وأوبارها وأشعارها يصنع منها ما يستدفأ به.
﴿وَمَنافِعُ﴾ سوى الاستدفاء من وقاية حرّ الشمس. ﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ أي: من لحومها، ويجوز أن يراد ومن أجرتها إذا أوجرت، وألبانها إذا حلبت، وأصوافها وأشعارها إذا نسجت، مأكلة لكم تجدون منها القوت، كقولك: أنا إنما آكل من هذه الدار، أي: من أجرتها. إذا جاءت النعم من المرعى يفتخر أهلها بها يقولون: هذه نعم بني فلان، وقدّم وقت الإراحة؛ لأنها تعود حفّلا (^١) باللبن، فالجمال بها أكثر من وقت خروجها للمرعى محلوبة.
﴿وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨)﴾
حذف مفعول ﴿تُرِيحُونَ﴾ و﴿تَسْرَحُونَ﴾ لدلالة الكلام عليه، وهو دليل على أن يقال:
سرحت النعم. مخففا، بمعنى سرحتها. ﴿لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ﴾ لو لم يكن لكم أنعام إلا بمشقة شديدة. ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ خلق هذه الأنعام وهيأها لمصالحكم.
﴿وَالْخَيْلَ﴾ معطوف على ﴿وَالْأَنْعامَ﴾ وقد احتج به من زعم أن الخيل لا يؤكل لحمها، ولا حجة فيه؛ لأن لفظ الآية لا يدل على تحريم ولا تحليل (^٢).
وشرط المفعول من أجله أن يكون فعلا لفاعل الفعل المعلل، فإن لم يكن كذلك وجبت اللام فلما كان الركوب فعلا لغير الخالق أتى فيه باللام في قوله: ﴿لِتَرْكَبُوها﴾ ولما كانت الزينة من فعل الله الذي خلق لم يأت باللام (^٣) ومثله قوله - تعالى: ﴿ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾
_________________
(١) حفل: جمع حافل: أي ممتلئ لبنا. ينظر: لسان العرب (حفل).
(٢) ينظر: بداية المجتهد لابن رشد (١/ ٦٥٥)، بدائع الصنائع للكاساني (٤/ ١٤٩).
(٣) المفعول له ويسمى المفعول لأجله ومن أجله وهو كل مصدر معلل لحدث مشارك له في الزمان والفاعل وذلك كقوله - تعالى: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ فالحذر مصدر -
[ ١ / ٤٤٩ ]
﴿لِتَشْقى (٢) إِلاّ تَذْكِرَةً﴾ (^١) والتذكرة من فعل الله، والشقاوة من فعل الخلق.
﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قيل في تفسيره أقاويل باطلة؛ لقوله: ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فلو صحّ تفسيره بشيء لكان معلوما، وفي المثل: "إذا استأثر الله بشيء فاله عنه" (^٢).
﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾
﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ أي: الطريق القصد الموصلة إليه، ومن الطرق ﴿جائِرٌ﴾ عادل عن السبيل الحق ضالّ ﴿وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ترعاه السائمة من النعم، تقول: أسمت النعم، إذا أرسلتها في المرعى المباحة (٩٨ /ب) ومنه قوله ﵇: "في سائمة النعم الزكاة" (^٣) وهي مأخوذة من السّومة، وهي العلامة إذا أطلقت
_________________
(١) = منصوب ذكر علة لجعل الأصابع في الآذان، وزمنه وزمن الجعل واحد، وفاعلهما أيضا واحد وهم الكافرون، فلما استوفيت هذه الشروط انتصب، فلو فقد المعلل شرطا من هذه الشروط وجب جره بلام التعليل. وقال ابن خروف: لا يشترط اتحاد فاعلي الفعل والمصدر المعلل. فلما اختلف الفاعل خفض باللام في قوله - تعالى - هنا: لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً فإن " تركبوها" بتقدير لأن تركبوها، وهو علة لخلق الخيل والبغال والحمير، وجيء به مقرونا باللام؛ لاختلاف الفاعل لأن فاعل الخلق هو الله - ﷾ - وفاعل الركوب بنو آدم وجيء بقوله جل ثناؤه: وَزِينَةً منصوبا؛ لأن فاعل الخلق والتزيين هو الله - تعالى. ينظر تفصيل ذلك في: أوضح المسالك لابن هشام (٢/ ٢٢٥)، شرح قطر الندى لابن هشام (١/ ٢٢٦)، مغني اللبيب لابن هشام (١/ ٧٣٠).
(٢) سورة طه، الآيتان (٣، ٢).
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف، الآية (٨٤).
(٤) رواه أحمد في المسند (١٢، ١/ ١١)، وأبو داود رقم (١٥٦٧)، والنسائي (١/ ٣٦٦)، -
[ ١ / ٤٥٠ ]
الإبل للرعي فيها صارت مواضع الرعي علامة أو كالعلامة، ولما كانت النخل ينتفع طلعا أبيض، وبلحا أخضر، وبسرا أصفر وأحمر، ومطرفا وتمرا ورطبا، أتى باسم النخل، ولما كان أكثر منافع الزيتون والعنب إنما هو ثمرتها على حالة واحدة - سمي شجرها باسم الثمرة، وإن انتفع بالحصرم من العنب، وهو انتفاع يسير بالنسبة إلى ثمرة العنب فلذلك سمّى شجرتهما باسم ثمرتهما.
وقوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ يجوز أن ينوب مناب المفعول، ويكون التقدير: وينبت لكم بعض الثمرات، ويجوز أن يكون المفعول محذوفا، أي: وينبت من كل الثمرات ما يقتات وما يتفكه به. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ﴾، لتحصل مصالحكم وقوله ﴿مُسَخَّراتٌ﴾ أي: بالتسخير صارت مسخرات وهو قريب من قولك:
بريت الأنبوبة قلما، وعملت الخشبة بابا.
﴿وَما ذَرَأَ﴾ أي: وخلق خلق ﴿ذَرَأَ﴾ بمعنى بث يريد: وطعومه وأرايحه؛ لأن منفعة اللون تعم من أكل من الثمرة ومن لم يأكل، ومنفعة الأراييح قليلة بالنسبة إلى ما سواها قوله: ﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾ فيه إشعار بأن أطيب السمك الطري منه. ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ وهي اللؤلؤ والجوهر، وقد يحتج بذلك على جواز تحلي الرجال باللؤلؤ؛ لأن الله ذكر ذلك في معرض الامتنان (^١).
وقوله: ﴿تَلْبَسُونَها﴾ جمع للمذكر فإما أن تكون ذكورا خاصا أو ذكورا وإناثا وعلى التقديرين فالاحتجاج به حاصل، والمراد بالفلك هاهنا الجمع لقوله: ﴿مَواخِرَ﴾ جمع ماخرة، والماخرة التي تشق الماء. وقيل: التي يسمع لها صوت لشقها الماء.
وقيل: مواخر أي: مقلعات. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ بالتجارة والاصطياد.
﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩)﴾
_________________
(١) = والحاكم في المستدرك (١/ ٣٩٠) عن أنس بن مالك - ﵁. وصححه الشيخ الألباني في الإرواء (٣/ ٢٦٤) رقم (٧٩٢).
(٢) ينظر: الأم للشافعي (١/ ٣٧٢)، مغني المحتاج للشربيني (١/ ٣٨٩).
[ ١ / ٤٥١ ]
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾
﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ﴾ جمع راسية، أي: ثابتة. وقوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي:
كراهة أن تميد بكم، فتكون الجبال مرسية للأرض. ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ قال قتادة:
"خلق الله الكواكب ليهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ولزينة السماء بها، ولرجم الشياطين إذا استرقوا السمع، فمن ادعى فيها أنها تدل على ما يكون من الأمور والوقائع فقد افترى على الله" (^١).وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ أي: لا تكون الأصنام (٩٩ /أ) مماثلة بما شبه الله، وقد سبق نظائره ﴿قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ (^٢). ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى﴾ (^٣). ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ (^٤) لأن من أشبهك فقد أشبهته و﴿النَّعَمِ﴾ اسم جنس، ولهذا قال: ﴿لا تُحْصُوها﴾ أي: لا تحصوا عددها، ثم بيّن سبحانه تباعد ما بينه وبين الأصنام، فقال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾، ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ﴾ وما تشعر الأصنام متى يكون بعثها، وتكرر في الكتاب العزيز ﴿لا يُحِبُّ﴾ ولم يقل (يبغض) إلا قليلا، وجاء في السنة؛ لأن اسم الفاعل من أحب لا يوهم نقصا، واسم الفاعل من أبغض يوهمه، فلا يجوز أن يقال لله: يا مبغض. لقوله: ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها﴾ (^٥).
ولأن المحبة هي الإيثار، وفعل الخير مع من تحبه، ومواهب الله لا تنقطع عنا، فهو محب ولا خير إلا منه، فلو قطع مداد الخير لم يتصل من جهة غيره فلزم من كونه ﴿لا يُحِبُّ﴾ أن يفوت جميع المصالح بخلاف قول القائل: إنني لا أحب ملك الهند ولا أبغضه. فلا يلزم من بغضي له فوات مصالحته فلا يستوي، ففي حق الآدمي قولي: لا أحب فلانا، وأبغضه.
ويستوي في حق الله - تعالى - أن الله لا يحب وأن الله يبغض.
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٩١ - ٩٢) عن قتادة.
(٢) سورة البقرة، الآية (٢٧٥).
(٣) سورة آل عمران، الآية (٣٦).
(٤) سورة الأحزاب، الآية (٣٢).
(٥) سورة الأعراف، الآية (١٨٠).
[ ١ / ٤٥٢ ]
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤) وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾
﴿ذا﴾ في ﴿ماذا﴾ يجوز أن تكون زائدة فيكون جوابها على المختار بالنصب فإذا قال:
ماذا صنعت؟ قلت في جوابه: خيرا، أي: صنعت خيرا وقرئ ﴿ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ بالنصب والرفع (^١) على التأويلين، وفي هذه الآية خاصة أنه قال في حق المؤمنين ﴿خَيْرًا﴾ لأن التقدير: أنزل خيرا، وهم المؤمنون بالإنزال، وقال في حق الكفار ﴿قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ والتقدير: هذه أساطير الأولين ولو نصبوا ﴿أَساطِيرُ﴾ لكانوا مؤمنين بالإنزال وهم كفار به، والمؤمن تكفر سيئاته بالمصائب في الدنيا بخلاف الكافر فلذلك تبقى أوزار الكفار كاملة لم يكفر منها شيء وتحملوا مثل أوزار الذين يضلونهم ألا قبح ما يحملون.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٢١٩) وقرأ جمهور القراء "قل العفو" بالنصب، وقرأ أبو عمرو البصري "قل العفو". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٢/ ١٥٩)، الحجة لابن خالويه (ص: ٩٦)، الحجة لأبي زرعة (ص: ١٣٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (١/ ٥٣٧)، السبعة لابن مجاهد (ص: ١٨٢)، الكشاف للزمخشري (١/ ١٣٣)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٢٧).
[ ١ / ٤٥٣ ]
﴿فَأَتَى﴾ تخريب الله، وابتداء ذلك التخريب ﴿مِنَ الْقَواعِدِ﴾ ﴿يُخْزِيهِمْ﴾ يهينهم ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ﴾ بزعمكم ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ﴾ به الأنبياء والصالحين ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ قائلين: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ فأجابتهم الملائكة ﴿بَلى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ﴾ فلتدخل كل طائفة من باب وهذه حال مقدرة؛ لأن أول الدخول ليس من الخلود في شيء.
والمثوى: موضع الثواء وهو الإقامة ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ﴾ من إضافة الشيء إلى صفته ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ هو المخصوص بالمدح و﴿عَدْنٍ﴾ معرفة. وقيل: نكرة وتقديره: جنات إقامة ﴿تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ لقبض أرواحهم. وقيل: للخروج من القبور يبشرونهم بالثواب (٩٩ /ب) ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ قيل: ينتظرون ﴿إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ﴾ لقبض أرواحهم ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ بقيام الساعة ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ﴾ استفهام معناه النفي. لما كان في البعث معنى القول جاءت أن المفسرة وهي لا تأتي مع صريح القول ولا مع ما ليس في معنى القول.
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧) وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾
و﴿الطّاغُوتَ﴾ كل معبود دون الله. ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ أمر بالسبب والمسبب ﴿عاقِبَةُ﴾ فاعل، أو اسم كان، والخبر ﴿كَيْفَ﴾ ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ﴾ لم يفد حرصك ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ وجمع الناصرين ردّا لظنهم؛ لأنهم عبدوا آلهة شتى، واعتقدوا الانتصار بها وبجماعتهم ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (^١) ولقوله: ﴿أَمْ﴾
_________________
(١) سورة يس، الآية (٧٤).
[ ١ / ٤٥٤ ]
﴿يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ (^١).
قيل: من حلف بالله فقد أقسم جهد اليمين (^٢).
﴿بَلى﴾ وعد ذلك ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ﴾ الوفاء؛ لإخباره بوقوعه، يبعثهم ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ وليفضح الكفار بعلمهم أنهم كانوا كاذبين. ﴿مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ وأوذوا أذى أزعجهم إلى الإخراج ﴿فِي الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ هي المدينة (^٣) ولما كان في ذلك أذى الكفار وإيلام لهم، قال: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو علموا ذلك لما آذوا المؤمنين، وتقديم المجرور في قوله: ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ﴾ للاختصاص. ولم يبعث الله رسولا إلا ذكرا لقوله: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا﴾ ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ أصحاب الكتب القديمة (^٤).
وقوله: ﴿بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ﴾ متعلق بفعل دل عليه ﴿وَما أَرْسَلْنا﴾ أي: أرسلناهم بالبينات والكتب. وقيل: متعلق ب ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾، واحتج قوم منعوا نسخ الكتاب بالسنة بهذه الآية، فإنه جعله مبينا وليس المبطل مبينا ولا حجة فيه؛ لأن النسخ بيان انتهاء مدة الحكم (^٥). التخوف: النقص قال الشاعر [من البسيط]:
_________________
(١) سورة القمر، الآية (٤٤).
(٢) ذكره النسفي في تفسيره (٣/ ١٥٣) عن ابن عباس - ﵄ - بلفظ: "من قال بالله فقد جهد يمينه".
(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ١٠٧)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ١٣١) لابن المنذر عن الشعبي.
(٤) رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ١٠٨) عن مجاهد.
(٥) قال العلامة العيني في عمدة القاري (١/ ٢٤٧): "قال الإمام فخر الدين الرازي: قطع الشافعي وأكثر أصحابنا وأهل الظاهر وأحمد في إحدى روايتيه بامتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة، وأجازه الجمهور ومالك وأبو حنيفة - ﵃ " ثم قال عن هذه الآية: "المراد بالتبيين: البيان ولا نسلم أن النسخ ليس ببيان فإنه بيان لانتهاء أمر الحكم الأول ولئن سلمنا أن النسخ ليس ببيان وأن المراد منه بيان العام والمجمل والمنسوخ وغيرهما لكن نسلم أن الآية تدل على امتناع كون القرآن ناسخا للسنة".
[ ١ / ٤٥٥ ]
تخوّف الرّحل منها تامكا قردا كما تخوّف عود النّبعة السّفن (^١)
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾
سجود الذين يعقلون بوضع الجبهة على الأرض، وسجود ما لا يعقل بتفيؤ الظلال عن اليمين والشمائل سجدا طائعين ﴿وَهُمْ داخِرُونَ﴾ ذليلون خاضعون.
قوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ﴾ قيل: فيه استعمال المشترك في معنييه؛ لأن سجود الملائكة حقيقة ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن السجود له. ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ﴾ أن يبعث عليهم عذابا من فوقهم ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ فحذف الياء ووصل (١٠٠ /أ) الفعل فصار ما يؤمرونه، ثم حذف الضمير المنصوب وحذفه مطرد؛ كقوله: ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولًا﴾ (^٢).
وقيل: إن "أمر" يتعدى إلى مفعولين والمفعول الثاني هو المضمر، ولا يحتاج إلى تقدير الباء. ومثل هذا في قوله [من البسيط]:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نشب (^٣)
_________________
(١) البيت لابن مقبل أو لذي الرمة، أو لزهير أو لأبي كبير الهذلي في وصف ناقة أنضاها السير، ينظر في: الأغاني للأصفهاني (٦/ ٨٢)، تاج العروس للزبيدي (خوف)، تفسير القرطبي (١٠/ ٩٩)، روح المعاني للألوسي (١٤/ ١٥٢)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٦٠٨)، لسان العرب (خوف). ويروى الشطر الأول: تخوف السير منها والتخوف: التنقص شيئا فشيئا، والتامك: السنام المرتفع، والقرد: الذي أكله القراد من كثرة أسفارها، أو الذي تنقب وفسد من كثرة السفر، والنبعة: شجر تتخذ منه القسي، والسفن: المبرد الحديد الذي ينحت به الخشب. والمعنى: تنقص رحلها سنامها المرتفع الذي تنقب وفسد من كثرة السفر كما تنقص المبرد عود النبعة.
(٢) سورة الفرقان، الآية (٢٥).
(٣) البيت لعمرو بن معدي يكرب. ينظر في: خزانة الأدب للبغدادي (٩/ ٢٢٤)، ديوان عمرو بن معدي كرب (ص: ٦٣)، الكتاب لسيبويه (١/ ٣٧)، وينسب أيضا لخفاف ابن ندبة في ديوانه (ص: ١٢٩)، وكذلك ينسب للعباس بن مرداس في ديوانه (ص: ١٣١)، وبلا نسبة في: الأشباه والنظائر للسيوطي (٤/ ١٦)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص: ٩٤)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٥٩٠)، المحتسب لابن جني (١/ ٦١)، المقتضب للمبرد (٨٣، ٢/ ٣٦)، همع الهوامع للسيوطي (٣/ ١١) والشاهد فيه: النصب على حذف حرف الجر، وأصله: "أمرتك بالخير" فلما حذف الجار انتصب "الخير".
[ ١ / ٤٥٦ ]
﴿وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦)﴾
قد ينهى الإنسان ولده عن صحبة فاسقين، ويزيد مع ذلك النهي عن كل واحد، ويجوز أن ينهاه عن الجمع بينهما، وأن ينهاه عن الانفراد بصحبة أحدهما فنهاه هاهنا عن اتخاذ اثنين لا عن كل واحد منهما، فإن الله وحده لا ينهى من عبده وأفرده بالوحدانية، فلهذا قال: ﴿إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ليبين أن المنهي اتخاذ اثنين ﴿فَإِيّايَ﴾ ارهبوا ﴿فَارْهَبُونِ﴾ وقد اشتغلت ﴿فَارْهَبُونِ﴾ بضميرها. قوله: ﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ أي: دائما، ومنه قوله: ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾ (^١).
قوله: ﴿ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ هذه الفاء في ﴿فَإِلَيْهِ﴾ جواب إذا، وقوله: ﴿ثُمَّ﴾ دليل على استبعاد ما فعلوه من اعتقاد الشريك؛ لأن الله وحده هو المتفرد بسائر وجوه الإنعام، ولفظة ﴿ثُمَّ﴾ دليل عليه؛ كقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (^٢) ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ﴾ (^٣) وقول الشاعر [من الطويل]:
ولا يكشف الغمّاء إلا ابن حرّة يرى غمرات الموت ثمّ يزورها (^٤)
﴿إِذا فَرِيقٌ﴾ إذا للمفاجأة وهي جواب ل ﴿إِذا﴾ الشرطية ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ اللام لام الأمر وهو تهديد كقوله: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ (^٥) ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ إلهيته أو شركته ﴿نَصِيبًا﴾ من
_________________
(١) سورة الصافات، الآية (٩).
(٢) سورة البقرة، الآية (٢٨) وفي الأصل "ثم إليه تجأرون" وليست هذه آية، ولعل ما أثبتناه هو الصواب.
(٣) سورة الجاثية، الآية (٨).
(٤) تقدم تخريجه في سورة يونس، الآية (٥١).
(٥) سورة فصلت، الآية (٤٠).
[ ١ / ٤٥٧ ]
حروثهم وأنعامهم، وشرح ذلك في سورة الأنعام (^١). وقيل في القسم بالتاء في ﴿تَاللهِ﴾ إنها لا تقع إلا فيما يتعجب من المقسم عليه؛ كقوله: ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ﴾ (^٢) تعجب كيف تيسّر له كسر أصنام الملك مع عظمة سلطانه وضعف حال النمرود.
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)﴾
قوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ﴾ هو كقوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا﴾ (^٣) ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا﴾ (^٤) وليس بمعنى التصيير؛ لأن الملائكة ما صاروا إناثا ولا صار لله البنات! ﴿وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ من الذكور أي: يجعلون ذلك لأنفسهم.
قوله: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾ يجوز أن يكون تهكما؛ كقوله ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (^٥) لأن ولادة الأنثى للرجل لا يبشر بها، ويجوز أن تكون البشارة بسلامة الأم وولادة الأنثى تامة الخلق فتكون البشارة على بابها. ﴿ظَلَّ﴾ أي: صار نهارا وزعم الزمخشري (^٦) أن أكثر الولادة يقع ليلا فيحصل التبشير بها نهارا.
﴿كَظِيمٌ﴾ مملوء غضبا وأصل الكظام الخيط الذى (١٠٠ /ب) تشد به القربة، شبه من امتلأ غضبا. كظيم بمعنى مكظوم. ﴿يَتَوارى﴾ يتستر يتروّى ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ﴾ ترعى الإبل، أم يدفنها بالحياة؟! ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ هذا كما يرد على
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية (١٣٦).
(٢) سورة الأنبياء، الآية (٥٧).
(٣) سورة الزخرف، الآية (١٥).
(٤) سورة الزخرف، الآية (١٩).
(٥) سورة آل عمران، الآية (٢١).
(٦) ينظر: الكشاف للزمخشري (٢/ ٦١٢).
[ ١ / ٤٥٨ ]
الشاتم شتمه فيقال: جعلت لله الأدنى، وجعلت لنفسك الأعلى، بل لك مثل السوء ولله المثل الأعلى. ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ أتى بعد ﴿لَوْ﴾ بالفعل المضارع ليدل على تكرر عدم المؤاخذة، والهاء في ﴿عَلَيْها﴾ تعود على الأرض، ولم يجر لها ذكر فيما قرب؛ لأنه مفهوم من السياق؛ كقوله: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ (^١) يعني: الشمس، وكذا قول الشاعر [من الكامل]:
حتّى إذا ألقت يدا في كافر وأجنّ عورات الثغور ظلامها (^٢)
أراد الشمس. والكافر: البحر. وكان بعضهم يقف على قوله: ﴿يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً﴾ ويجعل قوله: ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ مستأنفا قال: لأنه إذا جاء الأجل يستحيل الاستقدام عنه بعد أن يجيء ولا يستحيل التأخير، وجوابه: أن جعله أجلا مانع من التقدم والتأخر معا (^٣).
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾
﴿ما يَكْرَهُونَ﴾ من البنات ﴿وَتَصِفُ﴾ أي: وتحكي. قرئ ﴿الْكَذِبَ﴾ بضم الكاف والذال ورفع الباء جمع كذوب، كصبور وصبر وغفور وغفر، ويكون ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى﴾ هو المفعول، وعلي القراءة المشهورة ﴿الْكَذِبَ﴾ بالنصب (^٤) مفعول، و﴿أَنَّ لَهُمُ﴾
_________________
(١) سورة ص، الآية (٣٢).
(٢) البيت للبيد، ينظر في: تاج العروس (كفر)، ديوان لبيد (ص: ٣١٦)، غريب الحديث لابن قتيبة (١/ ٢٤٧)، مقاييس اللغة لابن فارس (٥/ ١٩١)، لسان العرب (كفر - يدي) وقوله: ألقت يدا في كافر أي: دخل أولها في الغور. أو بدأت في المغيب، ويحتمل أن يكون أراد الليل، أي: بدأت الشمس في المغيب. وأجن: ستر.
(٣) ينظر: منار الهدى في بيان الوقف والابتدا للأشموني (ص: ٢١٧).
(٤) قرأ بها ابن عباس وأبو العالية ومجاهد وابن محيصن. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان -
[ ١ / ٤٥٩ ]
﴿الْحُسْنى﴾ بدل منه ﴿لا جَرَمَ﴾ مضى في سورة هود (^١) ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ بكسر الراء متجاوزون الحد، وبفتحها (^٢) مقدمون إلى النار. ﴿تَاللهِ﴾ يمين مع تعجب ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ للبيان والهدى والرحمة. ومن قرأ ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ فهو من سقاه إذا أعطاه شيئا يشربه، ومن ضم النون (^٣)، فهو من أسقاه إذا جعل له شربا. وسئل بعضهم عن التوبة الخالصة فقال: هي كما ترى اللبن خالصا من الفرث والدم لا ترى فيه منهما أثرا.
﴿سَكَرًا﴾ وصف لفعلهم واتخاذهم، فلا يدل على حل ولا حرمة. وقيل: يدل على الحلّ لأن سورة النحل مكية والخمر إنما حرمت بالمدينة فيكون تحليلها من قبل مدلولا عليه بالكتاب.
﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤) ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾
_________________
(١) = (٦/ ٢٠)، تفسير القرطبي (١٠/ ١٢١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٣٣٩)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٦١٤)، المحتسب لابن جني (٢/ ١١).
(٢) سورة هود، الآية (٢٢).
(٣) قرأ نافع وحده "مفرطون" بكسر الراء، وقرأ الباقون "مفرطون" بفتح الراء. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٢٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٣٤٠)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٧٤)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٦١٤).
(٤) قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم "نسقيكم" بفتح النون، وقرأ الباقون "نسقيكم" بضم النون. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٥٠٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٣٤١)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٧٤)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٦١٥).
[ ١ / ٤٦٠ ]
﴿أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾
﴿وَأَوْحى رَبُّكَ﴾ ألهمها، فصارت كالمخاطبة بقوله: ﴿اِتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا﴾ ﴿فَاسْلُكِي﴾ ويسر الله عليها سلوك الأماكن البعيدة والهداية إلى أماكنها بعد بعدها عنها وهو قوله:
﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ أي: ميسرة مسهلة من قولهم: دابة ذلول ﴿فِيهِ شِفاءٌ﴾ ولم يقل فيه الشفاء؛ لأن فيه شفاء بعض الأمراض دون بعض (^١).
وأرذل العمر: الهرم (١٠١ /أ) وهو أن يصير كثير النسيان، وتضعف قواه التي في بدنه كلها ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ فكما لا يشارك العبيد مواليهم في أرزاقهم كذلك لا يشارك الصنم الذي هو مثل العبد مولاه في ذلك ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من جنسكم. الحفدة: هم الذين يسرعون في المشي حول كبيرهم؛ لأن خطاهم قصيرة، وخطى مواليهم طويلة، فيحتاج الحفدة إلى الإسراع، ومنه ما جاء في القنوت: "وإليك نسعى ونحفد" (^٢) ﴿رِزْقًا﴾ عامل فيه ﴿شَيْئًا﴾ ومثله ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾ (^٣).
﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ﴾ أي: لا تجعلوا له الأشباه. وحذف مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾ و﴿تَعْلَمُونَ﴾ لأن المراد المصدر وثبوته لله ونفيه عن الخلق؛ كقوله: ﴿وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ (^٤) ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ هذه الجملة الأخيرة سيقت للذم؛ كقوله: ﴿مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ (^٥) ليس المراد تخصيص شيطان رجيم عن آخر ليس برجيم، فالعبد لا يملك شيئا عند الشافعي، وقال مالك: المراد تمييز هذا العبد عن عبد يملك (^٦) ﴿كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ﴾ على من يخدمه ﴿لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ لا يستطيعه.
﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ﴾
_________________
(١) تقدم التعليق على ذلك عند تفسير سورة البقرة، الآية (١٧٩).
(٢) تقدم تخريجه في سورة يوسف، الآية (١٨).
(٣) سورة الطلاق، الآية (١٠).
(٤) سورة آل عمران، الآية (١٥٦).
(٥) سورة آل عمران، الآية (٣٦).
(٦) ينظر: الأم للشافعي (٥/ ٦٩)، بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ٤٩١)، المغني لابن قدامة (٤/ ٢٧٢).
[ ١ / ٤٦١ ]
﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ (٨٠) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٩١)﴾
﴿غَيْبُ السَّماواتِ﴾ علم ما فات فيهما. ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ﴾ أفرد السمع وجمع الأبصار وقد ذكر ذلك في أول البقرة (^١). ﴿الطَّيْرِ﴾ اسم للجنس، وواحدها طائر ﴿أَكْنانًا﴾ جمع كن، وهو ما يقي من الحر والبرد ﴿سَرابِيلَ﴾ جمع سربال. ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ ولم يذكر البرد إما اكتفاء بأحد القسمين عن الآخر، وإما لأن وقايتها من البرد أتم فجعل ذلك كقوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ (^٢) وإما لأن بلاد العرب بلاد حارة فاحتياجهم إلى ما يدفع الحر أكثر، والبأس: الحرب، والمراد تقيكم شر ما يتقابل به في الحرب ﴿ثُمَّ﴾
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٧).
(٢) سورة الإسراء، الآية (٢٣).
[ ١ / ٤٦٢ ]
﴿يُنْكِرُونَها﴾ كقوله: ﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا﴾ (^١) وقد ذكر من كل أمة شهيدا نبيها ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في الاعتذار ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ فلا يطلب العتبى. أنكرت الأصنام أن يكون عبدتها قد عبدوها؛ لأنها لم تعقل العبادة ﴿السَّلَمَ﴾ الاستسلام والانقياد. ﴿زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ﴾ وهو عذاب الإضلال ﴿تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج إليه العباد ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ هي النصفة ﴿وَالْإِحْسانِ﴾ الزيادة على الإنصاف. ﴿وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى﴾ صلة الرحم. ﴿الْفَحْشاءِ﴾ كل ما قبح من المعاصي، كالزنى في رمضان في الحرم. ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ كل ما ينكره العقل والشرع. ﴿وَالْبَغْيِ﴾ مجاوزة (١٠١ /ب) الحد، وأكثر ما يستعمل في مظالم العباد. ﴿يَعِظُكُمْ﴾ بذلك.
قوله: ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ يجوز أن يخرج مخرج الغالب، فإن أيمان العهود يستظهر فيها بزيادة استثبات، ويجوز أن توكيده تقويتها وتثبيتها. الواو في ﴿وَقَدْ﴾ واو الحال.
﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّما عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾
مثّل حالهم في نقض العهد بمن نقضت غزلها من بعد إتمامه. وقد قيل: إنها امرأة حمقاء كانت تغزل، وتغزل جواريها ثم تنقضه (^٢)، ولا يتعلق فرض بوجود تلك المرأة، بل قد يمثل
_________________
(١) سورة الجاثية، الآية (٨).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ١٦٦)، وذكر الفراء في معاني القرآن (٢/ ١١٣) أن اسمها ريطة، وذكر العيني في عمدة القاري (١٩/ ١٧) عن مقاتل في تفسيره أن هذه المرأة قرشية اسمها ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة وتلقب جعرانة لحمقها، وذكر السهيلي أنها بنت سعد بن زيد مناة بن تيم بن مرة وقال الثعلبي: «كانت اتخذت مغزلا بقدر -
[ ١ / ٤٦٣ ]
بما لا يقع في الخارج، كما يفرض في مسائل الخلطة ومسائل الفداء، وهذه مسائل ليست واقعة في الخارج، كقولك: ثلاثون جدّة وأربعون أخا لأم وأشباهها.
﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ﴾ أي: لأن، يريد أنكم إذا عاهدتم قوما ثم رأيتم مخالفة غيرهم، وترك الأولين لكثرة الآخرين وقوتهم. ﴿أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أكثر به (^١) أسباب مخالفة الآخرين.
شبه الثابت بما حلف عليه بمن استقرت قدمه فلم تزل عما اعتمدت عليه، وهذا اللفظ بعموم يشمل من زلت قدمه في الأيمان وفي غيرها من الأعمال. ﴿بِما صَدَدْتُمْ﴾ بصدكم ويجوز أن يكون (بصدكم) غيركم، أو بصدكم أنفسكم. وقال الفقهاء في تمييز الثمن عن المثمن ثلاثة أوجه: أحدها: دخول الباء فإذا قال: اشتريت الجارية بالعبد، فالعبد ثمن، ولو قال: اشتريت العبد بالجارية، فالجارية ثمن، ولو قال: اشتريت الذهب بالجارية فالجارية ثمن والذهب مثمن، والثاني: إن كان في العقد نقد فهو الثمن سواء أدخلت عليه أو على قسيمه. والثالث: إن كان فيه نقد فهو الثمن، وإن لم يكن فيه نقد فلا ثمن فيه. واعلم أن كثيرا من آيات القرآن تدل على خلاف القول الأول، ومنها: هذه الآية (^٢). وقوله:
﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ (^٣) ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا﴾ (^٤).
روي أن أم سلمة قالت: يا رسول الله لو كان في النساء خير لذكرن في القرآن كما ذكر الرجال، فنزل بعد ذلك ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ (^٥) ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ (^٦).
﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ قيل في الجنة.
_________________
(١) = ذراع وسنارة مثل الإصبع وفلكة عظيمة على قدرهما تغزل الغزل من الصوف والوبر والشعر وتأمر جواريها بذلك وكن يغزلن إلى نصف النهار ثم تأمرهن بنقض جميع ذلك فهذا كان دأبها».
(٢) بعدها بياض بالأصل وفي النكت والعيون للماوردي (٢/ ٤١٠) أي: أكثر عددا وأزيد مالا فتطلب بالكثرة أن تغدر بالأقل بأن تستبدل بعهد الأقل عهد الأكثر.
(٣) تقدم الحديث عن باء الثمنية في سورة التوبة، الآية (٩).
(٤) سورة آل عمران، الآية (١٨٧).
(٥) سورة آل عمران، الآية (٧٧).
(٦) سورة آل عمران، الآية (١٩٥).
(٧) سورة النساء، الآية (١٢٤) والحديث تقدم تخريجه في سورة آل عمران، الآية (١٩٥).
[ ١ / ٤٦٤ ]
وقيل: يرزقه القناعة فلا يضيق صدره لضيق ذات اليد. وقيل: الرضا بالقضاء.
﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ لا يَهْدِيهِمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾
﴿فَإِذا قَرَأْتَ﴾ أي: أردت أن تقرأ، وعلل ذلك بعدم سلطنته (١٠٢ /أ) على المؤمنين المتوكلين، وحصر سلطانه على من يتولى الشيطان والذين هم به مشركون. كان الكفار يكفرون بما نسخ ويعتقدون أنه بدّل، فنزلت ﴿وَإِذا بَدَّلْنا﴾ (^١).
وقوله: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ يوافق ما قاله أهل علم البيان ﴿إِنَّما﴾ تدخل على الجملة التي لا ينكرها السامع، فقوله: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ هو عندهم من قبيل الأمر المحقق الذي لا نزاع فيه. وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ إنما ذكر الأكثر؛ لأن بعضهم كان معاندا.
﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ روح الطهارة، كان النبي ﷺ يجلس إلى جبر ويسار وكانا نصرانيين فسمع منهما بعض ما عندهما، فقال الله - تعالى - حكاية عن الكفار: ﴿إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ وأجاب عنه أن المذكورين غلف الألسنة (^٢). وإعجاز القرآن إنما هو بفصاحته (^٣).
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ١٧٤)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ١٦٧) لابن أبي حاتم عن السدي.
(٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون (٢/ ٤١٣) ونسبه لحصين بن عبد الله بن مسلم.
(٣) قال البيهقي في كتاب الاعتقاد (١/ ٢٥٩): "واختلف أهل العلم في إعجاز القرآن منهم من قال: إعجازه من جهة البلاغة وحسن اللفظ دون النظم. ومنهم من قال: إعجازه في نظمه دون لفظه فإن العرب قد تكلمت بألفاظه. ومنهم من قال: إعجازه في إخباره عن الحوادث وإنذاره بالكوائن في مستقبل الزمان ووقوعها على الصفة التي أنبأ عنها. ومنهم من قال: إعجازه في أن الله أعجز الناس عن الإتيان بمثله وصرف الهمم عن معارضته مع وقوع التحدي وتوفر الدواعي إليه لتكون آية للنبوة وعلامة لصدقه في دعواه. وقد ذهب بعض العلماء إلى إثبات الإعجاز للقرآن من جميع هذه الوجوه ولا معنى لقول من زعم أن الإعجاز في لفظه لأن الألفاظ -
[ ١ / ٤٦٥ ]
﴿يُلْحِدُونَ﴾ يميلون. ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللهُ﴾ للنظر في الآيات والأعمال الصالحات.
﴿إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾
﴿يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾ يقتطعه ويختلقه، أولئك هم الكاملون في الكذب. ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ﴾ منشرح القلب بكفره ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ والشرط الثاني وهو قوله: ﴿مَنْ شَرَحَ﴾ مخصص لعموم الأول وهو قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ ولهذا اتحد جوابهما.
﴿اِسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي: مطلوباتها على مطلوبات الحياة الآخرة، وبسبب أن الله لا يهدي ﴿الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾. وحد السمع وجمع الأبصار والقلوب وقد ذكر ذلك (^١).
_________________
(١) = مستعملة في كلام العرب ومتداولة في خطابها لأن البلاغة ليست في أعيان الأسماء ومفرد الألفاظ وحسب دون أن تكون هذه الأوضاع معتبرة بمحالها ومواضعها المصرفة إليها والمستعملة فيها". وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٦/ ٥٨٢): "ووجوه إعجاز القرآن من جهة حسن تأليفه والتئام كلماته وفصاحته وإيجازه في مقام الإيجاز، وبلاغته ظاهرة جدّا مع ما انضم إلى ذلك من حسن نظمه وغرابة أسلوبه مع كونه على خلاف قواعد النظم والنثر هذا إلى ما اشتمل عليه من الإخبار بالمغيبات مما وقع من أخبار الأمم الماضية مما كان لا يعلمه إلا أفراد من أهل الكتاب ولم يعلم أن النبي ﷺ اجتمع بأحد منهم ولا أخذ عنهم وبما سيقع فوقع على وفق ما أخبر به في زمنه ﷺ وبعده هذا مع الهيبة التي تقع عند تلاوته والخشية التي تلحق سامعه وعدم دخول الملال والسآمة على قارئه وسامعه مع تيسر حفظه لمتعلميه وتسهيل سرده لتاليه ولا ينكر شيئا من ذلك إلا جاهل أو معاند ولهذا أطلق الأئمة أن أعظم معجزات النبي ﷺ القرآن ومن أظهر معجزات القرآن إبقاؤه مع استمرار الإعجاز وأشهر ذلك تحديه اليهود أن يتمنوا الموت فلم يقع ممن سلف منهم ولا خلف من تصدى لذلك ولا أقدم مع شدة عداوتهم لهذا الدين وحرصهم على إفساده والصد عنه فكان في ذلك أوضح معجزة".
(٢) في سورة البقرة، الآية (٧).
[ ١ / ٤٦٦ ]
﴿الْغافِلُونَ﴾ الكاملون في الغفلة. ﴿لا جَرَمَ﴾ قد ذكر (^١). ﴿لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ من بعد ما صبروا على أذى المشركين وعقوبتهم وسبهم لهم، ثم لما فرض الجهاد جاهدوا وصبروا على القتال.
قال ابن عباس: يختصم يوم القيامة الروح والجسد فتقول الروح: يا رب إن هذا الجسد استعمل فطرتي في ملاذّه من المأكل والمشرب والملبس والجاه ولما فارقته لم أعص، فيقول الجسد: رب إن هذه الروح استعملتني فيما أرادته، ولما فارقتها لم أعص، فيقول الله - تعالى - لهما: مثلكما كمثل أعمى ومقعد دخلا حائطا، فالأعمى لا يبصر الثمر، والمقعد لا يصل إليها فحمل الأعمى المقعد وأخذا وأكلا، العقوبة عليكما (^٢).
وقوله: ﴿عَنْ نَفْسِها﴾ أي: عن ذاتها، ولم يرد أن للنفس نفسا.
﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣) فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾ ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللهَ﴾
_________________
(١) في سورة هود، الآية (٢٢).
(٢) ذكره ابن كثير في تفسيره (٤/ ٥٤) ونسبه لابن منده في كتاب الروح عن ابن عباس. ورواه محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني في كتاب "الإيمان" (ص: ١٣٤) عن عكرمة عن ابن عباس ولفظه: "ما زالت الخصومة بين الناس يوم القيامة حتى خاصم الروح الجسد فقال الجسد: يا رب إنما كنت مثل الخشبة النخرة ليس لي يد أبطش بها ولا عين أبصر بها ولا أذن أسمع بها ولا رجل أمشي بها ولا عقل أعقل به حتى جاء هذا فدخل فيّ فنجني منه وخلد عليه العذاب اليوم. وقال الروح: يا رب منك الروح وأنت خلقته إنما كنت كالشهاب لم يكن لي يد أبطش بها ولا عين أبصر بها ولا أذن أسمع بها ولا رجل أمشي بها ولا عقل أعقل به حتى جئت فدخلت في هذا الجسد فخلد عليه العذاب ونجني منه اليوم. فقيل: يضرب لكما مثل مثلكما كمثل أعمى ومقعد دخلا حائطا دانية ثمارها فالأعمى لا يبصر الثمار فيتناول منها والمقعد يبصرها ولا ينالها فدعى المقعد الأعمى فقال: احملني حتى أسددك فآكل وأطعمك. فحمله وسدده فأدركا وهما كذلك فعلى أيهما يقع العذاب قال: عليهما جميعا. قال فالعذاب عليهما".
[ ١ / ٤٦٧ ]
﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤) اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾
﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ يعني مكة. ﴿يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فإن قيل: اللباس لا يذاق، فكيف قال: ﴿فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ﴾ قلنا: استعار للإحساس (١٠٢ /ب) الذوق، ولشمول العذاب اللباس، فكأنه قال: فأصابها من الجوع والخوف ما شملها؛ وأراد بالجوع القحط بدعائه ﷺ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ تهييج ﴿وَالدَّمَ﴾ أي: المسفوح ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ وسائر أجزاء الخنزير، وأصل الخنزير (^١). وأصل الإهلال: رفع الصوت، وكانوا إذا ذبحوا للأصنام رفعوا أصواتهم بذكر الصوت ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ على إمامه. ﴿وَلا عادٍ﴾ حد الشبع أو حد ما يسد الرمق على اختلاف العلماء فيه. ﴿لِتَفْتَرُوا﴾ يشبه أن تكون لام العاقبة، ويجوز أن يكونوا فعلوا ذلك وتعمدوا الكذب على الله ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي: نمتعهم.
﴿ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في سورة الأنعام (^٢). ﴿بِجَهالَةٍ﴾ بجرأة وجهل بمقدار من عصوه، وليس المراد الجهل الذي هو ضد العلم، وهو كقول الشاعر [من الوافر]:
_________________
(١) تقدم الكلام على ذلك عند تفسير سورة البقرة، الآية (١٧٣).
(٢) سورة الأنعام، الآية (١٤٦).
[ ١ / ٤٦٨ ]
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا (^١)
الأمة: الرجل المتفرد بالدّين، كذلك كان قس بن ساعدة، فقال ﷺ: "إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده" (^٢).وقيل: كان يرفع من أعماله كعمل أمة.
﴿وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ وهو أن جميع أرباب الملل يدعونه، ثم هاهنا ما هو أعظم من ذلك وهو أنا أمرناك باتباعه. ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كما زعم الكفار، فصوروا صورة إبراهيم وإسماعيل صنمين في الكعبة، وفي أيديهما الأزلام يقتسمان بها، حتى أخرجها النبي ﷺ (^٣). ﴿السَّبْتُ﴾ مصدر، سبت اليهود إذا أعظمت سبتها ﴿وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ نسختها آية القتال. ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا﴾ نزلت في شأن حمزة لما رآه رسول الله ﷺ قد مثل بأحد، وقطعوا مذاكيره وأذنيه وشقوا بطنه، فقال النبي ﷺ: "لئن ظفرني الله بهم لأمثّلنّ بسبعين منهم" (^٤) فعزاه بذلك وأمره بالصبر. والله أعلم.
***
_________________
(١) تقدم تخريجه عند تفسير سورة النساء، الآية (١٧).
(٢) رواه أحمد في المسند (١٩٠، ١/ ١٨٩)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٤٠)، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.
(٣) رواه البخاري رقم (١٥٢٤).
(٤) رواه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٩٧)، والواحدي في أسباب النزول (٢٩١، ٢٩٠) رقم (٥٧٢، ٥٧١)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ١٣٥) وعزاه لابن سعد وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة وفي سنده صالح بن بشير المري وهو ضعيف كما قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب (١/ ٣٥٨)، وسكت عنه الحاكم، وقال الذهبي في تلخيص المستدرك (٣/ ١٩٧): صالح واه.
[ ١ / ٤٦٩ ]