﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾
قوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾ معطوف على فعل محذوف، التقدير: خلقكم من نفس واحدة أنشأها ﴿وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾، فحذف المعطوف عليه أولا؛ لدلالة الكلام عليه، ثم فسر كيفية خلق الكل من نفس واحدة، بأنه خلق منها زوجها ﴿وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً﴾ وقيل:
قوله: ﴿وَخَلَقَ﴾ معطوف على قوله ﴿خَلَقَكُمْ﴾ والتقدير: الذي خلقكم من نفس واحدة، والذي خلق منها زوجها، والذي بثّ منهما رجالا كثيرا ونساء فيكون الخطاب على الأول لبني آدم كلهم، وعلى الثاني لقريش. قرئ «والأرحام» (^١) بالخفض عطفا على الهاء في «به» وهو عطف المجرور الظاهر على المجرور المضمر، والأكثر أن يكون بإعادة الجار، وخلافه جائز؛ كقوله [من البسيط]:
فما بك والأيام من عجب (^٢)
وقول الآخر [من الوافر]:
أكرّ على الكتيبة لا أبالي أحتفى كان فيها أم سواها (^٣)
_________________
(١) قرأ حمزة بن حبيب من العشرة «والأرحام»، وقرأ باقي العشرة «والأرحام». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ١٥٧)، الحجة لابن خالويه (ص: ١١٩، ١١٨)، حجة أبي زرعة (ص: ١٨٨)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٢٦)، الكشاف للزمخشري (١/ ٢٤١)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٤٧).
(٢) هذا عجز بيت وصدره: فاليوم قد بتّ تهجونا وتشتمنا فاذهب ينظر بلا نسبة في: الإنصاف لابن الأنباري (١/ ٤٦٤)، خزانة الأدب للبغدادي (٥/ ٢٣)، شرح الأشموني للألفية (٢/ ٤٣٠)، شرح أبيات سيبويه (٢/ ٢٠٧)، شرح المفصل لابن يعيش (٧٨، ٣/ ٧٩)، الكتاب لسيبويه (٢/ ٣٩٢)، همع الهوامع للسيوطي (١/ ٣٨٢).
(٣) البيت للعباس بن مرداس، ينظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٢/ ٤٨)، خزانة الأدب للبغدادي (٢/ ٤٣٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (١/ ٥٣٠)، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي (ص ١٥٨)، وبلا نسبة في الإنصاف لابن الأنباري (١/ ٢٩٦)، خزانة الأدب للبغدادي (٣/ ٤٣٨). ويروى الشطر الثاني: أفيها كان حتفي أم سواها
[ ١ / ١٦٥ ]
﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤) وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللهِ حَسِيبًا (٦)﴾
لا يجوز إعطاء اليتيم ماله قبل البلوغ، وبعد البلوغ لا يسمون أيتاما حقيقة.
وقوله: ﴿وَآتُوا الْيَتامى﴾ سماهم يتامى، مجازا باسم ما كانوا عليه، وفيه تلويح بسرعة (٣٠ /أ) الإعطاء عقب البلوغ والرشد؛ لأنه أقرب إلى إطلاق هذا المجاز، فلا يقال لابن خمسين عاما: إنه يتيم. ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ فإن علمتم. ويحرم أكل مال اليتيم ﴿إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ وبغير إسراف ولا بدار، وإنما خصص الأول بالنهي؛ لأنه أقبح؛ كقوله ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا﴾ [آل عمران: ١٣٠] ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ كان ولي اليتيم يأخذ شاة سمينة من غنم مولاه ويعطي مكانها مهزولة؛ ليبقى العدد بحاله، فنهوا عن ذلك، أي:
ولا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم.
والحوب: الإثم. كانوا يتحرجون من أكل مال اليتيم، ويتزوجون نسوة ولا يعدلون فيهن فقيل لهم: وإن خفتم التحرز في أموال اليتامى فاعدلوا أيضا في أمر الزوجات.
﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ بالواو، ولو قال: أو ثلاث أو رباع لفسد المعنى؛ كما إذا أعطى رجل رجلا ألفا، وقال: فرقها ثلاثة ثلاثة، أو أربعة أربعة، أو خمسة خمسة، لم يجز أن يخالف بينهم في العطاء، فيعطي هذا أربعة وهذا خمسة. ولو قال: فرقها ثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، وخمسة خمسة، جاز أن يعطي هذا ثلاثة وهذا أربعة وهذا خمسة. ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً﴾ أي: فانكحوا واحدة، أو ما شئتم من السراري؛ فإن السراري لا حجر على مالكهن فيهن في قسم ولا مبيت. ﴿ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا﴾ أي: أن لا تجوروا. وهذا قول الأكثرين.
[ ١ / ١٦٦ ]
﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾
قال الشافعي - ﵀: أي: لا يكثر من تعولون (^١)، واحتج به الشافعي على وجوب نفقة الزوجات، وأنكر جماعة من أهل اللغة ذلك، فقالوا: يقال في الجور: عال يعول، وهو المراد ها هنا؛ كقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا﴾ وانتصر الزمخشري للشافعي، مع أنه حنفي، وقال: روي ذلك عن أهل اللغة أنه يقال: من كثر عياله عال يعول، وأعال يعيل (^٢).
﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ أي: طابت أنفسهن. وقال بعض العلماء: لا يجوز
_________________
(١) ينظر: أحكام القرآن للشافعي (١/ ٢٦١).
(٢) ينظر: الكشاف للزمخشري (٤٩٨، ١/ ٤٩٧) أورد هذا القول جماعة كأبي بكر بن داود الرازي، والزجاج وغيرهما؛ قال الرازي: «هذا غلط من جهة المعنى واللفظ؛ أما الأول: فلإباحة السراري، وإنه مظنة كثرة العيال كالتزوج. وأما اللفظ: فلأن مادة «عال» بمعنى: كثر عياله، من ذوات الياء؛ لأنه من «العيلة»، وأما «عال» بمعنى: جار، فمن ذوات الواو، فاختلفت المادتان، وأيضا فقد خالف المفسرين». وقد ردّ على هؤلاء: أما قولهم: التسري أيضا يكثر معه العيال، مع أنه مباح، فممنوع؛ وذلك لأن الأمة ليست كالمنكوحة، ولهذا يعزل عنها بغير إذنها، ويؤجرها، ويأخذ أجرتها ينفقها عليه وعليها وعلى أولادها. قال الزمخشري في «الكشاف»: وجهه أن يجعل من قولك: عال الرجل عياله يعولهم؛ كقولك: مانهم يمونهم، أي: أنفق عليهم؛ لأن من كثر عياله، لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب، وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس المجتهدين (يعني: الشافعي ﵀) حقيق بالحمل على الصحة والسداد، وأن لا يظن به تحريف تعيلوا إلى تعولوا، ثم أثنى على الشافعي قائلا: بأنه كان أعلى كعبا، وأطول باعا في علم كلام العرب من أن يخفى عليه مثل هذا، ولكن للعلماء طرقا وأساليب، فسلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات. وأما قولهم: خالف المفسرين، فليس بصحيح، بل قاله زيد بن أسلم وابن زيد. وأما قولهم: اختلفت المادتان، فليس بصحيح أيضا، فقد حكي عن العرب: عال الرجل يعول: كثر عياله. وتعولوا: تفتقروا، وكثرة العيال سبب للفقر. وقال ابن كثير: والصحيح قول الجمهور: ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا أي: لا تجوروا، يقال: عال في الحكم إذا قسط وظلم وجار. وينظر في ذلك: تفسير ابن كثير (١/ ٥٩٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٢/ ٣٠٤)، الكشاف للزمخشري (٤٩٨، ١/ ٤٩٧)، معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٢/ ١١)، مفاتيح الغيب للفخر الرازي (٩/ ١٤٤ - ١٤٦) وقد رد السمين الحلبي في الدر المصون على قول أبي بكر الرازي، ونصر تفسير الشافعي - ﵀ - ووجّهه.
[ ١ / ١٦٧ ]
للمرأة أن تفتدي بجميع صداقها، بل ببعضه؛ لقوله: ﴿عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ﴾ (^١).
﴿هَنِيئًا﴾ غير منغص، ﴿مَرِيئًا﴾ يحسن استمراؤه. ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ﴾ يعني:
النساء والصبيان. وقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيها﴾ أي: اتجروا لهم فيها؛ لئلا تأكلها النفقة.
﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠) يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾
وقال في المحتضر: ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ لأن القصد (٣٠ /ب) بهذا الأمر أن يواسى القريب المحجوب بشيء من المال الحاضر الذي امتدت عينه إليه، وليس المراد أن يتجر في المال حتى يعطى من الفائدة.
وإذا حضر أحد عند من حضرته الوفاة، ورآه يوصي ويجحف بالورثة، فعلى الوارث أن ينهاه، ويقدر في نفسه أنه هو المحتضر وإن رأى شخصا يغري الموصي بالإجحاف بالورثة، فعليه أن ينهاه وليدله علي الصواب بلطف.
﴿إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا﴾ أي: سبب عذاب نار. والصلي: الدخول في النار، ثم الإطباق عليها كما يفعل في تنور الشواء، ومنه: شاة مصلية.
﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ يريد بالأنثيين: ما إذا كن في مسألتين، وكانوا إخوة لأب وأم أو لأب، فأما الإخوة لأم، فذكرهم وأنثاهم سواء، وأما إذا اجتمعت أختان من أب، فلهما الثلثان وليس للأخ الواحد إذا انفرد الثلثان، بل له المال كله، وكذلك الأولاد.
﴿فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ قيل: «فوق» زائدة؛ كقوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ﴾ [الأنفال: ١٢] وقيل: هذه الآية دلت على فرض البنت الواحدة، وفرض ما زاد عن
_________________
(١) نقله الزمخشري في الكشاف (١/ ٤٧١) عن الليث بن سعد: أنه لا يجوز أن تتبرع المرأة إلا باليسير.
[ ١ / ١٦٨ ]
البنتين، وأما البنتان فاستحقاقهما الثلثين مأخوذ من الخبر والمعنى؛ أما الخبر فروي: «أن زوجة سعد جاءت ومعها ابنتان، وقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد، وقد توفي وأخذ عمهما مالهما، والله لا ينكحان إلا بمال، فأعطى الرسول ﷺ البنتين الثلثين وللزوجة الثمن، وللعم الباقي (^١)».
وأما المعنى: فإن الله - تعالى - فرض للأختين الثلثين بقوله: ﴿فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] فإذا فصل ذلك في الأختين، فالبنتان أولى بذلك؛ لأن الأخوات مع البنات عصبة، لا تأخذ الأخوات إلا ما فضل عن فرض البنات.
قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ ولو قال: لأبويه السدس. لظن أنهما يشتركان في السدس. ولو قال: ولأبويه الثلث لما عرف كيف يقسم؛ بالسوية بينهما، أم للذكر مثل حظ الأنثيين؟ ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ والأخوان والأختان (٣١ /أ) والأخ والأخت، كل فريق منهم يحجب الأم من الثلث إلى السدس.
وقال ابن عباس: لا يحجبها إلا ثلاثة فصاعدا ثلاثة إخوة، أو ثلاث أخوات، أو أخوان وأخت، أو أخ وأختان؛ لقوله - تعالى: ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ والإخوة جمع وأقل الجمع ثلاثة (^٢). وقال الحسن البصري: لا يحجب الأم من الثلث إلى السدس إلا ذكور الإخوة أو ذكورهم مجتمعين مع الإناث، وأما الأخوات الخلص فلا يحجبونها إلى السدس؛ لقوله - تعالى: ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ لأن الإخوة تشمل الذكور المنفردين، وتشمل الذكور المجتمعين مع الإناث، ولا يدخل فيه الإناث الخلص (^٣).
﴿لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ فلا توصي لأحد من الورثة زيادة على ما أعطاه الله؛ رجاء منك أنه ينفع أولادك، وينفع من يخلفه بعدك من إلزامك، فإنك لا تدري أيهم أقرب لك نفعا وأبعد ضررا. ﴿فَرِيضَةً﴾ مصدر التقدير: فرض الله ذلك فريضة.
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (٣/ ٣٥٢)، وأبو داود رقم (٢٨٩٢، ٢٨٩١)، والترمذي رقم (٢٠٩٢)، وابن ماجه (٢٧٢٠)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٣٤)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ١٥٠، ١٤٩)، رقم (٢٩٨).
(٢) ذكره القرطبي في تفسيره (٥/ ٦٢)، والبيضاوي في تفسيره (١/ ١٥٣)، وذكره ابن قدامة في المغني (٧/ ٢٨) من المسائل التي خالف ابن عباس فيها الصحابة ﵃ جميعا.
(٣) تنظر: المراجع السابقة.
[ ١ / ١٦٩ ]
للزوجتين والثلاث والأربع ما للواحدة من الربع أو الثمن، ﴿وَإِنْ كانَ رَجُلٌ﴾ أو امرأة ﴿يُورَثُ كَلالَةً﴾ يعني يرثه من عدم عمود النسب من أعلاه وأسفله فلا كلالة له مع وجود الأب والجد والأم والجدة وإن علوا، ولا إن وجد الابن أو البنت أو بنت الابن، أو ابن الابن.
والكلالة التي في آخر السورة (^١) وهم الإخوة من الأب والأم، أو من الأم. والكلالة ها هنا من الأم خاصة، فيأخذون ما لأمهم، فإن زاد أولاد الأم على واحد حصلت لهم القوة بالكثرة، فأعطيناهم نصيب الأم في أكمل أحوالها، وهو الثلث وإن كان واحدا أو واحدة من الإخوة للأم، أعطي أقل فروض الأم وهو السدس.
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤) وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾
﴿وَصِيَّةً مِنَ اللهِ﴾ يجوز أن يكون مصدرا: يوصيكم الله في أولادكم. أو مفعولا به. ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ أي: لا يضار بوصية من الله، ولا يزد عليها، ولا ينقص فيها. قوله: ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ بزيادة أو نقص، ويعتقد جوازه ﴿يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها﴾.
_________________
(١) في الآية (١٧٦) قوله - تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
[ ١ / ١٧٠ ]
﴿وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللهَ كانَ تَوّابًا رَحِيمًا (١٦) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾
كانت عقوبة الزنى في أول الإسلام على النساء: الحبس حتى يتوفاهن الموت، أو يجعل الله لهن سبيلا. وعلى الرجال: الإيذاء بما يراه الإمام (٣١ /ب) حتى يتوبوا، أو يصلحوا، فقال النبي ﷺ: خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا؛ البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم (^١).
وظاهر هذا الخبر أن يجمع المحصن بين الجلد والرجم، وليس كذلك لأن النبي ﷺ رجم ماعزا والغامدية، ولم يجلدهما (^٢)، فنسخ فعله ذلك الخبر.
قوله: ﴿بِجَهالَةٍ﴾ أي: بإقدام، وليس يريد بالجهل: ضد العلم، فإن الجاهل بالتحريم، لا حد عليه، ولا إثم، وإنما هو كقول الشاعر [من الوافر]:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا (^٣)
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه رقم (١٦٩٠)، وأحمد (٣١٧، ٥/ ٣١٣)، وأبو داود رقم (٤٤١٥)، والترمذي رقم (١٤٣٤)، وابن ماجه رقم (٢٥٥٠) عن عبادة بن الصامت ﵁.
(٢) أما رجم ماعز: فرواه البخاري في صحيحه رقم (٦٨٢٥)، ومسلم رقم (١٦٩١)، وأحمد في المسند (٢/ ٤٥٣)، وأبو داود رقم (٤٤١٩)، والترمذي رقم (١٤٢٨). وأما رجم المرأة الغامدية: فرواه مسلم في صحيحه رقم (١٦٩٥)، وأحمد في المسند (٤٣٥، ٤/ ٤٢٩)، وأبو داود رقم (٤٤٤٢)، والترمذي رقم (١٤٣٥).
(٣) البيت لعمرو بن كلثوم، ينظر في: أمالي المرتضي (١/ ٥٧)، بهجة المجالس (٢/ ٦٢١)، جمهرة أشعار العرب (١/ ١٤)، خزانة الأدب للبغدادي (٦/ ٤٣٧)، ديوان عمرو بن كلثوم (ص: ٧٨)، شرح شواهد المغني (١/ ١٠)، شرح القصائد السبع (ص: ٤٢٦)، لسان العرب (رشد).
[ ١ / ١٧١ ]
﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ أي: بالغرغرة. وفي الحديث: «إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر (^١)». فإذا حضر أسباب الموت لم يقبل من الكافر إيمانه ولا من المؤمن توبته.
كان الرجل إذا توفي وله زوجة طرح ابنه أو وارثه على خبائها ثوبه أو مئزرا، ويعتقد أنه ورثها كذلك كما يرث أموال مورثه ومنافعه، فإذا أراد دخل عليها وأبقاها في عصمته بغير مهر، وإن شاء زوّجها لمن شاء وأخذ المهر، فنزلت ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ (^٢).
وقوله: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يجوز أن يكون مجزوما بالنهي، ومنصوبا بالعطف على أن ترثوا. ﴿إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ فله حينئذ أن يضيق عليها ويمنعها من الخروج، لتفتدي إن شاءت. ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ فلا تعجلوا بالطلاق. ﴿فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (٢١) وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتًا وَساءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾
روي أن عمر قال على المنبر: يا أيها الناس لا تغالوا في مهور النساء، فلو كان خيرا لسبقكم به رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده لا أعلم أحدا زاد على مهورهن إلا علوته بالدرة، فكانت مهورهن خمسمائة درهم، فقامت امرأة وقالت: يعطينا الله ويمنعنا عمر، فقال لها عمر: وأين أعطاك الله؟ فقالت: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر، كل الناس أفقه من عمر (^٣)!
_________________
(١) رواه أحمد (١٥٣، ٢/ ١٣٢)، والترمذي رقم (٣٥٣٧)، وابن ماجه رقم (٤٢٥٣)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٥٧)، من حديث ابن عمر، وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم (٢٨٠٢).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٤/ ٣٠٦)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ١٥١)، رقم (٣٠٠).
(٣) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٢٣٣) وقال: هذا منقطع. وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٣٧) ونسبه لسعيد بن منصور وأبي يعلى وقال السيوطي: بسند جيد. -
[ ١ / ١٧٢ ]
قيل في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ هو قول الولي للزوج: أزوجك على ما (٣٢ /أ) أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ومن دأب الإنسان إذا تزوج ثيبا أن يبغض زوجها الأول، ويود أن ينتقصه كلما ذكر، فلو جوز له أن يتزوج امرأة أبيه، لأفضي إلى بغضه لأبيه، وانتقاصه ومقته، وكانوا يسمون الوالد من زوجة الأب:
المقتي، ولذلك قال - تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتًا﴾ وقوله: ﴿ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ يعني بالنكاح: العقد.
وقال أبو حنيفة: المراد به الوطء، فإذا زنى رجل بامرأة، حرمت على ابنه عنده، وعند الشافعي: الزنى لا يحرم الحلال (^١).
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ﴾
_________________
(١) = وهو جزء من قصة المرأة التي اعترضت أمير المؤمنين عمر ﵁ عندما أراد أن يحدد قدرا معينا من المهور في الزواج، وهو أمر شائع ومشهور بين الناس، وقد قال العلامة الشيخ ناصر الألباني - ﵀ - في إرواء الغليل (٦/ ٣٤٧ - ٣٤٨): أما ما شاع على الألسنة من اعتراض المرأة على عمر فهو ضعيف منكر، يرويه مجالد عن الشعبي عن عمر، وله طريق عند عبد الرزاق في المصنف (٦/ ١٨٠)، رقم (١٠٤٢٠) وقال الشيخ الألباني عن هذا الطريق: إسناده ضعيف.
(٢) قال الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار (٤/ ٤٧٩): يرى الأحناف أن من زنى بامرأة، أو لمسها أو قبلها أو نظر إلى فرجها بشهوة حرم عليه أصولها وفروعها وتحرم هي على أصوله وفروعه، وتثبت حرمة المصاهرة عندهم بالزنى ومقدماته ودواعيه، ولو زنى الرجل بأم زوجته أو بنتها حرمت عليه حرمة مؤبدة. ويرى جمهور العلماء أن الزنى لا تثبت به حرمة المصاهرة. واستدل الجمهور على هذا بما يأتي: بقوله - تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ فهذا بيان عما يحل من النساء بعد بيان ما حرم منهن، ولم يذكر أن الزنى من أسباب التحريم. وقال النبي ﷺ: «لا يحرم الحرام الحلال، إنما يحرم ما كان بنكاح» وقد سأله رجل زنى بامرأة وأراد أن يتزوجها أو يتزوج ابنتها. ثم إن هذه مسألة مما تمس إليها الحاجة وتعم بها البلوى وما كان الشارع ليسكت عنها أو يفصل فيها، وقد كانوا قريبي عهد بجاهلية تفشى فيها الزنى، فلو فهم أحد منهم أن لذلك مدركا في الشرع أو تدل عليه علة وحكمة لسألوا عن ذلك وتوفرت الدواعي على نقل ما يفتون به. وينظر في ذلك: المبسوط للسرخسي (٤/ ٤١)، مختصر المزني (١/ ١٨١)، المغني لابن قدامة (٧/ ٤٩٢).
[ ١ / ١٧٣ ]
﴿مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾ هذا عام لم يدخله تخصيص، ويدخل فيه أمهات النسب وأمهات الرضاعة، وإن علون. كذلك الكلام في بناتكم وكذلك الأخوات الأشقاء، ومن الأب أو الأم من النسب والرضاع ذكر من المحرمات سبعا.
ومن المصاهرة: أمهات نسائكم، وربائبكم، وحلائل أبنائكم، وزوجة الأب ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ فذكر من المصاهرة خمسا وبقي من المحرمات اثنان بالرضاع، وهما ﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ فالجملة: أربعة عشر. ويشترط في تحريم بنت الزوجة الدخول بأمها، ولا يشترط في تحريم أم الزوجة الدخول ببنتها وهو ظاهر في الكتاب العزيز.
ومن جهة المعنى: أن المرأة إذا عقد عليها، فالعادة جارية بذهاب الأم إلى بيت الأصهار والاجتماع بهم في تقرير أمر الدخول، والسكن وغير ذلك مما جرت العادة بالحديث فيه فاحتيج إلى كون الأم محرما عقب العقد على ابنتها.
ولم تجر العادة أنه إذا عقد على امرأة تذهب ابنتها إلى بيت الأصهار؛ لتقرير مصالح الدخول، فلم يحتج إلى مقدم المحرمية.
وقوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ يحترز به عن زوجة الابن المتبنى، وهو حلال بمفهوم هذه الآية وبصريح قوله - تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا﴾ (٣٧) [الأحزاب].
﴿إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ أي: في عهد الجاهلية، فلا يؤاخذون به بعد الإسلام. أو: إلا ما قد سلف بعد الإسلام وقبل نزول هذه الآية.
قوله: ﴿وَالْمُحْصَناتُ﴾ ويحرم تزويج المتزوجات. وقوله: (٣٢ /ب) ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ يريد به السبايا المزوّجات، فإنا إذا سبينا امرأة مزوجة، ولم يكن زوجها معها
[ ١ / ١٧٤ ]
انفسخ نكاحها، وحل للمسلمين أن يتزوجوها.
﴿كِتابَ اللهِ﴾ نصب على المصدر، ولا ينتصب على الإغراء؛ لأن معمول المجرور لا يتقدم عليه. ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما﴾ عدا ﴿ذلِكُمْ﴾ ثم فسره بقوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ﴾ ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ غير واطئين بالزنى. وكانت المتعة في إبتداء الإسلام بقوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
ثم نهى رسول الله ﷺ عنها يوم خيبر (^١).
ومن لم يكن تحته حرة ولا قدر على مهر حرة مسلمة جاز له أن يتزوج الأمة إذا خاف من الوقوع في الزنى، فإن قدر على نكاح حرة كتابية، فقد اختلف فيه مذهب الشافعي ووجه اشتراط إيمانها قوله: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ﴾ وكذلك الأمة التي ينكحها في جواز كونها كتابية وجهان (^٢) لقوله - تعالى: ﴿فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ﴾. قوله: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: أعطوا ساداتهن مهورهن.
﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ﴾
_________________
(١) قال ابن كثير في تفسيره (١/ ٤٧٤): زواج المتعة كان مشروعا في ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك، وقد ذهب الشافعي وطائفة من العلماء إلى أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ مرتين. وقال آخرون: أكثر من ذلك. وقال آخرون: إنما أبيح مرة ثم نسخ ولم يبح بعد ذلك، وقد روي عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة، وهو رواية عن الإمام أحمد وكان ابن عباس وأبي كعب وسعيد بن جبير والسدي يقرؤون: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة) وقال مجاهد: نزلت في نكاح المتعة. ولكن الجمهور على خلاف ذلك. والعمدة ما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب قال: «نهى رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر». وروى مسلم عن سبرة بن معبد الجهني: «أنه غزا مع رسول الله ﷺ يوم فتح مكة فقال: يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا. وينظر في ذلك: الأم للشافعي (٥/ ٢٥٦)، المغني لابن قدامة (٧/ ٥٧١).
(٢) ينظر: الأم للشافعي (٥/ ١٥)، بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ٥٤٦)، المغني لابن قدامة (٧/ ٥١١).
[ ١ / ١٧٥ ]
﴿خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا (٢٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾
والمسافحات: التي تزني بمن وجدت، ومتخذات الأخدان: التي يكون لها شخص معين.
وقوله: ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ﴾ أي: إذا أسلمن فإن المحصنة والبكر في أمر حد الأمة سواء.
والعنت: المشقة الشديدة. ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا﴾ يعني: عن نكاح الأمة؛ فلما فيه من استرقاق الولد ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ اللام بمعنى أن أي: يريد الله أن يبين لكم؛ كقوله:
﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ﴾ [الأنعام: ٧١] ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ﴾ [غافر: ٦٦]. وهذا يقع بعد الأمر والإرادة كثيرا.
السنن جمع سنة، وهي الطريقة. وقوله: ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً﴾ استثناء من غير الجنس ومن قرأ تجارة بالنصب تقديره: إلا أن تكون التجارة تجارة. ومن قرأ تجارة بالرفع، جاز أن تكون كان ناقصة وتامة (^١).
وقوله: ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ يعني: من خالف أوامر الله هان عليه تعذيبه؛ فإن الله - تعالى - لا يمتدح بقدرته على فاسق؛ كقوله في نساء النبي: ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ (٣٠) [الأحزاب] يعني: إن المعصية تضع قدرهن إذا فعلن ذلك حتى صار تعذيبهن هينا عليه.
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ﴾
_________________
(١) قرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف «تجارة» وقرأ باقي العشرة «تجارة». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٢٣١)، حجة أبي زرعة (ص: ١٩٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٢/ ٣٥٤)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٣١)، الكشاف للزمخشري (١/ ٥٠٢)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٤٩).
[ ١ / ١٧٦ ]
﴿نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ تمسكت المعتزلة بهذه الآية في أن من مات مصرّا على كبيرة (٣٣ /أ) يخلد في النار ولا يدخل الجنة؛ لأنه يشترط في دخوله مدخلا كريما أن يجتنب الكبائر، وأهل السنة تمسكوا بقوله - تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ويدخل فيه مرتكب الكبيرة، والمصر على الصغيرة، وأمر الكل موكول إلى المشيئة (^١). والكبائر: ما ثبت فيه حد.
وقيل: ما هدد فيه بدخول النار. وقيل: الكبائر أمهات المعاصي، والصغائر توابعها فالزنى كبيرة، وملامسة المرأة والخلو بها ومضاجعتها وتقبيلها صغائر، وشرب الخمر كبيرة، وقد: «لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة؛ حاملها، وبائعها، ومشتريها، وآكل ثمنها، والمحمولة إليه، وحاضرها، وعاصرها، ومعتصرها (^٢)».
قوله: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ هذا هو الحسد، وهو أن يتمنى الحاسد نعمة المحسود، فأما إذا طلب مثلها، فهو غبطة غير محرمة. غير أن في هذه الآية زيادة، وهو النهي عن تمني ذلك.
﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾ ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصّالِحاتُ قانِتاتٌ﴾
_________________
(١) قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في العقيدة الطحاوية: "وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون فيها إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين، وهم في مشيئته وحكمه إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله كما ذكر - ﷿ - في كتابه: وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤٨] وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته. فعلى هذا فإن فاعل الكبيرة والمصر على الصغيرة لا ينفى عنه مطلق الإيمان بفسوقه، ولا يوصف بالإيمان الكامل، ولا يحكم عليه في الآخرة بجنة ولا بنار، بل هو في مشيئة الله - ﷿ - وإن مات بغير توبة، إن شاء الله - ﷿ - غفر له بفضله ورحمته، وإن شاء عذبه بعدله وحكمته». ينظر: شرح الطحاوية (ص: ٣٧٠، ٣٦٩) وينظر عن رأي المعتزلة: الكشاف للزمخشري (١/ ٥١٩).
(٢) رواه أحمد في المسند (٢٥، ٢/ ٧١)، وأبو داود رقم (٣٦٧٤)، وابن ماجه (٣٣٨٠)، والحاكم في المستدرك (١٤٥، ٤/ ١٤٤) من حديث ابن عمر. ورواه الترمذي رقم (١٢٩٥)، وابن ماجه رقم (٣٣٨١)، عن أنس. وقال الشيخ الألباني في الإرواء (٢٣٨٥، ١٥٢٩): وإسناده صحيح.
[ ١ / ١٧٧ ]
﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ وَاللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ (^١). استدل به أبو حنيفة على أن الحليف يرث السدس من مال محالفه، وعند الشافعي وغيره: أن آية المواريث نسخت ذلك (^٢).
وقوله: ﴿مِمّا تَرَكَ﴾ أي: مما ترك المتوفّى، أو المولى عليه. وقوله: ﴿الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾
تفسير للمضمر بعد كل الذي جعل التنوين في كلّ بدلا عن الإضافة إليه (^٣).
وقوله: ﴿قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ جاء في سببها أن رجلا كره من امرأته أمرا فلطمها لطمة طلب أهلها القصاص، فنزلت هذه الآية (^٤). وإن خاف نشوز المرأة اقتصر على ضربها، فإن نشزت مرة واحدة وعظها وهجرها في الفراش. وهل له أن يضربها؟ فيه قولان، ولا يحل هجران كلامها أكثر من ثلاث، لا هي ولا غيرها، فإن تكرر منها النشوز جاز له ضربها، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ تعريض بالعفو عن المرأة، وعمن
_________________
(١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب «عاقدت»، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف «عقدت». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٢٣٨)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٣)، حجة أبي زرعة (٢٠١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٢/ ٣٥٧)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٣٣)، الكشاف للزمخشري (١/ ٥٠٤)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٤٩).
(٢) ذهب أبو حنيفة وأصحابه وروي عن أحمد في رواية عنه إلى التوارث بالحلف، وذهب الجمهور ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه إلى رد ذلك. ينظر: بدائع الصنائع للكاساني (٤/ ٧)، المبسوط للسرخسي (٦/ ٤٩)، المغني لابن قدامة (٧/ ٨٣).
(٣) قال ابن عاشور في تفسيره التحرير: والتنوير (١/ ٩٣٩): «وشأن كل إذا حذف ما تضاف إليه أن يعوض التنوين عن المحذوف فإن جرى في الكلام ما يدل على المضاف إليه المحذوف قدر المحذوف من لفظه أو معناه، فيجوز أن يكون المحذوف مما دل عليه قوله قبله (للرجال نصيب) و(للنساء نصيب) فيقدر: لكل من خلقه الله إنسانا من رزق الله أي حظ من رزق الله أو: ولكل أحد جعلنا موالي مما ترك أي وراثا مما ترك على أن من صلة موالي لأنهم في معنى الوراث وفي ترك ضمير كل ثم فسر الموالي بقوله: «الوالدان والأقربون» كأنه قيل: من هم؟ فقيل: الوالدان والأقربون. وينظر في ذلك أيضا: الدر المصون للسمين الحلبي (٢/ ٣٥٦)، روح المعاني للألوسي (٥/ ٢١).
(٤) رواه الطبري في تفسيره (٥/ ٥٨)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥١٢) لعبد بن حميد عن الحسن.
[ ١ / ١٧٨ ]
يذنب، بمعنى: أنه مع علوه وكبريائه يعفو عن المذنبين، فأنتم أولى بالعفو.
وقوله: ﴿تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ بمعنى: بأمارة دلت على ذلك، فأما إذا لم يكن عليه دليل فلا يجوز مؤاخذتها به. والواو في قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ للتنويع.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥) وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا (٣٦)﴾
﴿حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها﴾ والأولى أن يكونا من أهلهما؛ لأنهما أخبر بمصالحهما من الأجنبي.
وفي قول: هما وكيلان للزوج، فيوكل الرجل (٣٣ /ب) حكما في الطلاق وقبول العوض، وتوكل المرأة حكما في بذل العوض. وفي قول: هما حكمان يحكمان بما يريانه صوابا من الإصلاح والتفريق. وفي التنبيه: صحح هذا القول، وغيره صحح الأول (^١).
﴿إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما﴾ يجوز أن يعود الضميران الأول إلى الحكمين والثاني إلى الزوجين، إن يريد الحكمان مجرد الإصلاح يوفق الله بين الزوجين ببركة بعث [الصالحين] وقيل عكس هذا، إن يرد الزوجان إصلاحا يوفق الله بين الحكمين.
_________________
(١) ينظر: التنبيه للشيرازي (١/ ١٧٠) ط عالم الكتب - بيروت - ١٤٠٣ هـ - تحقيق عماد الدين أحمد حيدر، وعبارته: «وإن ادعى كل واحد منهما على صاحبه الظلم والعدوان أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة ينظر في أمرهما ويمنع الظالم منهما من الظلم فإن بلغا إلى الشتم والضرب بعث الحاكم حرين مسلمين عدلين والأولى أن يكونا من أهلهما لينظرا في أمرهما ما فيه المصلحة من الإصلاح أو التفريق وهما وكيلان لهما في أحد القولين فلابد من رضاهما فيوكل الزوج حكما في الطلاق وقبول العوض وتوكل المرأة حكما في بذل العوض وهو الأصح». وقال في المهذب (٢/ ٧٠) ط. دار الفكر - بيروت: «واختلف قوله في الحكمين فقال في أحد القولين: هما وكيلان فلا يملكان التفريق إلا بإذنهما لأن الطلاق إلى الزوج وبذل المال إلى الزوجة فلا يجوز إلا بإذنهما. وقال في القول الآخر: هما حاكمان فلهما أن يفعلا ما يريان من الجمع والتفريق بعوض وغير عوض؛ لقوله - ﷿: فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها فسماهما حكمين ولم يعتبر رضا الزوجين». وينظر كذلك: الأم للشافعي (٥/ ١١٦).
[ ١ / ١٧٩ ]
﴿وَاعْبُدُوا اللهَ﴾ العبادة: غاية الذلة ولا تقال إلا في حق الله - تعالى - تقول: ذللت لزيد وخضعت له، ولا تقول: عبدته، يقال: ذو قرابة، ولا تقول: قرابتي قال الشاعر [من البسيط]:
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه وذو قرابته في الحيّ مسرور (^١)
أما القرابة فهي نسبة بين الاثنين، ولا يخبر عن الرجل بها.
﴿وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى﴾ تضمنت وصفين يستحق بهما الجوار والقرابة ﴿وَالْجارِ الْجُنُبِ﴾ له حق واحد. ﴿وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ قيل: هو المجالس لك في الحضر والسفر، وأكثر الأحوال طمعا في برّك. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ المسافر أو المريد للسفر في غير معصية. ﴿وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ يعاملون بالرفق والإحسان.
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا (٣٨) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩) إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا (٤٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾
﴿يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ قيل: المراد به: النهي عن كتمان صفة الرسول ﷺ، وهم اليهود، وأمروا سفلتهم بكتمانها. وقيل: المراد بالبخل: صدقة الأموال.
وقيل: أراد جميع ذلك.
المثقال: هو المقدار، والذرة: النملة الصغيرة الحمراء لا يكاد يتأثر من يجعلها في إحدى
_________________
(١) البيت لعثير بن لبيد العذري، أو لحريث بن جبلة العذري، أو لغيرهما. ينظر في: تاج العروس (دهر)، روح المعاني للألوسي (٨/ ١٤٣)، لسان العرب (دهر).
[ ١ / ١٨٠ ]
كفيه ﴿حَسَنَةً﴾ قرئ بالرفع والنصب (^١) بناء على أن كان تامة.
﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ أي: كيف يكون حالهم ﴿إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ أي: يصيروا ترابا؛ كقوله ﴿وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النبأ: ٤٠].
وقيل: يودون لو انشقت الأرض فتبلعهم، أولو سويت الأرض المنخفضة بجثثهم.
﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ قيل: المراد مواضع الصلاة؛ لقوله: ﴿وَلا جُنُبًا إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٣٤ /أ) وعند أبي حنيفة: لا تقربوا الصلاة نفسها وأنتم سكارى، ولا تقربوا الصلاة وأنتم مجنبون، إلا أن تكونوا مسافرين قد عدمتم الماء، فتصلون مع الجنابة (^٢).
قيل: «كانت الخمرة مباحة في أول الإسلام، ثم صلى رجل بقوم وهو سكران، فحذف «لا» من سورة «قل يا أيها الكافرون»، وقال: أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد إلى آخرها، فنزلت تحريم السكر في أوقات الصلوات، ثم نزل بعد ذلك تحريم الشرب مطلقا» (^٣). وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦] مجنبين أو محدثين حدثا أصغر، وهو معنى قوله: ﴿أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ وقرئ «أو لمستم» ومن قرأ «لامستم» (^٤) فهي للمفاعلة التي لا تكون إلا من اثنين، فينتقض وضوء اللامس والملموس. ومن قرأ «أو لمستم» فلا حجة فيه على وضوء الملموس ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ ولا يقال: لم نجد، إلا بعد الطلب، والمعنى: فلم تجدوا ماء فاضلا عما يحتاج إليه لعطشه، أو لعطش رفيقه، أو عطش حيوان محترم، كان وجود الماء كعدمه
_________________
(١) قرأ «حسنة» ابن كثير ونافع وأبو جعفر، وقرأ باقي العشرة «حسنة». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٢٥١)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٣٣)، حجة أبي زرعة (ص: ٢٠٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٢/ ٣٦٤)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٣٣)، الكشاف للزمخشري (١/ ٥١١)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٤٩).
(٢) ينظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٠٥).
(٣) رواه الترمذي رقم (٣٠٢٦)، والطبري في تفسيره (٥/ ٩٥)، وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٤٥) لعبد بن حميد وأبي داود والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب، وحسنه الترمذي.
(٤) قرأ حمزة والكسائي وخلف «لمستم»، وقرأ باقي العشرة «لامستم». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٢٥٨)، والحجة لابن خالويه (ص: ١٢٤) حجة أبي زرعة (ص: ٢٠٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٢/ ٣٧٠)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٣٤)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٥٠).
[ ١ / ١٨١ ]
فيتيمم، وكذلك إذا وجد الماء يباع بأكثر من ثمن المثل، لم يلزمه شراؤه ويتيمم. ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ أي: اقصدوا؛ كقوله: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي: تقصدوا ويجب في التيمم القصد إلى الصعيد فلو نوى ووقف في مهب الرياح، وسفت عليه الرياح لم يجزه، ولو نوى ووقف عند ميزاب (^١)، وانصب عليه الماء جاز الوضوء. والمراد بالصعيد عند الشافعي: ما صعد على وجه الأرض من تراب له غبار يعلق بالوجه واليدين؛ لقوله:
﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] وعند غيره: بكل ما صعد على وجه الأرض (^٢).
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلًا (٤٦)﴾
﴿أَلَمْ﴾ معناه: اعجب ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ فيستبدلونها بالهدى الذي تمكنوا منه، وصار كالحاصل لهم ﴿وَلِيًّا﴾ فعيل يجوز أن يكون بمعنى الفاعل، أو وكفى بالله متوليا لأموركم. أو متولى، أي: كفى بالله يتولونه؛ كقوله - تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٥٦] ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ أي: قوم يحرفون؛ كقوله: (٣٤ /ب) [من الرجز]:
جادت بكفّي كان من أرمى البشر (^٣)
_________________
(١) الميزاب: أنبوبة من الحديد ونحوه تركب في جانب البيت من أعلاه لينصرف منها ماء المطر المتجمع ويسمى المزراب. ينظر: لسان العرب (زرب)، المعجم الوسيط (زرب).
(٢) ينظر: الأم للشافعي (١/ ١١٤) وعبارته: وكل ما وقع عليه اسم صعيد لم تخالطه نجاسة فهو صعيد طيب يتيمم به وكل ما حال عن اسم صعيد لم يتيمم به ولا يقع اسم صعيد إلا على تراب ذي غبار قال الشافعي: فأما البطحاء الغليظة والرقيقة والكثيب الغليظ فلا يقع عليه اسم صعيد وإن خالطه تراب أو مدر يكون له غبار كان الذي خالطه هو الصعيد. ويجوز التيمم عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - بكل ما كان من جنس الأرض كالتراب والرمل والحجر والجص والنورة والكحل والزرنيخ. وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بالتراب والرمل. ينظر: الهداية للمرغيناني (١/ ٢٧).
(٣) ينظر الرجز بلا نسبة في: الإنصاف لابن الأنباري (١/ ١١٤ - ١١٥)، الخزانة للبغدادي (٥/ ٦٥)، الخصائص لابن جني (٢/ ٣٦٧)، شرح الأشموني (٢/ ٤٠١)، شرح التصريح (٢/ ١١٩)، شرح شواهد المغني (١/ ٤٦١)، شرح المفصل لابن يعيش (٣/ ٦٢)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٦١٦)، لسان العرب (كون)، المغني لابن هشام (١/ ١٦٠)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ١٢٠).
[ ١ / ١٨٢ ]
وكقوله [من الوافر]:
أنا ابن جلا وطلاع الثّنايا متى أضع العمامة تعرفوني (^١)
المعنى: بكفي رجل كان، وأنا ابن رجل جلا، فحذف الموصوف، مع أن الصفة جملة وحكى ابن السراج عن العرب: ما منهما مات حتى جرى له كذا (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ [البقرة: ٩٦] أي: قوم، أو فريق.
﴿يُحَرِّفُونَ﴾ يزيلون ﴿الْكَلِمَ﴾ المنزلة في التوراة والإنجيل ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ التي يجب تقريره فيها. وأما قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] فالتقدير: يحرفون الكلم بعد استقرارها في مواضعها المرادة بها. ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ أصله من لوى يلوي لويا، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الأولى في الثانية، ومثله: كوى كيّا، وشوى شيّا، وحوى حويّا. وعكسه: سيد وميت، أصله: سيود، وميوت.
سبقت الياء بالسكون، فقلبت الواو وأدغمت.
وقوله: ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ يوهمون أن المراد: غير مسمع ما تكره، وهم يريدون: اسمع لا سمعت. ﴿إِلاّ قَلِيلًا﴾ إلا إيمانا ببعض وكفرا ببعض وأولئك هم الكافرون حقا.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) اُنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)﴾
روي: «أن كعب الأحبار لما سمع قوله - تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا﴾ الآية أسرع بالاجتماع بالمسلمين وأسلم، وقال: خشيت أن يحول وجهي إلى قفاي قبل أن أصل إلى المسلمين». ﴿كَما لَعَنّا أَصْحابَ السَّبْتِ﴾ حين مسخوا قردة.
وقوله: ﴿أَصْحابَ السَّبْتِ﴾ أي: الذين اعتدوا في السبت، فنسب السبت إليهم.
_________________
(١) تقدم تخريج البيت عند تفسير الآية (٩٦) من سورة البقرة.
(٢) ينظر: الأصول في النحو لابن السراج (١/ ٩٥).
[ ١ / ١٨٣ ]
﴿اِفْتَرى﴾ اقتطع واختلق موجب إثم عظيم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ تمدح التزكية إذا أريد بها التطهير من المعائب كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها﴾ (٩) [الشمس] وأطلق وأراد بها نسبة المحاسن إلى الرجل حقّا كان أو باطلا، كما في هذه الآية. الفتيل: ما في شق النواة.
والقطمير: هي القشرة البيضاء التي على النواة. والنقير: نقرة في ظهر النواة، يقال: منها تطلع النخلة، ومعنى ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي: لا تظلمون شيئا وكذلك القطمير والنقير.
﴿مُبِينًا﴾ إما أن يكون بمعنى ظاهرا، وإما مظهرا، إن كان (٣٥ /أ) من بان فهو بمعنى ظاهر، وإن كان من أبان فهو بمعنى: مظهر.
الجبت: كل معبود سوى الله. وقيل: الجبت والطاغوت اسما صنمين كانا في الجاهلية.
وقيل: الجبت: الساحر، والطاغوت: الكاهن. الطاغوت: فعلوت لكل ما تجاوز الحد، والمراد ها هنا: كل معبود سوى الله. وقيل: هو كعب بن الأشرف (^١) وسبب الآية: أن مشركي قريش سألوا اليهود وقالوا: أهل كتاب وشريعة، فأنتم أعلم منا فننشدكم الله أينا أقرب إلى الصواب، نحن أم محمد؛ فإنا نصل الرحم، ونكرم الضيف، ونفك العاني (^٢)، ونسقي الماء، ومحمد فرق جماعتنا وسفه أحلامنا (^٣) وأحلام أسلافنا، فقالت اليهود لهم:
أمركم أصوب من أمر محمد فعجّب (^٤) الله نبيه من ذلك، وأنزل هذه الآية (^٥).
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾ ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما﴾
_________________
(١) هو أحد أعداء الرسول ﷺ والمحرضين عليه من طيئ، وهو أحد بني نبهان وأمه من بني النضير، كان شاعرا، وآذى بشعره نساء المسلمين وشبب بهن، فأمر الرسول ﷺ بقتله فقتل سنة ثلاث من الهجرة. تنظر ترجمته في: تاريخ الإسلام للذهبي (١/ ١٧٦ - ١٨٢)، طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي (ص: ٢٨٢ - ٢٨٤).
(٢) العاني: الأسير. لسان العرب (عنى).
(٣) أحلامنا: عقولنا، والمفرد (حلم) ومنه قوله - تعالى: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا [الطور: ٣٢]. ينظر: لسان العرب (حلم).
(٤) كذا بالأصل ولعله يريد أن هذا أمر عجيب من هؤلاء الضالين والمشركين يدعو إلى العجب.
(٥) رواه الواحدي في أسباب النزول ص (١٦١، ١٦٠) رقم (٣٢١، ٣٢٠)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٧١) لسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.
[ ١ / ١٨٤ ]
﴿آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا (٥٧) إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ يعني: محمدا ﷺ على ما أوتي من النبوة.
وفي قوله: ﴿جُلُودًا غَيْرَها﴾ قولان:
أحدهما: يخلق الله لهم جلودا جديدة ليذوقوا العذاب. والقول الثاني: غيّر الله صفات تلك الجلود المحترقة فرجعت كأن النار لم تمسها؛ إذ لا يعذب إلا الجلود التي عصي الله بها.
وقوله: ﴿بَدَّلْناهُمْ﴾ جعل تغير الصفات بمنزلة تغير الذات. تقول: جاء فلان بوجه غير الوجه الذي ذهب به، ومثل هذين القولين في قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وفي كون الظل ظليلا وجهان: أحدهما: ظل مضاعف.
والثاني: ظل لا تنسخه شمس، بل هو دائم الثبوت لا يتغير.
لما فتح رسول الله ﷺ مكة طلب مفتاح الكعبة من عثمان بن أبي شيبة (^١) فأبى أن يعطيه فلوى عليّ يده، وأخذه منه قهرا، فلما قضى رسول الله ﷺ حاجته من الدخول في الكعبة سأل العباس رسول الله ﷺ أن يوليه السدانة (^٢) ويعطيه المفتاح، وقال: اجمع لي بين السدانة والسقاية، فأنزل الله ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ فأمر النبي ﷺ عليّا، فرد المفتاح إلى عثمان بن أبي شيبة، فقال: أخذت بقوة وآذيت ثم جئت ترده فقال: قد أنزل الله - تعالى - في شأنك هذه الآية، فقال: إن هذا لدين شريف فأسلم، وتقرر مفتاح الكعبة
_________________
(١) هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة واسمه عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، حاجب البيت، أسلم في هدنة الحديبية، وهاجر مع خالد بن الوليد، وشهد الفتح مع النبي ﷺ وتوفي سنة ٤٢ هـ بالمدينة، وقيل: بمكة. تنظر ترجمته في: الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر (٩٣، ٣/ ٩٢)، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (٢/ ٤٦٠).
(٢) السدانة: خدمة الكعبة، والسادن: خادم الكعبة القائم بأمر نظافتها وكسوتها وحفظها. ينظر: لسان العرب (سدن).
[ ١ / ١٨٥ ]
بيد بني شيبة إلى الآن (^١).
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاّ إِحْسانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾
﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ هم الحكام القائمون بأحكام الشريعة وقيل: هم أمراء الأجناد وقيل: هم العلماء. قوله: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أحسن عاقبة؛ كقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣].
كان بين يهودي ومسلم منازعة، واليهودي محق، فطلب اليهودي المحاكمة إلى محمد ﷺ، وطلب المسلم المحاكمة إلى كعب بن الأشرف اليهودي؛ لعلمه أن كعب بن الأشرف يقبل الرشا، فنزلت ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية (^٢).
وروي: «أن المسلم واليهودي وأصحابهما مروا على عمر بن الخطاب فسأل عن خبرهم، فسألوه أن يصلح بينهم، فقال: رويدكم، ثم دخل فأخذ سيفه وضرب المسلم حتى برد (^٣)، وقال: هكذا أحكم فيمن امتنع من طاعة الله، وطاعة رسوله فسمي عمر الفاروق لذلك؛ لأنه فرق بين الحق والباطل (^٤).
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٥/ ١٤٥)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ١٦١ - ١٦٣) رقم (٣٢٣ - ٣٢٥).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٥/ ١٥٢)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ١٦٦) رقم (٣٣١) وفي إسناده الكلبي وهو ضعيف.
(٣) برد الرجل يبرد بردا: مات. ينظر: لسان العرب (برد).
(٤) رواه الواحدي في أسباب النزول (ص: ١٦٦)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٨٢) للثعلبي عن ابن عباس - ﵄.
[ ١ / ١٨٦ ]
واعتذر أصحاب المسلم المنافق، وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى كعب إلا أن يصلح بينهم، وهو معنى ﴿ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ الآية، فأكذبهم الله - تعالى.
﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي: قولا مؤثرا في أنفسهم؛ لغلاظته وقوته.
﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾
وحكى العتبي قال: كنت جالسا عند قبر النبي ﷺ فجاء أعرابي فسلم، وقال: يا رسول الله، سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ قد جئتك مستغفرا من ذنبي، مستشفعا بك إلى ربي، ثم أنشد [من البسيط]:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهنّ القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
قال العتبي: فنمت، فرأيت النبيّ ﷺ، فقال: يا عتبي، أدرك الأعرابي وبشره بالجنة (^١).
﴿فَلا وَرَبِّكَ﴾ لا زائدة، أي: فو ربك لا يؤمنون.
كان بين الزبير وبين رجل من الأنصار تشاجر في مسقى ماء، وكانت أرض الزبير عالية، وأرض الأنصاري مستفلة، فتحاكما إلى رسول الله ﷺ، فقال: اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك، فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك يا رسول الله؛ فإن الزبير هو ابن صفية عمة النبي ﷺ، فتغيّر وجه رسول الله ﷺ، ثم قال: اسق يا زبير واحبس الماء حتى (٣٦ /أ)
_________________
(١) ذكر هذه القصة محب الدين الطبري في كتاب القرى لقاصد أم القرى (ص: ٦٢٩، ٦٢٨)، ونسبه لأبي أحمد بن عساكر، ونسبه ابن كثير في تفسيره (١/ ٥١٩) للشيخ أبي منصور الصباغ في كتابه الشامل، ونسبه المتقي الهندي في كنز العمال لابن السمعاني في الذيل بسند فيه الهيثم بن عدي الطائي وهو متروك. قال الذهبي في المغني في الضعفاء (٢/ ٧١٧): الهيثم بن عدي الطائي أبو عبد الرحمن الأخباري، قال أبو داود السجستاني: كذاب. وقال ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال (٧/ ١٠٤): متروك الحديث.
[ ١ / ١٨٧ ]
يصل إلى الجدر» (^١) فكان في الحكم الأول قصد الإصلاح بينهما، فلما أغضب الأنصاري رسول الله ﷺ استوعب له جميع حقه. كذا قالوا. وفيه دليل على أن القاضي يجوز أن يقضي وهو غضبان فنزلت هذه الآية في حديث الزبير والأنصاري. والتشاجر: الاختلاط بين المتخاصمين؛ لأن كلام هذا يختلط مع كلام هذا.
﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفى بِاللهِ عَلِيمًا (٧٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣) فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤) وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)﴾
جعل الله الخروج من الأوطان قرين القتل؛ كما جعله في سورة الحشر قرين التعذيب.
﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا﴾ [الحشر: ٣] وعن عمر: لو كلفت أن أقتل نفسي لفعلت، ولكن الله رحيم، ولم يكلفنا ذلك، فعمر من القليل (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٢٣٥٩)، ومسلم رقم (٢٣٥٧) عن عبد الله بن الزبير. والجدر: ما وضع بين شربات النخل، كالجدار. وقيل: المراد: الحواجز التي تحبس الماء. قاله الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٥/ ٣١٠) وقال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٤٦): هو ما رفع حول المزرعة، كالجدار وقيل: هي لغة في الجدار. وقيل: هو أصل الجدار.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٥/ ١٦٠)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٨٧ - ٥٨٨) عن غير واحد من الصحابة أنهم قالوا ذلك. وذكره البغوي في تفسيره (١/ ٢٤٦) عن الحسن ومقاتل: لما نزلت هذه الآية قال عمر وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وناس من أصحاب النبي ﷺ وهم القليل: والله لو أمرنا لفعلنا والحمد لله الذي عافانا فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: إن من أمتي لرجالا الإيمان في قلوبهم أثبت من الجبال.
[ ١ / ١٨٨ ]
﴿ثُباتٍ﴾ أي: جماعات في تفرقة كأشتات وأبابيل، وواحده: ثبة. وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ جملة معترضة بين القول والمقول. ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ أي:
يبيعون الحياة الدنيا، ويستبدلون بها الآخرة فالذين يشرون فاعل، ويشرون بمعنى يبيعون.
وقيل: الذين مفعول، ويشرون بمعنى يبتاعون. أي: فليقاتل رسول الله الذين يشرون.
والأول أصح؛ لقوله بعده: ﴿وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ وقوله: ﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وفي سبيل تخليص المستضعفين.
﴿الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها﴾ مكة قبل أن يفتحها رسول الله ﷺ.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا (٧٦) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾
﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ وضعفه من جهة أنه لا يقدر على إلزامك بما وسوس به إليك، فقبول وسوسته من سوء نظر الناظر، لا من قوة فعل الشيطان.
كان الإسلام في ابتدائه قليل الناصرين فنهي المؤمنون عن القتال؛ لقلتهم، ولما كثر المؤمنون وأمروا بالقتال كرهه بعضهم، فنزلت هذه ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ﴾ (^١) أي: كخشيتهم الله.
وقوله: ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ لابد من تأويله؛ لأن أفعل التفضيل إن أضيفت، وخفضت ما بعدها، كان الموصوف بأفعل جزءا مما أضيفت إليه، وإن نصب ما بعدها، لم يكن الأول جزءا من الثاني، فإذا قلت: هذه النخلة أطيب من هذه رطبا جاز؛ لأن لها رطبا. ولو قلت: هذه النخلة أطيب رطب، لم يجز؛ لأنه يقتضي أن تكون النخلة رطبا وإذا قلت: زيد
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٥/ ١٧٠)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ١٧٠) رقم (٣٣٨) وفي سنده الكلبي وهو ضعيف.
[ ١ / ١٨٩ ]
أكرم أب، فزيد أب، وهو أكرم الآباء. وإن قلت: زيد أكرم أبا، فلزيد أب وأبوه أكرم الآباء. ففي هذه الآية كأنه حصل للخشية خشية مجازا، كقولهم: شعر شاعر، وذيل ذايل (^١).
﴿لَوْلا أَخَّرْتَنا﴾ هلا أخرتنا. ﴿بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أي: عالية. وقيل: مبنية بالشيد وهو الجير ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ أي: نعمة ورخاء؛ كقوله: ﴿وَبَلَوْناهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٨] ليس المراد بالحسنة الطاعة، ولا بالسيئة المعصية ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يتشاءمون به، ويقولون: ما أصابنا هذا السوء إلا منك حين جئتنا؛ كقول ثمود لصالح: ﴿اِطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ [النمل: ٤٧].
وكقول أهل أنطاكية لأصحاب عيسى: ﴿إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾ [يس: ١٨].
﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا (٧٩) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا (٨١) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا (٨٢) وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلًا (٨٣) فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)﴾
﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ أي: من نعمة وعافية ورخاء ﴿فَمِنَ اللهِ﴾ وأنت لا تستحقه ﴿وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ أي: من شدة ومرض وقحط فمن نفسك أي: بذنوب أتيتها، فعوقبت عليها بذلك ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ﴿وَمَنْ تَوَلّى﴾ فعاقبه الله، ولست بمسؤول عنه ﴿فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أمرنا ﴿طاعَةٌ﴾ ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ لكنه كتاب أحكمت آياته، وما نظر المقصر من أن فيه اختلافا في بعض المواضع فهو من سوء فهم
_________________
(١) ينظر تفصيل ذلك في: الدر المصون للسمين الحلبي (٣٩٧، ٢/ ٣٩٦)، الكشاف للزمخشري (١/ ٥٣٦).
[ ١ / ١٩٠ ]
الناظر [من الوافر]:
وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السّقيم (^١)
كان المنافقون يلقون في عسكر المسلمين أخبارا ردية عن السرايا، ويذيعون ذلك، فيحصل الوهم في قلوب المؤمنين، وكان ينبغي إذا اطلعوا على خبر أن يطلعوا عليه أكابر الصحابة وأمراء الأجناد، فيعلمون صحته أو فساده، ويعلمون ما ينبغي أن يذاع منه وما ينبغي أن يخفى. والاستنباط: إخراج الماء بالحفر عليه. ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ هذا يوهم أن ثم قليلا استغنوا عن فضل الله ورحمته، ومعاذ الله من ذلك، بل التقدير: أذاعوا به إلا قليلا، أو لعلمه الذين يستنبطون إلا قليلا. أو لكان أكثركم (٢٧ /أ) يتبعون الشيطان، لكن فضل الله ورحمته صار بها جعل اتباع الشيطان أقل، واتباع الحق أكثر.
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا (٨٧) فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٨٩)﴾
ادعى بعض المفسرين أن النصيب يستعمل في الخير والشر، وأن الكفل لا يستعمل إلا في الشر، واحتج بهذه الآية، ويرد عليه قوله: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ (^٢).
_________________
(١) البيت للمتنبي، ينظر في: خزانة الأدب للبغدادي (١/ ١٩٢)، روح المعاني للألوسي (١/ ١٦)، قرى الضيف لابن أبي الدنيا (١/ ١٥٨) ط. أضواء السلف - الرياض - ١٩٩٧ م - تحقيق عبد الله المنصور.
(٢) سورة الحديد، الآية (٢٨) قال الألوسي في روح المعاني (٥/ ٩٨): «كفل منها أي: نصيب من وزرها» وبذلك فسره السدي والربيع وابن زيد وكثير من أهل اللغة فالتعبير بالنصيب في الشفاعة الحسنة وبالكفل في الشفاعة السيئة للتفنن وفرق بينهما بعض المحققين بأن النصيب يشمل الزيادة والكفل هو المثل المساوي فاختيار النصيب أولا لأن جزاء الحسنة يضاعف والكفل ثانيا لأن من جاء بالسيئة لا يجزى إلا مثلها ففي الآية إشارة إلى لطف الله - تعالى - بعباده وقال بعضهم: إن الكفل وإن كان بمعنى -
[ ١ / ١٩١ ]
وابتداء السلام سنة، وجوابه فرض كفاية، إذا قام به بعض سقط عن الباقين، وإذا التقى رجلان، أو قال أحدهما للآخر: سلام عليكم، وقال الآخر كذلك في وقت واحد، وجب على كل واحد منهما الرد على صاحبه. وسلام المتاركة لا يقتضي جوابا؛ لقوله: ﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ﴾ [الزخرف: ٨٩] وكذلك إذا انصرف عن جماعة فقال سلام عليكم، لم يستحق جوابا ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ قيل: يجمعنكم في البرزخ، جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن، إلى يوم القيامة.
﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ نزلت في الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ يوم أحد، وقالوا:
لو نعلم قتالا لاتبعناكم. وقيل: نزلت في قوم قدموا المدينة وأظهروا الإسلام، ثم رجعوا إلى مكة، فأظهروا الشرك. وقيل: في قوم أظهروا الإسلام بمكة وكانوا يعينون المشركين على المسلمين. وقيل: في قوم من أهل المدينة أرادوا الخروج عنها (^١) ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾: ردهم، ومنه سمي الرجيع ركسا. «وذهب رسول الله ﷺ لقضاء حاجته وقال لرجل: ابغني أحجارا أستنقص بها. فأتاه بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: «إنها ركس» (^٢). أي: رجيع. وقيل: أركسهم عذبهم وأهلكهم. وقيل: أوقعهم. وقيل: أضلهم.
﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا (٩١)﴾
﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾ أي: أمان وعهد، فلهم منه مثل ما لكم.
_________________
(١) = النصيب إلا أنه غلب في الشر وندر في غيره كقوله - تعالى: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ فلذا خص بالسيئة تطرية وهربا من التكرار.
(٢) ذكر هذه الأسباب الواحدي في أسباب النزول (ص: ١٧٢، ١٧١) رقم (٣٤٢، ٣٤١)، والسيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٩٠) ونسبه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣) رواه البخاري رقم (١٥٦)، وأحمد في المسند (٤٦٥، ١/ ٣٨٨)، والترمذي رقم (١٧)، وابن ماجه رقم (٣١٤)، والنسائي في المجتبى (١/ ٤٠) عن عبد الله بن مسعود ﵁.
[ ١ / ١٩٢ ]
﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ قال قوم: حصرت في موضع الحال، وسيبويه يرى أن الفعل الماضي لا يكون حالا إلا مع قد والواو، أو مع قد وحدها (^١).
وقوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ هاهنا دعاء عليهم، فقيل له: يحسن أن يدعى عليهم بأن تحصر صدورهم عن قتالكم؛ فإن ذلك مصلحة للمسلمين، ولا يحسن أن يدعى عليهم بأن تحصر صدورهم عن قتال قوم فإنهم إذا لم تحصر صدورهم عن قتال قوم وقعت الفتنة بين المشركين وذلك مما يوهن المشركين وينفع المؤمنين فكيف يدعى عليهم بأن تحصر صدورهم عن قتال قومهم (٣٧ /ب) قال سيبويه (^٢): إنما دعا عليهم بالضعف والوهن؛ حتى لا يقدروا عن قتالهم، ولا قتال قومهم. ووهنهم وضعفهم مما ينتفع به المؤمنون.
وقوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ قيل: إنه منسوخ بآية السيف.
قوله - تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ قيل: من أهل مكة. وقيل: من أهل تهامة. وقيل:
من المنافقين. وقيل: هو نعيم بن مسعود الأشجعي ومن تابعه.
﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾
_________________
(١) مذهب البصريين: أن الفعل الماضي لا يكون حالا إلا بقد مظهرة أو مضمرة؛ لأن الحال إما مقارنة أو منتظرة والماضي منقطع عن زمن العامل وليس بهيئة في ذلك الزمان وقد تقربه من الحال. ومذهب الكوفيين ومن تبعهم من البصريين كالأخفش يجوّز ذلك؛ لأن أكثر ما فيه أنها غير موجودة في زمان الفعل وذلك لا يمنع كما لا تمنع الحال المقدرة واحتجوا لمذهبهم بالسماع والقياس. ونرى أن الحق معهم. ينظر تفصيل المسألة في: الإنصاف لابن الأنباري (١/ ٢٣٣)، المسألة (٣٢)، شرح المفصل لابن يعيش (٢/ ٦٥)، اللباب في علل البناء والإعراب للعكبري (١/ ٢٩٣)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣) ط. المكتبة العصرية - بيروت - سنة ١٩٩٩ م.
(٢) كذا وقع هنا ونسب ابن السراج في الأصول في النحو (١/ ٢٥٤)، وابن هشام في مغني اللبيب (٢/ ٢٣١) هذا الرأي للمبرد.
[ ١ / ١٩٣ ]
وقوله: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاّ خَطَأً﴾ قيل: نزلت في عياش بن أبي ربيعة (^١) قتل رجلا كان يعذب عياشا على إسلامه، فضربه عياش، ولم يشعر بأنه أسلم (^٢).
وقيل: في أبي الدرداء (^٣) قتل رجلا من المشركين بعد أن قال: لا إله إلا الله، فشك في إسلامه، هل هو خوفا من السيف، أو رغبة في الإسلام (^٤). وفي قوله: ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ قولان: أحدهما: أنه أراد الإيمان حقيقة، فلا يقبل في الرقبة إلا من بلغت وآمنت وصلّت وصامت. والثاني: تقبل من حكم بإيمانها، فيجزئ عتق الصغير الذي حكم بإسلامه تبعا لأبويه. ﴿وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾ أي: عقد ذمة. والثاني: أمان.
والثالث: أنه عام في كل ما يمنع القتل؛ كمجيء الحربي في رسالة أو تجارة.
قوله - تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ﴾ وصوم الشهرين بدل من العتق خاصة. قال الماوردي (^٥): وعن مسروق (^٦): أن صوم الشهرين بدل من الدية والعتق معا (^٧).
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾
_________________
(١) هو عياش بن أبي ربيعة واسم أبي ربيعة عمرو بن المغيرة بن عبد الله القرشي ابن عم خالد بن الوليد وكان عياش أخا لأبي جهل بن هشام لأمه وعذبه أبو جهل على إسلامه. وكان عياش من السابقين في الإسلام، وهاجر الهجرتين، توفي سنة ١٥ هـ. تنظر ترجمته في: الاستيعاب لابن عبد البر (٣/ ١٢٢، ١٢٣)، الإصابة لابن حجر (٣/ ٤٧).
(٢) رواه الواحدي في أسباب النزول (ص: ١٧٤، ١٧٣) رقم (٣٤٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٧٢)، وقال: رويناه من حديث جابر موصولا، وزاد السيوطي نسبته في الدر المنثور (٢/ ١٩) لابن المنذر.
(٣) هو عويمر بن عامر بن زيد بن قيس من بني عدي بن كعب بن الخزرج، تأخر إسلامه قليلا، وكان آخر أهل داره إسلاما، وكان فقيها حكيما شهد ما بعد أحد من المشاهد. توفي سنة ٣١ هـ وقيل: ٣٢ هـ.
(٤) رواه الطبري في تفسيره (٤/ ٢٠٤).
(٥) هو علي بن محمد بن حبيب أبو الحسن الإمام الفاضل الفقيه الشافعي، سمي الماوردي نسبة إلى بيع ماء الورد، وقد اشتهر بها ونسب إليها، وهو صاحب التصانيف الحسان منها التفسير والحاوي في الفقه الشافعي والأحكام السلطانية وغيرها. توفي سنة ٤٠٥ هـ. تنظر ترجمته في: تاريخ بغداد (١٢/ ١٠٢)، طبقات الشافعية للسبكي (٥/ ٢٦٧)، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (٣/ ٢٨٦).
(٦) هو مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الكوفي أبو عائشة، أحد الأعلام، روى عن أبي بكر ومعاذ وابن مسعود توفي سنة ٦٣ هـ. تنظر ترجمته في: تهذيب التهذيب (١٠/ ١٠٩)، طبقات الحفاظ (ص: ١٤١).
(٧) ينظر: النكت والعيون للماوردي (١/ ٤١٦).
[ ١ / ١٩٤ ]
قوله - تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ قيل: نزلت في مقيس بن صبابة (^١) قتل أخوه وصولح على الدية فأخذها، ورضي بها، ثم وجد قاتل أخيه، فقتله فأمر رسول الله ﷺ بقتل مقيس، وإن كان متعلقا بأستار الكعبة، فوجد كذلك فقتل (^٢).
وابن عباس يرى أن القاتل عمدا لا تقبل توبته (^٣) وظاهر كلام ابن زيد موافقته (^٤).
وقال: نزلت الآية الشديدة، يعني: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ بعد الهدنة، يعنى: قوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا (٦٩) إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٧٠) [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. وكان قد ظن آية النساء ناسخة لآية الفرقان، وهذا ليس بنسخ، بل هو تقييد مطلق، والتقدير: فجزاؤه جهنم خالدا فيها إن لم يتب.
﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ نزلت في سرية بعثهم النبي ﷺ إلى طائفة من الكفار، فنزل رجل منهم إلى المسلمين، فقال: السلام عليكم، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أنا مسلم، فقتلوه (٣٨ /أ) وأخذوا غنيمات له فلما رجعوا، وأخبر النبي ﷺ بالحال قال لقاتله: لم قتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟! فقال: يا رسول الله، إنما قالها تعوذا. فقال:
هلا شققت عن قلبه؟! ثم حمل رسول الله ﷺ ديته إلى ورثته، وأعاد عليهم غنمه (^٥). واختلفوا في القاتل من هو؟
_________________
(١) هو مقيس بن صبابة من بني كلب بن عوف بن كعب، كان شاعرا وقد قتله ابن عمه نميلة بن عبد الله بعد إهدار الرسول ﷺ دمه. تنظر ترجمته في: تاريخ الإسلام للذهبي (١/ ٣١١)، جمهرة الأنساب (ص: ١٨٢).
(٢) رواه الواحدي في أسباب النزول (ص: ١٧٤) رقم (٣٤٤)، وأبو داود رقم (٢٣٠٩)، والنسائي في سننه رقم (٣٩٠٠)، وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٥١) لابن أبي شيبة وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص. وفي سنده الكلبي وهو ضعيف.
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٥/ ٢١٨ - ٢١٩).
(٤) ابن زيد هو خارجة بن زيد بن ثابت وقد روى الطبري في تفسيره (٥/ ٢٢٠) بسنده عن أبي الزناد عن خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت قال: نزلت سورة النساء بعد سورة الفرقان بستة أشهر.
(٥) رواه البخاري رقم (٤٥٩١)، ومسلم رقم (٣٠٢٥).
[ ١ / ١٩٥ ]
فقيل: أسامة بن زيد (^١). وقيل: المقداد بن الأسود (^٢). وقيل: أبو الدرداء.
وقيل: عامر بن الأضبط (^٣). وقيل: محلّم بن جثامة (^٤) .. نقل هذه الأوجه الماوردي (^٥).
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤) لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦) إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾
﴿كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: كفارا تستباح دماؤكم، وإنما عصمكم الله بلا إله إلا الله، فلم لا قبلتم عصمة هذا الذي شهد بالوحدانية؟ ويقال: «إن القاتل لفظته الأرض، ثم دفن، فلفظته ثلاث مرات، فقال النبي ﷺ: إن الأرض لتقبل من هو شر منه، وإنما
_________________
(١) هو أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي أبو محمد وهو الذي أمّره الرسول ﷺ على جيش وهو شاب ومات الرسول ﷺ قبل أن ينفذه، فأنفذه أبو بكر ﵁. مات سنة ٥٤ هـ. تنظر ترجمته في: الاستيعاب لابن عبد البر (١/ ٥٧ - ٥٩)، الإصابة لابن حجر (١/ ٣١).
(٢) هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة واشتهر بالمقداد بن الأسود نسبة إلى الأسود بن عبد يغوث الزهري لأنه تبناه، أسلم قديما، وشهد بدرا والمشاهد بعدها توفي سنة ٣٣ هـ. تنظر ترجمته في: الإصابة لابن حجر (٤٥٥، ٣/ ٤٥٤).
(٣) هو عامر بن الأضبط الأشجعي، وهو الذي قتله أحد أفراد السرية وهو مسلم يظنونه متعوذا، وقد وهم الذي عده هنا من القاتلين. تنظر ترجمته في: الاستيعاب لابن عبد البر (٣/ ١٤)، الإصابة لابن حجر (٢/ ٢٤٧).
(٤) هو محلّم بن جثامة بن قيس الليثي، توفي في زمن النبي ﷺ ودفن فلفظته الأرض مرة بعد مرة، وهو صاحب القصة هنا. تنظر ترجمته في: الاستيعاب لابن عبد البر (٣/ ٤٩٦)، الإصابة لابن حجر (٣/ ٣٦٩).
(٥) ينظر: النكت والعيون للماوردي (١/ ٤١٧).
[ ١ / ١٩٦ ]
جعل الله ذلك عبرة لكم، ثم أمر أن يجعل على جثته أحجار تسترها» (^١).
نزل أولا: ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجاهِدُونَ﴾ فجاء ابن أم مكتوم (^٢) وشكا أنه ضرير عاجز عن الجهاد، فنزلت ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ قال زيد بن ثابت: كنت أكتبها عند النبي ﷺ وركبته على ركبتي، فثقلت عليّ حتى كادت ترض (^٣) وركي من ثقل الوحي المنزل عليه، ثم قال: ألحقها في طرف الكتف (^٤). فألحقتها (^٥).
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بإقامتهم في دار الحرب، مع أنهم لا يقدرون على إظهار الأذان فيه، ولا صلاة الجمعة، ولا الجماعات في الصلوات، فمن قدر على إظهار الدين في دار الحرب جاز أن يقيم فيها، والأفضل أن يتحول عنها.
﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠) وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ ﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ﴾
_________________
(١) رواه أحمد في مسنده (٤/ ٤٣٨)، وابن ماجه رقم (٣٩٣٠)، والطبراني في المعجم الكبير (١٨ /رقم ٥٦٢) وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٣/ ٢٢٢): إسناده حسن.
(٢) هو عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم القرشي العامري وهو ابن أم مكتوم المؤذن وأمه أم مكتوم: اسمها عاتكة بنت عبد الله. واختلف في اسم ابن أم مكتوم فقيل: عبد الله بن زائدة. وقيل: عمرو ابن قيس بن شريح وهو الأكثر عند أهل الحديث. شهد فتح القادسية وكان معه اللواء يومئذ وقتل شهيدا بالقادسية. تنظر ترجمته في: الاستيعاب لابن عبد البر (٣/ ١١٩٨)، الإصابة لابن حجر (٤/ ٨٧).
(٣) رضّ الشيء يرضه رضّا: كسره. وارتض الشيء تكسر. ينظر: لسان العرب (رضض).
(٤) يعني: كتف الشاة وكانوا يكتبون عليها قديما بعد أن تكون عظاما.
(٥) رواه البخاري في صحيحه رقم (٤٥٤٩)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ١٧٩) رقم (٣٥٤).
[ ١ / ١٩٧ ]
﴿لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (١٠٢) فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾
﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا﴾ الآية، نزلت في قوم هاجروا من مكة إلى المدينة، فأدركهم الموت قبل الوصول إلى المدينة، فقال المشركون: ما أدرك هؤلاء ما طلبوا، ولا بقوا على ما كانوا عليه، فأنزل الله - تعالى - ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ﴾ الآية (^١).
ظاهر الآية يقتضي أنه لا يجوز قصر الصلاة في السفر إلا مع الخوف، قال عمرو بن أمية الضمري (^٢): قلت لعمر بن الخطاب: ما بالنا نقصر، وقد أمنّا؟ فقال: عجبت مما عجبت منه يا ابن أخي، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: صدقة تصدق بها الله عليكم، فاقبلوا صدقته (^٣).
وظاهر الآية التي تليها (^٤) أن صلاة الخوف إنما تجوز إذا كان الرسول فيهم، وقد صلت الصحابة صلاة الخوف (٣٨ /ب) بعد رسول الله ﷺ.
وقوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ قيل: هو أمر إيجاب. وقيل: هو إرشاد إلى المصالح، فيكون حمل السلاح في صلاة الخوف واجبا على الأول، مستحبّا على الثاني.
وقوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ وأخذ الأسلحة حقيقة، وأخذ الحذر مجاز.
﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)﴾
﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ﴾
_________________
(١) رواه الواحدي في أسباب النزول (ص: ١٨١، ١٨٠)، رقم (٣٥٧).
(٢) هو عمرو بن أمية بن خويلد بن عبد الله بن ضمرة الضمري أبو أمية صحابي مشهور، أسلم حين انصرف المشركون من أحد وكان شجاعا وكان أول مشاهدة بئر معونة، وبعثه النبي ﷺ إلى النجاشي في زواج أم حبيبة، وإلى مكة فحمل خبيبا من خشبته، وله ذكر في عدة مواطن وكان من رجال العرب جرأة ونجدة وعاش إلى خلافة معاوية فمات في المدينة. قال أبو نعيم: مات قبل الستين. تنظر ترجمته في: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (٤/ ٦٠٢).
(٣) رواه مسلم رقم (٦٨٦)، وأحمد (٣٦، ١/ ٢٥) وأبو داود رقم (١١٩٩)، والترمذي رقم (٣٠٣٤).
(٤) الآية رقم (١٠١).
[ ١ / ١٩٨ ]
﴿اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣) لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾
روي: «أن طعمة بن الأبيرق (^١) سرق درعا في جراب، وفي الجراب دقيق، وفي الجراب ثقب، فتبدد الدقيق في الطريق فجاء طعمة بالدرع إلى بيت زيد السمين اليهودي فأودعه عنده، فلما طلب صاحب الدرع درعه فلم يجده فتتبع أثر الدقيق في الطريق فهداه إلى بيت زيد السمين، فطلبه منه، فقال: أحضره إليّ طعمة بن الأبيرق، فتحاكموا إلى رسول الله ﷺ، وصار مع طعمة جماعة، ومع زيد جماعة.
وقالت طائفة المسلمين: يا رسول الله، احكم على زيد السمين، فإن القصص أدى إلى داره، وافتضاح اليهودي أولى من افتضاح المسلم، وجادلوا عن طعمة، وأكثروا حتى خطر ببال النبي ﷺ يوافقهم على رأيهم، فنزلت هذه الآيات ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ﴾ (^٢) أي: بما علمك ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ أي: مخاصما معهم الطائفة الأخرى. ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللهَ﴾ مما خطر ببالك من ذلك ﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يوقعونها عن الخيانة، وهم طعمة وأصحابه.
_________________
(١) هو طعمة بن أبيرق بن عمرو الأنصاري، ذكره أبو إسحاق المستملي في الصحابة، وقال: شهد المشاهد كلها إلا بدرا، وقد تكلم في إيمان طعمة. تنظر ترجمته في: الإصابة في تمييز الصحابة (٣/ ٥١٨).
(٢) رواه الترمذي في الجامع الصحيح رقم (٣٠٣٦)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٨٥)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ١٨٣) رقم (٣٦١) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
[ ١ / ١٩٩ ]
﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ﴾ في التحامل على زيد السمين، ثم عرض لطعمة بالتوبة بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآيات ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ أي: يحملونك على التحامل على زيد السمين ثم اجتمع أصحاب طعمة يتشاورون، فنزلت ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾.
وفي الحديث: «كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر لله - تعالى» (^١).
﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا (١١٩)﴾
ثم إن طعمة افتضح، ولحقه الحياء فرجع إلى مكة، وكفر بعد إسلامه ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا﴾ (١١٥) (^٢).
﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ هذه الآية مطابقة لمذهب أهل السنة في أن الله - تعالى - لا يغفر الشرك إلا بالإسلام، وأما الكبائر والصغائر فأمرها موكول إلى المشيئة إن شاء الله عذب، وإن شاء عفا، ومذهب المعتزلة: أن من مات وفعل كبيرة ولم يتب أو أصر على
_________________
(١) رواه الترمذي رقم (٢٤١٢) وقال: غريب، وابن ماجه رقم (٣٩٧٤)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥١٢)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٢٠)، وزاد نسبته لعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي الدنيا في الصمت، وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان من حديث أم حبيبة، وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي رقم (٤٢٤).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٥/ ٢٦٧)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٦٧٢) لعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة. وفيهما فنافق بدل كفر.
[ ١ / ٢٠٠ ]
صغيرة، فهو مخلد في النار، ولا يدخل الجنة أبدا، واحتجوا بقوله - تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (٣١) [النساء] وهو الجنة فمن لم يجتنب الكبائر لا يدخل المدخل الكريم عندهم (^١).
والضال عن الطريق متى كان قريبا منها، تيسّر عوده إلى الطريق، ومتى بعد عن قصد الطريق، تعسّر عوده إليها، فشبه الله ضلال هؤلاء بالضلال إلى مكان بعيد عن الطريق كانوا يسمون أصنامهم بأسماء الإناث ويقولون: أنثى بني فلان، يعني: صنمهم؛ لأنهم كانوا يزعمون أنهم كانوا يعبدون الملائكة، وكانوا يسمون الملائكة تسمية الأنثى ﴿إِنْ يَدْعُونَ﴾ بدعائهم الأصنام ﴿شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ عاريا من الخير، يقال: شجرة مردا: إذا سقط ورقها. وصرح ممرد: أي: زجاج أملس، وسمي ماردا؛ لخلوه عن الخير، والأمرد أمردا؛ لخلو وجهه عن الشعر. ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ قيل: بالخصاء. وقيل: بالوسم.
والتبتيك: القطع، يريد به البحائر، وكانوا إذا ولدت الناقة عشرة أبطن بحروا أذنها، أي:
شقوها، وتركوها، لا يركبها أحد (^٢).
﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُورًا (١٢٠) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا (١٢٢) لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦) وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾
﴿غُرُورًا﴾ مفعول من أجله. ﴿مَحِيصًا﴾ مخلصا، نصب على المصدر. القيل والقول
_________________
(١) تقدم التعليق على ذلك عند تفسير الآية (٣١).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٧/ ٨٩).
[ ١ / ٢٠١ ]
والقال بمعنى واحد. ﴿لَيْسَ﴾ حصول الثواب وخير الدنيا والآخرة حاصلا ﴿بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ بل ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ والنقير: نقرة في ظهر النواة ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ أي: أخلص عمله ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ مائلا عن كل مذهب إلا الإسلام.
قيل: سمي الخليل خليلا بما قاله الشاعر [من الخفيف]:
قد تخلّلت مسلك الرّوح منّي وبهذا سمّي الخليل خليلا (^١)
﴿مُحِيطًا﴾ عالما ﴿قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ ويفتيكم ما يتلى عليكم في الكتاب فما:
فاعل لفعل مضمر. قالت عائشة - ﵂: نزلت في اليتيمة تكون في حجر الرجل، فيريد أن يتزوجها، ولا يوصلها إلى مهر مثلها، فنهوا عن تزويجهن إلا أن يقسطوا لهن الصداق، وفي المستضعفين من الولدان وفي أن تقوموا لليتامى بالعدل (^٢).
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللهُ واسِعًا حَكِيمًا (١٣٠) وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١)﴾
يقال: نشزت المرأة على زوجها، ونشز الزوج على امرأته، ومنه هذه الآية ﴿خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا﴾. ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ يعني: أنه قريب منها، غير بعيد عنها. ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا﴾ عشرة النساء ﴿وَتَتَّقُوا﴾ النشوز والإعراض. وقوله: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ يشير إلى أن العدل بكل طريق متعذر، كما قال: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ فما لا يقدر عليه من ذلك مسموح به، وهو مفهوم من قوله: ﴿فَلا تَمِيلُوا﴾
_________________
(١) البيت لبشار ينظر في: تفسير القرطبي (٥/ ٢٥٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٢/ ٤٣١)، فتح القدير للشوكاني (١/ ٧٨٢).
(٢) رواه البخاري مختصرا رقم (٥٠٦٤)، ومسلم رقم (٣٠١٨)، وأبو داود رقم (٢٠٦٨)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ١٨٧، ١٨٦) رقم (٣٦٨).
[ ١ / ٢٠٢ ]
﴿كُلَّ الْمَيْلِ﴾.
وقوله: ﴿كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ التي هي غير مزوجة وغير مطلقة. ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ وما روي عن الحسن بن علي ﵁ أنه كان منكاحا مطلاقا، ويقول: وعد الله الغنى في كل واحد من الأمرين؛ أما النكاح فقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] الآية إلى أن قال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ﴾ [النور: ٣٢] وأما في الطلاق فلهذه الآية - بعيد جدّا؛ فإن الطلاق لا يلتمس به الرزق، وليس المراد ها هنا كثرة المال، بل المراد غنى أحدهما عن صاحبه (^١).
وكان الله واسع العطاء، جعل الأمر بالتقوى عاما في الشرائع ﴿وَكانَ اللهُ غَنِيًّا﴾ عن عبادتكم محمودا تحمده أهل السماوات والأرض.
﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ قَدِيرًا (١٣٣) مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا (١٣٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٣٨)﴾
﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ ففوض الأمور إليه وهو الغني القادر الرحمن كما قال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ (٩) [المزمل] ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ فليطلبه من الله فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ﴾ بالعدل ﴿شُهَداءَ لِلّهِ﴾ كقوله - تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ﴾ [الطلاق: ٢] وأتى بصيغة المبالغة في قوله: ﴿قَوّامِينَ﴾ أي ليكن ذلك متكررا منكم. القياس فالله أولى به؛ لأن المراد أحدهما، لكن لما جرى ذكر
_________________
(١) ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء (٣/ ٢٥٣) في ترجمة الحسن ﵁ فقال: وقد كان هذا الإمام سيدا وسيما جميلا عاقلا رزينا جوادا خيرا دينا ورعا محتشما كبير الشأن وكان منكاحا مطلاقا تزوج نحوا من سبعين امرأة وقلما كان يفارقه أربع ضرائر.
[ ١ / ٢٠٣ ]
الفريقين أعاد الضمير عليهما ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى﴾ كراهة أن تعدلوا ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ يقال:
لويت الرجل إذا مطلته بحقه. وقرئ (وإن تلوا) بواو واحدة (^١) من الولي ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ عن هذه القضية ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالكتاب الأول ﴿آمَنُوا﴾ بالقرآن. أو ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بألسنتهم ﴿آمَنُوا﴾ بقلوبكم، أو ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ دوموا على الإيمان.
ومثله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ ﴿بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ﴾ اجعل مكان بشارة المؤمنين بالجنة إخبار هؤلاء بالتعذيب، فسماه باسم (٤٠ /أ) مقابله؛ كقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] والمجازاة ليست بسيئة، ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنّا نَسِيناكُمْ﴾ [السجدة: ١٤].
﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١) إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا (١٤٤) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾
﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾ فلتطلب منه دون غيره، كقوله: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠] ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ﴾ أي: في سورة الأنعام قوله: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا﴾ [الأنعام: ٦٨] إلى قوله: ﴿الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].
_________________
(١) قرأ بها ابن عامر وحمزة، وقرأ الباقون بلام ساكنة وواوين بعدها أولاهما مضمومة (تلووا). تنظر القراءة في: البحر المحيط لأبي حيان (٢/ ٣٧٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٢/ ٤٤١)، حجة ابن زنجلة (ص: ١٥)، الكشاف للزمخشري (١/ ٥٧٠).
[ ١ / ٢٠٤ ]
فإن سورة الأنعام مكية، وسورة النساء مدنية؛ فلذلك قال فيها: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ﴾ ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ إذا رضيتم قولهم. ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ﴾ ينتظرون، وسمي ما يناله المؤمنون فتحا؛ تعظيما لجزائهم بالخير.
﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ﴾ أي: نستولي عليكم. ﴿وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ قيل: المراد ما ذكره آنفا من تسمية الشيء باسم مقابله. وقيل: يعطون في القيامة نورا ويسعى المؤمنون في نور أعمالهم، ثم يضرب بينهم بسور، وينطفئ نور المنافقين. وقيل: تفتح أبواب النار، فيهمون بالخروج، فتغلق أبوابها دونهم.
﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ﴾ قال النبي ﷺ: «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه أخرى» (^١).
منازل النار تذهب إلى أسفل، وتسمى دركات، والمنافقون في الدرك الأسفل منها ومنازل الجنة تذهب علوّا، وتسمى درجات. وشرط في توبة المنافقين الإصلاح والاعتصام بالله وإخلاص الدين لله، فلما تكاملت هذه الشروط أعرض عنهم وقال: هؤلاء إذا استكملت شروط توبتهم يكونون مع المؤمنين.
﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللهُ شاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧) لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾
﴿وَسَوْفَ﴾ أكافئ المؤمنين بالخير، وهذا يدل على غضب شديد فإنه وإن قبل توبتهم،
_________________
(١) رواه مسلم رقم (٢٧٨٤)، والنسائي (٨/ ١٢٤)، من حديث ابن عمر. قال النووي في شرح مسلم (٩/ ١٤٢): العائرة: المترددة الحائرة، لا تدري لأيهما تتبع. وقال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٢٨): المترددة بين قطيعين، لا تدري لأيهما تتبع.
[ ١ / ٢٠٥ ]
يعرض عنهم.
أي شيء ﴿يَفْعَلُ اللهُ﴾ بتعذيبكم إن كنتم مؤمنين شاكرين فإنه - تعالى - شاكر يثيب على العمل اليسير بالجزاء الكثير، ويضاعف الثواب حتى يكون بقدر سبعمائة ضعف. قال بعض المفسرين من التابعين: يجوز لمن شتم أن يرد على من شتمه قبله، فإن ظاهر هذه الآية يقتضي أن من ظلم جاز له الجهر بالسوء من القول. وقد أعمل المصدر الذي هو الجهر في الجار والمجرور، فادعى بعض النحويين أنه ليس في القرآن إعمال المصدر المعرف بالألف واللام إلا في هذا الوضع، وليس بصحيح؛ لأن قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] إلى أن قال: ﴿أَيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] إنه ظرف والعامل فيه الصيام المعرف بالألف واللام (^١).
وقوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ (٤٠ /ب) ليس جوابا للشرط؛ لأن وصفه بالعفو والقدرة مستمر سواء أبدوا خيرا أو أخفوه، أو عفوا عن سوء أو لم يعفوا، والتقدير: أو تعفوا عن سوء فقد اتصفتم بصفات الحق ﷻ في العفو والقدرة. في (أحد) معنى العموم؛ فلذلك دخلت من عليها، ولفظة بين تستدعي شيئين فصاعدا.
﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا (١٥٣)﴾ ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ﴾
_________________
(١) هذا قول العكبري في اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٤٤٨ - ٤٥٠): ويعمل المصدر وإنّ لم يعتمد بخلاف اسم الفاعل؛ لأنّه قوي بكونه أصلا للفعل وأنّه موصوف لا وصف، ثم قال: وأقوى المصادر عملا المنون؛ لأنه أشبه بالفعل إذ كان نكرة، وإن الفعل لا يضاف، ثم يليه المضاف؛ لأن الإضافة في حكم الأسماء، وقد لا تعرّف وإذا عرفت كان التعريف ساريا من الثاني إلى الأوّل بعد أن مضى لفظه على لفظ النكرة بخلاف الألف واللام، ثم ما فيه الألف واللام وعمله ضعيف؛ لأنّ الألف واللام أداة زائدة في أوّله تنقله من التنكير إلى التعريف في أوّل أحواله ومع ذلك فعمله جائز؛ لأنّ الشبه فيه باق وهو قليل في الاستعمال، ولم يأت في القرآن منه معمل في غير الظرف فيما علمنا وإنّما جاء معملا في الظرف كقوله - تعالى: لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ وينظر تفصيل هذه المسألة في: الأصول لابن السراج (١/ ١٣٧)، البيان في غريب القرآن لابن الأنباري (١/ ٢٧٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٢/ ٤٥٠).
[ ١ / ٢٠٦ ]
﴿اُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (١٥٤) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾
﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ بعد أن أتيتهم بآيات تدل على صدقه وادعاء النبوة، فلا وجه لاقتراحهم آيات أخر، كما لو قامت بينة على خصم بحق فقال: أريد أن يشهد فلان وفلان فإنه لا يسمع منه هذا الاقتراح بعد قيام البينة.
﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ﴾ تعنتا بعد رؤيتهم انفراق البحر، وانقلاب العصا حية، واليد السمراء بيضاء، من غير سوء.
وأصل أرنا: أرءنا، حذفت الهمزة؛ لكثرة دورانها على الألسنة، كما حذفت في قوله يرى، وأصله: يرءى، ثم نقلت حركة الهمزة إلى الراء التي قبلها، فصارت أرنا ﴿جَهْرَةً﴾ عيانا ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ توهّم الزمخشري (^١) أن رميهم بالصاعقة كان عقوبة لهم لسؤالهم الرؤية المستحيلة عنده، وإنما هو لتعنتهم، وطلب آيات أخر بعد رؤية الآيات السابقة.
﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ إلها ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ﴾ بأن الله - تعالى - ليس بجسم، ولا مصور. وقوله: ﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ﴾ أي: أخرنا عقوبته وإلا فالله - تعالى - لا يعفو عن الشرك إلا بالإسلام. ﴿وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا﴾ حجة ﴿مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ عهدا مؤكدا. (ما) في فبما: زائدة.
أي: فبنقضهم ميثاقهم. مضى الكلام في قوله: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] هل هي جمع أغلف، أي: لا نفهم ما تقول. أو جمع غلاف، أي: قلوبنا أوعية للعلم حافظة فلا حاجة إلى ما جئت به.
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ﴾
_________________
(١) ينظر: الكشاف (١/ ٥٨٥) وعبارة الزمخشري: بظلمهم: بسبب سؤالهم الرؤية، ولو طلبوا جائزا لما سموا ظالمين ولما أخذتهم الصاعقة.
[ ١ / ٢٠٧ ]
﴿شَهِيدًا (١٥٩)﴾
وقوله: ﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ﴾ إخبار من الله، وإلا فهم لم يقولوا إنه رسول، بل زعموا أنه ابن الله، أو هو الله، أو أحد الأقانيم الثلاثة (^١) ﴿وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ ألقى الله شبه عيسى على الذي دل عليه، فأخذ وصلب، فرفع الله عيسى إلى سمائه.
﴿بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ فيه وجوه: أنه عبد الله ورسوله قبل موت عيسى حين ينزل حكما عبدا (^٢). وقيل: قبل موت الكتابي (٤١ /أ) يتبين له الحق، فيؤمن به حتى لا ينفعه إيمانه (^٣). أو ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ أي: بمحمد ﷺ قبل موت الكتابي (^٤).
_________________
(١) الأقانيم: الأصول واحدها: أقنوم، والأقانيم الثلاثة: هي أقنوم الأب وأقنوم الابن وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن - تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا - قال ابن جرير وغيره: والطوائف الثلاث من الملكانية واليعقوبية والنسطورية تقول بهذه الأقانيم وهم مختلفون فيها اختلافا متباينا ليس هذا موضع بسطه وكل فرقة منهم تكفر الأخرى والحق أن الثلاثة كافرة. ينظر: تفسير ابن جرير (٦/ ٣١٣)، تفسير ابن كثير (٢/ ٨٢)، لسان العرب (قنم).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٦/ ١٩) عن ابن عباس - ﵄ - وعن الحسن وقتادة - رحمهما الله.
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٦/ ٢٠) عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما.
(٤) رواه الطبري في تفسيره (٦/ ٢١) عن عكرمة ثم قال ابن جرير بعد ذكر هذه الأقوال: وأولى الأقوال بالصحة والصواب قول من قال تأويل ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من غيره من الأقوال؛ لأن الله جل ثناؤه حكم لكل مؤمن بمحمد بحكم أهل الإيمان في الموارثة والصلاة عليه وإلحاق صغار أولاده بحكمه في الملة فلو كان كل كتابي يؤمن بعيسى قبل موته لوجب أن لا يرث الكتابي إذا مات على ملته إلا أولاده الصغار أو البالغون منهم من أهل الإسلام إن كان له ولد صغير أو بالغ مسلم وإن لم يكن له ولد صغير ولا بالغ مسلم كان ميراثه مصروفا حيث يصرف مال المسلم يموت ولا وارث له وأن يكون حكمه حكم المسلمين في الصلاة عليه وغسله وتقبيره؛ لأن من مات مؤمنا بعيسى فقد مات مؤمنا بمحمد وبجميع الرسل وذلك أن عيسى صلوات الله عليه جاء بتصديق محمد وجميع المرسلين فالمصدق بعيسى والمؤمن به مصدق بمحمد وبجميع أنبياء الله ورسله كما أن المؤمن بمحمد مؤمن بعيسى وبجميع أنبياء الله ورسله فغير جائز أن يكون مؤمنا بعيسى من كان بمحمد مكذبا. ثم قال: وأما الذي قال: عني بقوله: لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ليؤمنن بمحمد قبل موت الكتابي فمما لا وجه له مفهوم لأنه مع فساده من الوجه الذي دللنا على فساد قول من قال عنى به ليؤمنن بعيسى قبل موت الكتابي يزيده فسادا أنه لم يجر لمحمد ﵊ في الآيات التي قبل ذلك ذكر فيجوز صرف الهاء التي في قوله: لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ إلى أنها من ذكره وإنما قوله: لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ في سياق ذكر عيسى وأمه واليهود فغير جائز صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنزيل أو خبر عن الرسول تقوم به حجة فأما الدعاوي فلا تتعذر على أحد. فتأويل الآية إذ كان الأمر على ما وصفت وما من أهل الكتاب إلا من ليؤمنن بعيسى قبل موت -
[ ١ / ٢٠٨ ]
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٦١) لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢) إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا (١٦٣)﴾
﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ يجوز أن يكون متعديا و(كثيرا) مفعول به، أي: وبمنعهم كثيرا عن الإيمان، وأن يكون صد لازما، ويكون كثيرا نعتا لمصدر محذوف، والتقدير:
وبصدهم صدودا كثيرا حرمت عليهم محرمات كثيرة؛ لظلمهم وكذبهم، وقد بين ذلك في قوله: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ (١٤٦) [الأنعام] أي: وهم الكاذبون في دعواهم:
أن هذا التحريم كان شرعا مستأنفا، ولم يكن عقوبة.
وقوله: ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إن كانت شريعة من قبلنا شرعا لنا، فيجب الإيمان بكل جزء منها، إلا ما نسخ؛ كالسبت وأكل لحوم الإبل، وإن قلنا: إنه ليس شرعا لنا، فيجب الإيمان بأنها نزلت من عند الله، ولا يجب الإيمان بما فيها من الشرائع.
وقوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ من باب عطف الصفات بالواو، وانقطاع بعضها بالنصب بإضمار أعني أو بالرفع بإضمار هو؛ كقول الشاعر [من الكامل]:
لا يبعدن قومي الذين هم سمّ العداة وآفة الجزر
النازلين بكلّ معترك والطيبون معاقد الأزر (^١)
فعطف بالواو واقتطع. قوله: ﴿كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ التشبيه وقع في أصل
_________________
(١) = عيسى وحذف من بعد إلا لدلالة الكلام عليه فاستغني بدلالته عن إظهاره كسائر ما قد تقدم من أمثاله التي قد أتينا على البيان عنها.
(٢) البيتان للخرنق بنت بدر بن هفّان، ينظران في: الأشباه والنظائر للسيوطي (٦/ ٢٣١)، الإنصاف لابن الأنباري (٢/ ٤٦٨)، أوضح المسالك لابن هشام (٣/ ٣١٤)، خزانة الأدب للبغدادي (٥/ ٤١، ٤٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٢/ ٤٦٢)، ديوان الخرنق (ص: ٤٣)، الكتاب لسيبويه (١/ ٢٠٢)، لسان العرب (نضر)، همع الهوامع للسيوطي (٣/ ١٢٥) والآفة: العلة والمرض. والجزر: جمع جزور وهي الناقة. والمعترك: موضع الزحام في القتال. والمعاقد: موضع عقد الإزار وثنيه. والأزر: جمع إزار، وهو ما يستر نصف البدن من أسفل.
[ ١ / ٢٠٩ ]
الوحي إليهم لا فى نفس المفروض.
﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥) لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا (١٦٦) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلاّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (١٦٩) يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾
وقوله: ﴿وَرُسُلًا﴾ منصوب بفعل مضمر، أي: وأرسلنا رسلا قد قصصنا نبأهم بالحق، ورسلا لم نقصص نبأهم.
وقوله: ﴿وَرُسُلًا﴾ الثاني بدل من الأول ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ﴾ فيقولوا ﴿ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى﴾ (١٣٤) [طه: ١٣٤] إلى آخر السورة.
﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ﴾ يعني: إن توقفوا على الشهادة لك، فالله يشهد، وفيه ما في قوله:
﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] قوله: ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ لا يمتدح الله بالقدرة فإن في مخلوقاته الداخلة تحت قدرته ما هو أشد منهم، لكن المراد: أنهم هانوا عليه؛ لكفرهم، فهانت عقوبتهم، وهذا كقوله في نساء النبي: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠] أي: تهون عليه عقوبتهن إذا فعلن ذلك.
قد تقتضي التوقع، وإن كان الفعل بعدها ماضيا؛ لأنها لا تستعمل إلا حيث يكون ذلك الفعل مترقبا. ومنه قول المؤذن: قد قامت الصلاة ولا تقول: قد ركب الأمير؛ إلا لقوم ينتظرون ركوبه، والكفار كانوا ينتظرون بعثة النبي ﷺ، فإنه مذكور في كتبهم القديمة.
قوله: ﴿خَيْرًا﴾ مفعول بفعل مضمر، والتقدير: وائتوا خيرا لكم، ولا تضمر: يكن خيرا.
و(خيرا) منصوب ب (يكن)؛ لأن كان لا تعمل مضمرة.
[ ١ / ٢١٠ ]
﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٧٣) يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾
﴿لا تَغْلُوا﴾ لا تجاوزوا الحد في اعتقادكم. ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: من عنده، كقوله ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٣] ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ أي: لا تقولوا: معبودنا ثلاثة. ولا تقدر: آلهتنا ثلاثة؛ لأن المبتدأ لا يدخله تصديق ولا تكذيب، فتكون قد قدرت أن ثم آلهة وأخبرت أنها ثلاثة، وهذا لا يجوز.
﴿اِنْتَهُوا خَيْرًا﴾ أي: انتهوا وائتوا خيرا.
الهاء في سبحانه في موضع جر؛ كقولك: سبحان الله، وهذا المجرور هل هو في موضع رفع أو نصب؟ فيه قولان، التقدير: سبحت الله، أو تنزه الله.
قوله: ﴿ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ فيه تلويح بأن الإنسان لا يملك ولده. ومثله:
﴿سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء] استنكف عن الأمر: إذا ترفع عنه.
وقوله ﴿وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ادعى بعض الناس أنه يدل على أن الملائكة أفضل من البشر، كقولك: لا تستنكف عن صحبتي زيد ولا السلطان، ولا تقول: لا تستنكف عن صحبتي السلطان ولا زيد؛ لأنه لا ترقي فيه. وجوابه: أنه إذا ذكر عن شخصين أنهما ترفعا عن صحبتك رددت عليه وقلت: لا تستنكف عن صحبتي زيد ولا عمرو، لا تدريج فيه. والملائكة قد عبدوا، والمسيح قد عبد، فأخبر الله - تعالى - أن هذين المعبودين لا يستنكفان عن عبادته.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾
[ ١ / ٢١١ ]
﴿وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾
أما حرف تفصيل، ولابد بعدها من وجود شيئين تقول: أما زيد فعالم، وأما عمرو فجاهل. ولا يجوز الاقتصار على قولك: أما زيد فعالم وهاهنا وقع الاقتصار على قوله:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ الآية، وإنما جاز الاقتصار ها هنا، فإنه قد مضى ذكر الفريقين بعد قوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ﴾
(٤٢ /أ) ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ تنازع العاملان على المجرور في الكلالة والتقدير: يستفتونك في الكلالة، قل الله يفتيكم فيها، فجاءت حجة البصريين في إعمال الثاني، ولو عمل الأول لقال: يستفتونك في الكلالة قل الله يفتيكم فيها (^١). ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ امرؤ: فاعل؛ فإن الشرط يطلب الفعل، والتقدير: إن هلك امرؤ. وقد امتنع بعض الناس أن يقال: هلك إلا في الكفار، وهو غلط؛ لقوله هاهنا: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ هو عام في الكفار والمؤمنين، ولقوله: ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّا جاءَكُمْ بِهِ حَتّى إِذا هَلَكَ﴾ [غافر: ٣٤].
قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ﴾ لابد أن يكون: ولا أب؛ لأن الأب يحجب الإخوة. وجعل للأختين هاهنا الثلثين، فجعل الثلثين للبنتين من باب الأولى؛ لأن البنات يحجبن الأخوات عن الفرض فلا يرثن إلا بالتعصيب. ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ﴾ كراهة ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ أو: لئلا تضلوا. فمن أضمر كراهة قال: أضمرت كلمة واحدة، وأنت أضمرت كلمتين؛ لام كي،
_________________
(١) هذه المسألة تعرف بمسألة التنازع ومعناه: أن يتوجه عاملان متقدمان أو أكثر إلى معمول واحد متأخر أو أكثر كما في هذه الآية، حيث إن فِي الْكَلالَةِ في الكلالة تقدمه عاملان وهما يَسْتَفْتُونَكَ ويفتيكم، وقد اختلف النحاة في أي العاملين منهما يعمل في المعمول، الأول أم الثاني؟ فذهب البصريون إلى أن العامل هو الثاني؛ لقربه من المعمول. وذهب الكوفيون إلى أن العامل هو الأول؛ لسبقه. ولا يقع التنازع إلا بين فعلين متصرفين، أو اسمين يشبهانهما، أو فعل متصرف واسم يشبهه، ولا يقع بين حرفين ولا بين حرف وغيره ولا بين جامدين ولا بين جامد وغيره. وإذا جاء الفعل الثاني لمجرد التقوية والتأكيد، فلا عمل له وإنما يكون العمل للأول ولا يكون حينئذ من باب التنازع. تنظر المسألة في: الإنصاف لابن الأنباري (١/ ٨٧)، المسألة (١٣)، أوضح المسالك (٣/ ١٨٦) شرح الأشموني (٢/ ١٧٥)، همع الهوامع (٣/ ٩٤).
[ ١ / ٢١٢ ]
ولا. قال الثاني: أنا أضمرت ثلاثة أحرف؛ لام كي حرف، ولا: حرفان ركب أحدهما مع الآخر، وأنت أضمرت خمسة أحرف، وهي كراهة.
﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١٧٦).
***
[ ١ / ٢١٣ ]