﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)﴾
﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى آيات السورة. والكتاب المبين: اللوح. وإبانته: أنه مبين فيه كل شيء. أو السورة، أو القرآن، وإبانتهما: أنهما بينا ما اشتملا عليه من الأحكام والحكم وإضافة الآيات إلى القرآن تعظيم؛ فإن الإضافة إلى العظيم تعظمه، ونكّر الكتاب المبين؛ ليكون أفخم له؛ كقوله: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (^١) وإذا أريد به القرآن فهو من عطف الصفات بعضها على بعض؛ كقولك: هذا فعل السخي والجواد والكريم، والتقدير:
آيات القرآن، وآي كتاب مبين، والمعطوف بالواو تارة يكون تقديم أحد الأمرين على الآخر لمزية ظاهرة؛ كقوله: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ﴾ (^٢) وتارة لا مزية فيه؛ كقوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا﴾ (^٣) ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (^٤).
﴿هُدىً وَبُشْرى﴾ إما نصب على الحال، أي: هاديا ومبشرا. وإما رفع على إضمار هو أو على البدل من "الآيات" أو على أن يكون خبرا بعد خبر.
وقوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ يجوز أن يكون من تمام الصلة عنده، ويكون جملة اعتراضية؛ كأنه قيل: وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هم الموقنون بالآخرة، وتكرير "هم" يقوي هذا المعنى.
نسب الله التزيين إليه بقوله: ﴿زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ﴾ وإلى الشيطان بقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ﴾
_________________
(١) سورة القمر، الآية (٥٥).
(٢) سورة آل عمران، الآية (١٨).
(٣) سورة الأعراف، الآية (١٦١).
(٤) سورة البقرة، الآية (٥٨).
[ ٢ / ٥ ]
﴿الشَّيْطانُ﴾ (^١) إلا أن الإضافة إلى الله حقيقة وإلى الشيطان مجاز. ﴿سُوءُ الْعَذابِ﴾ القتل والأسر يوم بدر. ﴿لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ لتؤتاه من عند أيّ حكيم عليم، وهو معنى تنكيرهما.
﴿إِذْ قالَ مُوسى﴾ اذكر ٧ ذ قال موسى لأهله. قيل: لم يكن معه سوى زوجته، فأتبع ذلك بورود الخطاب بلفظ الجمع في قوله: ﴿اُمْكُثُوا﴾ (^٢).
﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلاّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (١٢)﴾
الشهاب: الشعلة. والقبس: النار المقبوسة. ومن قرأ ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ بالإضافة (^٣) لأن الشهاب يكون قبسا وغير قبس، ومن نون الشهاب جعل القبس بدلا أو صفة.
﴿سَآتِيكُمْ﴾ (١٦٢ /أ) جزم فيه بحصول القبس. وفي طه قال ﴿لَعَلِّي﴾ (^٤) فجعله مترجيا لذلك؛ لأن المهتم بالأمر إذا ظن حصوله يقول: سأفعل كذا، وسأصنع كذا. وأتى بلفظة "أو"؛ لأنه بنى الأمر على حصول أحد الأمرين؛ النار وهداية الطريق. ولقد وجدهما معا، وحصل له عز الدنيا وعز الآخرة. "أن" في قوله: ﴿أَنْ بُورِكَ﴾ مفسرة؛ لأن النداء فيه معنى القول. ولا يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة؛ لأنه لا بد فيه من "قد" ولا يجوز إضمارها؛ لأن فيها فائدة تذهب بحذفها، ومن البركة في تلك البقعة
﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ إرسال موسى نبيّا، وكلام الله تعالى له، وظهور المعجزة. ورب خير يظهر في بعض البقاع فينشر الله بركته في أقاصيها وأدانيها. وقيل: المراد بالمبارك: موسى والملائكة الحاضرون، وإنما نودي بذلك بشارة لموسى بأنه يقع أمر عظيم وبركة شاملة،
_________________
(١) سورة النمل، الآية (٢٤).
(٢) سورة القصص، الآية (٢٩).
(٣) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر "بشهاب قبس" وقرأ الباقون "بشهاب قبس". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٥٥)، تفسير القرطبي (١٣/ ١٥٦)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٦٩)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٢٣)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٧٨)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٣٧)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٧).
(٤) سورة طه، الآية (١٠).
[ ٢ / ٦ ]
وكذلك قوله: ﴿وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وفيه تعجيب لموسى - ﵇ - من عظم البركة التي تنتشر من هذه البقعة. الهاء في "إنه" ضمير الشأن. ﴿أَنَا اللهُ﴾ وتفسير للشأن، ويكون المراد: إن مناديك ومخاطبك أنا الله العزيز الحكيم. وعطف قوله: ﴿وَأَلْقِ عَصاكَ﴾ على ﴿بُورِكَ﴾ لأنه نودي بهما جميعا. قوله ﷿: ﴿إِلاّ مَنْ ظَلَمَ﴾ استثناء من غير الجنس، أي: ولكن من ظلم نفسه منهم في وقوع شيء مما يجوز على الأنبياء ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿بَدَّلَ حُسْنًا﴾ أي: توبة ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾ بعد معصية.
﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾ أي: اذهب في تسع آيات، ويجوز أن يكون المعنى: وألق عصاك وأدخل يدك في تسع آيات، أي: في جملة تسع آيات وعدادهن، وهي العصا واليد البيضاء والقمل والضفادع والدم والجراد والجدب في البوادي والطوفان والطمسة وانفلاق البحر والنقصان في مزارعهم فتكون إحدى عشرة؛ إلا أن الجدب قد ينازع في كونه آية.
﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْمًا وَقالا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)﴾
المبصرة: الظاهرة البينة، وجعل إبصار أهلها بها كأنه إبصارها، ويجوز أن يراد أنها سبب في استبصار كل من رآها أو (١٦٢ /ب) في استبصار فرعون وجنوده، ولأن كلمة الحق تهدي، وكلمة الباطل تضل، ومنه قوله تعالى: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ﴾ (^١)
الواو في "واستيقنتها" واو الحال، و"قد" بعدها مضمرة. والعلو: الكبر والترفع عما جاء به موسى، كقوله: ﴿وَكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ (^٢) وفائدة ذكر الأنفس، والعدول عن قوله: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْها﴾ للدلالة على أنهم قد رسخ ذلك في قلوبهم واستقر في بواطنهم.
(علما) أي: نوعا من العلوم. وقيل: أراد تعظيمه، أي: علما سنيا.
قوله: ﴿عَلى كَثِيرٍ﴾ يريد من لم يؤت علما، أو لم يؤت مثل علمها. وفيه دليل على
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية (١٠٢).
(٢) سورة المؤمنون، الآية (٤٦).
[ ٢ / ٧ ]
شرف العلم، وتقدم حملته وأهله، ويجب عليهم شكر الله تعالى على ما وهبهم من العلم، ويجب على من وهب العلم أن يعتقدوا أنهم وإن فضلوا على كثير فقد فضل عليهم غيرهم وقد قال عمر: "كل الناس أفقه من عمر" (^١) هضما لنفسه.
﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ﴾: من أبيه، ورث منه النبوة والملك دون سائر بنيه. وكانوا تسعة عشر، وكان داود أكثر تعبّدا، وسليمان أقضى وأشكر لنعمة الله. ﴿وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ تشهيرا لنعمة الله وإظهارا لها؛ ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (^٢) وطلب من الناس تصديقهم بهذه المعجزة بعد النظر فيها. و﴿مَنْطِقَ﴾ كل ما يصوّت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد، وقد ترجم يعقوب (^٣) كتابه ب "إصلاح المنطق" وما أصلح فيه إلا مفردات الكلم (^٤). والذي
_________________
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء، الآية (٢٠).
(٢) سورة الضحى، الآية (١١).
(٣) هو شيخ العربية أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن السكيت البغدادي النحوي المؤدب مؤلف كتاب إصلاح المنطق، ديّن خيّر، حجة في العربية، أخذ عن أبي عمرو الشيباني وطائفة، روى عنه أبو عكرمة الضبي وأحمد بن فرح المفسر وجماعة، وكان أبوه مؤدبا فتعلم يعقوب وبرع في النحو واللغة وأدّب أولاد الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر ثم ارتفع محله وأدب ولد المتوكل، وله من التصانيف نحوا من عشرين كتابا. ولابن السكيت شعر جيد. ويروى أن المتوكل نظر إلى ابنيه المعتز والمؤيد فقال لابن السكيت: من أحب إليك هما أو الحسن والحسين؟ فقال: بل قنبر. فأمر الأتراك فداسوا بطنه فمات بعد يوم وقيل: حمل ميتا في بساط قال ثعلب: أجمعوا أنه لم يكن أحد بعد ابن الأعرابي أعلم باللغة من ابن السكيت، وكان المتوكل قد ألزمه تأديب ولده المعتز فلما حضر قال له ابن السكيت: بم تحب أن تبدأ قال: بالانصراف. قال فأقوم. قال المعتز: فأنا أخف منك. وبادر، فعثر، فسقط، وخجل فقال يعقوب: يموت الفتى من عثرة بلسانه وليس يموت المرء من عثرة الرجل فعثرته بالقول تذهب رأسه وعثرته بالرجل تبرا على مهل قيل: كتاب إصلاح المنطق كتاب بلا خطبة وكتاب أدب الكاتب خطبة بلا كتاب. قلت - أي: الذهبي. إصلاح المنطق كتاب نفيس مشكور في اللغة. مات ابن السكيت سنة أربع وأربعين ومائتين. تنظر ترجمته في: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٤/ ٢٧٣)، سير أعلام النبلاء للذهبي (١٢/ ١٦ - ١٩).
(٤) قال حاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ١٠٨): "إصلاح المنطق من الكتب المختصرة الممتعة في الأدب ولذلك تلاعب الأدباء بأنواع من التصرفات فيه؛ فشرحه أبو العباس أحمد بن محمد المريسي المتوفّى في حدود سنة ستين وأربعمائة، وزاد ألفاظا في الغريب، وأبو منصور محمد بن أحمد الهروي المتوفّى سنة سبعين وثلاثمائة، وشرح أبياته أبو محمد يوسف بن الحسن بن السيرافي النحوي المتوفّى سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، ورتبه الشيخ أبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري المتوفّى سنة ست عشرة وستمائة على الحروف، وهذبه أبو علي الحسن بن المظفر النيسابوري الضرير المتوفى سنة اثنتين -
[ ٢ / ٨ ]
علمه سليمان من منطق الطير ما يعرف به مقاصدها. ﴿وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يريد: تفنّنه في العلوم، وهو كقوله في بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾. ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ شكر لم يقصد به المباهاة، وهو كقوله ﵇:" أنا سيد ولد آدم ولا فخر " (^١).
قوله: ﴿عُلِّمْنا﴾ و﴿وَأُوتِينا﴾ بنون العظمة، وليس حقيقا بالتعظيم؛ لأنه أراد نفسه وأباه ولأن الملك يراد من صفاته أن يكون له هيئة حسنة، وكلام جزل لتقوى بذلك حرمته وتنفذ كلمته، وقد أمر رسول الله ﷺ بحبس أبي سفيان حتى تمرّ عليه الكتائب (^٢).
﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨)﴾
روي أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة؛ خمسة وعشرون للإنس (١٦٣ /أ) وخمسة
_________________
(١) = وأربعين وأربعمائة، والشيخ أبو زكريا يحيى بن علي بن الخطيب التبريزي المتوفّى سنة اثنتين وخمسمائة وسماه التهذيب، وعلى تهذيب الخطيب رد لأبي محمد بن عبد الله أحمد المعروف بابن الخشاب النحوي المتوفى سنة سبع وستين وخمسمائة، وعلى الأصل رد لأبي نعيم علي بن حمزة البصري النحوي المتوفّى سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، ولخصه أيضا أبو المكارم علي بن محمد النحوي المتوفّى سنة إحدى وستين وخمسمائة، وناصر الدين عبد السيد المطرزي المتوفّى سنة عشرة وستمائة، وعون الدين يحيى بن محمد ابن هبيرة الوزير.
(٢) رواه أحمد في المسند (٣/ ٢)، والترمذي رقم (٣١٤٨)، وابن ماجه رقم (٤٣٠٨)، عن أبي سعيد الخدري. وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (١٥٧١).
(٣) روى البخاري في صحيحه في المغازي، في غزوة الفتح رقم (٣٩٤٤) من حديث هشام بن عروة عن أبيه قال:" لما سار رسول الله ﷺ عام الفتح بلغ ذلك قريشا، فخرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله ﷺ فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مرّ الظهران، فرآهم ناس من حرس رسول الله ﷺ فأخذوهم فأتوا بهم رسول الله ﷺ فأسلم أبو سفيان، فلما سار قال للعباس: احبس أبا سفيان عند حطم الخيل؛ حتى ينظر إلى المسلمين، فحبسه العباس فجعلت القبائل تمر مع النبي ﷺ تمر كتيبة كتيبة على أبي سفيان فمرت كتيبة فقال: يا عباس من هذه؟ قال: غفار. فقال: ما لي ولغفار. ثم مرت جهينة، فقال مثل ذلك، ثم مرت سعد بن هذيم، فقال مثل ذلك، ومرت سليم فقال مثل ذلك، حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها قال: من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية، ثم جاءت كتيبة، وهي أقل الكتائب فيهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وراية النبي ﷺ مع الزبير "الحديث بطوله.
[ ٢ / ٩ ]
وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للجن، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة، وسبعمائة سرية، ونسجت له الجن بساطا من ذهب وإبريسم (^١) فرسخا في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسط البساط، وهو من ذهب - فيجلس الناس حوله، والجن حول الناس، وتظلّه الطير بأجنحتها؛ حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصّبا ذلك البساط، فيقطعوا بالغداة مسيرة شهر، وفي العشي مسيرة شهر، وكان يأمر الريح العاصف برفعه، ويأمر الريح اللينة وهي الرخاء فتسيره، فأوحى الله إليه: أني زدت في ملكك لا يتكلم أحد بشيء إلا حملت الريح ذلك إلى سمعك.
فحكي أنه مرّ بحرّاث فقال: لقد أوتي آل داود ملكا عظيما. فألقته الريح في أذنه فنزل ومشى إلى الحراث، وقال: إنما مشيت إليك لئلا تتمنّى ما لا تقدر عليه، ثم قال: لتسبيحة واحدة يقبلها الله خير مما أوتي آل داود.
﴿يُوزَعُونَ﴾ يحبس أولهم حتى يلحقهم آخرهم؛ لأن اجتماعهم أهيب وأوقع في النفوس.
﴿وادِ النَّمْلِ﴾ بالشام وهو كثير النمل.
قرئ ﴿النَّمْلِ﴾ بضم الميم وهي لغة، وكذلك النّملة (^٢)، وإنما عدّي ﴿أَتَوْا﴾ ب ﴿عَلى﴾ لأن إتيانهم الوادي كان من فوق، أو لأنه يراد قطع الوادي وبلوغ آخره، يقال: أتى على الشيء. إذا أكمله، وكان سليمان قد أراد أن ينزل عند منقطع الوادي، وإلاّ فما داموا فوق البساط لا يتأذى به النمل ولا غيره من الحيوانات.
ويحكى أن قتادة دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال: سلوا عمّا شئتم. وكان أبو حنيفة غلاما فقال: سلوه عن نملة سليمان؛ أكانت ذكرا أم أنثى؟ فأفحم قتادة؛ فقال أبو
_________________
(١) الإبريسم: الحرير، وهو معرب، وفيه ثلاث لغات، قال ابن السكيت: هو الإبريسم بكسر الهمزة والراء وفتح السين وقال: ليس في كلام العرب إفعيلل مثل إهليلج وإبريسم، وهو ينصرف، وكذلك إن سميت به على جهة التلقيب انصرف في المعرفة والنكرة؛ لأن العرب أعربته في نكرته، وأدخلت عليه الألف واللام وأجرته مجرى ما أصل بنائه لهم. ينظر: لسان العرب (برسم).
(٢) قرأ الحسن وطلحة ومعتمر بن سليمان" النمل "و" نملة "بضم الميم وفتح النون، وقرأ سليمان التيمي بضمتين فيهما وهي لغات في الواحد والجمع. وتنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٦١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٠٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٥٥)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٨).
[ ٢ / ١٠ ]
حنيفة كانت أنثى؛ لقوله تعالى: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ ولم يقل: قال نملة، ولأن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى، فيميّز بينهما بعلامة تقول: حمامة ذكر وحمامة أنثى (^١) ولمّا وصف النملة بالقول أجراها مجراهم في قوله: ﴿مَساكِنَكُمْ﴾ و﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ وهو كقوله (١٦٣ /ب) ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ (^٢) يريد الشمس والقمر.
وقوله: ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ يجوز أن يكون جوابا للأمر، وأن يكون نهيا.
﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ﴾ والمراد جنوده، أو المجموع؛ كقولك [من الرجز]:
عجبت من نفسي ومن إشفاقها (^٣)
﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا﴾ أخذ في الضحك؛ لأنه تجاوز حدّ التبسم منتهيا إلى الضحك وهذا هو الضحك النبوي، وأما ما روي "أنه ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه" (^٤) فهو مبالغة في ضحك النبوة، وإنما ضحك سليمان من قولها كاشفة لعذر سليمان بقولها: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ يعني: أنهم لو شعروا لم يفعلوا، وسرورا بما وهبه الله تعالى من إطلاعه على كلام بصوت خفيّ من نملة حتى وعاه سليمان وعرفه.
﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ (١٩) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤)﴾
ولا جرم دعا ربّه فقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ ومعنى ﴿أَوْزِعْنِي﴾ اجعلني أزع شكر نعمتك
_________________
(١) ذكر ذلك الزمخشري في الكشاف (٣/ ٣٥٦)، والسمين الحلبي في الدر المصون (٥/ ٣٠٢).
(٢) سورة يوسف، الآية (٤).
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة النور، الآية (٤٨).
(٤) رواه البخاري في صحيحه رقم (٧٥١٣، ٧٤١٥، ٧٤١٤، ٤٨١٨)، ومسلم رقم (٣٠٩، ٣٠٨)، والترمذي رقم (٣٢٣٨)، وأحمد في المسند (٤٥٧، ١/ ٤٢٩)، عن ابن مسعود ﵁.
[ ٢ / ١١ ]
وأكفه وأجعله مرتبطا؛ حتى لا أزال شاكرا لك، وأدرج ذكر والديه؛ لأن النعمة على الولد نعمة على الوالد؛ خصوصا النعم الدينية. وروي أن النملة أحسّت بصوت الجنود ولا تعلم أنهم في الهواء؛ فأمر سليمان ﵇ الريح فوقفت؛ لئلا يذعون حتى دخلن مساكنهن. قوله: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ أي: واجعلني من أهل الجنة
(أم) هي المنقطعة. نظر سليمان إلى مكان الهدهد فلم يره فقال: ﴿ما لِيَ لا أَرَى﴾ على تقدير أن الهدهد حاضر وسليمان لا يراه بل كان غائبا. وروي أن سليمان نزل بصنعاء فرأى أرضا مخصبة فنزل بعسكره يستريح فطار الهدهد حين نزل سليمان فلقي هدهدا آخر فتواصفا ملك صاحبيهما وفي ذلك الوقت تفقّد سليمان الهدهد فلم يره. وقيل: نزلت الشمس على سليمان فرأى موضع الهدهد خاليا؛ فقال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي: ليكونن أحد هذه الأمور الثلاثة، فطلب العقاب، وقال: ائتني بالهدهد، فتوجه لطلبه، فلما أدركه قصد إليه فقال له الهدهد: أسألك بالذي أقدرك عليّ وأضعفني إلاّ تركتني. فقال له العقاب: إن سليمان قال كذا وكذا، فرجع مع العقاب إلى سليمان، فلمّا رأى الهدهد سليمان أرخى جناحيه دلاّ بين يدي سليمان (١٦٤ /أ) فقال له: أين كنت عن موقفك؟ فقال: ﴿أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ من خبر بلقيس ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ الآيات.
والمرأة بلقيس بنت شراحيل، وكان عرشها قوائمه من ذهب، وكان مكللا بالجواهر المختلفة. فإن قلت: كيف وصف الهدهد عرش بلقيس بالعظم، وقد رأى ملك سليمان وعظمته؟ قلت: استصغر بلقيس عن أن تملك مثله؛ فعظم بالنسبة إليها، ويجوز ألا يكون لسليمان مثله، وإن عظمت مملكته في كل شيء كما يكون لبعض أمراء الأطراف شيء لا يكون مثله للملك. وقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من كل شيء يحتاج إليه الملك؛ لأنه عطف على الملك خاصة، وقول سليمان: ﴿وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من النبوة والحكمة والمعجزة؛ لأنه عطف على قوله: ﴿عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ إلى آخر الآية. وألهم الله الهدهد وعلمه أن بلقيس وقومها لا يهتدون، وأن الشيطان زين لهم ذلك كما ألهم جميع الحيوانات مصالحها.
﴿أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٧)﴾
[ ٢ / ١٢ ]
﴿اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (٢٨) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾
﴿أَلاّ يَسْجُدُوا﴾ أي: لأن، ويجوز أن تكون "لا" زائدة، وسمي المخبوء بالمصدر وهو النبات والمطر وجميع ما خبأه الله ﷿ من غيوبه، وقوله: ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا﴾ من كلام الهدهد. وقيل: من كلام الله تعالى. وقرأ الكسائي "ألا" مخفّفا (^١) "يا اسجدوا" أي: يا قوم اسجدوا، وسجدة التلاوة مطلق به في القراءتين جميعا؛ لأن الطلب إمّا بأمر أو بثناء على فاعله أو ذم لتاركه، وإحدى القراءتين أمر، والثانية ذمّ لمن تركه، وما ذكره الزجاج من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد فغير مرجوع إليه (^٢). ووصف عرش بلقيس بالعظم بالنسبة إلى مملكتها ووصف عرش الله تعالى بالعظم بالنسبة إلى جميع المخلوقات. قوله: أصدقت ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ أبلغ من أن يقول: أم كذبت؛ لأنه أراد الانخراط في سلك الكاذبين. ﴿تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ تنحّ عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه؛ ليكون ما يقولون بمسمع منك، وهذه معجزة عظيمة، حيث صار الهدهد يفهم كلام بني آدم ويؤديه إلى سليمان. ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ بالجمع، وإنما ألقاه على بلقيس؛ لأنه قال: ﴿وَجَدْتُها وَقَوْمَها﴾ أي: ألقه إلى القوم الذين هذا شأنهم. ﴿كَرِيمٌ﴾ مضمونه حسن. وقيل: مختوم.
وفي الحديث: "كرم الكتاب ختمه" (^٣).
_________________
(١) قرأ بها الكسائي وأبو جعفر ورويس، وقرأ باقي العشرة "ألا يسجدوا" بتشديد اللام. قال الكسائي: ما كنت أسمع الأشياخ يقرؤونها إلا بالتخفيف على نية الأمر. وعلى هذه القراءة تكون " ألا" حرف تنبيه واستفتاح، وما بعدها حرف نداء، و"اسجدوا" فعل أمر، وكان حق الخط على هذه القراءة أن يكون هكذا (ألا يا اسجدوا) ولكن الصحابة - ﵃ - أسقطوا الألف من "يا" وهمزة الوصل من "اسجدوا" ووصلوا الياء بسين "اسجدوا" فصارت صورة الخط: "ألا يسجدوا". وتنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٦٨)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٧٠)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٢٦)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٨٠)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٤٥)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٧).
(٢) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ١١٥) وعبارته: ومن قرأ بالتخفيف فهو موضع سجدة من القرآن، ومن قرأ بالتشديد فليس بموضع سجدة. وفي الأصل "غير مرجوح" والمثبت كما في الكشاف وهو الأنسب.
(٣) رواه الطبراني في المعجم الأوسط رقم (٣٨٧٢) عن ابن عباس، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٠٢) ونسبه للطبراني وقال: وفيه محمد بن مروان السدي وهو متروك. وذكره العجلوني في -
[ ٢ / ١٣ ]
أو لأنه من ملك كريم. وقرأ ابن عباس "ألاّ تغلو عليّ " بالغين المعجمة (^١) وكانت كتب الأنبياء جملا وجيزة، وكتاب رسول الله (١٦٤ /ب) ﷺ مختصر أيضا. قيل: ألقاه عليها وهي مستلقية على ظهرها، وقد غلقت الأبواب عليها. وقيل: ألقاه إليها بمحضر من جنود مملكتها فرفرف عليها بأجنحته حتى رفع الناس رؤوسهم فرأوه فألقاه حينئذ إليهم.
﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ (٣٣) قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧)﴾
﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ منقادين أو مؤمنين.
الفتوى: الجواب في الحادثة، واستعطفت جندها بقولها: ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْرًا﴾. ﴿أُولُوا قُوَّةٍ﴾ في أجسادنا، وقوة بآلات الحرب. والبأس: النجدة والبلاء في الحرب. ﴿وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ من كلام الله تعالى؛ تصديقا لها، أو من كلام بلقيس؛ لأنها نشأت في الملك القديم؛ فسمعت ورأت.
﴿مُرْسِلَةٌ﴾ رسلا ﴿بِهَدِيَّةٍ﴾ فأرسلت خيلا وجواري وغلمانا ولبنا من الذهب والفضة وغير ذلك (^٢)؛ فأمر سليمان فأحضر إليه طوائف الجن وأولادهم، وجلس سليمان على سريره وجنوده على يمينه، وطوائف الجن صفوفا كثيرة على يساره والطير يظله، وقال
_________________
(١) = كشف الخفا (٢/ ١٦٠) رقم (١٩٢٣) ونسبه للقضاعي وقال: بسند فيه متروك.
(٢) قرأ بها ابن عباس - ﵄ - وأشهب العقيلي وابن السميقع، وهي من الغلو وهو مجاوزة الحد وتنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٧٢)، تفسير القرطبي (١٣/ ١٩٣)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ١٣٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٤٦)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٣٩)، مفاتيح الغيب للرازي (٢٤/ ١٩٦)
(٣) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٥٧) لابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄.
[ ٢ / ١٤ ]
للرسول: ارجع إليهم، فعاد الرسول إليها وأخبرها، فقالت: هو نبيّ وما لنا به طاقة، فشخصت إليه ومعها اثنا عشر ألفا. الهدية: اسم المهدى؛ كالعطية اسم المعطى فيضاف إلى المهدي والمهدى إليه في قولك: هذه هدية فلان.
قوله: ﴿فَما آتانِيَ اللهُ﴾ أي: من الملك والجاه والدين وطاعة الجن والإنس وتسخير الطير والوحش شيء لا يحتاج إلى الزيادة عليه. ﴿خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ بما يهدي إليكم فرح افتخار. ويجوز أن يكون المراد: بل أنتم بهديتكم هذه التي أتيتم بها تفرحون بردها إليكم. ﴿اِرْجِعْ﴾ خطاب للرسول، وقيل: للهدهد محمّلا كتابا آخر.
ويروى أنها أمرت عند تجهزها للقدوم على سليمان فجعل عرشها في آخر سبعة أبيات ووكلت به حرسا يحفظونه. قيل: إن سليمان بلغه استيثاقها بحفظ العرش فأراد أن يبين لها ما وهبه الله من التمكين والقدرة. وقيل: أراد أن يجعل ذلك عنوانا لقهره وقوة سلطنته.
﴿قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١)﴾
قوله: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ الآية؛ قال قتادة: يجوز عرشها قبل أن تسلم لأنها إذا أسلمت حرم عليه أخذ شيء من مالها قهرا (^١). ﴿قالَ عِفْرِيتٌ﴾ العفر والعفرية والعفارية (١٦٥ /أ) القوي من الرجال، الذي يعفر أقرانه، ومن الشياطين الخبيث المارد، وقالوا: كان اسمه ذكران.
﴿لَقَوِيٌّ﴾ على حمله ﴿أَمِينٌ﴾ على ما حواه من الجواهر. الّذى ﴿عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ﴾.
ملك أيد الله به سليمان. وقيل: آصف بن برخيا كاتب سليمان. وقيل: هو سليمان؛ كأنه استبطأ العفريت؛ فقال: أنا أحضره في أقل مما ذكرت. وقيل: هو رجل كان يعرف اسم الله الأعظم، وهو: يا حيّ يا قيوم. وقيل: يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا
_________________
(١) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٥٩) لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.
[ ٢ / ١٥ ]
أنت. و"آتيك" في الموضعين يجوز أن يكون فعلا واسم فاعل.
الطرف: تحريك الأجفان عند النظر. جعل مكان المنظور إليه، والمعنى: أنك ترسل طرفك إلى شيء فقبل أن ترده أبصرت العرش. فبرز العرش عند سليمان بالشام بقدرة الله قبل أن يرد طرفه، ويجوز أن يكون هذا مثلا لاستقصار مدة المجيء به؛ كما تقول لصاحبك: افعل ذلك في لحظة. ﴿يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: تعود منافع الشكر له.
وقيل: الشكر صيد النعمة المفقودة. وقيل: النعمة الموجودة.
﴿غَنِيٌّ﴾ عن الشكر، كريم: بالإنعام على من يشكر؛ تلقى سليمان النعمة بالشكر؛ كعادة الأنبياء قبله. ﴿نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ أي: اجعلوه متنكرا متغيّرا فلا تعرفه، قالوا:
وسّعوه وجعلوا مقدمه مؤخره، وأعلاه أسفله.
قرئ ﴿نَنْظُرْ﴾ بالجزم على الجواب، وبالرفع على الاستئناف (^١) ﴿أَتَهْتَدِي﴾ لمعرفته، أو للجواب الصواب، أو للإيمان لسليمان إذا رأت تلك المعجزة.
﴿فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤)﴾
﴿أَهكَذا﴾ ثلاث كلمات: ها للتنبيه، والكاف للتشبيه، وذا اسم إشارة، ولم يقل:
أهذا عرشك؟ لئلا يكون تلقينا؛ فلم تقطع في أمر العرش بشيء؛ كأنها قالت: قويّ الشبه، وترددت في الجواب. ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ من كلام سليمان وملئه، قالوا لها حين أجابت بهذا الجواب: أصابت، وعلمت اللفظ المخلص فأتت به، وقال الحاضرون - سليمان وجنوده -: أوتينا العلم بالله تعالى وقدرته، وتواتر آياته، ولم نزل على دين الإسلام، شكرا لله على تفضيلهم عليها. ﴿وَصَدَّها﴾ هي عن دين الإسلام أنها من أولاد الكفار، نشأت على ذلك. ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ من كلام بلقيس (١٦٥ /ب) موصولا بقولها: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ،﴾ والمعنى: وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوّة سليمان قبل هذه المعجزة أو قبل هذه الحالة، يعني: ما تبيّنت من الآيات عند وفده المنذر، ودخلنا في
_________________
(١) قرأ الجمهور من القراء "ننظر" وقرأ أبو حيوة "ننظر". وتنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٧٨)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ١٤١)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٤٩)، مفاتيح الغيب للرازي (٢٤/ ١٩٩).
[ ٢ / ١٦ ]
الإسلام، وصدها ضلالها عن اتباع سليمان. وقيل: صدّها عمّا كانت تعبد فحذف حرف الجر، وقرئ ﴿إِنَّها﴾ بفتح الهمزة (^١) أي: لأنها.
الصرح: القصر. وقيل: صحن الدار. وأمر سليمان قبل قدومها أن يتّخذ قصر شديد الصفاء من زجاج أملس وأجرى من تحته الماء، وألقى فيه من دوابّ البحر - السمك - ووضع سريره في صدره. وقيل: إن الجن خافوا أن يتزوجها سليمان فتأتي بولد يملكهم بعد سليمان، فقالوا [له] (^٢): إن في عقلها شيئا، وهي شعر الساقين، ورجلها كحافر حمار فاختبر عقلها بالعرش فقالت: كأنه هو، واتخذ الصرح ليتعرف ساقيها ورجلها؛ فكشفت عنهما؛ فإذا هي أحسن الناس فاتخذوا النورة (^٣). وتزوجها سليمان، وأقرها على ملكها، وأمر الجن فبنوا لها سيلحون (^٤) وعمدان، وكان يزورها في الشهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام، وولدت له، وقيل: بل زوجها ذا تبع ملك همذان وسلطه على اليمن، وأمر زوبعة أمير جن اليمن أن يطيعه؛ فبنى له المصانع، ولم يزل أميرا حتى مات سليمان.
﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ تريد: بكفرها فيما تقدم، وقيل: حسبت أن سليمان يغرقها في اللّجّة، فقالت: ظلمت نفسي بسوء ظني لسليمان.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (٤٨) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما﴾
_________________
(١) قرأ بها سعيد بن جبير وابن أبي عبلة. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٧٩)، تفسير القرطبي (١٣/ ٢٠٨)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ١٤١)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٥٠).
(٢) في الأصل: «لها» والمثبت هو الصحيح.
(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٩/ ١٦٩) والنورة: من الحجر الذي يحرق، ويسوى منه الجير، ويحلق به شعر العانة. وفي الوسيط: هي أخلاط من أملاح الكلسيوم والباريوم تستعمل لإزالة الشعر. ينظر: لسان العرب (نور)، المعجم الوسيط (نور).
(٤) سيلحون - بفتح أوله وسكون ثانيه وفتح لامه ثم حاء مهملة وواو ساكنة ونون - وقد يعرب إعراب جمع السلامة فيقال: هذه سيلحون ورأيت سيلحين ومررت بسيلحين، ومنهم من يجعله اسما واحدا يعربه إعراب ما لا ينصرف فيقول: هذه سيلحين ورأيت سيلحين ومررت بسيلحين. وهي موضع باليمن قرب الحيرة ضاربة في البر قرب القادسية. ينظر: معجم البلدان لياقوت الحموي (٣/ ٢٩٨).
[ ٢ / ١٧ ]
﴿شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنّا لَصادِقُونَ (٤٩)﴾
﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ يقول كل فريق: الحق معي. ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾ العقوبة، و﴿الْحَسَنَةِ﴾ التوبة. وإنما قال: ﴿بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ وإنما يكون ذلك إذا كانا متوقعين. وتنازعوا في القبليّة لأنهم كانوا يعتقدون بجهلهم أن التوبة تنفعهم عند نزول العذاب فبقوا على ضلالتهم، وخوطبوا بنحو ذلك.
﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ﴾ هلاّ، كانت العرب إذا أرادوا سفرا أو الدخول في أمر نفّروا طائرا من وكره، فإن مرّ على جهة اليمين تيمّن به، وإن مرّ على جهة الشمال تشاءم به، وفي الحديث: "أقروا الطير في وكناتها؛ فإنها لا تجلب ضررا ولا نفعا" (^١) فقيل فيه: تطيّر فلان، وتيمّن، ومنه قوله: ﴿اِطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ (^٢) أي: هو (١٦٦ /أ) الفعل لما ينفعكم ويضركم. ﴿تُفْتَنُونَ﴾ أي: تعذبون أو تختبرون.
الرهط: من الثلاثة إلى العشرة. أو من السبعة إلى العشرة، والنفر: من الثلاثة إلى التسعة. قوله: ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾ أي: إن شأنهم الفساد المحض؛ كما ترى [بعض المفسدين] (^٣) لا يفعل فعلا فيه شيء من صلاح. قوله: ﴿تَقاسَمُوا﴾ يجوز أن يكون أمرا، وأن يكون خبرا في محل الحال و"قد" مقدرة. وقرئ "ليبيتنه" بالياء وعلى هذا لا يكون إلا خبرا، وقرئ "لتبيتنه" بالتاء، و"لنبيتنه" (^٤) بالنون.
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (٦/ ٣٨١)، وأبو داود رقم (٢٨٣٥)، وابن حبان رقم (٦١٢٦)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٣٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٣١١) وصححه ابن حبان والحاكم. والوكنات: موضع عش الطائر ووكره. وقيل: مواقع الطير حيثما وقعت. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (٥/ ٢٢٢).
(٢) سورة النمل، الآية (٤٧)
(٣) زيادة من الكشاف (٣/ ٣٧٢) مناسبة للسياق وليست في الأصل.
(٤) قرأ "ليبيتنه" - بالياء - مجاهد وابن وثاب والأعمش، وقرأ "لتبيتنه" - بالتاء - حمزة والكسائي وخلف، وقرأ بقية العشرة "لنبيتنه". وتنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٨٤)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٧٢)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٣٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣١٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٨٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٥٢)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٨)
[ ٢ / ١٨ ]
وعلى هذين الوجهين يجوز أن يكون أمرا وخبرا. والبيات: الهجوم على العدو ليلا.
وعن الإسكندر أنه أشير عليه بالبيات، فقال: ليس من دين الملوك استراق الظفر.
قرئ ﴿مَهْلِكَ﴾ بضم الميم من "أهلك" و﴿مَهْلِكَ﴾ من هلك (^١).
﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٣) وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾
﴿مَكْرِهِمْ﴾ تدبيرهم كيف يقتلون صالحا ومن معه. ومكر الله: إهلاكهم من حيث لا يشعرون. ﴿أَنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ من قرأ بكسر الهمزة فهو استئناف، ومن فتحها (^٢) جاز أن يكون خبرا ل "كان". أي: كان عاقبتهم التدمير. وقيل: اللام مقدرة، أي: لأنا دمرناهم، أو بدلا من العاقبة. روي أن قوما من أبناء أشراف قوم صالح قالوا: إن صالحا يزعم أنه يفرغ من هلاكنا في ثلاثة أيام، فنحن نسبق إلى قتله وقتل جماعته قبل الأيام الثلاثة، فأخذوا أسلحتهم ودخلوا إلى مغارة في طريق صالح إلى مسجده ينتظرون صالحا ليقتلوه إذا مر بهم، فأرسل الله صخرة عظيمة سدت باب الغار، فهلكوا فيه ولم يعلم لهم أحد خبرا. قرئ
_________________
(١) قرأ جمهور القراء "مهلك" وقرا عاصم في رواية حفص عنه "مهلك" وفي رواية شعبة عنه "مهلك". وتنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٨٤)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٧٢)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٣١)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٨٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٥٢)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣١١).
(٢) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر "إنا دمرناهم" بالكسر، وقرأ بقية العشرة "أنا دمرناهم" بالفتح. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٨٦)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٧٢)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٣٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٢٠)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٨٤)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٥٣)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٨٣)
[ ٢ / ١٩ ]
﴿جَوابَ قَوْمِهِ﴾ بالرفع، والنصب أحسن (^١).
﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾ يتنزهون عن القاذورات كلها فينكرون هذا العمل لكونه من القاذورات ويغيظنا إنكارهم. وعن ابن عباس: هو استهزاء (^٢). ﴿قَدَّرْناها﴾ قدرنا كونها من الغابرين، والتقدير واقع على الغبور في المعنى.
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللهُ خَيْرٌ أَمّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾
أمر الله رسوله ﷺ أن يتلو هذه الآيات الناطقة بالبراهين على وحدانيته وقدرته وحكمته وإنعامه، وأن يستفتح بحمده، والسلام على أنبيائه والمصطفين من عباده، وفيه تعليم حسن وتنبيه على أدب جميل وبعث على التبرك بذلك، ولقد توارث الخطباء والعلماء والوعاظ كابرا عن كابر فبدأوا بحمد الله وثنّوا بالصلاة على نبيه وعلى أوليائه وعلى الأنبياء أمام كل علم مفاد، وقبل كل عظة وتذكرة. (١٦٦ /ب) وتبعهم المترسلون في كتابة مهماتهم. وقيل: هو متصل بما قبله، وأمر بالتحميد على إهلاك الظالمين؛ كقوله تعالى:
﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (^٣) وقيل: الخطاب للوط ﵇ أن يحمد الله على هلاك قومه، ويسلم على كل مصطفى من عباده.
معلوم أنه لا خير فيما أشركوه به حتى يوازن بينه وبين خالق الموجودات كلها، وإنما ذلك للتبكيت والاستهزاء بهم؛ لأنهم آثروا عبادة أصنامهم على عبادة الله، وإنما يكون الإيثار لمقتض اقتضاه، وسبب ساق إليه؛ كما قال فرعون: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾
_________________
(١) قرأ جمهور القراء "جواب" بالنصب، وقرأ ابن أبي إسحاق والأعمش والحسن "جواب" بالضم. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٨٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٢١)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ١٤٥)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٥٣)، مجمع البيان للطبرسي (٢٢٧/ ٧)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٤١).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٠/ ١) ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٤٩٦) للفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن مجاهد وليس عن ابن عباس.
(٣) سورة الأنعام، الآية (٤٥).
[ ٢ / ٢٠ ]
﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ (^١). مع علمه أنه ليس لموسى أنهار تجري من تحته، ثم عدّد سبحانه الخيرات والمنافع التي خلقها لعباده، ثم قال: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠] وروي أن النبي ﷺ كان يقول إذا قرأها: "بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم" (^٢).
فإن قلت: ما الفرق بين "أم" و"أم" في قوله: ﴿أَمّا يُشْرِكُونَ﴾ و﴿أَمَّنْ خَلَقَ؟﴾
قلت: الأولى متصلة؛ لأن معناها: أيهما خير؟ وهذه منقطعة بمعنى: بل. والهمزة لما قال: أما يشركون، قال: بل أمن خلق السماوات والأرض خير. وقرئ "أمن" بالتخفيف (^٣) ووجهه أن يجعل "من" بدلا من اسم الله؛ كأنه قال: أمن خلق السماوات والأرض خير أمّا يشركون. وإنما التفت عن الغيبة إلى الخطاب في قوله: ﴿فَأَنْبَتْنا بِهِ﴾ لأن إنبات الحدائق المختلفة الألوان والطعوم والروائح مع كونها تسقى بماء واحد أدل على القدرة، ولهذا خصّ هذا النوع بقوله: ﴿ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ ومعنى ﴿ما كانَ لَكُمْ﴾ ما ينبغي وما يتأتى؛ كقوله: ﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ (^٤) ومعنى ﴿ما كانَ﴾ في هذين الموضعين الاستحالة عقلا، وقد تأتي للمنع شرعا؛ ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ (^٥) ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ﴾ (^٦) ﴿ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٧).
والحديقة: البستان عليه حائط من الإحداق وهو الإحاطة، وكذلك لا يسمى حائطا إلا إذا حوط. ﴿ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ كقولك: النساء ذهبت. والبهجة: الحسن؛ لأن الناظر يبتهج به. ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ أغير الله يصلح أن يتخذ معه شريكا.
_________________
(١) سورة الزخرف، الآية (٥٢).
(٢) ذكره القرطبي في تفسيره (١٣/ ٢٢١) مرفوعا، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٧٠) لعبد ابن حميد عن قتادة.
(٣) قرأ بها الأعمش. تنظر القراءة في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٨٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٢١)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ١٤٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٥٥)، مختصر الشواذ لابن خالويه (ص: ١١٠)، مفاتيح الغيب للرازي (٢٤/ ٢٠٦).
(٤) سورة مريم، الآية (٣٥).
(٥) سورة آل عمران، الآية (١٦١).
(٦) سورة التوبة، الآية (١٧).
(٧) سورة يوسف، الآية (٣٨).
[ ٢ / ٢١ ]
وقرئ ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ (^١). بمعنى: أتدعون أو تشركون، ولك أن تحقق الهمزتين وتوسط بينهما مدّة، وتخرج الثانية بين بين. (يعدلون) (١٦٧ /أ) به غيره، أو يعدلون عن طريق الحق.
﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرارًا وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهارًا وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزًا أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ تَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾
﴿أَمَّنْ جَعَلَ﴾ وما بعده بدل من ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾ ﴿قَرارًا﴾. دحاها وسواها للاستقرار عليه. ﴿حاجِزًا﴾ كقوله: ﴿بَرْزَخًا﴾ (^٢) الضرورة: الحالة المحوجة إلى اللجاء والاضطرار افتعال منها، والفاعل والمفعول منه مضطر، والمضطر هاهنا: الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الدهر إلى اللجوء والتضرع إلى الله. وقيل: المذنب إذا استغفر.
فإن قلت: كم من مضطر يدعو فلا يستجاب له؟! قلت: الإجابة لها شرط، وهو ألا يكون في المدعو به مفسدة، فإذا فقد الشرط فقدت الإجابة، ولذلك لم يجب كل مضطر، والمضطر: اسم جنس يقع على الواحد وعلى الكثير.
﴿خُلَفاءَ الْأَرْضِ﴾ خلفاء فيها وذلك توارثهم سكناها، والتصرف فيها قرنا بعد قرن، أو أراد بالخلافة الملك والتسلط. ﴿ما﴾ مزيدة في قوله: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أي:
تذكرون تذكرا قليلا، والمعنى: نفي التذكر. والقلة تستعمل في معنى النفي.
﴿يَهْدِيكُمْ﴾ بالنجوم في السماء، والعلامات في الأرض. وقال: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ وهم ينكرون الإعادة؛ لأنهم مقرون بالنشأة الأولى أنها من عند الله، والنشأة الثانية تلزمهم، ولازم القول قول فهم كالمقرين بها. ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ بالمطر و﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ بالنبات إن ﴿كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أن مع الله إلها فأين دليلكم عليه؟
﴿أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦٤) قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾
_________________
(١) تنظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٢٣).
(٢) سورة الفرقان، الآية (٥٣).
[ ٢ / ٢٢ ]
قوله: ﴿إِلاَّ اللهُ﴾ استثناء من غير الجنس؛ لأن الله ليس فيهما، وكان حقه أن ينتصب، وهذا على لغة بني تميم؛ حيث يقولون: ما في الدار أحد إلا حمار، يريدون: ما في الدار إلا حمار؛ كأن أحدا لم يكن، ويقولون: ما أتاني زيد إلا عمرو، وما أعانه إخوانكم إلا إخوانه، وإنما عدل إلى اللغة التميمية دون الحجازية ليصير الكلام في تقدير: إن كان الله في السماوات والأرض فهم يعلمون الغيب، لكنه ليس كذلك؛ فلا يعلمون الغيب؛ كقول الشاعر [من الطويل]:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم بهنّ فلول من قراع الكتائب (^١)
يعني: إن كنت تعد فلول السيف من قراع الكتائب عيبا.
كذلك قوله [من الرجز]:
وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس (^٢)
أي: إن كنت تعد اليعافير والعيس أنيسا فتلك البلدة بها أنيس. فإن قلت: هلاّ زعمت أن الله ممن في السماوات والأرض كما يقول المتكلمون: الله في كل مكان، على معنى أن علمه في الأماكن كلها؛ فكأن ذاته فيها حتى لا نحمله على لغة بني تميم؟ قلت:
يأبى ذلك أن كونه في السماوات والأرض مجاز، وكونه فيهن حقيقة، وإرادة المتكلم بعبارة واحدة الحقيقة والمجاز ممتنع، على أن قولك: من في السماوات والأرض، وجمعك بينه وبينهم في إطلاق اسم واحد فيه إيهام تسوية، والإيهامات مزالة عنه وعن صفاته؛ ألا ترى كيف قال - ﵇ - لمن قال: ومن يعصمها فقد غوى -: "بئس خطيب القوم أنت" (^٣).وقيل: نزلت في الكفار حين سألوا رسول الله ﷺ عن وقت مجيء الساعة. ﴿أَيّانَ﴾ بمعنى متى، ولو سمي به لكان فعالا من آن يئين، ولكان مصروفا؛ لأن النون أصلية. وقرئ "إيان" بكسر الهمزة (^٤).
_________________
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة المائدة، الآية (٥٩).
(٢) البيت لجران العود، ينظر في: التصريح بمضمون التوضيح للشيخ خالد الأزهري (١/ ٣٥٣)، خزانة الأدب للبغدادي (١٠/ ١٥)، الدرر اللوامع للشنقيطي (٣/ ١٦٢)، ديوان جران العود (ص: ٩٧)، شرح أبيات سيبويه للسيرافي (٢/ ١٤٠)، شرح المفصل لابن يعيش (٢/ ١١٧).
(٣) رواه مسلم في صحيحه رقم (٨٧٠)، وأبو داود في سننه رقم (١٠٩٩)، وأحمد في مسنده (٣٧٩/ ٤، ٢٥٦)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٨٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٨٦) عن عدي بن حاتم.
(٤) قرأ بها السلمي. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٩٢)، الدر المصون للسمين الحلبي -
[ ٢ / ٢٣ ]
﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنّا تُرابًا وَآباؤُنا أَإِنّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ (٧٠) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١)﴾
ومعنى ﴿اِدّارَكَ عِلْمُهُمْ﴾ تكامل، وتدارك: تتابع واستحكم ومعناه: أن النظر قد أدّى إلى أن قيام الساعة من جملة الحكمة، وأنه حق لا ريب فيه وهم في شك من ذلك. ﴿عَمُونَ﴾ عن إدراكه، يريد: الكفار ونسبهم إلى السماوات والأرض؛ لأن من كان في أحد شيئين فهو فيهما؛ كما تقول: بنو فلان، قالوا وفعلوا، ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ (^١) والقاتل عدد قليل، ومعنى الكلام أنه نفي لعلمهم واستهزاء بهم؛ كما تقول للجاهل: ما أعلمك؛ تستهزئ به، يعني أنهم قد علموا الدليل الدالّ على وجوب قيام الساعة، فما أجهلهم؛ حيث أنكروا الطريق الدال عليها.
وفي ﴿اِدّارَكَ﴾ و﴿اِدّارَكَ﴾ معنى آخر وهو أن يكون بمعنى فني؛ يقال: أدركت الثمرة إذا تناهت لأنها عند ذلك تعدم، وقد قال الحسن: إن معناه اضمحل (^٢)، ويقال: تدارك بنو فلان، إذا تتابعوا في الهلاك ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: في شأنها، ومعنى ﴿بَلِ﴾ وتكرارها:
الانتقال من أمر إلى أمر، لا إبطال الأول.
فإن قلت: قدّم في هذه الآية ﴿هذا﴾ على ﴿نَحْنُ وَآباؤُنا﴾ وفي آية أخرى قدّم ﴿نَحْنُ وَآباؤُنا﴾ على ﴿هذَا﴾ (^٣)؟ قلت: العرب تقدم ما هم ببيانه أعنى؟
﴿وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ الضّيق والضّيق بمعنى، ويجوز أن يكون الضّيق بمعنى الضيّق، وقد يكون الضيّق مخففا من ضيّق.
﴿قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٧٤) وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ﴾
_________________
(١) = (٥/ ٣٢٤)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ١٤٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٥٦)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٤٢).
(٢) سورة البقرة، الآية (٧٢).
(٣) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٢٩١٤)، ونسبه له السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٧٥).
(٤) في قوله تعالى: لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ سورة المؤمنون، الآية (٨٣).
[ ٢ / ٢٤ ]
﴿وَالْأَرْضِ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٧٥) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨)﴾
﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ ردف: يتعدى بنفسه، ولا يجوز دخول اللام على المفعول المتأخر من فعل متعد، وزيدت اللام في ﴿لَكُمْ﴾ كزيادة الباء؛ كما في قوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ (^١) وقد يعدى ب "من" (١٦٨ /أ) كقول الشاعر [من الطويل]:
فلما ردفنا من عمير وصحبه تولوا سراعا والمنية تعنق (^٢)
أو ضمن ﴿رَدِفَ﴾ معنى فعل يتعدى باللام؛ نحو: دنا. من عادة الملوك إذا اطلعوا على نصيحة عبد لهم قالوا: يكون الخير، وطب نفسا فيطمئن إلى ذلك وينزله منزلة الوعد الصريح، وكذلك جرت عادة ملك الملوك وهو الله ﷿، يرد ب "عسى" و"لعل" وليستا من التصريح في شيء. الفضل والفاضلة والإفضال معناه: وإن ربك لذو فضل على عباده بتأخير العقوبة. يقال: كننت الشيء وأكننته. ﴿وَما مِنْ غائِبَةٍ﴾ وكذلك خافية أي: ما من قضية، والتاء فيهما للمبالغة؛ كالعلامة والنسّابة؛ كالتاء في الذبيحة والنطيحة، المعنى: ما من شيء شديد الغيبة والخفاء إلا وهو معلوم عند الله.
لما بعث عيسى - ﵇ - اختلفت الملل فيه، فاتبعه قوم وكذبه آخرون، وقذفه وأمّه آخرون، فأنزل القرآن بيان ما هو الحق في ذلك. ﴿وَإِنَّهُ﴾ وإن القرآن لهدى ورحمة لمن آمن منهم أو من غيرهم. قوله: ﴿يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾ أي: بعدله؛ لأنه لا يحكم إلا بالعدل؛ فيسمى المحكوم به حكما مع أنه لا يجوز أن يقال: ضرب زيد بضربه، ولا قتل بقتله؛ لأن المعنى فيهما واحد؛ بخلاف قوله: (يقضي بحكمه).
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١) وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (٨٢) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (١٩٥).
(٢) ينظر البيت في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٢٩٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٢٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٨١)، وردفنا: دنونا. وتعنق: تسرع.
[ ٢ / ٢٥ ]
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ الثابت، وفيه بيان أن صاحب الحق عليه أن يتوكل على الله؛ لأنه علل الأمر بالتوكل ب ﴿إِذا﴾ الدالة على التعليل.
وقوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى﴾ علل ترك اتباعهم بأنهم مختوم على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم فجعلهم موتى وصمّا؛ لأن إنذاره ثمّ لا يحصل لهم به نفع؛ لكن رسول الله ﷺ يؤدي به ما وجب عليه من البلاغ، والأعمى إذا ولى عنك هاربا كان بعيدا من فهم ما تقوله؛ فلذلك قال: ﴿إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾. ﴿إِنْ تُسْمِعُ﴾ أي: ما يجدي إلا من آمن بآيات الله وهو منقاد إلى ما يؤمر به. سمي مؤدى القول ومعناه قولا في قوله: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ﴾ وهو ما وعدوا به من قيام الساعة والعذاب. ﴿أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً﴾ دابة الأرض هي: الجساسة لا يدركها طالب (١٦٨ /ب) ولا يفوتها هارب ﴿أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ أي: بخروجي لأنها من آيات الله؛ فهذا من كلامها. وعن السّدّي: تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام. وقيل: معها خاتم سليمان وعصا موسى ﵉، تنكت المؤمن في وجهه فيستنير وجهه حتى يصير كالكوكب الدري، وتنكت وجه الكافر فيسودّ وجهه (^١).
وقيل: إنها تخرج من الصفا. وقرئ ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بالتخفيف (^٢) أي: تجرحهم، وكذلك من قرأ ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بالتشديد (^٣) يجوز أن تكون متابعة في ﴿تُكَلِّمُهُمْ؛﴾ كما تقول: تجرحهم وتجرّحهم.
قوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تبكيت بليغ، جعل فيه صدر الكلام هو المقصود، وهو قوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ وجعل بقية الكلام تشبيها بكلام المغضب الذي يقول لوكيله الخائن: أنت كنت تأكل مالي، أم ماذا كنت تصنع؟ ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا﴾ أي: القول، وهو العذاب.
﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾
_________________
(١) رواه الترمذي رقم (٣١٨٧)، والطبري في تفسيره (٢٠/ ١٥) وقال الترمذي: حسن غريب.
(٢) وهي قراءة ابن عباس وابن جبير ومجاهد وأبي زرعة والجحدري. تنظر في: الإملاء للعكبري (٢/ ١٧٥)، البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٠٠)، تفسير القرطبي (١٣/ ٢٣٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٢٨)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ١٥٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٦٠)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٤٤)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٠٠).
(٣) قرأ بها جمهور القراء. تنظر في المراجع السابقة.
[ ٢ / ٢٦ ]
﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾
قوله: ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أي: يبصر به؛ كقوله: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ (^١) وإنما قال: ﴿فَفَزِعَ﴾ بلفظ الماضي؛ لأن أحوال القيامة تأتي في كتاب الله بالماضي؛ إشارة إلى تحقيق ما قرن به. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ﴾ (^٢) ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ﴾ ﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ﴾ ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ﴾ (^٣) وغير ذلك. قوله: ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ قيل: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل (^٤). وقيل: هم الشهداء (^٥). وقيل: الحور وخزنة النار وحملة العرش (^٦). وعن جابر: منهم موسى؛ لأنه جزي بصعقته في الطور (^٧).
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية (٥٩).
(٢) سورة الزمر، الآية (٦٨).
(٣) سورة الأعراف، الآيات (٥٠، ٤٨، ٤٤).
(٤) رواه الطبري في تفسيره (٢٤/ ٢٩) مرفوعا عن النبي ﷺ وعن السدي. وفيه: "ملك الموت" بدل "عزرائيل". والثابت في الأحاديث ذكر ملك الموت بغير تسمية، أما تسميته في بعض الكتب فقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٥٨) في تفسير قوله تعالى في سورة السجدة: قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ: "الظاهر من هذه الآية أن ملك الموت شخص معين من الملائكة كما هو المتبادر وقد سمي في بعض الآثار بعزرائيل وهو المشهور قاله قتادة وغير واحد". وقال الحافظ ابن حجر في كتاب "الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع" (١/ ١٠٨): "تسمية ملك الموت عزرائيل اشتهر ذلك بين الناس وقد راجعت مبهمات القرآن لأبي القاسم السهيلي فلم أجد ذلك فيه ثم راجعت تفسير القرطبي فوجدته ذكر أن اسم ملك الموت عزرائيل ولم ينسبه لقائل ولا ذكر فيه أثرا، ثم راجعت تفسير الثعلبي فوجدته حكى أن اسمه عزرائيل وعزاه لتفسير مقاتل وتفسير ابن الكلبي، ثم تتبعت الآثار في ذلك فوجدت في كتاب العظمة لأبي الشيخ، ثم نقل الحافظ عن أبي الشيخ بسنده حديث وفيه أن اسم ملك الموت عزرائيل، ثم قال الحافظ ابن حجر:" ضعيف ورجال هذا السند يوثقون ولكن أشعث شيخ عنبسة هو ابن جابر الحراني وهو تابعي صغير والحديث معضل. وقال السيوطي في شرحه لسنن النسائي (٤/ ١١٨): "لم يرد تسميته في حديث مرفوع وورد عن وهب بن منبه أن اسمه عزرائيل رواه أبو الشيخ في العظمة".
(٥) رواه الطبري في تفسيره (٢٤/ ٣٠) مرفوعا، وعن سعيد بن جبير.
(٦) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٢٥١) لعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﵁.
(٧) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٢٥١) لابن المنذر عن جابر ﵁.
[ ٢ / ٢٧ ]
الداخرون: الصاغرون. ﴿جامِدَةً﴾ أي: واقفة في مكانها، يقال: جمد في مكانه إذا لم يتحرك، ﴿وَهِيَ تَمُرُّ﴾ مرّا حثيثا؛ كما تمرّ السحاب وكذلك الأجرام العظام المتكاثرة العدد؛ قال الشاعر [من الطويل]:
بأرعن مثل الطّود تحسب أنّهم وقوف لحاج والرّكاب تهملج (^١)
﴿صُنْعَ اللهِ﴾ من المصادر الموحدة، ومثله: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ (^٢) و﴿وَعْدُ اللهِ﴾ (^٣) و﴿كِتابَ اللهِ﴾ (^٤). وهذا المصدر يقصد به المبالغة، ولهذا أتبع كل واحد منهما بما يقويه، ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (^٥). ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾ (^٦). ﴿وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ (^٧).
﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠) إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾
قوله: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها﴾ يريد الإضعاف، وقوله: ﴿خَيْرٌ﴾ ليس من أفعل التفضيل في شيء؛ إذ لا شيء أفضل من لا إله إلا الله قال النبي ﷺ: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له" (^٨).
_________________
(١) البيت للنابغة الجعدي، ينظر في: تفسير الطبري (٢٠/ ٢١)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٨٧)، لسان العرب لابن منظور (صرد) والأرعن: الجبل العالي. والطود: الجبل العظيم. وحاج: اسم جمع واحده حاجة والركاب: المطي. وتهملج: تسرع، والمعنى: حاربنا العدو بجيش عظيم، تظنهم واقفين لحاجة لكثرتهم، والحال أن ركابهم تسرع السير.
(٢) سورة البقرة، الآية (١٣٨).
(٣) سورة الرعد، الآية (٣١).
(٤) سورة النساء، الآية (٢٤).
(٥) سورة النمل، الآية (٨٨).
(٦) سورة البقرة، الآية (١٣٨).
(٧) سورة الرعد، الآية (٣١).
(٨) رواه أحمد في المسند (٢/ ٢١٠)، والترمذي رقم (٣٥٨٥)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (١٥٠٣).
[ ٢ / ٢٨ ]
والمراد: فله خير يتجدد منها؛ لأن العمل ينقطع والجزاء يدوم. وقرئ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بالفتح مع الإضافة إلى غير المتمكن؛ كقوله: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (^١). وقرئ منصوبا مع تنوين ﴿فَزَعٍ﴾ (^٢) والفرق بين الفزعين أن الأول هو ما لا يخلو منه أحد عند الإحساس بشدة تقع من رعب وهيبة وإن كان آمنا في حصول الضرر؛ كما يدخل الداخل على الملك بصدر مملوء هيبة. وأما الثاني فللخوف من العذاب، ونكّر (الفزع) على قراءة من قرأ بنصب ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ وتنوين ﴿فَزَعٍ﴾ لأن المراد نوع واحد من الفزع، وهو خوف العقاب لا الخوف عند استشعار أمر عظيم؛ فإن البشرية تقتضيه ولا يخلو منه أحد، ويحتمل أن يريد نوعا شديدا من الفزع فيكون للتعظيم. ﴿آمِنُونَ﴾ أمن يتعدى بنفسه تارة؛ كقوله:
﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ﴾ (^٣) ويتعدى بحرف الجر تارة أخرى، تقول: أمنت من زيد.
وقيل: ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾ الإشراك. يعبر عن الجملة بالوجه والرأس والرقبة؛ فكأنه قال:
فكبّوا فيها؛ كقوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ﴾ (^٤). ويجوز أن يكون ذكر الوجوه إيذانا بأنهم يكبون على وجوههم؛ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ (^٥). ويجوز فيه الالتفات وحكاية ما يقال لهم عند الكبّ بإضمار القول. أمر رسوله أن يقول: ﴿إِنَّما أُمِرْتُ﴾ يعني: أن الله أمر نبيه أن يعبده ويوحده، وأثنى على نفسه بأنه ربّ مكة وجعل ملكه لسائر الموجودات تبعا لملكه لمكة. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ الثابتين على الإيمان.
﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ﴾ يجوز أن يريد: وأن أقرأ القرآن، ويجوز أن يريد: وأن أتبع ما في القرآن من الأمر والنهي من قوله: ﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ (^٦). أي: تبعها، و﴿الْبَلْدَةِ﴾ مكة الذي حرم
_________________
(١) سورة الذاريات، الآية (٢٣).
(٢) قرأ نافع وأبو جعفر (من فزع يومئذ) بالإضافة وعدم تنوين وفتح ميم "يومئذ". وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب (فزع يومئذ) بالإضافة وكسر ميم وتنوين "يومئذ" وقرأ عاصم وحمزة والكسائي (من فزع يومئذ) بالتنوين وفتح ميم "يومئذ". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٠٢)، تفسير القرطبي (١٣/ ٢٤٥)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٧٦)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٤٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٢٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٨٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٦٢)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٤٠).
(٣) سورة الأعراف، الآية (٩٩).
(٤) سورة الشعراء، الآية (٩٤).
(٥) سورة القمر، الآية (٤٨).
(٦) سورة الشمس، الآية (٢).
[ ٢ / ٢٩ ]
صيدها وقطع شجرها واختلاء خلاها.
وقرئ "التي حرمها" (^١) ﴿سَيُرِيكُمْ آياتِهِ﴾ وهو ما حلّ بهم يوم بدر من القتل والأسر، وما حلّ بهم قبل ذلك من القحط والدخان (١٦٩ /ب).
وقيل: هو كقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ﴾ (^٢).
***
_________________
(١) قرأ بها ابن عباس وابن مسعود. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٠٢)، تفسير القرطبي (١٣/ ٢٤١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٣٠)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ١٥٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٦٣)، مفاتيح الغيب للرازي (٢٤/ ٢٢٢).
(٢) سورة فصلت، الآية (٥٣).
[ ٢ / ٣٠ ]