﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)﴾
قوله - ﷿: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها﴾ خصّها بهذا الافتتاح؛ لأن المقصود بها الزجر، فافتتحت بجلد الزاني وحد القاذف ولعان الزوج إذا لم يكن له بينة على قذفها، فابتدئت بالأغلظ كما في قوله - تعالى: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^١) وقيل: بدئ بها تشريفا للنبي ﷺ ببراءة زوجاته مما قذفن به.
والسورة اسم للمنزلة الشريفة قال الشاعر [من الطويل]:
ألم تر أنّ الله أعطاك سورة ترى كلّ ملك دونها يتذبذب (^٢)
قرئ ﴿وَفَرَضْناها﴾ بالتشديد والتخفيف (^٣)، فمن قرأ بالتشديد فمعناه التكثير فيما فرض فيها، ومن قرأ بالتخفيف فمعناه التقدير، كقوله - تعالى: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ (^٤).
وقيل: أراد بالتخفيف ما فرض فيها من الأحكام، وفصل من الحلال والحرام.
﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾
وبدأ بذكر الزانية؛ لغلبة الشهوة على النساء، أو لأنه من النساء أقبح وأضر؛ لما يخشى من
_________________
(١) سورة التوبة، الآية (١).
(٢) البيت للنابغة الذبياني، ينظر في: تاج العروس للزبيدي (سور)، تفسير القرطبي (١/ ١٠٢)، روح المعاني للألوسي (١/ ٣٤)، صبح الأعشى للقلقشندي (٢/ ٦٤)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٥)، لسان العرب (سور)، النكت والعيون للماوردي (٣/ ١٠٧).
(٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو «وفرّضناها» وقرأ الباقون «وفرضناها». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٢٧)، حجة ابن خالويه (ص: ٢٥٩)، حجة أبي زرعة (ص: ٤٩٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٠٨)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٥٠)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٦)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٠).
(٤) سورة البقرة، الآية (٢٣٧).
[ ١ / ٥٩٧ ]
الحبل وإلحاق الولد. جلد مائة حدّ الزاني البكر، وأضافت إليه السّنّة التغريب، ولم توجبه على الثّيّب. ومنع أبو حنيفة من ثبوت الجلد على البكر؛ لأن الله - تعالى - اقتصر على مائة جلدة والزيادة على النص نسخ عنده (^١)، والحجة في نفي الجلد عن الثيّب أن النبي ﷺ رجم ماعزا والغامدية ولم يجلدهما، ورجمت الصحابة بعده ولم يجلدوا (^٢) (١٣٨ /ب) قوله - ﷿: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: تنفذون حكم رسول الله ﷺ. قوله - ﷿:
﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قيل: أقلهم أربعة، قاله مالك والشافعي. وقيل: ثلاثة فصاعدا، قاله الزهري. وقيل: اثنان، قاله عكرمة. وقيل: واحد، قاله الحسن، وهو ضعيف؛ لأن الواحد لا يسمّى طائفة (^٣). قوله - ﷿: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ الآية، قيل: نزلت مخصوصة في رجل معيّن من المسلمين استأذن رسول الله ﷺ في امرأة يقال لها أم مهزول، وكانت بغيّا، وكان لها راية، فنهاه النبي ﷺ عن ذلك، وشرطت له أن تنفق عليه، فأنزل الله هذه الآية فيه (^٤).
وقيل: نزلت في أهل الصّفة، كانوا في صفة المسجد، وهم نحو من أربعمائة رجل، وكان بالمدينة بغايا معلنات بالفسق، فالتمسوا أن يتزوجوا منهن ليأووا في مساكنهنّ ويأكلوا من طعامهنّ، فنهوا عن ذلك (^٥). وقيل: معناه: أن الزاني لا يزني إلا بزانية، والزانية لا يزني بها إلا زان. وقيل: كان ذلك حكما في أول الإسلام فنسخ بقوله - تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ (^٦). وقال الحسن: المراد: الزانية والزاني المحدودين فلا ينكح المحدود غير محدودة،
_________________
(١) ينظر: الأم للشافعي (٧/ ٢٨٦)، بداية المجتهد لابن رشد (١/ ١٢٣٢)، المبسوط للسرخسي (٥/ ٤٣).
(٢) تقدم الحديث عن ذلك وتخريج الحديث في تفسير سورة النساء، الآية (١٦).
(٣) نقل هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون (٣/ ١٠٨). وينظر: الأم للشافعي (٦/ ٢١٥)، بدائع الصنائع للكاساني (٥/ ٥٢٨)، بداية المجتهد لابن رشد (١/ ١٢٣٢)، المغني لابن قدامة (١٠/ ١٣٣).
(٤) رواه الطبري في تفسيره (١٨/ ٧١)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (٢/ ٢١١)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٢٧) ونسبه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٥) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٢٧) ونسبه لابن أبي حاتم عن مقاتل.
(٦) سورة النساء، الآية (٣).
[ ١ / ٥٩٨ ]
ولا تنكح المحدودة غير محدود، روي ذلك مرفوعا (^١).
قوله - ﷿: ﴿وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ قيل: الزنى. وقيل: نكاح الزواني.
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧)﴾
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ﴾ يعني بالزنى، وحدّ القذف بالزنى ثمانون، وهو حق للآدمي يسقط بعفوه عند الشافعي ﵀، وقال أبو حنيفة: هو من حقوق الله - تعالى. وقيل:
هو مشترك بين حق الله - تعالى - وحق الآدمي (^٢). والتوبة من القذف تدفع الفسق ولا تسقط الحد، قال مالك والشافعي والجمهور: إذا تاب القاذف قبلت شهادته قبل الحدّ وبعده لارتفاع فسقه. وقال القاضي شريح: لا تقبل شهادته أبدا لا قبل الحدّ، ولا تقبل بعده. وقال النخعي (^٣): تقبل شهادته بعد الحد ولا تقبل (١٣٩ /أ) قبله.
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٣٠) ونسبه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الحسن. والمرفوع رواه أبو داود رقم (٢٠٥٢)، وذكره السيوطي في الدر (٦/ ١٣٠) وزاد نسبته لابن المنذر وابن عدي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا ينكح الزاني المحدود إلا مثله». وعند أبي داود «المجلود». قال الطبري في تفسيره (١٨/ ٧٥): «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال عني بالنكاح في هذا الموضع الوطء وأن الآية نزلت في البغايا المشركات ذوات الرايات وذلك لقيام الحجة على أن الزانية من المسلمات حرام على كل مشرك وأن الزاني من المسلمين حرام عليه كل مشركة من عبدة الأوثان، فمعلوم إذا كان ذلك كذلك أنه لم يعن بالآية أن الزاني من المؤمنين لا يعقد عقد نكاح على عفيفة من المسلمات ولا ينكح إلا بزانية أو مشركة، وإذ كان ذلك كذلك فبين أن معنى الآية الزاني لا يزني إلا بزانية لا تستحل الزنى أو بمشركة تستحله، وقوله: وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يقول: وحرم الزنى على المؤمنين بالله ورسوله، وذلك هو النكاح الذي قال - جل ثناؤه: الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً.
(٢) ينظر: بدائع الصنائع للكاساني (٥/ ٥٣٠)، المبسوط للسرخسي (٦/ ١١٩)، المغني لابن قدامة (١٠/ ١٧٨).
(٣) هو إبراهيم بن يزيد النخعي يكنى أبا عمران كوفي ثقة، وكان مفتي الكوفة هو والشعبي في زمانهما، وكان رجلا صالحا فقيها متوقيا قليل التكلف. مات سنة ٩٦ هـ. تنظر ترجمته في: الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة للذهبي (١/ ٢٢٧) ط. دار القبلة للثقافة الإسلامية - جدة - ١٩٩٢ م - تحقيق: محمد عوامة.
[ ١ / ٥٩٩ ]
وقال الشّعبيّ (^١): تقبل توبته ولا تقبل شهادته (^٢). والتوبة من القذف أن يندم على ما فرط فيه، ويصلح أعماله ولسانه. وقيل: توبته إكذابه نفسه (^٣) وهو ضعيف؛ لأنه قد يكون صادقا في قذفه، فإذا أكذب نفسه فإكذابه نفسه كذب. وأبيح للزوج إذا قذف زوجته أن يلاعن فيسقط الحد عن نفسه وتبين منه المرأة، وفي سبب ذلك قولان:
أحدهما: أنها نزلت بسبب هلال بن أمية جاء إلى النبي ﷺ فقال: «جئت إلى أهلي فوجدت مع امرأتي رجلا، رأيت بعيني وسمعت بأذني، فنزلت هذه الآية (^٤)».
والثاني: أنها نزلت بسبب عويمر العجلاني قال: يا رسول الله رجل وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه به؟ أم كيف يصنع؟ فنزلت هذه، فقال النبي ﷺ: «قد أنزل الله - ﷿ - فيك وفي صاحبتك فتلاعنا» (^٥).
ثم قيل: اللعان يمين، عبر بالشهادة عن القسم، ولو كان شهادة ما جاز أن يشهد لنفسه.
﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ (٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾
_________________
(١) هو أبو عمرو عامر بن شراحيل الشّعبي، ثقة مشهور فقيه فاضل، أدرك خمسمائة من الصحابة وقال: ما كتبت سوداء في بيضاء قط، ولا حدثني رجل بحديث فأحببت أن يعيده علي، ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه. مات سنة ثلاث ومائة أو أربع أو سبع أو عشر. تنظر ترجمته في: تقريب التهذيب لابن حجر (١/ ٢٨٧)، طبقات الحفاظ للسيوطي (١/ ٤٠).
(٢) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون (٣/ ١١٠) وينظر: الأم للشافعي (٧/ ٥٣)، بداية المجتهد لابن رشد (١/ ١٢٣٧)، المبسوط للسرخسي (٦/ ٣٦٣)، المغني لابن قدامة (١٢/ ٧٥).
(٣) وروى ذلك الشافعي في الأم (٧/ ٨٩) قال: أخبرنا ابن عيينة قال: سمعت الزهري يقول: زعم أهل العراق أن شهادة القاذف لا تجوز فأشهد لأخبرني - ثم سمّى الذي أخبره - أن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قال لأبي بكرة: تب تقبل شهادتك، أو إن تبت قبلت شهادتك، قال سفيان: شككت بعد ما سمعت الزهري يسمي الرجل فسألت، فقال لي عمر بن قيس: هو سعيد بن المسيب، فقيل لسفيان: شككت في خبره؟ فقال: لا هو سعيد إن شاء الله تعالى».
(٤) رواه البخاري في صحيحه رقم (٤٤٧٠).
(٥) رواه البخاري في صحيحه رقم (٤٤٦٨).
[ ١ / ٦٠٠ ]
﴿وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤)﴾
وقال أبو حنيفة: اللعان شهادة فردّ لعان الكافر والعبد، ولو كانت شهادة ما جاز أن يشهد لنفسه، فإذا لاعنت المرأة سقط حد الزّنى عنها (^١) لقوله - تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُا﴾ أي: يدفع ﴿عَنْهَا الْعَذابَ﴾ الآية، قيل: ﴿الْعَذابَ﴾ الحد. وقيل: الحبس.
قوله - ﷿: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ قيل: المراد ب ﴿فَضْلُ اللهِ﴾ الإسلام، وب ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ القرآن. وقيل: المراد ب ﴿فَضْلُ اللهِ﴾ منته، ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ نعمته. قوله - ﷿:
﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ﴾ أي: بالكذب. وقيل: الإثم. العصبة: المراد هاهنا زعماء الإفك الذين خاضوا فيه، وهم حسان بن ثابت الشاعر، ومسطح بن أثاثة، وعبد الله بن أبي بن سلول، وزيد بن رفاعة، وحمنة بنت جحش (^٢). وفي المراد بقوله: ﴿لا تَحْسَبُوهُ﴾ قولان:
أحدهما: يا عائشة وصفوان (^٣) لأنهما المقذوفان. والثاني: أن المراد به النبي ﷺ وأبو بكر وعائشة - ﵉ (^٤). قوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ﴾ الكبر بضم الكاف: معظم الشيء، وبكسر الكاف (^٥) مأثمه. وفي الّذي تولّى كبره قولان:
أحدهما: أنه عبد الله بن أبي بن سلول والعذاب العظيم: جهنم (^٦). والثاني: أنه مسطح
_________________
(١) ينظر: الأم للشافعي (٥/ ١٩٤)، بدائع الصنائع للكاساني (٣/ ٣٧٦)، المبسوط للسرخسي (٥/ ٥٣)، المغني لابن قدامة (٩/ ٥).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٨/ ٨٦) عن عروة بن الزبير، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٥٢) لابن أبي حاتم والطبراني عن سعيد بن جبير.
(٣) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٥٤٤) عن سعيد بن جبير.
(٤) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٥٠) للطبراني عن ابن عباس - ﵄.
(٥) قراءة العامة «كبره» بكسر الكاف، وقرأ أبو رجاء والحسن والزهري وتروى عن أبي عمرو والكسائي «كبره» بضم الكاف. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٣٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢١٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢١٧).
(٦) رواه البخاري رقم (٤٤٧٩)، ومسلم رقم (٢٤٧٠) في حديث الإفك.
[ ١ / ٦٠١ ]
ابن أثاثة والعذاب العظيم: ذهاب بصره في الدنيا (^١). ﴿لَوْلا جاؤُ﴾ أي: هلاّ جاءوا - لو كانوا صادقين - بأربعة شهداء يشهدون بما قالوه (١٣٩ /ب).
قال بعض المفسرين: لم يحد رسول الله ﷺ أحدا من أهل الإفك؛ لأن الحدود إنما تقام بإقرار أو بينة، وأما إخبار الله - تعالى - بإفكهم فلا يقام به الحد، وإن كان العلم فيه قطعا، كما لا يقتل المنافق وإن أخبر الله بنفاقه.
وقال آخرون: حد رسول الله ﷺ في الإفك عبد الله ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ولبعضهم في ذلك [من الطويل]:
لقد ذاق حسّان الّذي كان أهله وحمنة إذ قالا هجيرا ومسطح (^٢)
﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا﴾
_________________
(١) هكذا بالأصل «مسطح» وهو ما ذكره الماوردي في النكت والعيون (٣/ ١١٤)، وذكر السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٥٨) ونسبه لمحمد بن سعد عن محمد بن سيرين أن عائشة كانت تأذن لحسان بن ثابت وتدعو له بالوسادة وتقول: لا تؤذوا حسان فإنه كان ينصر رسول الله ﷺ بلسانه وقال الله: وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ وقد عمي والله قادر أن يجعل ذلك العذاب العظيم عماه. قال ابن جرير الطبري (١٨/ ٨٩): «وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال الذي تولى كبره من عصبة الإفك كان عبد الله بن أبي وذلك أنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن الذي بدأ بذكر الإفك وكان يجمع أهله ويحدثهم عبد الله بن أبي بن سلول وفعله ذلك على ما وصفت كان توليه كبر ذلك الأمر».
(٢) ينظر في: تفسير القرطبي (١٢/ ١٧٦)، روح المعاني للألوسي (١٨/ ١١٦)، النكت والعيون للماوردي (٣/ ١١٥) وذكر الماوردي هذه الأقوال. ويروى الشطر الأول: لقد ذاق عبد الله ما كان أهله
[ ١ / ٦٠٢ ]
﴿وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾
قوله - ﷿: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ أي: تشيعون ذكره في المجالس حتى ينتشر.
وقيل: تتلقونه بالقبول إذا حدّث به ولا تنكرونه، وروي عن عائشة - ﵂ - أنها كانت تقرأ ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ بكسر اللام وتخفيف القاف (^١)، ومعناه: ترددونه وهو مأخوذ من الولق، وهو الإسراع، أي: تسرعون في الكذب وغيره. ﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ آثاره. وقيل خطاياه. وقيل: يخطّي الشيطان الإنسان من الطاعة إلى المعصية.
قوله - ﷿: ﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ أي: لا يقصر. وقيل: لا يحلف، من قوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ﴾ (^٢) أي: يحلف. وقرئ (ولا يتألّ) (^٣) أي: لا يحلف.
وفي الحديث: «من يتألّ على الله يكذّبه» (^٤) وهذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ كان ينفق على مسطح بن أثاثة، فلما خاض في الإثم ونشره حلف أبو بكر ﵁ أن لا يبّره، وكان ابن خالته، فنزلت الآية، فقال أبو بكر: «والله إني أحب أن يغفر الله لي» فعاد إلى برّه وكفّر عن يمينه (^٥).
﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾
قوله - ﷿: ﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ الآية فيه ثلاثة أقوال:
_________________
(١) تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٣٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢١٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢١٩).
(٢) سورة البقرة، الآية (٢٢٦).
(٣) قرأ «يتألّ» أبو جعفر من العشرة، وقرأ الباقون «يأتل». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٤٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢١٤)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٦)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٠٦) معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٤٨)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣١).
(٤) رواه ابن السري في كتاب الزهد (١/ ٢٨٦ رقم ٤٩٧) عن عبد الله بن مسعود من خطبة طويلة له.
(٥) رواه البخاري في صحيحه رقم (٦٣٠١).
[ ١ / ٦٠٣ ]
أحدها: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء.
والثاني: الخبيثات من الأعمال للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من الأعمال، والطيبات من الأعمال للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الأعمال. الثالث: أن الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من الكلام (١٤٠ /أ) والطيبون من الكلام للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الكلام. ﴿أُولئِكَ﴾ إشارة إلى الطيبين، أو إلى أهل البيت.
وقالت عائشة - ﵂: «أعطيت تسعا ما أعطيتهنّ امرأة: نزل جبريل بصورتي في راحته حين أمر رسول الله ﷺ، وتزوجني بكرا، وتوفي ورأسه في حجري، وقبر في بيتي، وحفّت به الملائكة في بيتي، وكان ينزل عليه وهو معي في لحاف، وإني لابنة خليفة رسول الله ﷺ وصدّيقه، ونزل عذري من السماء، وخلقت طيبة عند طيب، ووعدت مغفرة ورزقا كريما» (^١).
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾
﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ من الاستئناس نقيض الاستيحاش؛ لقوله - تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ (^٢) وقيل: هو بمعنى الاستعلام والاستكشاف، استفعل من قولهم: أنس بالشيء. إذا علمه ظاهرا منكشفا؛ كقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ (^٣) ﴿آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ (^٤). تقول: استأنست فلم أر أحدا. أي: حتى يظهر لكم الإذن، ويجوز أن يراد أن يتعرّف هل ثم إنسان؟
وروي «أن يتكلم بكلمة أو يتنحّم فيظهر له أنّ ثمّ إنسان» (^٥) والتسليم يستحب فيه أن
_________________
(١) رواه أبو يعلى في مسنده رقم (٤٦٢٦)، ونسبه له الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤١) وقال: وفي الصحيح وغيره بعضه وفي إسناد أبي يعلى من لم أعرفهم.
(٢) سورة الأحزاب، الآية (٥٣).
(٣) سورة النساء، الآية (٦).
(٤) سورة القصص، الآية (٢٩).
(٥) ذكر السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٧١) ونسبه لابن أبي شيبة والحكيم الترمذي وابن أبي حاتم -
[ ١ / ٦٠٤ ]
يكون ثلاث مرات. وروي أن النبي ﷺ قال: «الاستئذان ثلاث» (^١).
و«استأذن رجل على النبي ﷺ فقال: أألج؟ فأشار إلى امرأة يقال لها روضة: قومي إلى هذا فعلّميه كيف يستأذن يقول: السّلام عليكم أأدخل؟» (^٢).
وكان الرجل في الجاهلية إذا جاء منزل قوم يقول: حييتم صباحا، وحييتم مساء. فجاء الإسلام بالاستئذان والسلام، وهذا باب من آداب الشريعة قد أهمله الناس.
وروي أن رجلا قال للنبي ﷺ: «إن أمي ليس لها خادم غيري، أأستأذن عليها؟ قال:
أتحب أن تراها عريانة؟ قال الرجل: لا، قال: فاستأذن» (^٣).
﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٢٩) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾
قوله - ﷿: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوها﴾ لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه. قوله - ﷿: ﴿فَارْجِعُوا﴾ أي: لا تلحّوا في طلب الإذن، ولا تقفوا على الأبواب تنتظرون الإذن؛ فإنّ ذلك يشق على أصحاب الإذن، ومنه قوله - تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ﴾ (^٤) فإن عرض عارض من حريق أو ظهور منكر أو سارق فهذا مستثنى بالدليل.
ثم توعّد المخاطبين بهذه الأحكام بأنه أعلم بما يقولون (١٤٠ /ب) وبما يذرون فيجازيهم استثنى من البيوت المسكونة الخانات والفنادق والربط، فأجاز دخولها بغير
_________________
(١) = والطبراني وابن مردويه عن أبي أيوب قال: قلت: «يا رسول الله، أرأيت قول الله حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها هذا التسليم قد عرفناه فما الاستئناس؟ قال: يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة ويتنحنح فيؤذن أهل البيت».
(٢) رواه البخاري رقم (٦)، ومسلم رقم (٢١٥٣) عن أبي موسى الأشعري ﵁.
(٣) رواه بهذا السياق الطبري في تفسيره (١٨/ ١١٠)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٧٢) عن عمرو بن سعيد الثقفي، ورواه أبو داود رقم (٥١٧٧) بنحوه.
(٤) رواه الإمام مالك في الموطأ (٢/ ٩٦٣) رقم (١٧٢٩)، والطبري في تفسيره (١٨/ ١١١).
(٥) سورة الحجرات، الآية (٤).
[ ١ / ٦٠٥ ]
استئذان، والمتاع: الانتفاع والاستكنان من الحر والبرد وصيانة المتاع عن المطر والثلج، و﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ مزيدة عند الأخفش دون سيبويه (^١) ومع ذلك احترز به عن أول نظرة، وعن استعراض الجارية في البيع، ورؤية الوجه واليدين في المعاملة، وغير ذلك مما استثنى، وقال أبو زيد: كل ما في القرآن من حفظ الفرج المراد به الصيانة عن الزنى إلا هاهنا، فإن المراد هاهنا التستّر (^٢).
والنساء مأمورات بغض الأبصار. وروي: «أن النبي ﷺ دخل عليه ابن أمّ مكتوم وعنده
_________________
(١) قال الأخفش في معاني القرآن (١/ ٩٨ - ٩٩) عند قوله - تعالى - في سورة البقرة، الآية (٦١) فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها: «دخلت فيه «من» كنحو ما تقول في الكلام: أهل البصرة يأكلون من البر والشعير. وتقول: دعيت فأصبت من الطعام، تريد: شيئا، ولم تذكر الشيء، كذلك: يخرج لنا مما تنبت الأرض شيئا، ولم تذكر الشيء. وإن شئت جعلته على قولك: ما رأيت من أحد. تريد: ما رأيت أحدا. وهل جاءك من رجل؟ تريد: هل جاءك رجل؟ فإن قلت: إنما يكون هذا في النفي والاستفهام! فقد جاء في غير ذلك، قال: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ [البقرة: ٢٧١] فهذا ليس باستفهام ولا نفي. وتقول: «زيد من أفضلها» تريد: هو أفضلها. وتقول العرب: قد كان من حديث فخلّ عني حتى أذهب، يريدون: قد كان حديث ونظيره: قولهم: هل لك في كذا وكذا، ولا يقول: حاجة، ولا عليك، يريدون: لا بأس عليك». وقال سيبويه في الكتاب (١/ ٣٨): «وليست عن وعلى هاهنا بمنزلة الباء في قوله: «وكفى بالله شهيدا» و«ليس بزيد»؛ لأن عن وعلى لا يفعل بها ذاك، ولا ب «من» في الواجب. ونقله عن سيبويه ابن يعيش في شرح المفصل (٧/ ١٣)، ونقل عن الأخفش جواز زيادتها في الواجب. قال العكبري في «اللباب في علل البناء والإعراب» (١/ ٣٥٥ - ٣٥٦) - معللا رأي سيبويه ومؤيدا له -: «ودليلنا أن «من» حرف، والأصل في الحروف أنها وضعت للمعاني اختصارا من التصريح بالاسم أو بالفعل الدال على ذلك المعنى كالهمزة، فإنها تدل على الاستفهام، فإذا قلت: أزيد عندك؟ أغنت الهمزة عن «أستفهم»، وأخذت من المال، أي: بعضه. وما قصد به الاختصار لا ينبغي أن يجيء زائدا؛ لأن ذلك عكس الغرض، وإنما جاز في مواضع لمعنى من توكيد ونحوه. ولا يصح ذلك المعنى هنا. ثم رد على الأخفش ومن وافقه احتجاجه بقوله - تعالى: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ [البقرة: ٢٧١] ويَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [الأحقاف: ٣١] والمراد: الجميع. ثم قال العكبري: والجواب: أن «من» هنا للتبعيض، أي: بعض سيئاتكم؛ لأن إخفاء الصدقة لا يمحي كل السيئات. وأما «من ذنوبكم» فللتبعيض أيضا؛ لأن الكافر إذا أسلم قد يخفى عليه ذنب وهو مظالم العباد الدنيوية. أو تكون «من» هنا لبيان الجنس». اه من اللباب للعكبري. وينظر في ذلك أيضا: أسرار العربية لابن الأنباري (ص: ٢٦٠)، الجنى الداني للمرادي (ص: ٣١٧ - ٣١٨)، شرح المفصل لابن يعيش (٧/ ١٣)، المغني لابن هشام (١/ ٣٢٣ - ٣٢٤)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٨/ ١١٦) عن أبي العالية.
[ ١ / ٦٠٦ ]
ميمونة وأخرى من نساء النبي ﷺ وذلك بعد أن أمر بالحجاب، فدخل علينا فقال: احتجبا، فقلنا: يا رسول الله: أليس أعمى لا يبصرنا؟ قال: أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه» (^١)؟ وقدّم النهي عن النظر ومدّ البصر على حفظ الفرج؛ لأنه وسيلة إلى الزّنى، وأكثر الوقوع في الزّنى إنما هو بسبب النظر.
﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾
قوله: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الزينة: ما يتزين به، فإن كانت العورة تظهر بظهوره فهو حرام، وإلا فلا يحرم، كالقراميل (^٢) وهي ما يعمل في الشعر من العقاص المذهبة، وقدم النهي عن الزينة مطلقا ولم يفصل، ليعلم أن النساء مأمورات بزيادة التحفظ، فإذا نهين عن الزينة فالموضع الذي تقع عليه الزينة أولى بالتحفظ، ألا ترى أن الزينة لو وقعت على الأرض ولم ينكشف شيء من العورة فلا مقال في حله.
وقوله: ﴿إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها﴾ أي: ما جرت العادة بظهوره. كانت جيوبهن واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن، وكن يسدلن الخمار من ورائهن، فأمرن أن يسدلنه من أمامهن، قالت عائشة: «رحم الله نساء الأنصار لما سمعن بنزول هذه الآية قطعن من خمرهنّ ما سدلنه من أمامهنّ وسترن الصدور والنّحور» (^٣). وقرئ (جيوبهنّ) بكسر الجيم (^٤) لأجل
_________________
(١) رواه أحمد (٦/ ٢٩٦)، وأبو داود (٤١١٢)، والترمذي (٢٧٧٨)، وفي سنده نبهان مولي أم سلمة وهو مجهول وضعفه الشيخ الألباني في الإرواء (٦/ ١٨٠٦).
(٢) القراميل من الشعر والصوف: هي ما تصل به المرأة شعرها ليطول، وما تشدّه المرأة في شعرها. ينظر: لسان العرب (قرمل).
(٣) رواه البخاري (٤٧٥٩)، وأحمد (٦/ ١٨٨)، وأبو داود (٤١٠٣، ٤١٠٢، ٤١٠٠)، عن عائشة.
(٤) قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وابن ذكوان «جيوبهن» بالكسر، وقرأ الباقون «جيوبهن» بالضم. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٤٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢١٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٦٢)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٢٦).
[ ١ / ٦٠٧ ]
الياء، كالبيوت والعيون، وعن ابن عباس ﵁: لا يحل لامرأة مسلمة أن تتكشف بين يدي كافرة؛ عملا بقوله - تعالى: ﴿أَوْ نِسائِهِنَّ﴾ (^١) أي: نساء المؤمنات. وأجازه آخرون قياسا.
قوله: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ﴾ وأباح للمرأة (١٤١ /أ) أن تظهر عليها عبدها، وقالت عائشة لعبدها ذكوان: «إذا دفنتني وتركتني في القبر فأنت حر» (^٢). وهناك من منع من ذلك لحصول الفتنة فيه. وروي: «أن معاوية دخل على زوجته ميسون بنت بحدل الكلابية ومعه خصي، فتسترت الزوجة منه، فقال معاوية لها: هو خصي، فقالت: أترى المثلة به تحلل ما حرم الله؟ (^٣).
ومنع أبو حنيفة من بيع الخصيان واستخدامهم، ولم ينقل عن أحد من السلف إمساكهم، واحتج أبو حنيفة بأنه إذا خصي العبد ازداد في ثمنه للدخول على النساء، فيكون الخصاء سببا في المثلة، فمنع منه (^٤).
فإن قيل: روي أنه أهدي لرسول الله ﷺ خادم فقبله (^٥).
قلنا: الحديث ضعيف، وإن صح فهو محمول على أنه قبله ليعتقه (^٦).
﴿الْإِرْبَةِ﴾ الحاجة، يعني: الذين يتبعونك ليصيبوا من طعامك، ولا حاجة بهم إلى النكاح. وقيل: الشيوخ الهرمون، وقرئ (غير) بنصب الراء على الاستثناء أو الحال، وبالجر (^٧) على الوصفية.
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٧٧) ونسبه لسعيد بن منصور والبيهقي بنحوه.
(٢) رواه عبد الرزاق في مصنفه رقم (٣٨٢٤) بلفظ: «إذا غيبني أبو عمرو ودلاني في حفرتي فهو حر».
(٣) ذكر هذه القصة ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (٧٠/ ١٣٠) في ترجمة ميسون وقال عنها: ميسون بنت بحدل بن أنيف الكلبية، زوج معاوية بن أبي سفيان وأم يزيد بن معاوية، روت عن معاوية، وروى عنها محمد بن علي وكانت امرأة لبيبة.
(٤) ينظر: الأم للشافعي (٦/ ١٤١)، بدائع الصنائع للكاساني (٤/ ٢٩٣).
(٥) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (٤/ ٤١) عن مصعب بن عبد الله الزبيري قال: ثم تزوج رسول الله ﷺ مارية بنت شمعون، وهي التي أهداها إلى رسول الله - ﷺ - المقوقس صاحب الإسكندرية، وأهدى معها أختها سيرين وخصيا يقال له مأبور فوهب رسول الله ﷺ سيرين لحسان بن ثابت » الحديث.
(٦) هذا قول الزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٣٢).
(٧) قرأ ابن عامر وشعبة عن عاصم وأبو جعفر «غير» بالفتح، وقرأ الباقون «غير» بالكسر. تنظر في: -
[ ١ / ٦٠٨ ]
﴿لَمْ يَظْهَرُوا﴾ قيل: المراد لم يقووا، من قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ (^١) أو من ظهر على الشيء: اطلع عليه، كأنهم لا يفرقون بين العورة وبقية الجسد، من قوله - تعالى: ﴿وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ﴾ (^٢) أي: وأطلعه. قيل: لم يذكر العم والخال؛ لأنهما قد يصفانه لابنيهما، وذلك ليس بمحرم، لكنه قد يدعو إلى ما لا يحل، وهو مما أمر النساء به لزيادة التحفظ. وقيل: كانت المرأة تضرب بإحدى رجليها الأخرى ليعلم ذلك، فنهين عنه.
واعلم أن أوامر الله - تعالى - ونواهيه لا يقدر العبد الضعيف على أن يوفيها حقها من التحفظ؛ فلذلك وصى المؤمنين جميعا بالتوبة والاستغفار. قوله - ﷿: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ﴾ التوبة واجبة بهذا الأمر، قال بعضهم: يجب على الإنسان كلما ذكر المعصية أن يجدد التوبة؛ لأن الاستمرار على الندم على المعصية واجب.
وقرئ (أيه المؤمنون) بضم الهاء (^٣).
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾
﴿الْأَيامى﴾ جمع أيم، وهي التي لا زوج لها، والنكاح مستحب، وأوجبه داود.
والأحاديث والآثار تشهد لاستحبابه، فمن ذلك قوله ﷺ: «من أحبّني فليستنّ بسنّتي» (^٤) ولأنه قضاء لذة تصبر النفس عنها فلم تجب، كأكل الطيب، ولبس الناعم، وربما كان (١٤١ /ب) واجب الترك إذا أدى إلى معصية أو مفسدة. وواجب الفعل إذا دعت المرأة إلى تزويجها من كفء فيجب على الولي إجابتها (^٥). فإن قيل: لم خص الصالحين في قوله:
_________________
(١) = البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٤٩)، تفسير القرطبي (١٢/ ٢٣٦)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٦١)، حجة أبي زرعة (ص: ٤٩٦) الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢١٧)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٥٥)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٦٢)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٢).
(٢) سورة الصف، الآية (١٤).
(٣) سورة التحريم، الآية (٣).
(٤) قرأ «أيه» ابن عامر، وقرأ باقي العشرة «أيها». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٥٠)، حجة أبي زرعة (ص: ٤٩٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢١٧)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٥٥)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٦٣)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٤٢).
(٥) رواه عبد الرزاق في مصنفه رقم (١٠٣٧٨)، وأبو يعلى في مسنده رقم (٢٧٤٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٧٧) عن عبيد بن سعد عن النبي ﷺ قال: «من أحب فطرتي فليستن بسنتي ومن سنتي النكاح». وضعفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة رقم (٢٥٠٩).
(٦) ينظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ٤٨٢)، بداية المجتهد لابن رشد (١/ ٦٧٠)، المغني لابن قدامة -
[ ١ / ٦٠٩ ]
﴿وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ﴾؟ قلت: ليحصن دينهم، ويحفظ عليهم صلاحهم.
قوله - ﷿: ﴿وَاللهُ واسِعٌ﴾ ذو سعة ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يبسط الرزق له.
﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)﴾
﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ وليجتهد في العفة ﴿لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ أي: استطاعة تزوج ويجوز أن يراد بالنكاح: ما ينكح به من المال.
﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ﴾ يطلبون الكتابة، وفي إعراب «﴿وَالَّذِينَ﴾» قولان: الرفع [على الابتداء] والنصب بإضمار فعل يدل عليه قوله: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ ﴿وَآتُوهُمْ﴾ وفي المأمور بإيتائه قولان:
أحدهما: الزكاة؛ لقوله - تعالى: ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ (^١) أو يحط عن المكاتب بعض ما عليه وذلك واجب عند الشافعي، ويجوز عند أبي حنيفة إن كان على مال حالّ ومؤجل، ومنجّم وغير منجّم؛ لأن الله - تعالى - أطلق جواز الكتابة. وعند الشافعي لابد من تأجيله، وأقل آجاله نجمان فصاعدا، وإجابة المكاتب إلى الكتابة سنة. وقيل بوجوبها (^٢).
قوله - ﷿: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أي: قدرة على الكسب. وقيل: أمانة، ويجوز للسيد أن يأخذ من المكاتب ما تصدق به عليه.
وكان لعبد الله بن أبي رأس النفاق ست جوار يكرههنّ على البغاء، وضرب عليهن ضرائب فشكت ثنتان منهن إلى النبي ﷺ، فنزلت (^٣). وكنى بالفتى والفتاة عن العبد والأمة،
_________________
(١) = (٧/ ٣٣٤)، النكت والعيون للماوردي (٣/ ١٢٥)، المهذب للشيرازي (٢/ ٤٢٣).
(٢) سورة التوبة، الآية (٦٠).
(٣) ينظر: الأم للشافعي (٨/ ٣٧)، بدائع الصنائع للكاساني (٣/ ٥٩٧)، بداية المجتهد لابن رشد (١/ ١١٧٤)، المغني لابن قدامة (١٢/ ٣٣٩)، النكت والعيون للماوردي (٣/ ١٢٧).
(٤) رواه مسلم رقم (٣٠٢٩) نحو ذلك دون ذكر عدد الجواري. وله روايات كثيرة عند الطبري في تفسيره (١٨/ ١٣٢ - ١٣٣).
[ ١ / ٦١٠ ]
وفي الحديث: «لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي، فإنّ كلّكم عبيد لله» (^١). وإنما زاد قوله:
﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ فإن الإكراه على البغاء لا يتصور مع إرادتهن له. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لهن.
قيل: لهم ولهن.
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤) اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾
﴿آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ أي: آيات هذه السورة، أو آيات القرآن. وقرئ ﴿مُبَيِّناتٍ﴾ بكسر الياء (^٢). ﴿وَمَثَلًا﴾ من أمثال من قبلكم أو قصة عجيبة من قصصهم.
﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ﴾ أي: هادي من في السماوات والأرض. وقيل: خالق نورهما من شمس وقمر، والأول أظهر؛ لقوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ و﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ﴾ وقد جعل نفسه نورا مبالغة، ونظير هذه الآية: زيد جود محض يعين الفقير، ويجبر الكسير (١٤٢ /أ) شبه الحق في ثبوته وظهوره بالنور ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي: صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ كصفة مشكاة، وهي الكوة في الجدار غير النافذة ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ سراج ضخم ثاقب.
﴿الزُّجاجَةُ﴾ شديدة الصفاء شبيهة بالدراري الكبار كالمشتري والزهرة والمريخ وسهيل.
﴿يُوقَدُ﴾ هذا المصباح ﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾ أي: أن ماءه من شجرة مباركة. يعني: كثيرة المنافع، أو لأنها تنبت في الأرض التي بارك الله فيها. يتعاقب عليها الشمس والقمر وهو أضوأ لدهنها.
وقيل: ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت شروقها فقط أو غروبها فقط بل تصيبها بالغداة والعشي جميعا، يعني أن هذا النور قد اجتمع فيه صغر المشكاة وانسداد صدرها، وصفاء الزجاجة فصارت كالكوكب، وصفاء الزيت بحيث ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ فإذا اجتمعت هذه الأوصاف صلح أن يشبّه به نور الله في القلب، فهو تشبيه مفرد بمركب،
_________________
(١) رواه مسلم رقم (٢٢٤٩)، وأبو داود رقم (٤٩٧٥)، عن أبي هريرة ﵁.
(٢) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص عنه وخلف «مبيّنات»، وقرأ الباقون «مبيّنات». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٥٣)، حجة أبي زرعة (ص: ٤٩٨) الدر المصون للسمين الحلبي (٢/ ٣٣٦)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٣٠)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٤٨).
[ ١ / ٦١١ ]
ومن لم يتدبر فهو كالأعمى.
وعن علي ﵁: نشر الله فيها الحق وبثه فأضاءت بنوره، أو نور قلوب أهلها به (^١).
وعن أبي بن كعب: مثل نور من آمن به (^٢). وقرئ (زجاجة) بفتح الزاي (^٣) وقرئ (درّيء) بكسر الدال والهمز (^٤)، أي: دفاع للظّلمة؛ كقوله: ﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ﴾ (^٥) أي:
يدفعه. ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ يتعلق بما قبله، أي: كمشكاة في بعض بيوت الله، وهي المساجد.
وقيل: متعلق بما بعده، أي: يسبح له في بيوت. قوله - ﷿: ﴿أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ أي:
يرفع بناؤها؛ كقوله: ﴿بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها﴾ (^٦) ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ (^٧).
وعن الحسن: ما أمر الله أن ترفع بالبناء ولكن بالتعظيم (^٨).
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦)﴾
﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ قيل: يتلى فيها كتابه، وقرئ (يسبّح) بفتح الباء (^٩) على البناء للمفعول، ويسند الفعل إلى أحد الظروف الثلاثة أي: له، وفيها، وبالغدو. و﴿رِجالٌ﴾
_________________
(١) ذكره بهذا اللفظ الزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٤٢).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٨/ ٣٦).
(٣) قرأ بها ابن أبي عبلة ونصر بن عاصم وابن مجاهد. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٥٦)، تفسير القرطبي (١٢/ ٢٦١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٢٠)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٦٨)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٠٩).
(٤) قرأ أبو عمرو والكسائي «درّيء»، وقرأ حمزة وشعبة عن عاصم «درّيّ»، وقرأ الباقون «درّيّ». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٥٦)، تفسير القرطبي (١٢/ ٢٣٦)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٦٢)، حجة أبي زرعة (ص: ٤٩٩) الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٢٠)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٥٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٦٨)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٢).
(٥) سورة النور، الآية (٨).
(٦) سورة النازعات، الآيتان (٢٨، ٢٧).
(٧) سورة البقرة، الآية (١٢٧).
(٨) رواه الطبري في تفسيره (١٨/ ١٤٥) وقال: «وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب القول الذي قاله مجاهد وهو أن معناه أذن الله أن ترفع بناء؛ كما قال جل ثناؤه: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وذلك أن ذلك هو الأغلب من معنى الرفع في البيوت والأبنية».
(٩) قرأ ابن عامر وشعبة عن عاصم «يسبّح»، وقرأ الباقون «يسبّح». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٥٨)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٦٢)، حجة أبي زرعة (ص: ٥٠١) الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٢١)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٥٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٦٨)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٢).
[ ١ / ٦١٢ ]
مرفوع بما دل عليه ﴿يُسَبِّحُ﴾ أي: يسبحه رجال. ﴿وَالْآصالِ﴾ جمع أصيل، وهو العشي وقرئ (بالإيصال) (^١) وهو الدخول في الأصيل. التجارة: صناعة التاجر، وهو الذي يبيع ويشتري للربح، ويجوز أن يريد: لا يشتغلون بالتجارة؛ لأنه لا مال لهم فيتجرون به، ويحتمل أن يشتغلوا (١٤٢ /ب) بالتجارة، ولكن لا يشغلهم ذلك عن ذكر الله.
﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩)﴾
﴿وَإِقامِ الصَّلاةِ﴾ أصله: إقامة الصلاة. وتقلب القلوب والأبصار أي: زاغت عن محلها كقوله: ﴿وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ﴾ (^٢) ويحتمل أن يقال: صارت بصيرة بعد أن كان مغشيا عليها، والقلوب صارت مبصرة بعد أن كانت مختوما عليها. ﴿أَحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ أي: أحسن جزاء أعمالهم. ﴿يَخافُونَ يَوْمًا﴾ أي: يخافون عقابه. السّراب: ما يرى وقت الهاجرة، كأنه ماء يتسرب على وجه الأرض. والقيعة: بمعنى القاع، أو جمع قاع، وهو المنبسط المستوي من الأرض، كالجيرة في جمع جار، وقرئ (بقيعات) بتاء ممدودة (^٣) كديمات وقيمات، شبه ما يعمله من لا يتبع الإيمان، ولا يعتقد الحق من الأعمال الصالحة التي يحسبها تنفعه عند الله، وتنجيه من عذابه، ثم يخيب في العاقبة أمله، ويلقى خلاف ما قدّر - بسراب يراه الكافر بالسّاهرة، وقد غلبه عطش يوم القيامة فيحسبه ماء، فيأتيه فلا يجد ما رجا، ويجد زبانية الله عنده فيعتلونه إلى جهنم، فيسقونه الحميم والغساق، وهم الذين قال الله - تعالى - فيهم: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (^٤) ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا﴾ (^٥) ﴿أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ (^٦) فقيل: نزلت في
_________________
(١) قرأ بها ابن مجلز وسعيد بن جبير. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٥٨)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٦٨)، المحتسب لابن جني (٢/ ١١٣).
(٢) سورة الأحزاب، الآية (١٠).
(٣) قرأ بها مسلمة بن محارب. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٦٠)، تفسير القرطبي (٢٨٣/ ١٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٢٢)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٣٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٦٩)، المحتسب لابن جني (٢/ ١١٣).
(٤) سورة الكهف، الآية (١٠٤).
(٥) سورة الفرقان، الآية (٢٣).
(٦) سورة إبراهيم، الآية (١٨).
[ ١ / ٦١٣ ]
عتبة بن ربيعة كان قد تنصّر في الجاهلية ولبس المسوح، وطلب الدين الحق، فلما جاء النبي ﷺ كفر به (^١).
﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣)﴾
اللجي: العميق الكثير الماء، وفي ﴿أَخْرَجَ﴾ ضمير الواقع فيه دل عليه السياق، كقوله:
﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ (^٢) يعني الشمس، ولم تذكر قبل ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ أي: لم يرها ولا قرب من رؤيتها، شبه أعمالهم أولا في فوات نفعها وحصول ضررها بسراب لم يجده من خدعه من بعيد شيئا، ثم وجد الزبانية عنده، فألقوه في النار، وشبهها ثانيا في ظلمتها وسوادها لكونها باطلة، وفي خلوّها عن نور الحق - بظلمات متراكمة من لجج البحر والأمواج والسحاب. وقرئ ﴿سَحابٌ﴾ بالرفع والتنوين و﴿ظُلُماتٌ﴾ بالجر والتنوين (^٣) بدل من قوله ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ﴾.
قوله - ﷿: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ﴾ (١٤٣ /أ) أي: قد علم الله صلاة ذلك الطائر وتسبيحه.
وقيل: كلّ طير قد علم ما وظف عليه من التسبيح والصلاة فقام به ولم يؤخره، والله - تعالى - ألهم هذه الحيوانات تعظيمه كما ألهمها مصالحها.
﴿يُزْجِي﴾ يسوق ﴿رُكامًا﴾ بعضه فوق بعض و﴿الْوَدْقَ﴾ المطر، و﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ﴾
_________________
(١) ذكره الماوردي في النكت والعيون (٣/ ١٣٤) وفيه «شيبة» بدل عتبة.
(٢) سورة ص، الآية (٣٢).
(٣) قرأ قنبل «سحاب ظلمات»، وقرأ البزي «سحاب ظلمات»، وقرأ جمهور العشرة «سحاب ظلمات». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٦٢)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٦٣)، حجة أبي زرعة (ص: ٥٠٢) الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٢٣)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٥٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٧٠)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٢).
[ ١ / ٦١٤ ]
على زيادة الباء؛ كقوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى﴾ (^١) فإن قلت: متى رأى رسول الله ﷺ تسبيح من في السماوات والأرض والطير ودعاءه، وتنزيل المطر من جبال برد في السماء حتى قيل له: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾؟ قيل: علم ذلك من جهة الوحي.
فإن قلت: ما الفرق بين ﴿مَنْ﴾ الأولى والثانية والثالثة؟ قلت: الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، والثالثة لبيان الجنس. وقوله: ﴿مِنْ جِبالٍ﴾ يجوز أن يخلق الله - تعالى - في السماء جبالا من برد، كما خلق في الأرض جبالا من حجر، ويحتمل أن يراد بالجبل الكثرة، تقول: عند فلان جبال من ذهب.
﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤) وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)﴾
ولما كان اسم الدابة يقع على من يعقل ومن لا يعقل غلب ما يعقل في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ و﴿مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ﴾ وهما لا يعقلان، فقال فيهما: ﴿مِنْ﴾ والقياس: ما يمشي.
وخلق الله - ﷾ ﴿مِنْ ماءٍ﴾ هو النطفة؛ كقوله: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ (^٢) وسمى الزحف على البطن مشيا استعارة؛ كقولك: مشى هذا الأمر. وقوله: ﴿وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ إشارة إلى القائلين: (آمنا وأطعنا) أو إلى المعرضين منهم، وعرف المؤمنين إشارة إلى أنهم ليسوا بالكاملين في الإيمان المطيعين للأوامر.
معنى ﴿إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: إلى رسول الله - ﷺ - كقولك: أعجبني زيد وكرمه، أي:
كرم زيد، ومنه قوله [من الرجز]:
عجبت من نفسي ومن إشفاقها (^٣)
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (١٩٥).
(٢) سورة الرعد، الآية (٤).
(٣) ينظر بلا نسبة في: غريب الحديث لابن قتيبة (١/ ٢٦٣) وتكملته ومناسبته قال ابن قتيبة: -
[ ١ / ٦١٥ ]
وروي أنها نزلت في بشر المنافق خاصم رجلا من اليهود، فطلب اليهودي المحاكمة عند النبي ﷺ وطلب المنافق عند كعب بن الأشرف؛ لعلمه أن كعبا يقبل الرّشا (^١).
﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٥٠) إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٥٢)﴾
قوله تعالى: ﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ الجار والمجرور متعلق ب «يأتوا» وأتى وجاء سمعا متعديين. وقيل: متعلق ب «مذعنين». قسم الأمر في إعراضهم بين أن يكونوا مرتابين في قلوبهم مرض، أو يخافوا منك الحيف عليهم، ثم إنه أبطل خوفهم وبين أن تأخرهم (١٤٣ /ب) عن طاعته ما كان إلا ظلما بقوله: ﴿بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾.
﴿قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرئ بالرفع والنصب (^٢) على اسم كان وخبرها، والنصب أفصح؛ لأن قوله: ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ أدخل في التعريف؛ لأنه لا يمكن تنكيره.
فإن قلت: ما فاعل «ليحكم»؟ قلت: هو إيقاع الحكم؛ كقولك: فرق بينهما وجمع بينهما ومثله ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ في قراءة النصب (^٣) أي: أوقع التقطيع. ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ قرئ بكسر الهاء ليتولد منها ياء، وقرئ بحذف الياء، وقرئ بسكون القاف (^٤) شبه «تقه» ب
_________________
(١) = ومثل قول الأعرابي - وكان يطرد الطير عن زرع في سنة جدب [من الرجز]-: عجبت من نفسي ومن إشفاقها ومن طرادي الطير عن أرزاقها في سنة قد كشفت عن ساقها حمراء تبري اللحم عن عراقها والموت في عنقي وفي أعناقها
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء، الآية (٦٠).
(٣) قرأ جمهور القراء «قول» بالنصب، وقرأ علي والحسن وابن أبي إسحاق «قول» بالرفع، وذلك على أنه الاسم و«أن» المصدرية وما في حيزها: الخبر. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٦٨)، تفسير القرطبي (١٢/ ٢٩٥)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٦٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٢٢٨/ ٥)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٧٢)، المحتسب لابن جني (٢/ ١١٥).
(٤) تقدم تخريجها في سورة الأنعام، الآية (٩٤).
(٥) قرأ أبو عمرو البصري وشعبة «يتّقه» وقرأ حفص عن عاصم «يتّقه» وقرأ ابن كثير وورش وابن ذكوان وخلف عن حمزة وعن الكسائي «يتّقه» مع إشباع الهاء. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان -
[ ١ / ٦١٦ ]
«كتف» فسكن أوسطه، ك «كتف» في «كتف» وقال الشاعر [من الرجز]:
قالت سليمى اشتر لنا سويقا (^١)
وعن ابن عباس: «ومن يطع الله في فرائضه، ورسوله في سننه، ويخش الله على ما مضى من ذنوبه، ويتقه فيما يستقبل». (^٢)
وسأل بعض الملوك عن آية كافية، فقيل له هذه.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤) وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥)﴾
قوله - ﷿: ﴿جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ أي: بلغوا الجهد فيها، ومن قال: بالله فقد وفّى باليمين جهده. وأصله: أقسم بجهد نفسه في اليمين جهدا وحكم. قوله: ﴿جَهْدَ﴾ أي: جاهدا حال من فعل مضمر، أي: أقسم جاهدا.
قوله - ﷿: ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ ذلك كذب؛ لأنهم يفعلون ما لا يوافق قولهم من المخالفة. وقيل: هو من كلام الله، أي: طاعة معروفة صحيحة خير لكم من الافتراء.
_________________
(١) = (٦/ ٤٦٨)، حجة ابن خالويه (ص: ٢٦٣)، حجة أبي زرعة (ص: ٥٠٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٢٨)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٥٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٧١)، النشر لابن الجزري (١/ ٣٠٦ - ٣٠٧).
(٢) هذا صدر بيت لرجل من كندة وعجزه: وهات خبز البرّ أو دقيقا. ويروى: قالت لبينى وهات برّ البخس ينظر في: تاج العروس للزبيدي (بخس)، تفسير القرطبي (١/ ٤٤٠)، روح المعاني للألوسي (١٨/ ١٩٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٤٩)، لسان العرب (بخس) والسويق: ما كانت تعمله العرب من الحنطة والشعير. والبخس: الأرض التي تنبت من غير سقي.
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٥٠).
[ ١ / ٦١٧ ]
وقرأ اليزيدي (طاعة معروفة) بالنصب (^١) على معنى: فأطيعوا، صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب التفاتا وهو أبلغ في تبكيتهم. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ فإن توليتم فما ضررتموه، وإنما ضررتم أنفسكم، فإنه ما على الرسول سوى إبلاغ ما حمّل، وما له نفع في قبولكم في طلب عرض من أعراض الدنيا. ومعنى كون البلاغ مبينا أنه قامت على تصديقه الحجج والبينات، وأن يمكّن الدين المرتضى.
قوله - ﷿: ﴿مِنْكُمْ﴾ لبيان الجنس، كالتي في آخر سورة الفتح (^٢) وقوله:
﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ اللام فيها جواب قسم محذوف، أي: والله ليستخلفنهم. وقيل: جعل وعده بذلك بمنزلة المقسم عليه فتلقّى باللام كما يتلقّى القسم. ﴿وَعَدَ اللهُ﴾ النبي والصحابة، أي:
أن يجعلهم خلفاء الأرض، ويذهب عنهم ما كانوا عليه من خوف، فإن الصحابة كانوا بمكة في خوف، وكذلك في أوائل قدومهم إلى المدينة لا يخلون من لباس السلاح، فقال رجل:
أترى (١٤٤ /أ) يخلص لنا يوم نسلم فيه من لباس السلاح، فقال النبي ﷺ: «لا يمضي عليكم إلا زمن قليل حتى يجلس أحدكم في ملأ عظيم ينصر الحقّ وأهله» (^٣). وصدق الله وعده، وأعطاهم ملك الأكاسرة، وملكوا خزائنهم.
وقوله: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ يجوز أن يكون مستأنفا لا موضع له من الإعراب، ويجوز أن يكون حالا، أي: وعدهم بذلك عابدين غير مشركين ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي: هذه النعم.
﴿الْفاسِقُونَ﴾ الكاملون في الفسق. وفي هذه الآية دليل على أن الخلفاء الأربعة داخلون في هذا الوعد. أو: هم المقصودون به؛ فإن الله - تعالى - استخلفهم ومكنهم فعدلوا.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)﴾
﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (^٤) أن أحدا يعجز الله، أو لا يحسبن الذين كفروا
_________________
(١) وقرأ بها أيضا زيد بن علي على المصدر لفعل محذوف أي: أطيعوا طاعة، وقراءة الجمهور «طاعة معروفة» تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٦٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٣١)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٤٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٧٣).
(٢) في قوله - تعالى: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا، الآية (٢٩).
(٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢١٥) ونسبه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي العالية.
(٤) قرأ حمزة وابن عامر «يحسبن» بياء الغيبة، وقرأ باقي العشرة «تحسبن» بتاء الخطاب. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٧٠)، حجة ابن خالويه (ص: ٢٦٣)، حجة أبي زرعة (ص: ٥٠٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٣٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٥٢).
[ ١ / ٦١٨ ]
أنفسهم معجزين.
أمر بأن يستأذن العبيد. وقيل: العبيد والإماء والصغار ثلاث مرّات في اليوم والليلة؛ لأنها أوقات نوم، وربما دخل في شيء من هذه الأوقات فتبينت له بعض عورة النائم، فأمروا بالتحفظ، وسمّي كلّ وقت من هذه الأوقات عورة لخللها، والعورة الخلل، ثم بين العذر في جواز الدخول للمذكورين فيما سوى هذه الثلاثة بقوله: ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: أن بكم وبهم حاجة إلى الدخول؛ لأنهم طوافون عليكم.
روي أن مدلج بن عمرو كان غلاما أنصاريّا أرسله رسول الله - ﷺ - وقت الظهيرة إلى عمر ﵁، فدخل عليه وهو نائم، وقد انكشف عنه ثوبه فقال عمر ﵁: لوددت أن الله - ﷿ - نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا عند الدخول علينا هذه الساعة إلا بإذن، ثم انطلق معه إلى النبي ﷺ فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية (^١)، وهي إحدى الآيات الثلاثة المنزلة بسبب عمر (^٢).
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩)﴾
﴿الْحُلُمَ﴾ بسكون اللام (^٣) وقرئ (ثلاث عورات) بالنصب بدلا عن ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ أي
_________________
(١) رواه الواحدي في أسباب النزول (٣٣٩) (٦٤٨)، والماوردي في النكت والعيون (٣/ ١٤٠)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٥) لابن أبي حاتم.
(٢) روى البخاري في صحيحه رقم (٣٨٧) عن أنس قال: قال عمر: «وافقت ربي في ثلاث؛ فقلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥] وآية الحجاب قلت: يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهن البر والفاجر فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه فقلت لهن: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ [التحريم: ٥] فنزلت هذه الآية».
(٣) قرأ بها الحسن وأبو عمرو في رواية. تنظر في: البحر لأبي حيان (٦/ ٤٧٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٣٤)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٥٣).
[ ١ / ٦١٩ ]
أوقات ثلاث عورات. وعن الأعمش (^١) (عورات) بفتح الواو علي لغة هذيل ومحل ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾ على قراءة (ثلاث عورات) بالرفع (^٢) الرفع على الوصف، وإذا نصبت لم يكن له محل، وكان كلاما مقررا للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة.
وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ ويجوز أن يرتفع ﴿بَعْضُكُمْ﴾ ب (يطوف) مضمرا لدلالة ﴿طَوّافُونَ﴾ عليه (١٤٤ /ب) ﴿الْأَطْفالُ مِنْكُمُ﴾ أي: من الأحرار دون المماليك.
﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ بلغوا الحلم من قبلهم أو الذين ذكروا من قبلهم في قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية (^٣) وهذه الآيات مما الناس عنه في غفلة، وهو عندهم كالشريعة المنسوخة، وعن ابن عباس: «ثلاث آيات جحدهن الناس: الإذن كله، وقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾ (^٤) فقال الناس: أعظمكم بيتا، وقوله: ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى﴾ (^٥).
﴿وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾ ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما﴾
_________________
(١) هو سليمان بن مهران الإمام شيخ الإسلام شيخ المقرئين والمحدثين أبو محمد الأسدي الأعمش، كان من النساك وكان محافظا على الصلاة في جماعة وعلى الصف الأول وهو علامة الإسلام، له قراءة شاذة ليس طريقها بالمشهور، مات الأعمش في ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومائة بالكوفة. تنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء للذهبي (٦/ ٢٢٦).
(٢) قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية شعبة عنه وخلف «ثلاث» وقرأ باقي العشرة «ثلاث» وقرأ الأعمش «عورات». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٧٢)، حجة ابن خالويه (ص: ٢٦٤)، حجة أبي زرعة (ص: ٥٠٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٣٥)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٥٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٧٥)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٣).
(٣) سورة النور، الآية (٢٧).
(٤) سورة الحجرات، الآية (١٣).
(٥) سورة النساء، الآية (٨) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ١٠٢)، وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس - ﵄.
[ ١ / ٦٢٠ ]
﴿مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾
﴿وَالْقَواعِدُ﴾ أي: عن الحيض والولد غير طامعات في التزويج. ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ أي:
عن وضع الثياب، وأراد بالتبرج إظهار ما يجب إخفاؤه والبرج: سعة العين. كان المسلمون يذهبون بالضعفاء وأصحاب العاهات إلى منازلهم ليصيبوا من طعامهم. وقيل:
كانوا يذهبون بأصحاب العاهات إلى منازل أقاربهم فيأكلوا من طعامهم، فخاف الآكلون أن يلحقهم حرج في ذلك فنزلت (^١).
وقيل: كان الرجل يسافر ويدع على منزله واحدا من هؤلاء، وترك بعضهم رجلا يقال له: مالك ابن زيد في بيته، فلما جاء صاحب المنزل وجد مالكا مهزولا فقال: ما أصابك؟ فقال: لم يكن عندي شيء، ولا يحل أكل مالك بغير إذنك، فنزلت (^٢).
وقيل: ليس على هؤلاء حرج في ترك الجهاد. فإن قلت: ما وجه دخول ترك الجهاد في هذه الآية؟ قلت: هما يشتركان في نفي الحرج. وقيل في القول الأول: إن مجالسة هؤلاء وقت الأكل قد تكره، أما الأعمى فلأنه قد تسبق يده إلى ما سبقت إليه عين غيره، وأما الأعرج فلأنه يتفجع في جلوسه، وأما المريض لا يخلو من رائحة من فيه أو أذنه أو جرح يسيل في باطنه. فإن قلت: لم لم يذكر الأولاد؟ قلت: قد دخلوا في قوله: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ لأن ولد الرجل بعضه، وحكمه حكم نفسه.
﴿مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ أي: إذا كان ماله تحت يدك ومفاتحه عندك فلا جناح عليك أن تشرب من لبن ماشيته، وتأكل من ثمرة بستانه. وقيل: بيوت المماليك؛ لأن مال العبد لمولاه.
قوله - ﷿: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أي: أصدقائكم. والصديق والرفيق يخبر به عن الواحد والجمع، ومنه قوله - تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا﴾ (^٣) ولم يقل: رفقاء.
_________________
(١) روى ذلك الطبري في تفسيره (١٨/ ١٦٩)، والماوردي في النكت والعيون (٣/ ١٤٢).
(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٢٥) ونسبه للثعلبي عن ابن عباس، وفيه «خالد بن زيد» بدل «مالك».
(٣) سورة النساء، الآية (٦٩).
[ ١ / ٦٢١ ]
ويحكى عن الحسن: «أنه دخل (١٤٥ /أ) داره فوجد جماعة من أصدقائه قد أخرجوا سلالا من تحت سريره فيها أنواع من الحلوى وهم مكبون يأكلون، فتغرغرت عيناه وقال:
هكذا وجدناهم، هكذا وجدناهم» يعني: كبار الصحابة. وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته عن كيسه فيأخذ ما شاء منه، فإذا حضر مولاها فأخبرته أعتقها سرورا بذلك (^١). وقالوا إذا دلت قرينة الحال على الإذن قام ذلك مقام الإذن الصريح، وربما قبح الاستئذان واستكره كمن قدّم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل منه.
قيل: كان بنو الليث بن عمرو من كنانة يتحرجون أن يأكل أحدهم وحده، فربما قعد منتظرا نهاره إلى الليل، فإن لم يجد من يؤاكله أكل ضرورة. وقيل: في قوم من الأنصار إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا مع ضيفهم. وقيل: تحرجوا عن الاجتماع على الطعام لاختلاف الناس في الأكل، وزيادة بعضهم على بعض (^٢).
فإذا دخلتم بيتا من هذه البيوت فسلموا على أهلها ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ مشروعة من جهته وعن أنس بن مالك قال: «أوصاني رسول الله - ﷺ - بثلاث خصال؛ أن أسلم على من لقيته من المسلمين، وإذا دخلت بيتي أن أسلم عليهم يكثر خير أهل البيت وبصلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين». وإذا لم يكن في البيت أحد فليقل: السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة الله (^٣). وعن ابن عباس: «إذا دخلت المسجد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» (^٤).
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٥٧).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٨/ ١٧٣) وقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: إن الله وضع الحرج عن المسلمين أن يأكلوا جميعا معا إذا شاءوا أو أشتاتا متفرقين إذا أرادوا وجائز أن يكون ذلك نزل بسبب من كان يتخوف من الأغنياء الأكل من الفقير وجائز أن يكون نزل بسبب القوم الذين ذكر أنهم كانوا لا يطعمون وحدانا وبسبب غير ذلك ولا خبر بشيء من ذلك يقطع العذر ولا دلالة في ظاهر التنزيل على حقيقة شيء منه والصواب التسليم لما دل عليه ظاهر التنزيل والتوقف فيما لم يكن على صحته دليل».
(٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٢٧) ونسبه للبزار وابن عدى والبيهقي في شعب الإيمان.
(٤) رواه الطبري في تفسيره (١٨/ ١٧٤)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (٢/ ٤٣٦)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٢٧) ونسبه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
[ ١ / ٦٢٢ ]
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)﴾
بيّن - سبحانه - عظم الذنب في القيام عن مجلس رسول الله ﷺ بغير إذنه، وذلك بتقديم «إنما» الدالة على الحصر، وقرن ذلك الوصف بالإيمان بالله والرسول، ثم أعاده على نمط آخر بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ والأمر الجامع: الذي يجتمع الناس عليه، فجعل الأمر جامعا مجازا والأمر المهم اجتماع الكبراء في قصد عدو، أو في نقض عهد. وقيل: نزلت في حفر الخندق، وكان قوم يتسللون ذاهبين بغير إذن وقالوا:
كذلك ينبغي أن يكون الناس (١٤٥ /ب) مع أئمتهم، ولا يذهبون عنهم بغير إذنهم، ولا ينادوه باسمه، فيقولوا: يا محمد، بل: يا رسول الله، ويا نبي الله، أو: لا تهملوا وجوب حضوركم إليه ودعاءه إياكم ﴿كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ إن شئتم أجبتم، وإن شئتم تركتم.
ومعنى ﴿الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: يصدون، تقول: خالفت الرجل إلى المنزل أي: ذهبت إليه ولم يذهب هو. وقوله: ﴿عَنْ أَمْرِهِ﴾ الضمير عائد إلى الله. وقيل: إلى الرسول.
وقوله - ﷿: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ دخلت (قد) للتكثير. كما إذا دخلت ﴿ما﴾ على (ربّ) صارت للتكثير. ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (^١).
وقول الشاعر [من البسيط]:
قد أترك القرن مصفرّا أنامله (^٢)
[ومن الطويل]:
_________________
(١) سورة الحجر، الآية (٢).
(٢) تقدم في تفسير سورة البقرة، الآية (١٤٤).
[ ١ / ٦٢٣ ]
وقد أغتدي والطّير في وكناتها (^١)
لم يرد القلة في شيء من ذلك.
***
_________________
(١) تقدم في تفسير سورة البقرة، الآية (١٤٤).
[ ١ / ٦٢٤ ]