﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾
سرى وأسرى بمعنى واحد، ولهذا جمع بين التعدية بالباء وبين نفسه، وفي قوله:
﴿بِعَبْدِهِ﴾ دليل على أنه أسري بجسده، إذ لا يطلق على الرّوح اسم العبد (^١). (١٠٣ /أ)
_________________
(١) قال القاضي عياض: اختلفوا في الإسراء إلى السماوات؛ فقيل: إنه في المنام. والحق الذي عليه الجمهور: أنه أسري بجسده. قلت: اختلفوا فيه على ثلاث مقالات؛ فذهبت طائفة إلى أنه كان في المنام مع اتفاقهم أن رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وحي وحق، وإلى هذا ذهب معاوية وحكي عن الحسن، والمشهور عنه خلافه، واحتجوا في ذلك بما روي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها -: «ما فقد جسد رسول الله ﷺ» وبقوله: «بينا أنا نائم». وبقول أنس: «وهو نائم في المسجد الحرام » وذكر القصة، وقال في آخرها: «فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام» وذهب معظم السلف إلى أنه كان بجسده وفي اليقظة، وهذا هو الحق، وهو قول ابن عباس فيما صححه الحاكم، وعدد في الشفاء عشرين نفسا قال بذلك من الصحابة والتابعين وأتباعهم، وهو قول أكثر المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمفسرين والمتكلمين، وذهبت طائفة إلى أن الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح، والصحيح أنه أسري بالجسد والروح في القصة كلها، وعليه يدل قوله - تعالى - سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ [الإسراء] إذ لو كان مناما لقال: بروح عبده. ولم يقل: بعبده. ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة، وليس في الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة. وقال الطبري: "والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله أسرى بعبده محمد من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كما أخبر الله عباده، وكما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله، أن الله حمله على البراق حين أتاه به وصلى هنالك بمن صلى من الأنبياء والرسل فأراه ما أراه من الآيات، ولا معنى لقول من قال: أسرى بروحه دون جسده. لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن فيه ما يوجب أن يكون دليلا على نبوته، ولا حجة له على رسالته، ولا كان الذين أنكروا حقيقة ذلك من أهل الشرك وكانوا يدفعون به عن صدقه فيه؛ إذ لم يكن منكرا عندهم ولا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة من بني آدم أن يرى الرائي منهم في المنام ما على مسيرة سنة فكيف ما هو على مسيرة شهر أو أقل، وبعد، فإن الله إنما أخبر في كتابه أنه أسرى بعبده، ولم يخبرنا أنه أسرى بروح عبده، وليس جائزا لأحد أن يتعدى ما قال الله إلى غيره". -
[ ١ / ٤٧٠ ]
وذكر الليل: لأنه أراد بعض الليل. ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ من بيت أم هانئ أخت علي ابن أبي طالب (^١). ﴿الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ بكثرة المياه والأشجار. وقوله: ﴿مِنْ آياتِنا﴾ سد مسد المفعول، أي: بعض آياتنا. ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ من أولاده: سام وحام ويافث؛ لقوله: ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ﴾ (^٢).
﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا (٨) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٠) وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا (١١) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾
﴿وَقَضَيْنا﴾ أعلمنا ووصينا ﴿فِي الْكِتابِ﴾ في التوراة (^٣) ﴿وَعْدُ﴾ عقوبة المرة الأولى ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ﴾ بختنصر وأصحابه. ﴿فَجاسُوا﴾ أفسدوا ﴿خِلالَ الدِّيارِ﴾ بينها، وكان الوعد بإفسادهم ﴿وَعْدًا مَفْعُولًا﴾.
قيل: النفير جمع نافر، أي: إذا نفرتم لحرب كنتم عددا كثيرا أكثر من عدوّكم، قال عليّ ﵇: "والله ما أحسنت إلى أحد قط ولا أسأت إلى أحد ثم تلا ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ﴾
_________________
(١) = ينظر: تفسير الطبري (١٥/ ١٦ - ١٧)، عمدة القاري (١٥/ ١٢٥).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٥/ ٢) ونقل الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار التي في الكشاف (٢٥٩/ ٢) عن البيهقي في دلائل النبوة قال:" وقد روي حديث المعراج من طرق كثيرة بأسانيد ضعيفة قال فمنها ما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأسند إلى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ في بيت أم هانئ راقدا وقد صلى العشاة الآخرة "وذكر حديثا طويلا.
(٣) سورة الصافات، الآية (٧٧).
(٤) رواه الطبري في تفسيره (١٥/ ٢١) عن ابن مسعود ﵁.
[ ١ / ٤٧١ ]
الآية (^١) ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ﴾ عقوبة الإفساد الثانية بعث الله عليهم ملوكا أخر فقتلوا وسبوا ودمروا البلاد وما فيها، والمراد: وعد المرة الآخرة.
و﴿الْمَسْجِدَ﴾ هو المسجد الأقصى (^٢). والتتبير: من التكسير ومنه سمّي التبر؛ لأنه يؤخذ قطعا، أي: يتبروا ما علوا وظهروا فوقه.
﴿وَإِنْ عُدْتُمْ﴾ إلى الإفساد عدنا إلى العقوبة. والحصير: المجلس، مأخوذ من الحصر.
﴿يَهْدِي﴾ للطريق التي ﴿هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ﴾ بأن الذين لا يؤمنون بالآخرة معذبون؛ لأن مساءة العدو سرور لعدوّه. ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ﴾ عند الغضب على نفسه وماله.
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ قيل: وجعلنا الليل والنهار، ويؤيده قوله: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ﴾ وقوله: ﴿مُبْصِرَةً﴾ أي: يستبصر بها؛ كقوله: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ (^٣) وجميع النوق مبصرة بالحدقة (^٤). ﴿وَالْحِسابَ﴾ وقف تام؛ لأنا لم نعلم كل شيء فصل تفصيلا (^٥).
﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا (١٣) اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤) مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٢/ ٦٥٠) عن علي بن أبي طالب ﵁.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٥/ ٣٤).
(٣) سورة الإسراء، الآية (٥٩).
(٤) الحدقة: السواد المستدير وسط العين، وقيل: هي في الظاهر سواد العين وفي الباطن خرزتها، والجمع حدق وأحداق وحداق. ينظر: لسان العرب (حدق).
(٥) ينظر: منار الهدى في بيان الوقف والابتدا للأشموني (ص: ٢٢٢).
[ ١ / ٤٧٢ ]
﴿طائِرَهُ﴾ حظّه ونصيبه ﴿حَسِيبًا﴾ محاسبا، ولا تحمل حاملة. ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ﴾؛ كقوله: ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ الآية (^١). ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ بالطاعة فعصوا. وزعم الزمخشري (^٢) أن التقدير: أمرناهم بالفسق ففسقوا. جعل توسعة الأرزاق عليهم والتمكين في البلاد كالأمر بالبطر والفسق. قال: تقول: أمرت زيدا فعصى، فتضمر بالطاعة؛ لدلالة (١٠٣ /ب) " فعصى "عليه.
قرئ ﴿أَمَرْنا﴾ من الإمرة وهي الولاية، وقيل: ﴿أَمَرْنا﴾ (^٣) كثرنا، قال ﵇:" خير المال سكة مأبورة أو مهرة مأمورة " (^٤) يعني بالسكة النخل، وبالمأبورة التي ظهرت ثمرتها من كمامها، وبالمأمورة المهرة الكثيرة الولادة. قوله: ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ﴾ تقييد لإطلاق قوله: ﴿وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها﴾ (^٥) وكثيرا ترى قوما يسألون الدنيا ولا تحصل لهم. والمراد: التقييد بهذين القيدين.
والمدحور: المطرود، ومنه ﴿قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا﴾ (^٦) ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا﴾ (^٧). أراد ﴿سَعْيَها﴾ اللائق بها. ﴿وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ أي:
ممنوعا.
_________________
(١) سورة طه، الآية (١٣٤).
(٢) ينظر: الكشاف للزمخشري (٢/ ٦٥٤).
(٣) قرأ «أمّرنا» بالتشديد أبو عثمان النهدي وأبو رجاء وأبو العالية والربيع ومجاهد والحسن وقراءة الجمهور «أمرنا» بالتخفيف. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٢٠)، حجة ابن خالويه (ص: ٢١٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٣٧٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٧٩)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٦٥٤)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٥)، معاني القرآن للفراء (٢/ ١١٩).
(٤) رواه أحمد في المسند (٣/ ٤٦٨)، والبغوي في شرح السنة (٥/ ٥٣١)، رقم (٢٦٤١)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٦١)، وعزاه لأحمد والطبراني وقال الهيثمي: رجال أحمد ثقات، وقال البغوي في شرح السنة:" مهرة مأبورة: كثيرة النتاج، يقال: أمرها الله فهي مأمورة، وأمرها فهي مؤمرة، أي: كثرها "وسكة مأمورة: السكة: الطريقة المصطفة المستوية من النخل، والمأمورة التي قد أبرت ولقحت، وسميت الأزقة سككا؛ لاصطفاف الدور فيها.
(٥) سورة الشورى، الآية (٢٠).
(٦) سورة الأعراف، الآية (١٨).
(٧) سورة الصافات، الآية (٩، ٨).
[ ١ / ٤٧٣ ]
﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢) وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوّابِينَ غَفُورًا (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا (٣١) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا (٣٣) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥) وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦) وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) ذلِكَ مِمّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩) أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ نُفُورًا (٤١) قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾
روي: «أن سهيل بن عمرو كان بباب عمر في جماعة من أشراف قريش المسلمين، فخرج الإذن لبلال وصهيب وعمار وفقراء المهاجرين، فتعجب أشراف قريش من تقديم هؤلاء عليهم، فقال سهيل بن عمرو: دعوا ودعينا فأجابوا وأبطأنا، ولتقدمهم في الآخرة أعظم من تقدمهم على باب عمر، ثم تلا ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ الآية» (^١).
_________________
(١) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (٣/ ٣١٨) رقم (٥٢٢٧).
[ ١ / ٤٧٤ ]
﴿فَتَقْعُدَ﴾ هي من أخوات كان، و﴿مَذْمُومًا﴾ خبرها. ﴿وَقَضى رَبُّكَ﴾ أي: أمر وأوصى بالوالدين إحسانا. ﴿أُفٍّ﴾ كلمة يتضجر بها، جعل للذل جناحا، وجعل خفض الجناح كناية عن اللين.
وقوله: ﴿كَما رَبَّيانِي﴾ الكاف للتعليل، أي: لأجل أنهما ربياني، كقوله: ﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا﴾ ثم قال: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ (^١) أي: لأجل إرسال هذا النبي اذكروني. ﴿حَقَّهُ﴾ من صلة الرحم.
﴿إِخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ أي: يوافقون الشياطين على ما يوسوسون به. ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ جعل غل اليد كناية عن البخل، وبسط الكف عبارة عن العطاء. ﴿مَحْسُورًا﴾ قد أعييت، والمحسور المعيى. ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: يضيق، ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (^٢) الإملاق:
الفقر، والخطأ: المعصية، والخطأ ضد العمد. وقوله: ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ مستثنى من ﴿وَلا تَقْتُلُوا﴾ وقيل: من ﴿حَرَّمَ اللهُ﴾. ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ أي: لا يقتل غير قاتله. وكانت العرب إذا رأت رجلا من قبيلة القاتل قتلوه. وقيل: كانوا يقولون: لا نأخذ بالواحد منّا إلا عشرة منكم. وقيل: فلا يمثّل بالقتيل. الأشد: جمع شد، أي: حتى تقوى قوى أعضائه، قال عنترة [من الكامل]:
عهدي به شدّ النهار كأنما خضب البنان ورأسه بالعظلم (^٣)
﴿إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا﴾ أي: عنه. وقيل: مسؤولا، أي: مطلوبا. وقيل: يسأل العهد [عمّن] (^٤) وفّى به، ومن لم يف به. ﴿تَأْوِيلًا﴾ عاقبة، و﴿وَالْفُؤادَ﴾ القلب ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ﴾ إن طاولتها. ﴿أَفَأَصْفاكُمْ﴾ (١٠٤ /أ) أعطاكم صفوة الأولاد. ﴿ذِي الْعَرْشِ﴾ صاحب العرش. قوله: ﴿وَتَعالى﴾ يدل على أن قوله: ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزه.
وقيل: معناها نزهت الله.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (١٥٢).
(٢) سورة الأنبياء، الآية (٨٧).
(٣) تقدم في سورة يوسف، الآية (٢٢).
(٤) بالأصل: [عن من].
[ ١ / ٤٧٥ ]
﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨) وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا (٥٢) وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا (٥٥) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا (٥٧) وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا (٥٨) وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاّ تَخْوِيفًا (٥٩)﴾
﴿حِجابًا مَسْتُورًا﴾ حجاب من قدرة الله، والقدرة مستورة عن أعين الناظرين. وقيل:
مستورا بمعنى ساتر ﴿نُفُورًا﴾ مصدر، وجمع نافر. ﴿مَسْحُورًا﴾ يأكل ويشرب في سحره قالوا: والسحر: الرئة والإنسان لا يأكل في رئته، إلا أن الرئة مجاورة المعي. وقيل:
مسحورا: ساحرا ﴿فَضَلُّوا﴾ يجوز أن تكون فاء التفسير؛ لأنهم ضلوا بضرب الأمثال.
﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إلى الصواب. ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً﴾ أي: في الفرض والتقدير، وليس هذا الأمر مما يمتثل. ﴿مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ قيل هي السماوات والأرض. وقيل:
الموت. ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ﴾ إنكارا واستهزاء ﴿عَسى أَنْ يَكُونَ﴾ عسى تامة و﴿أَنْ يَكُونَ﴾ فاعلها. ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي: تقومون من القبور، أو فيما بين النفختين.
﴿يَقُولُوا﴾ الكلمة ﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ﴿وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ مكلّفا لهم للدخول في الإيمان نسختها آية السيف. ﴿وَآتَيْنا داوُدَ﴾ كتابا مزبورا، أي: مكتوبا ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ﴾
[ ١ / ٤٧٦ ]
﴿زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ المراد بالأمر بهذا الدعاء بيان أن الأصنام لا تنفعهم ولا تدفع عنهم ضررا.
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يعني: عيسى والملائكة وعزيرا (^١). وقيل: إن العرب عبدوا طائفة من الجن، ثم أسلمت بعض تلك الطائفة ولم يشعر العابدون بإسلامهم فنزلت ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ﴾ الآية (^٢).
﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ﴾ التي اقترحوها إلا أن الأولين كذبوا بمثلها فأهلكوا، ونحن قضينا بتأخير عذاب أمتك إلى يوم القيامة. ﴿النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ يستبصر بها ﴿فَظَلَمُوا﴾ فكفروا.
﴿وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيانًا كَبِيرًا (٦٠) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلًا (٦٢) قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥) رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ فَلَمّا نَجّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا (٦٩) وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (٧٠) يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢) وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٥/ ١٠٥) عن ابن عباس وابن زيد - ﵃.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٥/ ١٠٤) عن ابن مسعود ﵁.
[ ١ / ٤٧٧ ]
﴿أَحاطَ بِالنّاسِ﴾ فهم كالذي في قبضته.
﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ﴾ وهي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ وعلى هذا تكون الرؤيا بمعنى الرؤية (^١). وقيل: هي الرؤيا التي رآها رسول الله ﷺ في النوم أنه يدخل الحرم هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، فتأخر ذلك في تلك السنة فافتتن الناس (^٢).
﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾ هي شجرة الزقوم ﴿الْمَلْعُونَةَ﴾ أي: الملعون آكلها. ﴿أَأَسْجُدُ﴾ لمن خلقته في أول أمره ﴿طِينًا﴾ وقد كرر ﴿قالَ﴾ والمتكلم واحد بقوله: ﴿قالَ أَرَأَيْتَكَ﴾ يقال: احتنك الجراد الأرض إذا استهلك ما فيها (١٠٤ /ب).
وقوله: ﴿جَزاؤُكُمْ﴾ غلب فيه الخطاب وإلا فالتقدير: فإن جهنم جزاؤك وجزاؤهم.
﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ قالوا: كلّ راكب وماش في معصية الله فهو من جنود إبليس. ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ لعبادي في دفع سلطان إبليس عنهم ﴿يُزْجِي﴾ يسوق ﴿جانِبَ الْبَرِّ﴾ يريد البر نفسه وكأن للوادي جانبان جانب بحر وجانب بر.
﴿قاصِفًا﴾ التي تقصف الشجر بقوتها. ﴿تَبِيعًا﴾ أي: تابعا يطلب لكم ما تلتمسونه.
قوله: ﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ﴾ احتج به من زعم أن الملائكة أفضل من البشر فإن مفهومه أنه قد بقي طائفة قليلة لم يفضل بنو آدم عليهم. ﴿بِإِمامِهِمْ﴾ أي: بكتابهم، ومنه ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ (^٣) وقيل: ﴿بِإِمامِهِمْ﴾ بقدوتهم في الاعتقاد. وقيل:
الإمام جمع أمّ وزعموا أن الناس في الموقف يدعون، فيقال: يا ابن فلانة. وذكروا ثلاث فوائد: إظهار شرف فاطمة، ولئلا يخيل الأمر في دعاء عيسى، ولئلا يفتضح أولاد الزنى (^٤).
﴿فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ﴾ والكفار أيضا يقرءون كتابهم؛ لقوله - تعالى:
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٣٦٧٥)، والطبري في تفسيره (١٥/ ١١٠) عن ابن عباس - ﵄.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٥/ ١١٢) عن ابن عباس - ﵄.
(٣) سورة يس، الآية (١٢).
(٤) روى الطبري في تفسيره (١٥/ ١٢٧) القولين الأولين، وذكر القول الأخير الزمخشري في الكشاف (٢/ ٦٨٢) وقال عنه: ومن بدع التفاسير.
[ ١ / ٤٧٨ ]
﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ﴾ لكن جواب الشرط محذوف، أي: يقرءون كتابهم فيجازون بما فيه.
﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى﴾ أي: أشدّ عمى، وهي أفعل التفضيل. ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ﴾ فيه تعظيم للنبي ﷺ فإنّ ﴿لَوْ﴾ تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره، و﴿لَوْلا﴾ تدل على امتناعه لوجود غيره، فيكون التثبيت قد منع رسول الله ﷺ من أن يكاد قليلا ما من الركون.
﴿إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا (٧٥) وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاّ قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا (٧٧) أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا (٧٩) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا (٨٠) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا (٨١) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَسارًا (٨٢) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا (٨٤) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا (٨٥) وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا (٨٦)﴾
﴿ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ﴾ عذاب ﴿الْمَماتِ﴾ فإن العذاب يكبر بكبر المعذّب، كما يكثر الثواب بسببه ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ الآيتين (^١).
قيل: إن اليهود قالوا للنبي ﷺ: إن الأنبياء كلهم من الشام أو هاجروا إلى الشام، فإن كنت نبيّا فهاجر إلى الشام (^٢). فخيم رسول الله ﷺ بظاهر المدينة يريد الشام فنزلت ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (^٣).
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآيتان (٣٢، ٣١).
(٢) هذه العبارة مكررة بالأصل.
(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٥/ ١٣٢) عن حضرمي، وروى أيضا في تفسيره (١٥/ ١٣٣) عن قتادة ومجاهد: «أنهم أهل قريش، والأرض مكة» ثم قال: "وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول قتادة ومجاهد وذلك أن قوله: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ في سياق خبر الله - ﷿ - عن قريش وذكره إياهم ولم يجر لليهود قبل ذلك ذكر فيوجه قوله: وَإِنْ كادُوا وإن كادوا إلى أنه خبر عنهم فهو بأن يكون خبرا عمن جرى له ذكر أولى من غيره".
[ ١ / ٤٧٩ ]
دلوك الشّمس: زوالها. وقيل: غروبها. ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ صلاة الفجر، سماها قرآنا لاشتمال الصلاة عليه، كما سماها تسبيحا ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (^١).
﴿نافِلَةً﴾ أي: زيادة على الفرائض؛ لأن قيام الليل (١٠٥ /أ) كان فرضا علي النبي ﷺ. ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ و﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ أي: مدخلا حسنا ومخرجا حسنا. العرب إذا عظّمت شيئا وصفته بالصدق ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (^٢) ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (^٣) قال قتادة: "ما جالس أحد هذا القرآن إلا وقام عنه بزيادة أو نقصان، ثم تلا ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَسارًا﴾» (^٤).
«ونئاو» بعد، ومن قرأ (ونأء) (^٥) فمعناه: ونهض معرضا بجانبه. قيل: الروح التي يحيا بها الجسد. وقيل: هم جند من جند الله ليسوا بإنس ولا جن ولا ملائكة وهم أكثر من هذه الأصناف الثلاثة.
﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا (٨٩) وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥) قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦)﴾ ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ﴾
_________________
(١) سورة الروم، الآية (١٧).
(٢) سورة يونس، الآية (٢).
(٣) سورة القمر، الآية (٥٥).
(٤) رواه الطبري في تفسيره (١٥/ ١٥٣) نحو ذلك عن قتادة، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٣٠) ونسبه لابن عساكر عن أويس القرني ﵁.
(٥) تقدم تخريجها في آخر سورة إبراهيم.
[ ١ / ٤٨٠ ]
﴿دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظّالِمُونَ إِلاّ كُفُورًا (٩٩) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾
قوله: ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ استثناء من غير الجنس؛ لأن رحمة الله هادية، فهي كالمتوكلة بحصول الخير. ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: من كل حكم وكل قصة هي في الغرابة كالمثل، والمثل والمثل والمثيل بمعنى واحد.
اقترحوا علي النبي ﷺ أن يفجّر لهم أنهارا وعيونا بأرض الحجاز، وأن يكون له أعناب وثمار، وأن يسقط السماء قطعا، أو أن يأتي بالله والملائكة مقابلة، أو يكون لك بيت من ذهب، أو يرقى في السماء ولا نكتفي بذلك حتى تنزل معك كتابا من السماء نقرؤه، فأمره أن يجيب: بأنني مأمور ولا أطلب ما لم أعط. وقد أجاب عن ذلك في سورة العنكبوت بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ (^١) فإذا صح التعجيز بمعجزة واحدة لم يبق لاقتراح المعجزات وجه، وقد أنكر الكفار أن يكون الرسول بشرا مع إجازتهم أن يكون المعبود حجرا.
﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ﴾ فهو الكامل في الهداية. وفي القيامة مواقف ففي بعضها لا يبصرون وهذه الآية دليله، وفي بعضها يبصرون ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ (^٢) وفي بعضها لا ينطقون ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ (^٣) وفي بعضها يتكلمون ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ (^٤) ﴿كُلَّما خَبَتْ﴾ ضعف لهبها زدناها اشتعالا، ذلك سبب إنكارهم البعث وكفرهم. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أو لم علموا أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ﴾ (^٥).
_________________
(١) سورة العنكبوت، الآية (٥١).
(٢) سورة التكاثر، الآية (٧).
(٣) سورة المرسلات، الآية (٣٥).
(٤) سورة الصافات، الآية (٥٠).
(٥) سورة النازعات، الآية (٢٧).
[ ١ / ٤٨١ ]
لو تطلب الأفعال وقوله ﴿لَوْ أَنْتُمْ﴾ تقديره: لو تملكون أنتم. ﴿خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ﴾ خشية الفقر ﴿قَتُورًا﴾ مبالغا في التقتير خوف الفقر.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا (١٠١) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾
﴿تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ (١٠٥ /ب) قيل: هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد البيضاء وانفراق البحر وحل العقدة من لسانه. وقيل: إن النبي ﷺ سأله اليهود عن ذلك قال:" هي ألا تغلّوا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان، وعليكم يا معشر اليهود ألا تعدوا في السبت " (^١) فجعل الآيات أوامر بالخيرات.
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (٢٤٠، ٤/ ٢٣٩)، والترمذي برقم (٢٧٣٣)، وابن ماجه رقم (٣٧٠٥)، والحاكم في المستدرك (١/ ٩) عن عبد الله بن سلمة عن صفوان بن عسال قال: «قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي. فقال صاحبه: لا تقل نبي، إنه لو سمعك كان له أربعة أعين. فأتيا رسول الله ﷺ، فسألاه عن تسع آيات بينات. فقال لهم: لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا محصنة ولا تولوا الفرار يوم الزحف، وعليكم خاصة اليهود أن لا تعتدوا في السبت. قال: فقبلوا يده ورجله فقالا: نشهد أنك نبي. قال فما يمنعكم أن تتبعوني؟ قالوا: إن داود دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبي وإنا نخاف إن تبعناك أن تقتلنا اليهود". قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قلت: وفي سنده عبد الله بن سلمة، وهو صدوق تغير حفظه كما قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (٤/ ٣٣٨) وقد ضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الترمذ (٥١٧)، وقال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (٢/ ٢٩٣): "والحديث فيه إشكالان: أحدهما: أنهم سألوا عن تسعة وأجاب في الحديث بعشرة وهذا لا يرد على رواية أبي نعيم والطبراني لأنهما لم يذكرا فيه السحر ولا على رواية أحمد أيضا لأنه لم يذكر القذف مرة وشك في أخرى فيبقى المعنى في رواية غيرهم أي: خذوا ما سألتموني عنه وأزيدكم ما يختص بكم لتعلموا وقوفي على ما يشتمل عليه كتابكم. الإشكال الثاني: أن هذه وصايا في التوراة ليس فيها حجج على فرعون وقومه فأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين على فرعون؟ وما جاء هذا إلا من عبد الله بن سلمة فإن في حفظه شيئا وتكلموا فيه وأن له مناكير ولعل ذينك اليهوديين إنما سألا عن العشر كلمات فاشتبه عليه بالتسع آيات فوهم في ذلك والله أعلم".
[ ١ / ٤٨٢ ]
﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ أي: ساحرا فقال موسى له: "لقد علمت صدقي، فيما جئت به"، وهذا يدل على أن فرعون كان مكابرا، عرف الحق وجحده، وقرئ "لقد علمت" (^١) والقراءة المشهورة أتم؛ لأن موسى لا يحتج على فرعون بعلمه (^٢).
﴿مَثْبُورًا﴾ هالكا، ﴿يَسْتَفِزَّهُمْ﴾ يخرجهم ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ من ديار مصر. ﴿وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ قيل: مصر. وقيل: الشام.
﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩) قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾
﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ﴾ أي ملتبسا به. ﴿فَرَقْناهُ﴾ وفرّقناه (^٣): أنزلناه مفصلا ولم ينزل جملة؛ لأن المقصود أن يحفظ في الصدور، ولهذا قال: ﴿عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾.
﴿آمِنُوا﴾ ليس أمرا يريد الامتثال بل هو كقوله: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ (^٤).
﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ من أسلم من اليهود يسرعون السجود إذا سمعوه فهو كالذي يخرّ هاويا من مكان عال.
ويستحب أن يقول في سجوده هذه الآية: "سبحان من وعده مفعول" ثم يقول:
_________________
(١) قرأ الكسائي "علمت" بضم التاء، بإسناد الفعل إلى موسى ﵇ وقرأ الباقون "علمت" بإسناد الفعل إلى فرعون - لعنه الله - وتنظر في: البحر المحيط (٦/ ٦٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٤٢٥)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٨٥ - ٣٨٦)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٦٩٨).
(٢) قال السمين الحلبي في الدر المصون (٤/ ٤٢٥) موجّها معنى القراءتين: "علمت" بضم التاء، بإسناد الفعل إلى موسى ﵇ أي: أني متحقق أن ما جئت به هو منزّل من عند الله، وقرأ الباقون "علمت" بإسناد الفعل إلى فرعون - لعنه الله - أي: أنت متحقق أن ما جئت به هو منزل من عند الله وإنما كفرك عناد. وعن علي ﵁ أنه أنكر الفتح وقال: "ما علم عدو الله قط، وإنما علم موسى".
(٣) سورة الأحزاب، الآيتان (٣٢، ٣١).
(٤) سورة الطور، الآية (١٦).
[ ١ / ٤٨٣ ]
"زادني حبّا ورغبة في الطاعة ما زاد الكافرين عتوّا واستكبارا" (^١).
«سمع أبو جهل النبي ﷺ يقول: "يا الله يا رحمن" فقال: إن محمدا نهى عن دعاء إلهين وهو يدعو اثنين (^٢)، وهذا تجاهل منه، فإن لفظ: "الله والرحمن" اسمان لمسمى واحد، (ولم يكن له ولد) يستعين به على دفع الذل، وكذلك امتناع اتخاذ الولد والشريك، والولي يحمد الله عليه، وإن لم يحصل لنا منه شيء (^٣)» (١٠٦ /أ).
***
_________________
(١) قال الإمام السرخسي (من الأحناف) في المبسوط: "وبعض المتأخرين استحسن أن يقول فيها: سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا لقوله - تعالى: يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا واستحسن أيضا أن يقوم فيسجد؛ لأن الخرور سقوط من القيام والقرآن ورد به فإن لم يفعل لم يضر". وقال الخطيب الشربيني (من الشافعية) في مغني المحتاج: "ويندب كما في المجموع عن الشافعي أن يقول: سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا قال في الروضة: ولو قال ما يقوله في سجوده جاز أي كفى". ينظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٤٤٨)، المبسوط للسرخسي (٢/ ١٠)، مغني المحتاج للشربيني (١/ ٢١٤).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٥/ ١٨٢)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٤٨) لابن مردويه عن ابن عباس - ﵄.
(٣) في هامش الأصل: إلى هنا انتهت قراءتي على المصنف من أول الفاتحة من النسخة التي نقلت منها. كتبه محمد. وقد أخذ من هذه العبارة من قال: إن السخاوي لم يتم تفسيره، بل وصل فيه إلى الكهف. وقد دللنا على ضعف هذا الاستدلال، وسقنا أدلة كثيرة وقوية تدل على صحة نسبة الكتاب كاملا إلى الإمام علم الدين السخاوي رحمه الله تعالى. والحمد لله الذي أعان ووفق على إخراجه.
[ ١ / ٤٨٤ ]