﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤) الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥)﴾
قوله تعالى: ﴿طه﴾ فيه الأقاويل المذكورة في الحروف التي في أوائل السور، ونزيد هاهنا أن ﴿طه﴾ معناه: يا رجل، واحتج هذا القائل بقول الشاعر [من البسيط]:
إنّ السّفاهة طه من خليقتكم لا قدّس الله أرواح الملاعين (^١)
قالوا: وأثر الافتعال ظاهر على هذا البيت، فلم تصح نسبته إلى العرب.
وكان النبي ﷺ يكثر من الصلاة بالليل حتّى تورّمت قدماه؛ فقيل له في ذلك، فقال:
"أفلا أكون عبدا شكورا"؟ ونزلت: ﴿ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى﴾ (^٢).
أي: لتكلف نفسك ما لا طاقة لها به. وقوله: ﴿لِتَشْقى﴾ لا يصح أن يكون مفعولا من أجله؛ لأن علة الفعل هي التذكرة، وهي فعل فاعل الفعل المعلل؛ بخلاف الشقاوة؛ فإنها ليست من فعله؛ فدخلت في ﴿لِتَشْقى﴾ دون التذكرة. ﴿إِلاّ تَذْكِرَةً﴾ استثناء من غير الجنس؛ لأن التذكرة ليست من الشقاوة في شيء (^٣).
وصف نفسه بكونه رحمانا؛ لكونه خلق الأرض والسماوات العلى؛ لما في خلقهما من مصالح العباد؛ فإن أكثر مصالح العالم الجسمانية متعلقة بالأرض والسماء؛ لما في قرب الشمس في زمن الصيف من إنضاج الفواكه والحبوب؛ ولما ينزل من السماء في الشتاء من
_________________
(١) ينظر البيت في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٢٤٤)، تفسير القرطبي (١١/ ١٤٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٠).
(٢) رواه البخارى رقم (٤٨٣٧)، ومسلم رقم (٢٨٢٠) عن عائشة - ﵂.
(٣) قال الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٠ - ٥١): "ويحتمل أن يكون المعنى: إنا أنزلنا عليك القرآن لتحتمل متاعب التبليغ ومقاولة العتاة من أعداء الإسلام ومقاتلتهم وغير ذلك من أنواع المشاق وتكاليف النبوة وما أنزلنا عليك هذا المتعب الشاق إلا ليكون تذكرة. وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون تذكرة حالا ومفعولا له".
[ ١ / ٥٢٧ ]
المطر الذي هو سبب نبات الحب والثمر؛ ولاختلاف أحوال الشمس في فصل الصيف وفي فصل الشتاء؛ ولاختلاف أحوال الناس في النوم واليقظة، كل ذلك من الرحمة.
قوله: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ والسماوات والأرض والكرسي في جانب من العرش؛ كحلقة في فلاة؛ فإذا استوى عليه استوى على ما حواه.
﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨) وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩)﴾
﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ﴾ من الملائكة والكواكب والأفلاك ﴿وَما فِي الْأَرْضِ﴾ من الأشجار والنبات والحيوانات. ﴿وَما بَيْنَهُما﴾ من حيوانات الجو ومن الرعد والمطر وغير ذلك مما لا يحصى.
وقيل: إن المراد ب ﴿الثَّرى﴾ رمل تحت الأرضين السبع. وقوله: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ﴾ جوابه محذوف تقديره: لم يخف على الله. وقوله: ﴿وَأَخْفى﴾ فيه قولان:
أحدهما: أنها فعل، أي: فإنه يعلم السر، وأخفى عن عباده أحوال القيامة ووقت قيامها.
والثاني: أنه اسم، والتقدير: يعلم السر وأخفى من السر، فقيل: السر ما حدثت به واحدا واستكتمته، وأخفى منه ما لم تطلع عليه (١١٨ /أ) أحدا قال الشاعر [من المتقارب]:
فسرّك ما كان عند امرئ وسرّ الثّلاثة غير الخفيّ (^١)
وقيل: السر ما لم تطلع عليه أحدا، وأخفى منه ما ستحدث به نفسك غدا يعلمه الله الآن. والأسماء الحسنى قد استنبطت من الكتاب والسنة، وجاء في الحديث: "إنّ لله - تعالى - تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنّة" (^٢).
وقوله: ﴿الْحُسْنى﴾ في وصف الأسماء وهي جمع، وكان قياسه الحسن؛ كما قال:
_________________
(١) البيت للأشعري الجعفي، ينظر في: جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري (١/ ٥١١)، صبح الأعشى للقلقشندي (١١/ ٣٠٨).
(٢) رواه البخاري رقم (٦٤١٠، ٢٧٣٦)، ومسلم رقم (٢٦٧٧).
[ ١ / ٥٢٨ ]
﴿وَالسَّماواتِ الْعُلى﴾ وهذا لأن جمع المؤنث الذي لا يعقل يعامل معاملة المفرد المؤنث أو الجمع المؤنث [تقول]: الجبال صعدتها وصعدتهن، والأسود لقيتها ولقيتهن، وكذلك قوله:
﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى﴾ قياسه: الكبر.
﴿وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ قيل: هل بمعنى قد، والصواب أنك تقول للشخص: هل رأيت ما صنع فلان؟ والسامع يعلم ما صنع ولكنه يجعل معناه: إن من العجب خفاء هذا الأمر عنك، ومثله قوله - تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ (^١).
﴿إِذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً (١٠) فَلَمّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥)﴾
وقول النبي ﷺ لعائشة - ﵂: "ألم تري إلى مجزّز المدلجيّ نظر إلى أسامة وزيد قد غطّيا رؤوسهما وبدت رجلاهما، فقال: إنّ هذه الأقدام بعضها من بعض" (^٢).
كان موسى ﵇ حين فرغ من عمل الإجارة، وهي العمل عشر سنين لتزويج ابنة شعيب أعطاه شعيب غنما وسلم إليه زوجته؛ فتوجه بالزوجة والغنم يطلب مصر؛ ليبلغ رسالة ربه، فأظلم الليل وأمطرت السماء، وتفرقت أغنامه من صوت الرعد، وأخذ زوجته الطلق، واشتد البرد، فلمح نارا تظهر من بعد ﴿فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ لعلي أتوجه إلى هذه النار فأقتبس منها قبسا، وكان موسى قد تاه عن الطريق في تلك الليلة فهو قوله:
﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً﴾ (^٣) أي: أجد ما يدلني على الطريق ﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ وكانتا من جلد حمار ميت بغير دباغ؛ ولهذا قال:
﴿إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ﴾ أي: المطهر الذي لا يدنس حماه بالنجاسة. ﴿طُوىً﴾ قيل: هو اسم الجبل. ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ فخذ ما آتيتك بالقبول.
قوله - ﷿: ﴿فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ لأني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي؛
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٢٥٨).
(٢) رواه البخاري (٦٧٧٠)، ومسلم رقم (١٤٥٩) عن عائشة - ﵂.
(٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (٥٧٢)، وأبو داود رقم (٤٣٥).
[ ١ / ٥٢٩ ]
فلذلك أمرتك بالاستماع لما أرسلتك به. ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ أي: ذل واخضع، والعبادة غاية الذلة والخضوع تقول (١١٨ /ب): خضعت لزيد وذللت له، ولا يجوز أن تقول: عبدته؛ فإن غاية الذلة والخضوع لا تكون إلا لله وحده.
﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ جاء في الحديث: "وأقم الصّلاة للذّكرى" (^١) أي: أقم الصلاة لتذكرني فيها. وقيل: وأقم الصلاة وصلّ الناسية إذا تذكرتها؛ فإن ذلك وقتها.
﴿أَكادُ أُخْفِيها﴾ قرئ (أكاد أخفيها) (^٢) أي: أظهرها؛ تقول: خفا الشيء بمعنى ظهر. ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ قال بعضهم: التقدير: أكاد أخفيها من نفسي فكيف أطلعكم عليها. وكلّ من ألفاظ العموم، فيجوز أن يستثنى الأنبياء، ومن يأتي آمنا يوم القيامة، فذلك يعطى الثواب ويسامح بعقوبة ذنبه.
﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦) وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠)﴾
﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾ هو كقولك: لا أرينك هاهنا؛ أي: لا تكن هاهنا فأراك، ولا تكن بحيث يصدك الكفار؛ لأن الفعل إنما ينهى عنه فاعله لا مفعوله. ﴿فَتَرْدى﴾ فتهلك.
﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ إيناس له لما دهش بسماع كلام الله - ﷿ - وقد قيل: إن اسم الإشارة في قوله: ﴿وَما تِلْكَ﴾ أنها موصولة وما التي بيدك؛ التقدير: وما الذي بيدك؟ ﴿قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها﴾ أراد موسى أن يعتذر عن إبقاء العصا بيده؛
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه (٦٨٠)، وأحمد (٢/ ٤٢٨)، وأبو داود رقم (٤٣٥)، والترمذي رقم (٣١٦٣).
(٢) قرأ سعيد بن جبير (أخفيها) بفتح الهمزة، وروي عنه (أخفيها). قال الفراء عن قراءة الفتح: من خفيت: أظهرت، واستدل بقول امرئ القيس: فإن تدفنوا الداء لا نخفه وإن تبعثوا الحرب لا نقعد يريد: لا نظهره. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٢٣٢)، تفسير القرطبي (١١/ ١٨٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ١١)، فتح القدير للشوكاني (٣/ ٣٥٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٦)، مجمع البيان للطبرسي (٧/ ٣)، المحتسب لابن جني (٢/ ٤٧)، معاني القرآن للفراء (٢/ ١٧٦).
[ ١ / ٥٣٠ ]
فذكر منافعها، وقد عد من جملتها أنه كان إذا نام قاتلت عنه الهوام، وإذا وصلت إلى بئر ورشاها طويل طالت العصا حتى تصل إلى الماء، وكان إذا اشتهى فاكهة أورقت وأثمرت تلك الفاكهة. وقيل: كانت تمشي إلى جانبه وتحادثه، والله أعلم بصحة ذلك (^١).
﴿وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ يعني: أرمي الأوراق اليابسة فتأكل الغنم. ﴿وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ أي: حاجات، تقول: لي في كذا مأربة.
﴿قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ﴾ فإن قلت: جعلها في هذا المكان حية والحية: الثعبان الصغير، وفي موضع آخر قال: ﴿فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ (^٢) والثعبان: الحية العظيمة، وفي موضع قال: ﴿كَأَنَّها جَانٌّ﴾ (^٣) والجان الحية الصغيرة؛ فكيف الجمع بين هذه الآيات؟
الجواب من وجهين:
أحدهما: أنها كانت في أول أمرها كالجان، وفي آخر أمرها كالثعبان.
والثاني: أن انقلاب العصا حية وقعت مرتين؛ إحداهما في جبل الطور حين خاطب الله موسى فقلبها له حية ليعتاد انقلابها حية؛ فلا يستوحش إذا رآها قد صارت ثعبانا كبيرا، والمرة الثانية انقلبت (١١٩ /أ) العصا حية حين حضر إلى مجلس فرعون وذلك الذي حصل من الانقلاب يراد أن يكون على أتم الوجوه، وأما انقلابها بين يدي الله ﷿ فالمراد به تعريف جواز ذلك. وقيل: كانت في عظم الثعبان، وفي خفة الجان في سرعة حركتها.
﴿فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢)﴾
﴿فَإِذا هِيَ﴾ فاجأه صيرورتها حية؛ فقال الله له: ﴿خُذْها وَلا تَخَفْ﴾ قيل: ولا تكن بصدد أن تفزع وتفر؛ فإن الخوف لا ينهى عن مثله. ﴿سَنُعِيدُها﴾ مثل ﴿سِيرَتَهَا﴾
_________________
(١) هذا من الإسرائيليات وقد ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٥٤) ونسبه لأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه.
(٢) سورة الشعراء، الآية (٣٢).
(٣) سورة النمل، الآية (١٠).
[ ١ / ٥٣١ ]
﴿الْأُولى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ﴾ أي: تحت إبطك، وكانت العرب تكره البياض خوفا من البرص ويكنون عنه بالحمرة، وبه سميت عائشة الحميراء (^١). وقال جميل بن معمر [من المتقارب]:
تقول بثينة لّما رأت قنوءا من الشّعر الأحمر (^٢)
فلذلك قال: ﴿بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ أي: البياض البريء من البرص وغيره، وجاء في موضع آخر ﴿بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ (^٣) أي: بياضا يستوقف الناظرين من شدة بياضها وانتشار شعاعها.
_________________
(١) ورد هذا اللفظ في بعض الأحاديث منها الصحيح ومنها الباطل ومن الأحاديث الصحيحة ما رواه النسائي في السنن الكبرى (٥/ ٣٠٧) رقم (٨٩٥١) عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: "دخل الحبشة المسجد يلعبون فقال لي: يا حميراء أتحبين أن تنظري إليهم؟ فقلت: نعم فقام بالباب وجئته فوضعت ذقني على عاتقه فأسندت وجهي إلى خده " الحديث. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٢/ ٤٤٤): إسناده صحيح ولم أر في حديث صحيح ذكر الحميراء إلا في هذا. وروى الحاكم في المستدرك على الصحيحين (٣/ ١٢٩) عن أم سلمة - ﵂ - قالت: ذكر النبي ﷺ خروج بعض أمهات المؤمنين فضحكت عائشة فقال: انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت ثم التفت إلى علي فقال: إن وليت من أمرها شيئا فارفق به "ومن الأحاديث المشهورة في هذا الباب وهو ضعيف وباطل حديث" خذوا شطر دينكم عن الحميراء يعني عائشة "قال المباركفوري في تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي (١٠/ ٢٥٩):" قال الحافظ ابن الحجر العسقلاني: لا أعرف له إسنادا ولا رواية في شيء من كتب الحديث إلا في النهاية لابن الأثير، ولم يذكر من خرجه وذكر الحافظ عماد الدين بن كثير أنه سأل المزي والذهبي عنه فلم يعرفاه وقال السخاوي: ذكره في الفردوس بغير إسناد وبغير هذا اللفظ ولفظه "خذوا ثلث دينكم من بيت الحميراء" وبيض له صاحب مسند الفردوس ولم يخرج له إسنادا، وقال السيوطي: لم أقف عليه ". وقال الزركشي في كتاب الإجابة لما استدركت عائشة على الصحابة (١/ ٥٨):" وسألت شيخنا الحافظ عماد الدين بن كثير - ﵀ - عن ذلك فقال: كان شيخنا حافظ الدنيا أبو الحجاج المزي - ﵀ - يقول: كل حديث فيه الحميراء باطل إلا حديثا في الصوم في سنن النسائي ".
(٢) ينظر البيت في: الزهرة لابن داود الأصفهاني (ص: ٧٧٣) ويروى الشطر الثاني: فنونا من الشعر الأحمر وبعده: كبرت جميل وأودى الشباب فقلت بثين ألا فاقصري وقنوءا: من قنأ الشيء يقنأ: اشتدّت حمرته. ولحيته قانئة، أي: شديدة الحمرة. ينظر: لسان العرب (قنأ).
(٣) سورة الأعراف، الآية (١٠٨).
[ ١ / ٥٣٢ ]
﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠)﴾
﴿الْكُبْرى﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يريد الكبرى بمعنى الكبر؛ تكون نعتا للآيات؛ كقوله: ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ (^١) والأصل: الحسن.
والثاني: أن تكون صفة للآية، والتقدير: لنريك من آياتنا الآية الكبرى؛ فإن جمع المؤنث يعامل معاملة المفرد المؤنث تارة، ومعاملة الجمع المؤنث أخرى؛ تقول: الدواب سقيتها وسقيتهن، والجبال علوتها وعلوتهن. ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ تجاوز الحد حتى ادعى الربوبية. ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ أي: صدري لأجلي؛ كقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (^٢) وقد فضّل رسول الله ﷺ على موسى ﵇؛ فإن موسى سأل أن يشرح له صدره، ونبينا ﷺ بدئ بقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (^٣) من غير سؤال.
﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ سهله ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي﴾ لقصة التمرة والجمرة؛ اختلف العلماء هل ذهبت تلك العقدة بجملتها؟ فقال قوم: ذهبت بجملتها؛ لأن الله - تعالى - قال لموسى بعد سؤاله: ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ أن العقدة قد انحلت. وقيل: بقيت منها بقية؛ قال فرعون: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ (^٤) ظن بزعمه أنه أفضل من (١١٩ /ب) موسى ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ أي: لا يبين معنى كلامه لأجل العقدة التي في لسانه.
﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ﴾ ﴿هارُونَ أَخِي﴾ عطف بيان.
﴿اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا (٣٥) قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨)﴾ ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ﴾
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية (١٨٠).
(٢) سورة الشرح، الآية (١).
(٣) سورة الشرح، الآية (١).
(٤) سورة الزخرف، الآية (٥٢).
[ ١ / ٥٣٣ ]
﴿عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اِذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢) اِذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤) قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦) فَأْتِياهُ فَقُولا إِنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (٤٧) إِنّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى (٤٨)﴾
﴿اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ من جعل همزة ﴿اُشْدُدْ﴾ همزة وصل جعل ﴿وَأَشْرِكْهُ﴾ أمرا بمعنى الدعاء والطلب، وأشركه بفتح الهمزة. وقرئ "أخي أشدد" وجعل ألف "أشدد " ألف قطع وجزمه بجواب الأمر، أو رفعه على الاستئناف (^١). ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ جعل العلة في طلب نبوة أخيه أن يشتركا في التسبيح والتقديس. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ وقوله: ﴿قَدْ أُوتِيتَ﴾ ليس خبرا عن ماض، وإنما هو إنشاء للإعطاء؛ كقولك: بعتك بكذا؛ فهذا اللفظ هو الذي حصل به البيع، ثم إن الله تعالى شرع في إبداء مننه على موسى فذكر حالة الرضاع وحالة وضعه في التابوت وإلقاء اليم التابوت إلى الساحل، وأخذ فرعون له، وتربيته في يده عدوه الذي كان يقتل الناس من أجله، وإلقاء محبة الله لموسى في قلب كل من رآه، وسلامته من قبل القبطي، ثم أعاد الأمر بالرسالة بقوله: ﴿اِذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي﴾.
وهاهنا نكتة لطيفة؛ وهو أن موسى سأل من الله وزارة أخيه له، وعلل ذلك بقوله: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ثم إن الله - تعالى - ولاه وأعطاه ما سأله، ثم قال: ﴿اِذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي﴾ ولا تفترا فيه كما شرطتما على أنفسكما. وقوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ مع علم الله - تعالى - بأن فرعون لا يتذكر ولا يخشى، ولا يتأتى منه ذلك، والمعنى:
كونا على رجاء تذكرة وخشية؛ فإن من ذهب في أمر وهو يعلم أنه لا يقضى لا يجتهد فيه، وإن
_________________
(١) قرأ ابن عامر "أشدد" و"أشركه" بهمزة القطع والمضارعة في الفعلين، وقرأ الباقون "اشدد" و" أشركه" بهمزة وصل الأول وفتح همزة القطع في الثاني على الطلب والدعاء. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٢٤٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ١٨)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤١٨)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٦١ - ٦٢)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢١).
[ ١ / ٥٣٤ ]
كان يعلم أنه يقضى اجتهد ووسع الحيل فيه ﴿قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ منه ضرر ﴿أَوْ أَنْ يَطْغى﴾ فيذكر في حقك ما لا يليق بجلالك. ﴿إِنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا﴾.
قال ابن عطية - ﵀: "بعث موسى إلى فرعون في أمرين خاصة:
أحدهما: التوحيد. والثاني: تسليم بني إسرائيل إلى موسى وتخليصهم مما كان يكلفهم إياه من الأعمال الشاقة" (^١).
﴿وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ والدليل على صحة رسالتنا أنا ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ (١٢٠ /أ) والمعجزات دالة على صدق النبي. ﴿إِنّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا﴾ استدلت المرجئة (^٢) بهذه الآية، وقالوا: لا يعذب الله من قال: لا إله إلا الله أبدا، واحتجوا بقوله: ﴿إِنّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ فمن لم يكذب الرسل ولم يحصل منه التولي فلا يعذب.
﴿قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْ نَباتٍ شَتّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (٥٤) مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥)﴾
_________________
(١) ينظر: المحرر الوجيز لابن عطية (١١/ ٧٨).
(٢) المرجئة - بضم الميم وكسر الجيم بعدها ياء مهموزة ويجوز تشديدها بلا همز -: نسبوا إلى الإرجاء وهو التأخير؛ لأنهم أخروا الأعمال عن الإيمان فقالوا: الإيمان هو التصديق بالقلب فقط ولم يشترط جمهورهم النطق وجعلوا للعصاة اسم الإيمان على الكمال وقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب أصلا ومقالاتهم مشهورة في كتب الأصول. وهم ثلاثة أصناف: صنف منهم قالوا بالإرجاء في الإيمان وبالقدر على مذاهب القدرية فهم معدودون في القدرية والمرجئة كأبي شمر المرجئ ومحمد بن شبيب البصري والخالدي، وصنف منهم قالوا بالإرجاء في الإيمان ومالوا إلى قول جهم في الأعمال والأكساب فهم من جملة الجهمية والمرجئة، وصنف منهم خالصة في الإرجاء من غير قدر وهم خمس فرق: يونسية وغسانية وثوبانية وتومنية ومريسية. وقال الشهرستاني: والمرجئة أربعة أصناف: مرجئة الخوارج، ومرجئة القدرية، ومرجئة الجبرية، والمرجئة الخالصة، ومحمد بن شبيب والصالحي والخالدي من مرجئة القدرية وكذلك الغيلانية أصحاب غيلان الدمشقي أول من أحدث القول بالقدر والإرجاء. ينظر عنهم بتفصيل في: الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي (١/ ١٩)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٣٨) ط. دار المعرفة - بيروت - ١٤٠٤ هـ - تحقيق: محمد سيد كيلاني.
[ ١ / ٥٣٥ ]
﴿قالَ فَمَنْ رَبُّكُما﴾ خاطب الاثنين ثم خص الخطاب بأحدهما وهو موسى؛ لأن موسى هو الأصل في نبوة أخيه. ﴿ثُمَّ هَدى﴾ كل حيوان إلى ما يصلحه.
﴿قالَ﴾ فرعون ﴿فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى﴾ يعني: فما جرى فيها حين كذبوا؟
﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ﴾ يعني: اللوح المحفوظ. ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا﴾ السبل: الطرق. قوله: ﴿ماءً فَأَخْرَجْنا﴾ عدل فيه عن الغيبة إلى التكلم؛ لأن نزول المطر من السماء وخروج النبات به أمر عظيم لا يقدر عليه إلا الله.
﴿أَزْواجًا﴾ أصنافا ﴿مِنْ نَباتٍ شَتّى﴾ مختلف. أي: وقلنا: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ﴾ وهو كقوله: ﴿مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ (^١) ﴿لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ لذوي العقول.
﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ﴾ أي: من الأرض، ثم فيه وجهان:
أحدهما: خلق أبيكم آدم من تراب. والوجه الثاني: أن الله وكل بالولد في الرحم ملكا يأخذ من تربة الأرض التي يدفن فيها ذلك المولود فيذره على النطفة؛ فهذا خلقه من تراب (^٢)، ثم فرعوا على هذا أن أصل خلقة أبي بكر وعمر مثل نشأة خلق رسول الله ﷺ؛ لأن الكل دفنوا في مكان واحد (^٣)، وفي الأرض ﴿نُعِيدُكُمْ﴾.
﴿وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦) قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكانًا سُوىً (٥٨) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠) قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (٦١) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣)﴾ ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾
_________________
(١) سورة النازعات، الآية (٣٣).
(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٨٤) ونسبه لعبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء الخراساني.
(٣) رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول في أحاديث الرسول (١/ ٢٦٨) عن ابن سيرين - ﵀ - قال "لو حلفت حلفت صادقا بارا غير شاك ولا مستثن أن الله - ﷿ - ما خلق نبيه ﷺ ولا أبا بكر ولا عمر - ﵄ - إلا من طينة واحدة ثم ردهم إلى تلك الطينة".
[ ١ / ٥٣٦ ]
﴿(٦٤) قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى (٧١)﴾
﴿وَلَقَدْ﴾ أرينا فرعون ﴿آياتِنا﴾ التي جاء بها موسى ﴿كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى﴾ وهذا يدل على أن فرعون كان يرعد خوفا من موسى. فهل رأيتم ساحرا غلب على إقليم فملكه بسحره واستولى على ذلك الإقليم. ﴿الْمُثْلى﴾ الحسنى. ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ فإنه أهيب للعدو أن يأتي صفا. ﴿قالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ خيروه في أنه هل يبدأ هو بإلقاء عصاه أو يبدأوا هم؟ وهذا عادة المدل بصنعته. ﴿فَإِذا حِبالُهُمْ﴾ أي: فاجأت حبال السحرة أنها تخيل إلى موسى أنها تسعى، وكانوا قد (١٢٠ /ب) حشوا أجواف تلك الحيات المصنوعات بالزئبق، ومن شأن الزئبق أنه إذا حمي فاضطربت تلك الحيات لانسداد الأعلى فبقيت تضطرب.
﴿فَأَوْجَسَ﴾ فأحس ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً﴾ ﴿قُلْنا لا تَخَفْ﴾ يعني: لا يلحقك من ذلك ضرر.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ الغالب القاهر لهم. ﴿وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ﴾ هذا تصغير لأمر العصا، وقد سبق قوله - تعالى - له: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ وقال له هاهنا: ﴿وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ﴾ ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ كأن ملقيا ألقاهم من شدة اشتغالهم بالسجود. ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى﴾ فجرى فرعون على عادة الملك، واستنكف أن يظهر أنه مغلوب فشرع في تهديد السحرة؛ فقال: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾.
وقوله: ﴿مِنْ خِلافٍ﴾ يعني به اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، أو بالعكس، وقطع اليد والرجل من خلاف هو من وجه أشد من قطعهما من جهة؛ لأن ذلك الجنب يتعطل، وهو من وجه آخر أخف؛ لأنه بقي في كل جانب شيء من الانتفاع، فسلك فرعون أحد الطريقين، وهو قطعهما من خلاف.
العذاب متى اجتمع فيه كونه أشد وكونه أطول مدة كان أعظم.
[ ١ / ٥٣٧ ]
﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكّى (٧٦) وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا وَلا تَخْشى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (٧٩) يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١) وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى (٨٢) وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤)﴾
﴿قالُوا﴾ السحرة لفرعون: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ﴾ فنترك ما رأينا من الآيات. قيل: إنهم رأوا الجنة والنار في سجدتهم تلك (^١). ﴿وَالَّذِي فَطَرَنا﴾ يجوز أن يكون قسما، ويجوز أن يكون معطوفا على قوله: ﴿عَلى ما جاءَنا﴾ ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ﴾ أي: افعل فينا ما تشاء؛ فإن لنا رجوعا إلى الله يقتض لنا ممن ظلمنا؛ إن مدة تسلطك علينا ﴿هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ روي أن فرعون كان يكره طائفة من الناس على تعلم السحر.
﴿إِنَّهُ﴾ الهاء ضمير الشأن ﴿مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ﴾ يوم القيامة، ولم يتب فله جهنم ﴿لا يَمُوتُ فِيها﴾ فيستريح ﴿وَلا يَحْيى﴾ حياة تنفعه. وقد قالوا: إن الكافر في الآخرة يجد ألم النزع من جميع أعضائه ولا يموت قال الله - تعالى - فيه: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ (^٢) ﴿تَجْرِي﴾ من تحت أشجارها ﴿الْأَنْهارُ﴾ أو من تحت غرفها؛ لقوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ (^٣) ﴿طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ (١٢١ /أ) من مقتضى الدليل أنه إذا انفلق البحر اثني عشر فرقا يكون في قعر كل فرق زلق ووحل، لكن الله - تعالى - جعل موضع الماء صلبا يابسا لا زلق فيه؛ تيسيرا على
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٨٧) ونسبه لابن أبي حاتم عن القاسم بن أبي بزة.
(٢) سورة إبراهيم، الآية (١٧).
(٣) سورة الزمر، الآية (٢٠).
[ ١ / ٥٣٨ ]
موسى وقومه. ﴿لا تَخافُ دَرَكًا﴾ من فرعون ﴿وَلا تَخْشى﴾ في اليم غرقا، أو: لا تخشى شيئا تخافه مطلقا ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ أي: أمر عظيم لا يقدر قدره ﴿وَما هَدى﴾ إنما جيء به؛ لأن الذي يضل قد يتفق له تارة أن يحسن ويوفي شيئا من الأفعال؛ لكن فرعون كان محض الضلال ولا يخلطه بشيء من الإحسان.
فهم موسى من قوله: ﴿وَما أَعْجَلَكَ﴾ أنه قد عتب عليه كيف تقدم قومه ولم يأت بهم معه؟ فاعتذر بأمرين: أحدهما: أن المكان الذي فارقهم فيه قريب جدا قال: ﴿هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي﴾ أي: ليسوا ببعيد مني.
والثاني: إنما عجلت لطلب رضاك.
﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)﴾
﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ أي: من بعد انطلاقك ﴿وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ وقرئ في الشاذ ﴿وَأَضَلَّهُمُ﴾ بضم اللام (^١).
وروي أن السامري حين وصل إلى البحر مع موسى بعث الله جبريل راكبا فرس الحياة وقد خلق الله الحياة على صورة فرس، ولا تمر بشيء ولا يجد مسها شيء إلا حيى، وخلق الله الموت على صورة كبش أملح؛ كما جاء في الحديث أنه "يذبح الموت يوم القيامة، وقد جيء به على صورة كبش أملح" (^٢) فرأى السامريّ فرس جبريل كلما وضعت حافرها على شيء من الأرض اخضر نباتها، فقال: إن لهذا شأنا، وأخذ من ذلك التراب شيئا، وكانت بنو إسرائيل لما أمروا بالخروج من ديار مصر استعاروا حليّا من قوم فرعون، ولم يتسع لهم الوقت أن يعيدوه إلى أربابه، فحملوه معهم فلما تجاوز موسى البحر، وغرق فرعون أمر الله موسى أن يختار من قومه سبعين رجلا ليسمعهم خطابه، فأبطأ عليهم موسى، فأخذ السامري ما معه من تلك التربة التي وطئها حافر فرس جبريل، وكان
_________________
(١) قرأ بها أبو معاذ القارئ. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٢٦٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٧)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٤٤٣).
(٢) رواه مسلم رقم (٥٥٨٧).
[ ١ / ٥٣٩ ]
السامري صائغا فعمل صورة عجل، وألقى فيه من ذلك التراب فصار العجل يخور خوار الثور، وقال لهم السّامري: هذا العجل الذي يخور هو إلهكم وإله موسى، فنسي موسى وذهب يطلبه في الجبل (١٢١ /ب) فرجع موسى إلى قومه وقد أعلمه الله - تعالى - بضلال السّامري ومن تبعه، فسمع أصوات عبدة العجل يصرخون ويصفقون ويرقصون، فقال: هذا صوت الفتنة، واشتد غضبه حتى ضرب برأس أخيه يجره إليه، وكان موسى قد أعطاه الله - تعالى - الألواح، وقد كتب له في التوراة، فألقى الألواح من يده. قيل: ذهب من التوراة ستة أسباعها بإلقائها على الأرض غضبا (^١).
قال موسى لقومه: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ وهو أن يؤتينا الله كتابا فيه علم ما نحتاج إليه من أمر الدين والدنيا ﴿أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ لمدة غيبتي؟ وكان قد وعده انقضاء ثلاثين ليلة ثم أتمها أربعين ليلة ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وقرئ ﴿أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ﴾ أي: ينزل، وقرئ (يحل) (^٢) من مجيء وقت الشيء، ومنه حلول الدين ﴿غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الذي غذاكم بكرمه ورباكم بنعمته.
﴿قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنّا حُمِّلْنا أَوْزارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا (٨٩) وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١) قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾
﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ لذلك ﴿قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنّا حُمِّلْنا أَوْزارًا﴾ أي: أثقالا والوزر الثقل، سمي الوزير وزيرا؛ لأنه يحمل عن الملك أعباء مملكته.
قوله - ﷿: ﴿وَلكِنّا حُمِّلْنا أَوْزارًا﴾ هو الحلي الذي كان عندهم للقبط ﴿فَقَذَفْناها﴾ في صورة العجل ﴿فَكَذلِكَ أَلْقَى السّامِرِيُّ﴾ ما كان عنده من الحلي ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ﴾ السامري
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٥٧٢) رقم (٩٠١٦) عن ابن عباس - ﵄.
(٢) قرأ الكسائي والأعمش وطلحة بن مصرف ويحيى بن وثاب "يحل"، وقرأ الباقون "يحل". تنظر القراءة في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٢٦٠)، حجة ابن خالويه (ص: ٢٤٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٥)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٢٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٧٩)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٢١).
[ ١ / ٥٤٠ ]
﴿السّامِرِيُّ﴾ وقيل: إنه كان فيه روح كروح الحيوان. والقرآن العزيز لا يدل على ذلك.
قيل: إنه كان يخور مرة بعد مرة، وبعض المفسرين يقول: خار خورة واحدة، ولو كان يخور كل يوم لما صلح لما نسبوه إليه من الألوهية، وهو كقوله - تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ﴾ (^١) إلى أن قال: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ (^٢) ولو كانت لهم أرجل وأعين وآذان لما صح نسبتهم إلى الألوهية، فكيف وهم ليسوا كذلك فقال ﴿هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ موسى حتى طلبه في جبل الطور، ثم عنّفهم الله - تعالى - بقوله: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ أي: ألا يجيب متكلما يخاطبه.
﴿وَلا يَمْلِكُ﴾ دفع ضرر ولا جلب نفع. ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾ (١٢٢ /أ) رجوع موسى ﴿يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ﴾ بعبادة هذا العجل، ودعاهم إلى طاعته في أمره بالتوحيد، فعصوه وقالوا: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾ وأكدوا النفي ب (لن) الدالة على تأكد النفي، فأقبل موسى على هارون فقال: ﴿يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاّ تَتَّبِعَنِ﴾ ﴿قالَ يَا بْنَ أُمَّ﴾ واستعطف أخاه بالنسبة إلى الأم لأنها أرحم ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ قيل: قد كان أخذ بأذنيه فاستدل به قوم على أن الأذنين من الرأس، ولا حجة فيه؛ لأنه يجوز أن يكون موسى قد أخذ بيد هارون أو بعضو آخر ولم يذكر ذلك لنا.
﴿قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) إِنَّما إِلهُكُمُ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨) كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ عَشْرًا (١٠٣)﴾
﴿إِنِّي خَشِيتُ﴾ أن أقاتلهم أن يتفرقوا شيعا، وهو قول موسى: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ﴾
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية (١٩٤).
(٢) سورة الأعراف، الآية (١٩٥).
[ ١ / ٥٤١ ]
﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ وكان موسى قد أوصى هارون فقال: إن رأيت من بني إسرائيل ما لا يسوغ فبالغ في اللطف؛ ليرجعوا عما هم عليه، وإلا فالحق بي، فأقبل موسى على السامري، فقال: ﴿فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾ يعني: قد استقر عذر أخي ونطق بما يبرئه، فما خطبك أنت يا سامري. والخطب: الأمر الذي له قدر وجلالة عند معتقديه. ﴿﴾
﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ وهو اخضرار الأرض تحت حافر فرس جبريل ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ﴾ حافر فرس ﴿الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها﴾ في العجل ﴿وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ﴾ أي:
زينت أو سهلت.
﴿فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ﴾ أن لا يمسك إنسان ولا تمس أنت إنسانا إلا وأخذتكما الحمى، يعني الماس والممسوس، فكان يخرج في الفضاء ويرفع صوته: لا مساس لا مساس. ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ في الآخرة ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ لابد لك من الحضور فيه ﴿وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ﴾ بزعمك ﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ أي: على عبادته وتعظيمه ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ (^١) أي: لنبردنه بالمبرد ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ بعد ذلك ﴿فِي الْيَمِّ﴾ في البحر ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ الأصل: وسع علمه كل شيء، ثم حول كما في قوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (^٢) أي: شيب الرأس.
ومثل ذلك الاقتصاص ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ﴾ (^٣) من أخبارهم وقصصهم. ثم عظم (١٢٢ /ب) أمر القرآن بقوله: ﴿وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْرًا﴾ ثقيلا ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ في عذاب جزائه، وقبح ذلك الحمل حملا.
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ قال الحسن: الصّور: جمع صورة (^٤) أي: نعيد الأرواح في الأجساد.
وقيل: الصور قرن ينفخ فيه إسرافيل، ويقول: أيتها العظام البالية والأجساد المتلاشية، والشعور المتمزقة والأوصال المتفرقة، إن الله أمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وقيل:
_________________
(١) قرأ ابن جمّاز: (لنحرقنّه)، وقرأ ابن وردان: (لنحرقنّه)، وقرأ جمهور القراء: (لَنُحَرِّقَنَّهُ). تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٢٧٦)، تفسير القرطبي (١١/ ٢٤٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٥٢)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٥٥٢)، المحتسب لابن جني (٢/ ٥٨)، مختصر الشواذ لابن خالويه (ص: ٨٩) النشر لابن الجزري (٢/ ٣٢٢).
(٢) سورة مريم، الآية (٤).
(٣) سورة هود، الآية (١٢٠).
(٤) تقدم في سورة الكهف، الآية (٩٩).
[ ١ / ٥٤٢ ]
الأرض كلها هي الصور ينفخ إسرافيل فيها فتصل أثر نفخته بالأجسام، فيقومون قائلين:
سبحان الله وبحمده (^١).
ومنه قوله - تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ (^٢). قوله: ﴿زُرْقًا﴾ أي:
عطاشا. وقيل: عميا؛ لأن الأعمى تبقى في عينه زرقة. ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ فإن الخوف يضعف الأصوات.
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ يَوْمًا (١٠٤)﴾
﴿أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أتمهم عقلا ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ يَوْمًا﴾ أرخ بالأيام وحق التأريخ أن يكون بالليالي، لكن ذاك يكون إذا اشتمل الزمان على وقتين ليل ونهار، وهاهنا ليس كذلك؛ لأنهم أرادوا أنهم لبثوا بياض يوم ليس فيه شيء من الليل. ﴿فَيَذَرُها﴾ أي: فيذر مواضعها. والقاع: الأرض المستوية المتسعة ﴿صَفْصَفًا﴾ خاليا أو ممتدا. العوج بالكسر يكون في المعاني وبالفتح في المرئيات تقول: في دينه عوج، وفي العصا عوج (^٣).
واعلم أن الأرض إذا مسحتها وسويتها بحيث لا يظهر لك فيها اعوجاج، وأنت لو قستها بالمسطرة حصل لك رؤية عوج يسير لا يدركه الطرف، فيلحق ذلك الطرف بالمعاني لكونه غير مرئي، فإذا نفي ذلك لزم منه نفي ما هو مرئي بطريق الأولى.
﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ أي: لا ارتفاعا ولا انخفاضا. ﴿يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ هو إسرافيل ينادي: يا أيتها العظام البالية والأجسام المتلاشية، والشعور المتمزقة والأوصال المتفرقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. فإذا قاموا من القبور قاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: سبحان ربنا العظيم وبحمده (^٤) (١٢٣ /أ) ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٦/ ١٨٣)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٦١١) عن كعب.
(٢) سورة الإسراء، الآية (٥٢).
(٣) قال الراغب الأصفهاني في معجم مفردات ألفاظ القرآن (ص: ٣٦٣): والعوج: يقال فيما يدرك بالبصر سهلا كالخشب المنتصب ونحوه، والعوج: يقال فيما يدرك بالفكر والبصيرة. وقال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣١٥): وهو بفتح العين مختص بكل شيء مرئي كالأجسام، وبالكسر فيما ليس بمرئي كالرأي والقول. وقيل: الكسر يقال فيهما معا، والأول أكثر.
(٤) تقدّم تخريجه قريبا.
[ ١ / ٥٤٣ ]
﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا﴾ (^١) فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: إن لبثتم ما بين النفختين، فإنه روي: "أن العذاب يرفع عنهم ما بين النفختين فيقومون وفي أعينهم طعم النوم" (^٢)،ولهذا قال الله - تعالى - حكاية عنهم: ﴿قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ (^٣).
والثاني: إن لبثتم في الدنيا، تضاءل عندهم اللبث في الدنيا حتى عدوه ساعة؛ لأن أيام السرور قصار.
الوجه الثالث: إن لبثتم في القبور. قالوا: ولم توصف القيامة بأهول من هذا؛ فإنهم كانوا في القبور يعرض عليهم مقعدهم بالغداة والعشي بدليل قوله - تعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (^٤) ومع ذلك رأوا أيام المقام في القبور كأنه نعمة، فاستقصروا مدة إقامتهم في القبور.
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْسًا (١٠٨)﴾
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ﴾ واعلم أن لها أحوالا حالة تسير ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ﴾ (^٥) وتارة تذهب قوتها فتصير ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (^٦) وتارة تصير ﴿هَباءً مَنْثُورًا﴾ (^٧) وتارة كالرمل الذي يهال بعضه في إثر بعض ﴿وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ (^٨) وتارة تسوى بها الأرض فلا يبقى فيها ارتفاع ولا انخفاض ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ أي: لا عوج لهم عنه ﴿وَخَشَعَتِ﴾ ذلت
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية (٥٢).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٨/ ٢١١)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٦٣) بنحوه وعزاه لهناد في الزهد، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري.
(٣) سورة يس، الآية (٥٢).
(٤) سورة غافر، الآية (٤٦).
(٥) سورة النبأ، الآية (٢٠).
(٦) سورة القارعة، الآية (٥).
(٧) سورة الفرقان، الآية ٢٣.
(٨) سورة المزمل، الآية (١٤).
[ ١ / ٥٤٤ ]
وخضعت. ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْسًا﴾ يعني: صوتا خفيا. وقيل: لا يسمع إلا صوت مشي الأقدام إلى المحشر والقيامة، ففي بعضها ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ (^١). وفي بعضها ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (^٢).
﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا (١١٢) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣) فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾
﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ﴾ لا تقع الشفاعة في الآخرة إلا بعد إذن من الله للشافع أن يشفع؛ لقوله - تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ (^٣) وأيضا لا تنفع الشفاعة في الآخرة إلا فيمن أذن أن يشفع فيه ممن قال لا إله إلا الله؛ لقوله - تعالى:
﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ (^٤) وقوله: ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ فيجازيهم على حسب علمه فيهم. ﴿وَعَنَتِ﴾ خضعت وذلت، والعاني الأسير. ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ يجوز أن يراد من حمل كفرا، فلا تنفع فيه الشفاعة فيخيب، ويحتمل أن يريد مع ذلك مظالم العباد.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ﴾ خبر مجرد، ومن قرأ (فلا يخف) (١٢٣ /ب) فهو نهي عن الخوف (^٥)، وكيف ينهى عنه وهو يأتي بحكم الحال، ولا يتمكن الإنسان من دفعه عن نفسه، وهو إما نهي عما يقتضيه النهي من المعاصي والهضم:
_________________
(١) سورة الطور، الآية (٢٥).
(٢) سورة الزمر، الآية (٣١).
(٣) سورة البقرة، الآية (٢٥٥).
(٤) سورة الأنبياء، الآية (٢٨).
(٥) قرأ ابن كثير من العشرة (فلا يخف)، وقرأ الباقون (فلا يخاف). تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٢٨١)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٤٨، ٢٤٧)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٤٦٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٥٨)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٢٤)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٥٥٤)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٢٢).
[ ١ / ٥٤٥ ]
النقص. يقال: هضيم الكشح، أي: صغيره، ومثل هذا الإنزال ﴿أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وقد يوجد فيه كلمات فارسية أو رومية قد عرّبت وهو كما يقال: هذا ثور أسود، وإن كان في بعض قوائمه عشر شعرات بيض. ﴿وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ ليردهم ذلك التصريف عما هم عليه من العناد. ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ﴾ تذكّرا واتعاظا ﴿فَتَعالَى اللهُ﴾ أي: جلّ عما يقوله الكفرة من دعوى الشريك والولد له.
وكان النبي ﷺ إذا قرأ جبريل عليه ما نزل عليه من الوحي يلاحق جبريل في القراءة خشية أن يتفلت عنه بعضه، فأنزل الله - تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ (^١) وهذه الآية ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ أي: من قبل أن يفرغ جبريل من قراءته، فكان النبي ﷺ بعد ذلك يسكت حتى يفرغ جبريل من قراءته، ثم يقرؤها النبي ﷺ فلا يخل منها بشيء (^٢).
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى (١١٦) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩)﴾
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ لم يعد بعض المفسرين آدم من أولي العزم ولا يونس؛ لقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ﴾ (^٣) ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ قيل: جعله قبلة لهم، والمراد: اسجدوا لجهته.
وقيل: اسجدوا لسجوده، أي: ليكون إماما لكم وأنتم تقتدون به، والصحيح أنهم أمروا أن يسجدوا لآدم تعظيما له، وذلك لا يجوز في شريعتنا، وقد جاء في يعقوب وأولاده ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ (^٤) وقوله: ﴿أَبى﴾ جملة مستأنفة، جواب لسؤال سائل سأل فقال: ماذا صنع إبليس؟ فيقول له: أبى أن يسجد.
_________________
(١) سورة القيامة، الآية (١٦).
(٢) رواه البخاري رقم (٤٩٢٩)، ومسلم رقم (١٤٨، ١٤٧).
(٣) سورة القلم، الآية (٤٨).
(٤) سورة يوسف، الآية (١٠٠).
[ ١ / ٥٤٦ ]
وقد اختلف فيمن أمر بالسجود لآدم؛ فقال الأكثرون: إن المأمور جميع الملائكة، لم يخرج أحد منهم من الأمر. وقيل: خرج منهم الملائكة المقربون؛ لقوله تعالى: ﴿قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ﴾ (^١).
﴿فَتَشْقى﴾ إن قال قائل: لم لا قال: فتشقيا عن آدم (١٢٤ /أ) وحواء؟
والجواب من وجهين: أحدهما: أن الذي يشقى بالنزول من الجنة هو الرجل دون المرأة فقد روي أن آدم ﵇ أنزل له ثور من الجنة فحرث عليه حتى عرق جبينه فثبت السعي والتعب إلى آدم خاصة. وقوله: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما﴾ كقوله: لا أرينك هاهنا، والوجه الثاني:
أنه ما قال: فتشقيا لأجل تأخير رؤوس الآي وهو بعيد؛ لأن القرآن ليس محل ضرورة.
﴿إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى﴾ القياس أن يقابل كل شيء لشكله، فيقال: إنك لا تجوع ولا تظمى، ولا تعرى ولا تضحى. الضحاء: ممدود [وهو] (^٢) حرّ الشمس والضحى: مقصور جمع ضحوة. والوسوسة: الصوت الخفي.
﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢) قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨)﴾
﴿عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ قال له إبليس أو أحد ذريته: الشجرة التي نهيت عن أكلها هي شجرة من أكلها خلد في الجنة، فلو أكلت منها لتبقى خالدا لكان خيرا لك، وكذلك إذا أكلت منها فإنه يحصل لك ملك لا يبيد ﴿فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ تساقط اللباس الذي كان عليهما، وشرعا يأخذان من أوراق الأشجار. ﴿فَغَوى﴾ الغيّ: ضد الرشاد
_________________
(١) سورة ص، الآية (٧٥).
(٢) ليست بالأصل.
[ ١ / ٥٤٧ ]
﴿ثُمَّ اجْتَباهُ﴾ اصطفاه واختاره فهداه إلى التوبة والرجوع إلى الله. ﴿قالَ اهْبِطا مِنْها﴾ وفي موضع آخر ﴿اِهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا﴾ (^١) المأمور بالهبوط آدم وحواء، وفي الآية الأخرى آدم وحواء وإبليس. ﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ (ما) زائدة ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ شرط ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ﴾ شرط ثان. ﴿فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى﴾ جواب للشرط الثاني، والشرط الثاني وجوابه جواب للشرط الأول. ﴿ضَنْكًا﴾ أي: ضيقة حرجة. ﴿آياتُنا﴾ القرآن ﴿فَنَسِيتَها﴾ فتركت العمل بها، وقد استدل بذلك على إثم من نسي القرآن بعد حفظه، ولا حجة فيه؛ فإن أصل حفظ القرآن ليس بواجب (^٢).
﴿وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى﴾ تترك في العذاب؛ كقوله: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (^٣) وقوله:
﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنّا نَسِيناكُمْ﴾ (^٤) ومتى كان العذاب شديدا ولكنه قصير المدة فقد يتجلد المعذب وينتظر انقضاء الأمل القريب، أما إذا كان العذاب دون ذلك ولكن أمده متطاول أو أشدّ (١٢٤ /ب) من الأول، فعذاب الآخرة في نفسه أشدّ وهو أدوم. ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ﴾ أفلم يتبين، والفاعل ﴿كَمْ أَهْلَكْنا﴾ ﴿يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ﴾ فيرون آثار المهلكين المكذبين فيعتبروا ويرجعوا ﴿النُّهى﴾ جمع نهية وهي العقل؛ لأنه ينتهي عن الفواحش، كما سمي عقلا فإن عقال البعير يمنعه من الذهاب كيف مشى، وسمي حجزا لأنه يحجز عن المعاصي، أي: يمنعها.
﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)﴾ ﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ﴾
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٣٨).
(٢) يستحب حفظ القرآن إجماعا وحفظه فرض كفاية إجماعا وهو أفضل من سائر الذكر وأفضل من التوراة والإنجيل وبعضه أفضل من بعض ويجب منه ما يجب في الصلاة ويبدأ الصبي وليه به قبل العلم فيقرأه كله إلا أن يعسر والمكلف يقدم العلم بعد القراءة الواجبة كما يقدم الكبير نفل العلم على نفل القراءة في ظاهر كلام الإمام والأصحاب ويسن ختمه في كل أسبوع وإن قرأه في ثلاث فحسن ولا بأس به فيما دونها أحيانا وفي الأوقات الفاضلة كرمضان خصوصا الليالي اللاتي تطلب فيها ليلة القدر والأماكن الفاضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من قراءة القرآن اغتناما للزمان والمكان ويكره تأخير الختم فوق أربعين بلا عذر ويحرم إن خاف نسيانه - قال أحمد: ما أشد ما جاء فيمن حفظه ثم نسيه. ينظر: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (١/ ٢٦٤)، الإقناع للبهوتي (١/ ١٤٨).
(٣) سورة التوبة، الآية (٦٧).
(٤) سورة السجدة، الآية (١٤).
[ ١ / ٥٤٨ ]
﴿رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠) وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢) وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣) وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤)﴾
﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بتأخير عذاب الكفار إلى البعث ﴿لَكانَ﴾ التعذيب لازما لهم ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب على من كفر إلى يوم القيامة. ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ معطوف على ﴿كَلِمَةٌ﴾ أي: ولولا كلمة وأجل مسمى. ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها﴾ ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ صلاة الفجر، وقبل الغروب: صلاة الظهر والعصر ﴿وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ﴾ المغرب والعشاء. وآناء الليل: ساعاته. ﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ وقرأ الكسائي وأبو بكر (لعلك ترضى) بضم التاء (^١). ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ استحسانا إلى ما زينه أهل الدنيا من المساكن والملابس والمراكب؛ لأنهم إنما فعلوا ذلك لينظر إليه ويستحسن.
﴿زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ وقرئ (زهرة الحياة الدّنيا) بفتح الهاء (^٢) زهرة: جمع زاهر، ككاتب وكتبة. ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ في الجنة ﴿خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ في الجنة. ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ وكان بعض السلف إذا دهمه خطب فزع إلى الصلاة وتلا هذه الآية (^٣). ﴿وَالْعاقِبَةُ﴾ الحميدة ﴿لِلتَّقْوى﴾ ﴿وَقالُوا لَوْلا﴾ هلا ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ وهو القرآن المجيد المصدق لما سبقه من الكتب ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من
_________________
(١) قرأ الكسائي وشعبة عن عاصم "لعلك ترضى"، وقرأ باقي العشرة "لعلك ترضى". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٢٩٠)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٤٨)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٤٦٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٦٥)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٢٥)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٥٥٩)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٢٢).
(٢) قرأ بها يعقوب، وقرأ العامة "زهرة". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٢٩١)، تفسير القرطبي (١١/ ٢٦٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٦٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٩٨)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٢٢).
(٣) وورد هذا مرفوعا للنبي ﷺ رواه البيهقي في شعب الإيمان (٣/ ١٥٣) عن عبد الله بن المبارك عن معمر عن محمد بن حمزة بن عبد الله بن سلام قال: "كان رسول الله ﷺ إذا نزل بأهله شدة - أو قال: ضيق - أمرهم بالصلاة وتلا وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها الآية".
[ ١ / ٥٤٩ ]
قبل بعثة الرسل وإنزال الكتب ﴿لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ﴾ بالعذاب ﴿وَنَخْزى﴾ به.
﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥)﴾
﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ أي: أنتم تنتظرون هلاكي، وأنا أنتظر أن يبتليكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى﴾ (١٢٥ /أ) هو كقوله - تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (^١).
***
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية (١٥).
[ ١ / ٥٥٠ ]