﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾
﴿الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ ذي الحكمة، أو وصف بصفة الله ﷿ على الإسناد المجازي، ويجوز أن يكون الحكيم قائله؛ فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانقلب المضمر المتصل منفصلا.
﴿هُدىً وَرَحْمَةً﴾ نصب على الحال، والعامل فيها ما في ﴿تِلْكَ﴾ من معنى الإشارة.
وقرئ بالرفع (^١) على أنه خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف.
﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ الذين يعملون الحسنات الآتي ذكرها من إقامة (١٨٢ /ب) الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيقان بالآخرة. وحكي عن الأصمعي أنه سئل عن الألمعي؟ فلم يزد على إنشاد البيت وهو [من المنسرح]:
الألمعي الذي يريك من الأمر كأن قد رأى وقد سمعا (^٢)
والذين يعملون جميع الخصال الحسنة، ثم خص منها هذه الثلاثة تشريفا لها على ما سواها. اللهو: كل باطل ألهى عن الخير، وعما يعني.
_________________
(١) قرأ حمزة "ورحمة" بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٨٣)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٨٤)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٦٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٨٥)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥١٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٢٩)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٤٦).
(٢) البيت لأوس بن حجر، ينظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٨٦)، العين للخليل (٢/ ١٥٦)، غريب الحديث لابن قتيبة (٣١٢، ١)، غريب الحديث لابن الجوزي (٢/ ٣٣١)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٨٩)، لسان العرب (لمع). وفي الجميع: الألمعي الذي يظن بك الظن
[ ٢ / ٧٦ ]
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦)﴾
و﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ باطله؛ نحو السمر بالأساطير والتحدث بالمضاحيك وفضول الكلام وعلم الغناء والموسيقى (^١). وقيل: نزلت في النضر بن الحارث، وكان يتجر إلى فارس ويشتري كتب الأعاجم فيحدث بها قريشا ويقول: أنا أحدثكم بهذه الأحاديث وهي أحسن مما جاء به محمد. وقيل: كان يشتري الجواري المغنيات، وإذا أحس برجل يريد الدخول في الإسلام ذهب به إلى منزله؛ فيطعمه ويسقيه ويسمعه غناء جاريته، ويقول: هذا خير مما يدعوك إليه محمد؛ تقاتل حتى تموت (^٢). ويجوز أن تكون الإضافة للبيان؛ كقولك: علم نحو، وثوب خز. ويجوز أن تكون للتبعيض، أي: يتخذ من اللهو بعضه، وهو لهو الحديث.
_________________
(١) قال ابن جرير الطبري في تفسيره (٢١/ ٦٣): "والصواب من القول في ذلك أن يقال: عنى به كل ما كان من الحديث ملهيا عن سبيل الله، مما نهى الله عن استماعه أو رسوله؛ لأن الله تعالى عم بقوله: لَهْوَ الْحَدِيثِ ولم يخصص بعضا دون بعض، فذلك على عمومه حتى يأتي ما يدل على خصوصه، والغناء والشرك من ذلك". وقال ابن حزم في المحلى (٩/ ٥٥): "ولو أن امرأ اشترى مصحفا ليضل به عن سبيل الله ويتخذه هزوا لكان كافرا فهذا هو الذي ذم الله تعالى، وما ذم قط - ﷿ - من اشترى لهو الحديث ليلتهي به ويروح نفسه، لا ليضل عن سبيل الله تعالى، وكذلك من اشتغل عامدا عن الصلاة بقراءة القرآن أو بقراءة السنن أو بحديث يتحدث به أو ينظر في ماله، أو بغناء أو بغير ذلك فهو فاسق عاص لله تعالى، ومن لم يضيع شيئا من الفرائض اشتغالا بما ذكرنا فهو محسن". ثم قال ابن حزم بعد كلام طويل وإيراده لكل ما ورد من الأحاديث والأقوال في الغناء ملخّصا رأيه فيه: "إن رسول الله - ﷺ - قال: " إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى "فمن نوى باستماع الغناء عونا على معصية الله تعالى؛ فهو فاسق، كذلك كل شيء غير الغناء، ومن نوى به ترويح نفسه؛ ليقوى بذلك على طاعة الله - ﷿ - وينشط نفسه بذلك على البر؛ فهو مطيع محسن، وفعله هذا من الحق، ومن لم ينو طاعة ولا معصية فهو لغو معفو عنه؛ كخروج الإنسان إلى بستانه متنزها، وقعوده على باب داره متفرجا، وصباغة ثوبه، ومد ساقه وقبضها، وسائر أفعاله".
(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥٠٤).
[ ٢ / ٧٧ ]
﴿يَشْتَرِي﴾ يجوز أن يكون حقيقة؛ لأن النضر اشترى الجواري والكتب، وأن يكون مجازا؛ كما في قوله: ﴿اِشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ﴾ (^١).
وعن قتادة: اشتراؤه هو استحبابه وإيثاره على ما سواه (^٢). ﴿سَبِيلِ اللهِ﴾ دين الإسلام أو القرآن. من قرأ ﴿لِيُضِلَّ﴾ (^٣) كان معناه من أضل فهو ضال بإضلاله. وقوله:
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لأنه بإيثاره الضلالة على الهدى من أجهل الناس.
﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ (٨) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هذا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١) وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾
﴿وَلّى مُسْتَكْبِرًا﴾ لا يعبأ بها ولا يرفع بها رأسا؛ يشبه حاله في ذلك حال من لم يسمع وهو سامع ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ أي: ثقلا، ولا وقر فيهما. ﴿كَأَنْ﴾ الثانية: حال من الأولى، والضمير في ﴿كَأَنْ﴾ ضمير الشأن. ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا﴾ مصدران مؤكدان، الأول مؤكد لنفسه، والثاني لغيره؛ لأن قوله: ﴿لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ كالوعد. ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب.
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية (١٧٧).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢١/ ٦١)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥٠٤) ونسبه لابن أبي حاتم.
(٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو "ليضل" وقرأ الباقون "ليضل". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٨٤)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٦٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٨٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٣٠) مجمع البيان للطبرسي (٨/ ٣١٢)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٩٩).
[ ٢ / ٧٨ ]
قوله ﷿: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ أي: هو وحده خلق هذه المخلوقات العظيمة، فكيف بآلهتكم؟ ثم أضرب عن ذلك إلى تبكيتهم بتورطهم في ضلال لا يقدرون على التخلص منه. ﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ﴾ هو لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب. وقيل: كان من أولاد آزر عاش ألف سنة وأدرك داود ﵇ (١٨٣ /أ) وأخذ عنه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود، فلما بعث قطع الفتوى؛ فقيل له في ذلك. فقال: ألا أكتفي إذا كفيت؟! وأكثر الأقاويل أنه كان حكيما لا نبيّا (^١). وقيل: كان أسود خياطا. وقيل: كان نجارا. وقيل: راعيّا. وقيل: كان يحتطب لمولاه كل يوم حزمة.
﴿غَنِيٌّ﴾ عن الشكر ﴿حَمِيدٌ﴾ يحب أن يحمد. ﴿وَهْنًا عَلى وَهْنٍ﴾ أي: حملته تهن وهنا على وهن؛ كقولك: رجع عودا على بدء، وهو منصوب على الحال. وقيل: ضعفا متزايدا؛ لأن الحمل متى طالت مدته ازداد ثقله. ﴿فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ بالأدب والإحسان حسنا بخلق جميل، وحلم وبرّ وصلة، وما يقتضيه الكرم والمروءة.
﴿سَبِيلَ مَنْ أَنابَ﴾ هم المؤمنون، ولما ذكر الله تعالى الوالدين وما لقيا من التعب في التربية بدأ بالأم؛ لأنها تلقى من المشاق ما لا يلقاه الأب أولا، ثم ذكرت وحدها بعد ذلك.
فإن قلت: ما معنى توقيت الفصال بعامين؟ قلت: الأغلب على حال الولد أنه حينئذ يقوى على الفطام. وعن أبي حنيفة ﵀: أن مدة الرضاع ثلاثون شهرا؛ فإن أرضعت بعد ذلك لم يفد تحريما (^٢).
_________________
(١) قال السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥١١ - ٥١٢): "وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ﵁ قال: خير الله تعالى لقمان بين الحكمة والنبوة، فاختار الحكمة على النبوة، فأتاه جبريل ﵇ وهو نائم فذر عليه الحكمة فأصبح ينطق بها، فقيل له: كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيرك ربك؟ فقال: لو أنه أرسل إلي بالنبوة عزمة لرجوت فيها الفوز منه ولكنت أرجو أن أقوم بها، ولكنه خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة فكانت الحكمة أحب إلي. وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه رضي الله تعالى عنه أنه سئل: أكان لقمان ﵇ نبيّا؟ قال: لا، لم يوح إليه، وكان رجلا صالحا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ليث رضي الله تعالى عنه قال: كانت حكمة لقمان ﵇ نبوة. وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله تعالى عنه قال: كان لقمان ﵇ رجلا صالحا ولم يكن نبيّا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله تعالى عنه قال: كان لقمان ﵇ نبيا".
(٢) ينظر: بداية المبتدي للمرغيناني (١/ ٦٦)، الدر المختار لابن عابدين (٣/ ٢١٠)، لسان الحكام لإبراهيم بن أبي اليمن الحنفي (١/ ٣٢٣).
[ ٢ / ٧٩ ]
﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾
قرئ ﴿مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ بالنصب والرفع (^١). فمن نصب كان الضمير للحبة الواحدة، ومن رفع فعلى اسم كان أو على أن كان تامة، و﴿مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ اسمها. ﴿فَتَكُنْ فِي﴾ أقصى المخلوقات وأخفاها. ﴿يَأْتِ بِهَا اللهُ﴾ يوم القيامة؛ إنه على كل شيء قدير. ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ يتعلق علمه بكل معلوم وإن لطف ودق. وعن قتادة: ﴿لَطِيفٌ﴾ باستخراجها ﴿خَبِيرٌ﴾ بمستقرها ومستودعها (^٢). وإنما أنث المثقال لإضافته إلى الحبة؛ كقوله [من الطويل]:
كما شرقت صدر القناة من الدم (^٣).
وروي أن ابن لقمان قال له: أرأيت الحبة تكون في مقل البحر، أي: في مغاصه، أيعلمها الله؟ قال: إن الله يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة؛ لأن الحبة في الصخرة أخفى منها في الماء. وقيل: هي الصخرة التي تحت الأرض، وهي سجين يكتب فيها أعمال الكفار. وقرئ ﴿فَتَكُنْ﴾ (^٤) بكسر الكاف من: وكن الطائر يكن: إذا استقر في وكنته؛ قال امرؤ القيس [من الطويل]:
وقد أغتدى والطير في وكناتها (^٥)
_________________
(١) قرأ نافع وأبو جعفر "مثقال" بالرفع، وقرأ الباقون "مثقال" بالفتح. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٨٧)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٨٦)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٦٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٨٨)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥١٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٣٣)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٢٤).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢١/ ٧٢)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥٢٢) ونسبه لابن أبي حاتم.
(٣) هذا عجز بيت للأعشى، وصدره: وتشرق بالقول الذي أذعته ينظر في: الأزهية في الحروف للهروي (ص: ٢٣٨)، الأشباه والنظائر للسيوطي (٥/ ٢٥٥)، خزانة الأدب للبغدادي (٥/ ١٠٦)، ديوان الأعشى (ص: ١٧٣)، الكتاب لسيبويه (١/ ٢٥)، لسان العرب (شرق)، والشاهد فيه: اكتساب المضاف "صدر" التأنيث من المضاف إليه "القناة" ولذلك أنث الفعل "شرقت" وذلك جائز إذا صح حذفه وكان بعضا أو كبعض.
(٤) قرأ بها عبد الكريم الجحدري. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٨٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٨٨)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٢٣٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢١٣).
(٥) هذا صدر بيت، وعجزه: بمنجرد قيد الأوابد هيكل
[ ٢ / ٨٠ ]
وهي مقره ليلا، والأول أظهر؛ أن المراد أي حبة كانت في أي صخرة كانت من السماوات والأرض.
﴿يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾
﴿وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ﴾ (١٨٣ /ب) مطلق في الأمر بكل صبر. وقيل: المراد واصبر على ما أصابك من إيذاء من نهيته عن المنكر.
﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ مما عزمه الله من الأمور، أي: قطع به، ومنه قوله - ﵇ -: "لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل" (^١).وقوله - ﵇ -: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه" (^٢).وقوله: "عزمة من عزمات ربنا" (^٣).
ومنه: عزمات الملوك، وهو أن تقول للشخص: عزمت عليك لتفعلن وحقيقته أنه من تسمية المفعول بالمصدر، أي: من معزومات الأمور، ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى الفاعل؛ كقوله تعالى: ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (^٤). وصدق القتال، وهذا تعظيم لما ذكر من هذه العبادات، وأنها أمر مقطوع به لا محيد عنه. ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ﴾ ولا تصعر (^٥)؛ تقول: عالى
_________________
(١) = ينظر في: خزانة الأدب (٣/ ١٥٦)، ديوان امرئ القيس (ص: ١٩)، شرح المفصل (٢/ ٦٦).
(٢) رواه أحمد (٦/ ٢٨٧)، وأبو داود رقم (٢٤٥٤)، والترمذي رقم (٧٣٠)، والنسائي (٤/ ١٩٧)، وابن ماجه رقم (١٧٠٠)، وابن خزيمة في صحيحه رقم (١٩٣٣)، عن أم المؤمنين حفصة ﵂. وصححه الشيخ الألباني في إرواء الغليل رقم (٩١٤).
(٣) رواه أحمد (٢/ ١٠٨)، وابن حبان رقم (٣٥٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٤٠)، عن ابن عباس ﵄. وصححه الألباني في الإرواء رقم (٥٦٤).
(٤) رواه أبو داود رقم (١٣٤٤)، والنسائي رقم (٢٤٠١)، وأحمد رقم (١٩١٦٥) وذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين (٤/ ٨٨)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع رقم (٤٢٦٥).
(٥) سورة محمد، الآية (٢١).
(٦) قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم "ولا تصعر" بغير ألف، وقرأ الباقون "ولا تصاعر" بألف. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٨٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٨٨)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥١٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٩٧).
[ ٢ / ٨١ ]
البناء وأعلاه بمعنى، والصعر والصيد: هو ميل العنق، وأصله داء يصيب الإبل، فتميل أعناقها، والمعنى: أقبل على الناس بوجهك تواضعا، ولا تولهم شق وجهك كما يفعل المتكبرون.
﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ أراد: ولا تمش تمرح مرحا، أي: أوقع المصدر موقع الحال يعني مارحا؛ كقولك: جاء زيد ركضا، أي: راكضا، ويجوز أن يريد المفعول من أجله؛ أي: لا تمش في الأرض لأجل المرح، ومنه قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا﴾ (^١).
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩) أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي: ليكن مشيك متوسطا بين الإسراع والوثوب ومشي المتماوتين. وقول عائشة في عمر: "كان إذا مشى أسرع" (^٢) تعني: سرعة مرتفعة عن مشي المتماوتين.
يقال: شيء نكر تنكره النفوس، ومنه: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ﴾ أي: أحقها بالإنكار.
والحمار مثل لمن يرفع صوته فوق الحاجة، ولفظ الحمار مستنكر حتى عدوا من جملة الآداب ألا يذكر لفظ الحمار في مجلس فيه أكابر الناس، ويكنون عنه بطويل الأذنين. ومنه لفظ الكلب لما ضرب به المثل في الكفار قال ﴿ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ (^٣) وقال في التمثيل بالحمار: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ﴾ (^٤). وقوله: ﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ (^٥).
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية (٤٧).
(٢) ذكره الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (٣/ ٧٦) وقال: غريب. وفي النهاية لابن الأثير عن عائشة قالت: "كان عمر إذا مشى أسرع وإذا قال أسمع وإذا ضرب أوجع".
(٣) سورة الأعراف، الآية (١٧٦).
(٤) سورة الجمعة، الآية (٥).
(٥) سورة المدثر، الآية (٥٠).
[ ٢ / ٨٢ ]
وتمثيل رافعي الأصوات بالحمير وأمرهم بخفض الصوت، وتمثيل أصواتهم بالنهاق، ونقل الكلام عن التشبيه إلى الاستعارة إنكار بليغ عليهم. وأفرد الصوت؛ لأن المراد أن كل واحد من هذا الجنس، وصوته منكر وليس المراد أن أصواتها إذا اجتمعت تشبه بشيء مجتمع. ﴿ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ من الشمس والقمر والنجوم والسحاب (١٨٤ /أ) (وغير ذلك وما في الأرض) البحار والمعادن وما لا يخفى.
﴿وَأَسْبَغَ﴾ قرئ بالصاد (^١) وهكذا كل سين اجتمع معه الغين والخاء والقاف؛ تقول في سلخ: صلخ، وفي سقر: صقر، وفي سالغ: صالغ (^٢). فإن قلت: ما النعمة؟
قلت: كل نفع قصد به الإحسان. والله تعالى خلق العالم كله نعمة؛ لأنه إما حيوان وإما غير حيوان، فأما الحيوان فالنعمة عليه بالإيجاد، ونفخ الروح، ولأنه لولا ذلك لما تهيأ منه الانتفاع بنعمة فهو نعمة، وما ليس بحيوان نعمة على الحيوان وقد أكثر الناس في معنى الظاهرة والباطنة؛ فقيل: الظاهرة: ما ترى العين، والباطنة: ما تعلم بالاستدلال.
وقيل: الظاهرة: أعمال الجوارح، والباطنة: أعمال القلوب. وعن الحسن: الظاهرة:
الإسلام، والباطنة: الستر (^٣). وعن الضحاك: حسن الصورة، وامتداد القامة، وتسوية الأعضاء، والباطنة: المعرفة (^٤). روي أن موسى ﵇ قال: "إلهي دلني على أخفى نعمة أنعمت بها على عبادك، فقال: أخفى نعمتي عليهم النفس" (^٥).وروي: أن أيسر ما يعذب به أهل النار الأخذ بالأنفاس (^٦).
_________________
(١) قرأ جمهور القراء "وأسبغ" بالسين، وقرأ ابن عباس ويحيى بن عمارة "وأصبغ" بالصاد. تنظر القراءات في: الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٩٠)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٢٤١)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢١٤)، مجمع البيان للطبرسي (٨/ ٣١٨)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٦٨).
(٢) يقال: سلغت الشاة والبقرة تسلغ سلوغا وهي سالغ: تم سمنها. وقال الأصمعي: هي بالصاد لا غير، وغنم سلغ كصلغ، وسلغت البقرة والشاة تسلغ سلوغا إذا أسقطت السن التي خلف السديس فهي سالغ، وصلغت فهي صالغ الأنثى بغير هاء وذلك في السنة السادسة. ينظر: لسان العرب (سلغ).
(٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥٢٥).
(٤) رواه الطبري (٢١/ ٧٨)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥٢٥).
(٥) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٤٩٩).
(٦) ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (٣/ ٧٧) وقال: غريب جدّا.
[ ٢ / ٨٣ ]
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾
أتتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير، أي: في حال دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب. وقرأ علي بن أبي طالب ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ﴾ (^١) بالتشديد، يقال: سلم أمره إلى الله وأسلمه، وقد عداه هاهنا ب "إلى" وعداه باللام في قوله: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ﴾ (^٢) لأن المراد عندما تعدى باللام أنه جعل وجهه أي: ذاته خالصة لله، وأما تعديته ب "إلى" فكقولك: سلمت المال إلى زيد. ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾ من باب التمثيل. جعل من أراد الدخول في أمر فهيأ له سببا قويّا شبيها بالعروة المستوثق منها، فمن استمسك به سلم. ﴿وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ كقوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ (^٣).
﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (٢٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾
﴿نُمَتِّعُهُمْ﴾ زمانا قليلا بدنياهم ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ الغلظ حقيقة في الأجسام، مجاز في المعاني. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ إلزام لهم على إقرارهم بأن الذي خلق السماوات والأرض هو الله. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أن ذلك إلزام لهم على إقرارهم.
﴿الْغَنِيُّ﴾ عن حمد الحامدين ﴿الْحَمِيدُ﴾ الذي يجب حمده في السماوات والأرض.
_________________
(١) وقرأ بها أيضا السلمي وعبد الله بن مسلم بن يسار. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (١٩٠/ ٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٩٠)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٢٤٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢١٥)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٢٩).
(٢) سورة آل عمران، الآية (٣٠).
(٣) سورة هود، الآية (١٢٣).
[ ٢ / ٨٤ ]
قرئ ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ بالنصب عطفا على اسم "إن" والرفع (^١) عطفا على (١٨٤ /ب) اسم "إن" ومعمولها. ﴿وَلَوْ﴾ ثبت أن الأشجار أقلام، وثبت أن البحر ممدود بسبعة أبحر أو على الابتداء، والواو واو الحال، بمعنى: ولو أن الأشجار أقلام في حال كون البحر ممدودا، والمعنى: ولو أن الشجر أقلام، والبحر ممدود بسبعة أبحر، وكتب بهن كلام الله لما نفدت الكلمات. فإن قيل: كيف جاز أن يكون قوله ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ حالا ولا ضمير فيه يعود إلى صاحب الحال؟ قلت: هو كقوله [من الطويل]:
وقد أغتدي والطير في وكناتها (^٢)
وما أشبه ذلك من الأحوال التي حكمها حكم الظروف، ويجوز أن يكون المعنى:
وبحرها والضمير للأرض؛ فإن قلت: لم أفرد قوله: ﴿شَجَرَةٍ﴾ ولم يقل: من الشجر؟
قلت: لأن المراد إذا استقريت شجرة بعد شجرة لم توجد إلا مبرية أقلاما. فإن قلت: لم جمع الكلمات جمع قلة، والمراد هاهنا الكثرة؟ قلت: معناه: أن كلماته لا تفي بها كتبة ذلك، فكيف بكلمة واحدة؟!
وقيل: إن اليهود قالوا: أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء. فأجيبوا بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. وقيل: قال المشركون: إن هذا الذي يأتي به محمد كلام سينفد، وأنه يتقوله فنزلت. وقيل: إن اليهود علّموا المشركين أن يقولوا للمؤمنين: أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء (^٣).
﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾
_________________
(١) قرا أبو عمرو ويعقوب "والبحر" وقرأ الباقون "والبحر". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٩١)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٨٦)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٦٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٩٠)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥١٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٣٦)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٤٧).
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة، الآية (١٤٤).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٢١/ ٨٢)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥٢٦ - ٥٢٧).
[ ٢ / ٨٥ ]
﴿(٣٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾
﴿إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أي: إلا كخلق نفس واحدة وبعثها؛ لأن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، وهو يحاسب زيدا في وقت محاسبته لعمرو، ويبعث زيدا في وقت بعثه لعمرو. ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ﴾ هو كقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ (^١). وقيل: ما نقص من أحدهما زيد في الآخر. والأجل المسمى: يوم القيامة؛ لأنه لا ينقطع جريهما إلى ضد ذلك.
وقوله: ﴿أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ توقيت. وقوله: ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ انتهاء للغاية.
﴿ذلِكَ﴾ الذي يوحى إليك من هذه الآيات بسبب بيان الله هو ﴿الْحَقُّ﴾ وأن إلها غيره باطل.
﴿وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ عن أن يشرك به شيئا. قرئ ﴿الْفُلْكَ﴾ بضم اللام (^٢) وكل فعل يجوز فيه فعل؛ كما يجوز في كل فعل فعل على مذهب التعويض، وبنعمات الله - بسكون العين - ووزن فعلات يجوز فيه الكسر والفتح والسكون، والبحر ﴿بِنِعْمَتِ اللهِ﴾ بإحسانه ورحمته. يكثر الموج ويتراكم فيصير كالظلل، والظلة: كل ما أظلك من سحاب أو جبل أو غيرهما. ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ المقتصد: المتوسط في الإخلاص، يعني: (١٨٥ /أ) أن ذلك الخوف حين كان في البحر لا يعود إلى الخائف. والمقتصد: قليل نادر. وقيل: مؤمن قد ثبت على ما عاهد الله عليه في البحر. والختر: أشد الغدر، ومنه المثل: إنك لا تمد لنا شبرا من غدر إلا مددنا لك باعا من ختر (^٣).
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية (٥٤).
(٢) قال السمين الحلبي في الدر المصون (٥/ ٣٩١) قرأ بها موسى بن الزبير.
(٣) ينظر المثل في: الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٠٣)، لسان العرب (ختر) قال ابن منظور في اللسان: الختر: الغدر، ختر يختر فهو خاتر وختار للمبالغة. والختر: الفساد يكون ذلك في الغدر وغيره، يقال: ختره الشراب إذا فسد بنفسه وتركه مسترخيا، والختر كالخدر، وهو ما يأخذ عند شرب دواء أو سم حتى يضعف ويسكر.
[ ٢ / ٨٦ ]
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾
﴿لا يَجْزِي﴾ عنه، لا يقضي عنه شيئا، ومنه قوله في جذعة ابن نيّار: "تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك" (^١).والغرور: الشيطان. وقيل: الدنيا. وقيل: تمنيكم في المعصية المغفرة بغير توبة. وقيل: هو ذكرك لحسناتك، ونسيانك لسيئاتك غرة. وقرئ بضم الغين (^٢) وهو مصدر غر غرورا؛ فإنه جعل الغرور غارا. قوله: ﴿وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ﴾ أكد نفي الإجزاء عن الوالد للولد؛ لأن أكثر الصحابة أسلموا وآباؤهم على الكفر فأكد نفي الانتفاع بشفاعتهم في الآخرة. روي أن أعرابيا سأل النبي ﷺ عن هذه الخمس؛ فأنزل الله هذه الآية (^٣). وعن ابن عباس: "من ادعى معرفة هذه الخمس فقد كذب، إياكم والكهانة؛ فإن الكهانة تدعو إلى الشرك، والشرك أهله في النار" (^٤).
وروي أن المنصور أهمه معرفة ما بقي من عمره، وكان يدعو أن يعلم بذلك عقب كل صلاة، فرأى في المنام كفا خرجت من البحر بخمسة أصابع، فسأل العلماء عن تعبيرها فقال قوم: خمس سنين. وقيل: خمسة أشهر. وقيل: غير ذلك، حتى قال أبو حنيفة: إن
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٥١٣٠)، وأبو داود رقم (٢٤١٩)، الترمذي رقم (١٤٢٨)، وابن ماجه رقم (٣١٤٥)، وأحمد رقم (١٤٣٩٩)، وابن نيار، اسمه هانئ واسم جده عمرو بن عبيد، من حلفاء الأنصار، وشهد العقبة وبدرا والمشاهد وعاش حتى سنة ٤٢ وقيل: ٤٥ هـ. قاله الحافظ ابن حجر في فتح الباري في شرح البخاري.
(٢) قرأ بها سماك بن حرب وأبو حيوة وابن السميقع. وقراءة الجمهور "الغرور" بفتح الغين. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٩٤)، تفسير القرطبي (١٤/ ٨١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٩٢)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٢٤٥)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٧٢).
(٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٣٢٦) ونسبه لابن مردويه عن أبي أمامة وسلمة بن الأكوع. وروى أحمد في المسند (٢٢٠٤٦) نحوه.
(٤) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٠٥).
[ ٢ / ٨٧ ]
هذه الخمس استأثر الله بعلمها؛ فليس لأحد سبيل إلى معرفتها (^١).
وفي الحديث: "خمس لا يعلمهن إلا الله، وتلا الآية" (^٢).
وجعل العلم والدراية للنفس؛ لما في الدراية من معنى الحيل.
***
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٠٥).
(٢) رواه البخاري رقم (٤٤٠٤)، ومسلم رقم (١٠ - ١١)، وهو جزء من حديث جبريل المشهور.
[ ٢ / ٨٨ ]