﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا (٢) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾
﴿عَبْدَهُ﴾ مفعول ب ﴿رَحْمَتِ﴾ ﴿زَكَرِيّا﴾ بدل ﴿نِداءً خَفِيًّا﴾ أخفاه لبعده عن الرياء، أو أخفاه من بني عمه الذين خافهم، أو خاف أن يلام على طلب الولد مع الشيخوخة ﴿وَهَنَ﴾ الوهن: الضعف. وقيل: هو أشد الضعف، واحتجوا بقوله - تعالى: ﴿فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا﴾ (^١) والمعطوف غير المعطوف عليه. ﴿الرَّأْسُ﴾ ولم يقل: رأسي اكتفاء بفهم المخاطب، إرادة للإضافة. وعند الكوفيين: الألف واللام قامت مقام الإضافة (^٢). ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ﴾ من عادة المحسن أن يبقى له إدلال على من أحسن إليه، وقد عكس زكريا ذلك وجعل تكرار إحسان الله إليه سببا في إدلاله وتكرار سؤاله فقال:
﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ وحكي أن رجلا قصد رجلا فقال القاصد: أنا الذي أحسنت إليّ يوم كذا وكذا فقال: مرحبا بمن توسل بنا إلينا (^٣).
﴿الْمَوالِيَ﴾ بنو العم، وخاف تضييعهم للتوراة ولأحكام شريعتهم بعد موت زكريا فسأل ربه ولدا صالحا يخلفه من بعده في رعاية الإسلام. العاقر: هي الرملة التي لا تنبت فشبهت المرأة التي لا تحمل بها. ﴿وَلِيًّا﴾ فعيل إما بمعنى مفعول، أي: تتولاه أنت أو بمعنى فاعل أي: يتولى الله. ﴿يَرِثُنِي﴾ بالجزم جوابا للأمر، وبالرفع (^٤) على الصفة ل ﴿وَلِيًّا﴾،
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية (١٤٦).
(٢) أجاز الكوفيون وبعض البصريين وكثير من المتأخرين نيابة "أل" عن الضمير المضاف إليه. تنظر المسألة في: اللباب في علل البناء والإعراب للعكبري (١/ ٤٩٥)، مغني اللبيب لابن هشام (١/ ١٠٠).
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٤).
(٤) قرأ أبو عمرو والكسائي يَرِثُنِي بالجزم، وقرأ الباقون يَرِثُنِي بالرفع. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ١٧٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٤٩٢)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٠٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥).
[ ١ / ٥٠٥ ]
ويظهره وله - تعالى: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ بالجزم والرفع (^١).
﴿مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ أي: النبوة، ومن زكريا الحبورة (^٢). ويعقوب هذا هو ابن إسحاق بن إبراهيم. وقيل: غيره (^٣).
﴿يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾
السمي فيه قولان (١١١ /ب) أحدهما: أنه المثل، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: مثلا. والثاني: أنه لم يتسم بهذا الاسم أحد، وفيه مناسبة فإنه ولد بين شخصين كالميتين شيخ وامرأة عاقر كبيرة، قال ﷺ: "نحن معاشر الأنبياء، ما منا إلا من عصى أو همّ بمعصية غير يحيى بن زكريا" (^٤).
_________________
(١) سورة القصص، الآية (٣٤) وقرأ عاصم وحمزة «يصدّقني» بالرفع، وقرأ الباقون «يصدّقني» بالجزم. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٠٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٤٩٢)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٩٤)، الكشاف للزمخشري (٥/ ٣٤٣).
(٢) ذكره ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (١/ ٣٠٢) عن ابن عباس في رواية أبي صالح عنه قال: "يرثني أي يرثني الحبورة وكان حبرا، ويرث من آل يعقوب أي: يرث الملك".
(٣) قال الماوردي في النكت والعيون (٢/ ٥١٧): وهو يعقوب بن ماثان وكان فيهم الملك، وكان زكريا من ولد هارون بن عمران أخي موسى، قال مقاتل: ويعقوب بن ماثان هو أخو عمران أبي مريم؛ لأن يعقوب وعمران ابنا ماثان.
(٤) قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير (٤/ ١٩٩): "اشتهر في الخبر" ما منا إلا من عصى أو همّ بمعصية إلا يحيى بن زكريا "قلت: المشهور بلفظ" ما من آدمي إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة أو عملها إلا يحيى بن زكريا لم يهم بخطيئة ولم يعملها "رواه أحمد وأبو يعلى والحاكم عن ابن عباس وهذا لفظه ولفظهما" ما من أحد من ولد آدم إلا قد أخطأ أو همّ بخطيئة ليس يحيى بن زكريا "وهو من رواية علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران وهما ضعيفان، وله طريق أخرى عند البزار من رواية محمد بن عون الخراساني وهو ضعيف وفي الباب عن أبي هريرة في الطبراني في الأوسط وكامل بن عدي في ترجمة حجاج بن سليمان وأخرجه البيهقي بإسناد صحيح إلى الحسن عن النبي ﷺ مرسلا وأخرجه عبد الرزاق من طريق سعيد بن المسيب مرسلا أيضا". قلت: وبهذا اللفظ رواه الإمام أحمد في مسند (١/ ٢٥٤) رقم (٢٢٩٤)، وأبو يعلى في مسنده رقم (٢٥٤٤)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (٢/ ٦٤٧) رقم (٤١٤٩).
[ ١ / ٥٠٦ ]
فلذلك لم يكن له مثل في هذه العصمة. فإن قيل: سأل زكريا الولد، فلما بشر به قال:
أنى يكون لي ولد، فاستبعد ذلك. وجوابه: أنه لم يستبعده، وإنما قال: هل أبقى على الشيخوخة وزوجي على العقر، أو أتغير أنا إلى الشباب والزوجة إلى صلاح الولد، والعتي:
شدة الهرم ويبس الأعضاء، الكاف في ﴿كَذلِكَ﴾ في موضع رفع، أي: الأمر مثل ذلك، أو في موضع نصب، أي: قولا مثل ذلك. ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ تفسير للقول، لقوله: ﴿أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ﴾ الآية تفسير لقوله: ﴿ذلِكَ الْأَمْرَ﴾ (^١) ولم يكن شيئا أي: لا تستبعد حصول النتاج من وطئك، فإنني أوجدتك من العدم والله على كل شيء قدير.
﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنانًا مِنْ لَدُنّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا (١٦)﴾
فسأل زكريا آية ترشده إلى أن المرأة قد حملت فقيل له: إنك لا تستطيع الكلام لكن ينطلق لسانك بالتسبيح، وإذا أراد غير التسبيح أشار لما يريد.
﴿سَوِيًّا﴾ أي: لا آفة بلسانك. وقد احتج قوم على أن المعدوم ليس بشيء بقوله: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ وعورضوا بقوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (^٢) ﴿فَأَوْحى﴾ فأشار.
وقيل: كتب على الأرض ﴿سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ ﴿الْكِتابَ﴾ التوراة. ﴿الْحُكْمَ﴾ العلم.
وقيل: النبوة. وقيل: دعاه الصبيان للعب فقال: ما للعب خلقنا (^٣).
الحنان: الرحمة، وكان رحيما رفيقا بأبويه وغيرهما. ﴿وَزَكاةً﴾ طهارة. وقيل: صدقة كان يتصدق على المساكين.
_________________
(١) سورة الحجر، الآية (٦٦).
(٢) سورة الحج، الآية (١).
(٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٤٨٥) ونسبه للحاكم في تاريخه من طريق سهل بن سعيد عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الغلمان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب، فقال يحيى: ما للعب خلقنا اذهبوا نصلي".
[ ١ / ٥٠٧ ]
واعلم أن للإنسان ثلاثة أحوال: حين يكون في بطن أمه، فإذا جاءت الولادة انتقل إلى عالم لم يأنس به ولم يعلم ما فيه، فيستوحش لفقد مكانه، ثم يبقى في الأرض مدة عمره، ثم يموت فينقل إلى عالم البرزخ، وفيه ما لا يعرفه فيستوحش، ثم يجيء البعث فيرى عالما عظيما وخطوبا جسيمة فيستوحش، فسلم الله على يحيى وعيسى في هذه الأحوال التي يستوحش المرء فيها، فقال: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾.
قوله - تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ بدل اشتمال من مريم، أي: واذكر مريم زمن انتباذها (١١٢ /أ) والاشتمال تارة من المشتمل على ما اشتمل عليه كقوله - تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ (^١) والشهر مشتمل على القتال، ويأتي بالعكس؛ لأن زمن انتباذها مشتمل عليها.
﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ أي: شرقي بيت المقدس، أو شرقي منزلها، وإنما انتبذت لتفلي رأسها، وقيل: لتغتسل من الحيض.
﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجابًا فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا (١٩) قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)﴾
﴿فَاتَّخَذَتْ﴾ حجابا يسترها عن أعين الناظرين. ﴿رُوحَنا﴾ جبريل، وسمي روحا لنزوله بالروح الذي هو القرآن ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا﴾ (^٢) ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ (^٣). وقيل: جبريل يسمّى روحا؛ لقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (^٤) وقيل: ﴿رُوحَنا﴾ إكرام وتشريف؛ كما تقول لمن تحبه: أنت روحي.
﴿سَوِيًّا﴾ أي: تام الأعضاء. وقيل: تام الجمال والحسن. تمثل لها في صورة شابّ أمرد جميل الصورة، فاستعاذت بالله منه، وهذا في غاية الخشية من الله، أن تظفر شابّة بشابّ تامّ الخلقة فتلتجئ إلى الله في كفّ شره. قوله: ﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ إن كنت ممن تنفع فيه الاستعاذة
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٢١٧).
(٢) سورة الشورى، الآية (٥٢).
(٣) سورة النحل، الآية (٢).
(٤) سورة النحل، الآية (١٠٢).
[ ١ / ٥٠٨ ]
ويعبأ بها. وهذا جواب عن سؤال مقدّر، كأن قائلا قال: لا يستعاذ من التقي، إنما يستعاذ من الفاجر، فقال لها جبريل: إنني إنما جئت من جهة الذي استعذت به. قرئ ﴿لِأَهَبَ﴾ و(ليهب) (^١) ولما كانت الأفعال الإلهية تجرى غالبا على أيدي الملائكة نسب الفعل إلى الملائكة؛ كقوله في قصة الملائكة مع إبراهيم (^٢): ﴿إِلاّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ﴾ (^٣) ﴿إِنِّي﴾ بمعنى من أين؟ بالغت في البعد عن الريبة بقولها: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ وهو أبلغ من أن تقول: ولم يطئني، أو لم يضاجعني.
قوله: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ هاهنا سؤال وهو أن "فعيلا" يأتي بمعنى الفاعل والمفعول، فإن كانت بمعنى الفاعل دخلت تاء التأنيث فيه، تقول: رجل رحيم، وامرأة رحيمة، وإن كانت بمعنى المفعول لا تدخل تاء التأنيث، تقول: امرأة قتيل، وطرف كحيل.
وهاهنا بغي بمعنى باغية، فقياسه: ولم أك بغية؟ والجواب: أنهم قالوا: إن أصله فعول وليس من فعيل الذي بمعنى فاعل، ولكنه من قولهم: امرأة بغو، كما يقال: فلان نهو عن السّرّ. فإن قلت: قد قال - تعالى: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ (^٤) وهي منطوحة لا ناطحة؟
فجوابه: أن الهاء في نطيحة وذبيحة (١١٢ /ب) للنقل من الوصفية إلى الاسمية بدليل أنك لو ذكرت اسم الشاة فقلت: شاة نطيح إن أردت المفعول، ونطيحة إن أردت الفاعل.
﴿قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ وَرَحْمَةً مِنّا وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا (٢٢)﴾
_________________
(١) قرأ جمهور القراء «لأهب»، وقرأ أبو عمرو ويعقوب وورش وقالون بخلف عنه «ليهب». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ١٨٠)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٣٦)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٤٤٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٤٩٦)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٠٨)، مجمع البيان للطبرسي (٦/ ٥٠٧)، معاني القرآن للفراء (٢/ ١٦٣)، النشر لابن الجزري (٣١٨/ ٢، ٣١٧).
(٢) كذا بالأصل "إبراهيم" والمعروف أن ذلك كان مع نبي الله لوط ﵇، ولكن لعله يريد أنه كان في زمن إبراهيم ﵇، وكانت بداية القصة مع إبراهيم ﵇ والملائكة، وسياق القصتين واحد كما ورد في غير موضع من القرآن الكريم.
(٣) سورة الحجر، الآية (٦٠) وسورة النمل، الآية (٥٧).
(٤) سورة المائدة، الآية (٣).
[ ١ / ٥٠٩ ]
قوله: ﴿قالَ رَبُّكِ﴾ مفسر بقوله: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وقد حكى لفظه يعني قال: هو عليّ ولو أراد حكاية المعنى لقال: هو عليه هين ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً﴾ معطوف على جملة مقدرة، والتقدير: لنكرمه ولنجعله؛ كقوله: ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ﴾ (^١) فتقدم جبريل إليها ونفخ في جيب درعها، فحملت بعيسى. قيل: في ساعة واحدة. وقيل: في ثلاث ساعات. وقيل: لتسعة أشهر. وقيل: لثمان، ولم يعش مولود لثمان غيره. ومثل هذه الأقوال تشبه التكاذب؛ لأن الواقعة واحدة والكائن من هذه الأمور واحد (^٢).
﴿مَقْضِيًّا﴾ أي: مفروغا منه، كقول الشاعر [من الكامل]:
وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبّع (^٣)
وفي الكتاب العزيز ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ (^٤) و﴿قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ (^٥) ﴿فَانْتَبَذَتْ﴾ ذهبت ناحية به، أي: وهو معها حمل في بطنها. ﴿مَكانًا قَصِيًّا﴾ بعيدا عن أعين الناظرين وخوفا من الفضيحة والتعنيف.
﴿فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)﴾
﴿فَأَجاءَهَا﴾ فألجأها، وحقيقته جعلها تجيء. و﴿الْمَخاضُ﴾ الطلق لتمخض الولد وحركته عند قرب الولادة ﴿إِلى جِذْعِ﴾ نخلة يابسة فقالت: ﴿يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا﴾.
فإن قلت: فقد قال النبيّ ﷺ: "لا يتمنّينّ أحدكم الموت لضرّ نزل" (^٦) فكيف تمنّته
_________________
(١) سورة يوسف، الآية (٢١).
(٢) تنظر الأقوال في: النكت والعيون للماوردي (٢/ ٥٢٠ - ٥٢١).
(٣) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، ينظر في: تاج العروس للزبيدي (قضى)، تفسير القرطبي (١٥/ ٣٠١)، روح المعاني للألوسي (٢٢/ ١١٥)، غريب الحديث للخطابي (٢/ ١٨)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٤٤٨)، لسان العرب (صنع - قضى) والدرع المسردة: مستديرة الحلق، وقضاهما: فرغ من عملهما. والسوابغ: الدروع الطويلة.
(٤) سورة يوسف، الآية (٤١).
(٥) سورة مريم، الآية (٣٩).
(٦) رواه البخاري رقم (٥٦٧١)، ومسلم رقم (٢٦٨٠) عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لابد فاعلا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي".
[ ١ / ٥١٠ ]
مريم؟ فالجواب: أن النبي ﷺ نهى عن تمنّي الموت لضر نزل، ولم تكن مريم بهذه الصورة، وإنما خافت أن تسرع إليها التهمة، فيحصل لخلق كثير الضّرر بوقوعهم في تهمتها، والنسيّ: هو ما يهمل من أثاث البيت عند الرحيل كالعصيّ المكسورة والصحفة المكسورة، وأكثر الناس يتركها مهملة ولا يستصحبها في السفر، وتقول العرب عند السفر لغلمانهم:
اجمعوا أنساءكم، وهو جمع نسي، كحمل وأحمال وعدل وأعدال. ﴿فَناداها﴾ جبريل، وكان قد جلس بالقرب منها في أسفل الوادي ويدل عليه قراءة من قرأ ﴿فَناداها مِنْ تَحْتِها﴾ بكسر ميم (^١) ﴿مِنْ﴾ وقيل المنادي عيسى، ناداها وهو في بطنها والأول أظهر؛ لأن عيسى لم يوجد بعد.
في السري قولان: أحدهما: أنه النهر، قال لبيد بن ربيعة (١١٣ /أ) [من الكامل]:
فتوسّطا عرض السّريّ فصدّعا مسجورة متجاورا قلامها (^٢)
والثاني: أن السرى هو السيد، وهو متجه إذا قلنا: إن المنادي عيسى.
وكان الحسن يقول: "كان والله عيسى سريّا" (^٣)،ومنه: سراة الناس، بفتح السين:
سادتهم وعلى القول الأول: فكلي من الجنيّ واشربي من السّريّ، وقالوا: ما للنفساء أجود من الرطب (^٤). وفي نصب ﴿رُطَبًا﴾ وجهان: أحدهما: أنه تمييز، أي: تساقط هذا
_________________
(١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة ورويس "من تحتها"، وقرأ باقي العشرة "من تحتها". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ١٨٣)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٣٧)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٤٤١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٤٩٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٠٨)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٥٠٧)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣١٨).
(٢) ينظر البيت في: روح المعاني للألوسي (١٦/ ٨٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٣)، لسان العرب (وسط)، معاني القرآن للنحاس (٤/ ٣٢٥) والبيت يصف فيه الشاعر حمارا وحشيا مضى خلف أتانه نحو الماء، فتوسطا: الحمار والأتان، عرض السري: ناحية النهر الصغير وجانبه، فصدعا: شقا، ومسجورة: عينا مملوءة، والقلام - كرمان -: نوع من النبات، ومتجاورا قلامها: كثير النبات.
(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٦/ ٧٠)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٠٢) لابن أبي حاتم.
(٤) ورد في ذلك بعض الآثار منها ما رواه الطبري في تفسيره (١٦/ ٧٢) عن عمرو بن ميمون أنه قال: "ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب"، وذكر السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٠٥) ونسبه لعبد بن حميد عن شقيق قال: "لو علم الله أن شيئا للنفساء خير من الرطب لأمر مريم به". ونسب لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن خيثم قال: "ليس للنفساء عندي دواء مثل الرطب ولا للمريض مثل العسل".
[ ١ / ٥١١ ]
النوع من التمر. وقيل: هو مفعول ب ﴿وَهُزِّي﴾ واستبعده الزمخشري (^١)؛ لأن الرطب لا تهز وإنما يهز الجذع. وقيل: منصوب ب ﴿تُساقِطْ﴾ بضم التاء وكسر القاف.
﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾
﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ أي: أبشري بما منحك الله - تعالى - من هذا الولد المؤيد بالمعجزات، وإحياء الموتى، وقرئ ﴿تُساقِطْ﴾ و(تتساقط) على الأصل و(تساقط) خفيفة السين بحذف إحدى التاءين و(تسقط) و(يسقط) بالياء (^٢).
قوله: ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أن دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارة، فيقال للمدعوّ له: أقرّ الله عينه، أي: جعل دمعها باردا، وللمدعوّ عليه: أسخن الله عينه. والتأويل الثاني: أنه من القرار والاستقرار، يعني: لتستقر عينك فلا تمتدّ إلى غير هذه الموهبة.
ما في ﴿فَإِمّا﴾ زائدة. ﴿صَوْمًا﴾ أي: إمساكا. وقيل: نذرت صوما، وكان من شرط صحة صومهم ألا يتكلم الصائم، وقد نهي عن ذلك في شريعتنا (^٣). ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ قيل: كانت تكلم الملائكة. فإن قلت: قد اعتذرت عن الكلام بقولها: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا﴾ وهو كلام، وقد قال الفقهاء: لو قال: والله لا أكلمك فتنحّ عني. أنه يجب عليه الكفارة لليمين؛ لأن قوله: فتنحّ عني. كلام (^٤). فجوابه: أنها بينت هذا القول بالإشارة لا باللفظ. وقيل: باللفظ، واستثني لها هذا القول.
_________________
(١) ينظر: الكشاف للزمخشري (٣/ ١٣) ونسب للمبرد جواز انتصابه ب "هزي".
(٢) قرأ حفص "تساقط"، وقرأ حمزة "تساقط"، وقرأ يعقوب "يسّاقط"، وقرأ باقي العشرة " تسّاقط"، وقرأ أبو حيوة "تسقط"، وقرئ كذلك "يسقط، ويسقط". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ١٨٤)، تفسير القرطبي (٩٥، ١١/ ٩٤)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٤٤٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٥٠١)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٠٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٣)، فتح القدير للشوكاني (٣/ ٣٢٩)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣١٨).
(٣) روى البخاري في صحيحه رقم (٦٣٢٦) عن عكرمة عن ابن عباس قال: "بينا النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي ﷺ: مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه".
(٤) ينظر: المبسوط للسرخسي (٦/ ١١٣)، المغني لابن قدامة (١١/ ٣٢٧)، المهذب للشيرازي (٢/ ١٠٠).
[ ١ / ٥١٢ ]
﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾
والفريّ مأخوذ من الفري وهو القطع، وكأنهم قالوا: جئت بشيء اقتطع عما يعهده الناس. وفي هارون الذي جعلت مريم أخته قولان: أحدهما: أنه ممدوح، والمراد أخت هارون أخي موسى، وكانت تشبه به في عبادتها. أو رجلا صالحا مشى في جنازته أربعون ألفا تسمّوا باسمه تبرّكا به. والقول الثاني: أنه مذموم، وهو فاجر كان في بني إسرائيل، يعني: قد أشبهته في الفجور وقولهم لها في تبرئة أبيها وأمها تعريض بما أتت به من الأمر العظيم.
﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ﴾ أنه الذي يجيبكم، فقالوا: والله (١١٣ /ب) لسخريتها بنا أشد علينا مما فعلت. ﴿كانَ﴾ زائدة، أي: من في المهد؛ لأن أكثر الناس يربّى في المهد، وقول عيسى ﵇ بأنه عبد الله ردّا على قول من ادعى فيه الشركة.
وحكي أنه كان يرضع، فلما أشارت إليه مريم أقبل عليهم واعتمد على يده اليسرى، وخاطبهم مجيبا بسبّابة اليمنى (^١). قوله: ﴿الْكِتابَ﴾ قيل: آتاه الله النبوة وهو يرضع. وقيل:
عند بلوغ سنّ النبوة.
وتعريف السلام في قوله: ﴿وَالسَّلامُ﴾ لسبقه نكرة في قصة يحيى، وأنكر بعض العلماء ذلك وقال: كيف يشار في كلام أحدهما إلى كلام الآخر؟ وكيف يقول عيسى: وذلك السلام الذي سلمه الله على يحيى حاصل على ذلك المحدّث عنه بهذه القصة؟ (^٢).
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٤٩٨) ونسبه لعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد.
(٢) قال الزمخشري في الكشاف (٣/ ١٦): "قيل: أدخل لام التعريف؛ لتعرفه بالذكر قبله؛ كقولك: جاءنا رجل، فكان من فعل الرجل كذا، والمعنى: ذلك السلام الموجه إلى يحيى في المواطن الثلاثة موجه إليّ. والصحيح أن يكون هذا التعريف تعريضا باللعنة على متهمي مريم ﵍ وأعدائها من اليهود. وتحقيقه: أن اللام للجنس، فإذا قال: وجنس السلام عليّ خاصة، فقد عرّض بأن ضده عليكم، ونظيره قوله تعالى: وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني: أن العذاب على من كذب وتولى، وكان المقام مقام مناكرة وعناد فهو مئنة لنحو هذا من التعريض".
[ ١ / ٥١٣ ]
﴿ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)﴾
قرئ ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ برفع اللام ونصبها، و﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ بضم القاف، و(قال الحقّ) بضم اللام والإضافة (^١)، والقول والقيل والقال بمنزلة الرّهب والرّهب والرّهب.
﴿يَمْتَرُونَ﴾ يشكون، فتقول: ما كان لزيد أن يفعل، فيحتمل وجهين: أحدهما: أن ذلك الفعل مستحيل من مثله؛ كقوله: ﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ ﴿ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ (^٢). والثاني: أن يكون غير جائز شرعا وإن احتمل وجوده عقلا ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ (^٣) ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ﴾ (^٤) ﴿ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٥) وأمثلة هذا القسم أكثر. قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ بضم النون، معطوف على ﴿يَقُولُ﴾ وعلى قراءة النصب (^٦) إشكال لأنك إن نصبته جواب ﴿كُنْ﴾ كان مقولا، فيكون الله - تعالى - إذا أراد أمرا قال: كن. فيكون، وهو ظاهر الفساد، وإن حاول عطفه على ﴿يَقُولُ﴾ ف ﴿يَقُولُ﴾ مرفوعة، ولا يعطف المنصوب على المرفوع، وإنّما يتأتى ذلك حيث يكون ﴿يَقُولُ﴾ منصوبة، كما في قوله: ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٧).
﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ﴾
_________________
(١) قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب "قول الحقّ "، وقرأ باقي العشرة "قول الحقّ "، وقرأ الحسن البصرى "قول الحقّ "، وقرأ ابن مسعود "قال الحقّ ". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (١٨٩/ ٦)، تفسير القرطبي (١١/ ١٠٥)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٣٨)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٤٤٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٥٠٥)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٠٩)، فتح القدير للشوكاني (٣/ ٣٣٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٦)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣١٨).
(٢) سورة النمل، الآية (٦٠).
(٣) سورة آل عمران، الآية (١٦١).
(٤) سورة التوبة، الآية (١٧).
(٥) سورة يوسف، الآية (٣٨).
(٦) قرأ ابن عامر من العشرة "كن فيكون"، وقرأ الباقون "فيكون". تنظر في: الحجة لابن خالويه (ص: ٢١١) حجة أبي زرعة (ص: ٣٨٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (١/ ٣٥٤)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٧٣)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٤١٠)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٢٠).
(٧) سورة النحل، الآية (٤٠).
[ ١ / ٥١٤ ]
﴿كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١)﴾
قرئ «وَأَنَّ اللهَ» بالفتح (^١)؛ كقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ﴾ (^٢) تقديره: ولأن ذلك كذلك فاعبدوه. ﴿الْأَحْزابُ﴾ أمة عيسى تنقسم إلى ملكائية ويعقوبية ونسطورية، فقوله: ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ أي: تحزبوا كذلك. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وضع للظاهر موضع المضمر، والقياس:
فويل لهم ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ والمشهد مصدر، أي: من مشهود، ويجوز أن يكون مكانا وزمانا. ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ تعجّب وهو مستحيل على الله - تعالى - والمراد أنهم حلوا محل من يتعجب منه؛ كقوله - تعالى: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ﴾ (^٣) وحلوا محل من يتحسّر عليه.
﴿الظّالِمُونَ﴾ وضع للظاهر موضع المضمر (١١٤ /أ).
﴿مُبِينٍ﴾ أي: بين أو مبين. ﴿يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ قيل: هو وقت ذبح الموت. وقيل: وقت تصادر الفريقين إلى الجنة أو النار.
وقوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ حال من الضمير في ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ أي: غافلين عن إنذارك. ﴿نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها﴾ وهي كانت ملكا له من قبل، وإنما شبه انتقال الملك إليه عن موتى بانتقال أموال الموتى إلى ورثتهم، والله - تعالى - لم يزل مالكا لما خلقه المورثون. قوله: ﴿صِدِّيقًا﴾ اختلف فيه؛ فقيل: من صدق؛ لإكثاره من الصدق وهو القياس، تقول: رجل خّمير وشريب. وقيل: من التصديق، فإنه صدّق بأنبياء الله وكتبه وبما جاء به النبيون.
﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا (٤٣) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥)﴾
_________________
(١) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو، وأبو جعفر ورويس "وأنّ الله"، وقرأ باقي العشرة "وإنّ الله". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ١٨٩)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٣٨)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٤٤٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٥٠٦)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤١٠)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٥٠٩)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣١٨).
(٢) سورة الجن، الآية (١٨).
(٣) سورة يس، الآية (٣٠).
[ ١ / ٥١٥ ]
﴿قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)﴾
أراد تبصير أبيه بما الأب عليه من الضلال بألطف وجه، واستعطفه ب ﴿يا أَبَتِ﴾.
وقوله: ﴿لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ محذوف الفعل وليس مرادا بل المراد: ليس أهلا أن يسمع ولا يبصر، ومثله قوله - تعالى: ﴿وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ (^١) وقوله: ﴿وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ يجوز أن يكون ﴿شَيْئًا﴾ نعتا لمصدر محذوف، أي: لا يغني عنك غناء شيئا. ويجوز أن يكون ﴿يُغْنِي﴾ بمعنى: ويدفع؛ كقوله: أغن عني وجهك، ويجوز في ﴿يَسْمَعُ﴾ و﴿يُبْصِرُ﴾ كذلك. ثم قال لأبيه: إنني لا أدعي عليك مشيخة التعليم ولا إحاطتي بالعلوم، كأنه قال: هب أني لم أحط بالعلوم لكن جاءني شيء من العلم لم يأتك فاتبعني، ثم نبّهه على أن ما هو عليه من الاعتقادات الفاسدة والأعمال القبيحة إنما هو من وسوسة الشيطان وأعوانه، فكأنه لقبوله منه عابد للشيطان.
روي: "أن عدي بن حاتم الطائي دخل على النبي ﷺ وعديّ مستمرّ على نصرانيته وفي عنقه صليب من ذهب، فقرأ النبي ﷺ: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ﴾ الآية (^٢) فقال عدي بن حاتم: إنا لم نتخذهم أربابا، فقال النبي ﷺ: أليسوا يحلون لكم الشيء مما حرّمه الله فتحلونه، ويحرمون عليكم ما أحله الله فتحرمونه؟ فقال عديّ: بلى. فقال: فتلك عبادتهم" (^٣).
واعلم أن العبادة غاية الذلة والخضوع، فلا تليق إلا لمن ﷻ، فتقول: خضعت لزيد، وذللت لعمرو، ولا تقول: عبدتهما.
﴿أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ﴾ إن قلت: القياس: إني أخاف أن تكون للشيطان وليّا فيمسك عذاب. قلت: رضوان الله أعظم من جنته، قال الله سبحانه: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ (^٤) فإذا ثبت أن رضوانه خير من جنته ثبت أن موالاة الشيطان (١١٤ /ب) أشد من العذاب. ﴿أَراغِبٌ﴾ قدّم الخبر على رأي من يرى أنه خبر للاهتمام؛ لأنه كان عند والد إبراهيم أهم. وقيل: إن ﴿أَراغِبٌ﴾ مبتدأ و﴿أَنْتَ﴾ فاعل سدّ مسدّ خبر المبتدأ.
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية (١٥٦).
(٢) سورة التوبة، الآية (٣١).
(٣) تقدم عند تفسير سورة التوبة، الآية (٣١).
(٤) سورة التوبة، الآية (٧٢).
[ ١ / ٥١٦ ]
﴿عَنْ آلِهَتِي﴾ أي: عن عبادة آلهتي. في ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ قولان: أحدهما: لأقتلنك مرجوما بالحجارة؛ لأنها قتلة شنيعة شديدة الألم. والثاني: أن الرجم بمعنى الطرد لا بمعنى القتل. وفي ﴿مَلِيًّا﴾ قولان: أحدهما: أنه مأخوذ من الملاءة أي: وأنت قادر على الخلاص والهرب من قبل أن أقيدك أو أحبسك. والثاني: أن ﴿مَلِيًّا﴾ بمعنى زمانا. والملوان: هما الليل والنهار؛ لأنهما زمانان.
﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصًا وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾
وقوله: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ سلام موادعة ومفارقة، وقال بعض أصحاب الشافعي: إن سلام المتاركة لا يجب جوابه على السامع (^١).
وقوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ هي الموعدة التي وعد بها إبراهيم أباه، وقد بسط عذره وشرح قصته في سورة التوبة (^٢). الحفي بالأمر: المهتم به، أي: كان معتنيا بي ولطيفا في تيسير وصول الخيرات إليّ، ولا يضيع عند الله شيء من الأعمال الصالحة، ولذلك قال: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنا لَهُ﴾ الآيتين.
﴿وَما تَدْعُونَ﴾ أي: ما تعبدون؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ﴾ ترك مصاحبة [الكفار] فعوض عنهم بالأولاد النجباء الأبرار، ولسان الصدق هو الثناء الحسن، قال الشاعر [من البسيط]:
لقد أتتني لسان لا أسرّ بها (^٣)
_________________
(١) ذكره المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير (٦/ ٣٨٦).
(٢) تقدم في تفسير سورة التوبة، الآية (١١٤).
(٣) هذا صدر بيت لعامر بن الحارث أو لأعشى باهلة، وعجزه:
[ ١ / ٥١٧ ]
وقوله في موسى: ﴿إِنَّهُ كانَ مُخْلَصًا﴾ من كسر اللام جعله من قوله: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ﴾ (^١) ومن فتحها (^٢) فمن قوله: ﴿إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ﴾ (^٣) ﴿مِنْ رَحْمَتِنا﴾ من أجل رحمتنا. وقيل: بعض رحمتنا. و﴿أَخاهُ﴾ على هذا القول بدل، و﴿هارُونَ﴾ عطف بيان؛ كقولك: رأيت رجلا أخاك زيدا. قوله: ﴿إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ﴾ ليس صدق الوعد مختصّا به، وإنما هو نشر لفضائله، كما سمي خليلا وصديقا.
وكان إسماعيل يبدأ بأمر أهله بالصلاة والزكاة فوصفه بذلك، وضمّ إليه أنه كان مرضيّا عند الله، وأما رفعه إدريس إلى المكان العلىّ ففيه قولان: أحدهما: أنه في السماء، وقد ذكر في بعض روايات (١١٥ /أ) المعراج. والثاني: أن المراد رفعة المكانة والشرف.
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠) جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إِلاّ سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣) وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾
﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ من لبيان الجنس كقوله في سورة الفتح: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ حتى قال: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ﴾ (^٤).
وكرر نسبتهم إلى الأنبياء واحدا بعد واحد ليبين شرف أصلهم، وأن نسبهم بالأنبياء
_________________
(١) = من علو لا عجب منها ولا سخر ينظر في: إصلاح المنطق لابن السكيت (١/ ٢٦)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ١٥٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٢)، لسان العرب (سخر).
(٢) سورة النساء، الآية (١٤٦).
(٣) قرأ حمزة والكسائي «مخلصا» بفتح اللام، وقرأ الباقون «مخلصا» بكسرها. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ١٩٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤١٠)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٢).
(٤) سورة ص، الآية (٤٦).
(٥) سورة الفتح، الآية (٢٩).
[ ١ / ٥١٨ ]
الصالحين عريق. الخلف بفتح اللام في الخير وبسكونها في الشر (^١). وفي الغي قولان:
أحدهما: أنه واد في جهنم. والثاني: أنه ضد الرشاد، أي: جزاء غيّ. وفي ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ قولان: أحدهما: أنه علم على جنة مخصوصة، كما جعلوا الفينة وسحر وأمس في من لم يصرفه - أعلاما لمعاني الفينة والسحر والأمس. والقول الثاني: أن المراد جنات إقامة، أي: أرض إقامة، وهو علم، ولولا ذلك لما ساغ الإبدال؛ لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة. ﴿مَأْتِيًّا﴾ بمعنى آتيا، أو من أتاك فقد أتيته؛ لأنهم يأتون الجنة. قوله: ﴿إِلاّ سَلامًا﴾ هو دعاء بالسلامة، وأهل الجنة أغنياء عن الدعاء به؛ لأنه حاصل لهم، أي: إن قدر في الجنة كلام لغو فليس إلا هذا الدعاء بالسلامة. وقيل: هو استثناء منقطع.
﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ يعني به الدوام، تقول: فلان يأتينا بكرة وعشيّا، فلا تريد الوقتين بعينهما، بل تريد الدوّام وكان المترفة من العرب وغيرهم يأكل أكلتين في النهار، فجرى الكلام على نحو ذلك. ﴿الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ﴾ جاء في الحديث: "أنه لن يدخل أحد النار حتى يرى مقعده من الجنة لو أطاع، فيقال له: هذا مقعدك، يعني: الجنة لو أطعت، وعكسه في دخول الجنة" (^٢).
كانت العرب قد رحلوا إلى المدينة وسألوا أحبار اليهود عن نبوّة محمد ﷺ، وقالوا لهم:
أنتم أهل كتاب وعندكم علم الشرائع، فعلمونا سؤالا نورده على محمد لا يجد عنه جوابا، فقالوا: نعم، سلوه عن ثلاثة مسائل، فإن أجاب عنها كلها فليس بنبيّ وإن توقف عن الجواب في الكل فليس بنبيّ، والصواب الجواب عن بعضها دون بعض، والمسائل: سؤال عن فتية ذهبوا في الأرض مذاهب، فلم يعلم لهم خبر، وعن رجل طاف مشرق الأرض ومغربها، وعن الروح ما هو؟ (^٣).
_________________
(١) قاله الزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٦) وقال الفراء في معاني القرآن (٢/ ١٧٠): "وقد يكون في الرديء" خلف "وفي الصالح" خلف "؛ لأنهم قد يذهبون بالخلف إلى القرن بعد القرن".
(٢) رواه أحمد في المسند (٢/ ٥١٢)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (٢/ ٤٧٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "كل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول: لو أن الله هداني. فتكون عليه حسرة، وكل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني. فيكون له شكر، ثم تلا رسول الله ﷺ: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ " وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(٣) تقدم تخريجه في سورة الكهف، الآية (٩).
[ ١ / ٥١٩ ]
والروح لا يطلع البشر على حقيقتها، فلا يمكن الجواب، والمسألتان الأوليان يمكن الجواب (١١٥ /ب) فجاء المشركون إلى أهليهم فرحين، وجاءوا إلى رسول الله ﷺ؟ فقال:
غدا أجيب. ولم يقل: إن شاء الله، فتأخر جبريل عن النزول عليه بالوحي بضع عشرة ليلة، حتى قالت اليهود: ودع محمدا ربه وقلاه، فأنزل الله - تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا (٢٣) إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ (^١) ونزل عليه قصة أهل الكهف ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾ (^٢) القصة إلى آخرها، وأنزل عليه ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ (^٣) القصة وأنزل عليه ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ الآية (^٤) وأنزل عليه ﴿وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ (^٥) وقال النبي ﷺ لجبريل: أبطأت عليّ، فأنزل الله - ﷾ - حكاية عن مقالة جبريل: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية (^٦).
﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا﴾ ما نصنعه في المستقبل ﴿وَما خَلْفَنا﴾ وما خلّفنا من الأعمال فحملناه على ظهورنا ﴿وَما بَيْنَ ذلِكَ﴾ الحال التي نحن عليها. وقيل: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا﴾ أي: الأرض التي نستقبلها عند النزول من السماء ﴿وَما خَلْفَنا﴾ يعني: السماء إذا خلفناها خلف ظهورنا عند النزول ﴿وَما بَيْنَ ذلِكَ﴾ الهواء الذي بين السماء والأرض. ويبعد هذا الثاني قوله بعد ذلك: ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما﴾.
﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢)﴾
_________________
(١) سورة الكهف، الآية (٢٤).
(٢) سورة الكهف، الآية (١٣).
(٣) سورة الكهف، الآية (٨٣).
(٤) سورة الإسراء، الآية (٨٥).
(٥) سورة الضحى، الآيات (١ - ٣).
(٦) رواه البخاري رقم (٧٤٥٥، ٤٧٣١، ٣٢١٨)، وأحمد في المسند (٣٥٧، ٢٣٣، ١/ ٢٣١)، والترمذي رقم (٣١٥٨)، والطبري في تفسيره (١٦/ ٧٨)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٦١١)، والواحدي في أسباب النزول (٣٠٩، ٣٠٨)، رقم (٦٠٦ - ٦٠٨).
[ ١ / ٥٢٠ ]
﴿سَمِيًّا﴾ فيه قولان: أحدهما: المثل، والثاني: الشبيه. ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ﴾ متعجّبا من إحياء الموتى، والواو في «أولا» عاطفة، أي: يقول ذلك ولا يذكر ﴿أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ الآية ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ﴾ الذين أغووهم. والمحضر في القرآن أكثر ما يجيء في المحضر للعذاب ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ قيل: جماعات.
وقيل: جاثين على الركب من شدة الهول. ﴿شِيعَةٍ﴾ جماعة. ﴿أَيُّهُمْ﴾ أعتى وأظلم يقدم في السقوط في النار، ثم الأشبه فالأشبه. قيل: تلتقطهم النار كما تلتقط الطير الحبّ.
﴿إِلاّ وارِدُها﴾ يعني: القيامة، والورود: الحضور في الموقف، ومنه: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ (^١) وقيل: الورود الدخول، وكان بعضهم يقول: تيقنا ورود جهنم وشككنا في الخروج، فأين البكاء؟ وقيل: إنها يذهب حرّها بدخول المؤمنين العصاة فيها، فيقول المؤمنون بعد (١١٦ /أ) جوازهم الجسر: إنا قد وعدنا بورود جهنّم فيقال لهم: أرأيتهم تلك الكيمان السود، أطفأها نور الإيمان. ويقال: إن جهنم تنادي المؤمن، فتقول: جز يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي (^٢). وقيل: الحمى الورود، وجاء في الحديث: "الحمّي حظ المؤمن من النار" (^٣).وفي رواية: "الحمّي من فيح جهنم" (^٤).
﴿كانَ عَلى رَبِّكَ﴾ أي: ورود عرضة القيامة. ﴿نُنَجِّي﴾ أي: نرفع، وفيه تلويح بأن الجنة في السماء. ويدل على ذلك قوله - تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى﴾ (^٥) وسدرة المنتهى في السماء بلا خلاف، ووجه الاستدلال بهذه الآية أن التنجية هي الرفع، وقال - ﷾ - في حق فرعون: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ (^٦) أي:
_________________
(١) سورة القصص، الآية (٢٣).
(٢) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٢٥٨) رقم (٦٦٨) عن يعلى بن منية، وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع رقم (٢٤٧٤).
(٣) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٠٩) وعزاه للبزار عن عائشة وقال: إسناده حسن. وعزاه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ١٨١٢) لابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" وابن عساكر وصححه عن عثمان بن عفان ﵁.
(٤) رواه البخاري رقم (٣٢٦٣)، ومسلم رقم (٢٢١٠) عن عائشة - ﵂. ورواه البخاري أيضا رقم (٣٢٦٤)، ومسلم رقم (٢٢٠٩) عن ابن عمر - ﵄.
(٥) سورة النجم، الآية (١٥).
(٦) سورة يونس، الآية (٩٢).
[ ١ / ٥٢١ ]
أي: نلقيك على مكان مرتفع عن الماء، وكانت بنو إسرائيل قد قالوا بعد غرق فرعون: ما يموت فرعون أبدا، لما ثبت في قلوبهم من الرّعب منه، فألقاه الموج على شاطئ البحر، وكان عليه درع من ذهب معروفة لا يلبسها إلا هو، فعرفوه وتحققّوا موته.
فقوله: ﴿نُنَجِّيكَ﴾ أي: نرفعك على مكان عال، وإلا ففرعون ما نجا، وفي المقامات [من البسيط]:
وكم دعاني مستنج فحادثني وما أخلّ ولا أخللت بالأدب (^١)
وأراد بالمستنجي الجالس على المكان المرتفع، ولم يكن هناك خروج خارج من قبل ولا دبر. ﴿اِتَّقَوْا﴾ أي: الشرك. ﴿جِثِيًّا﴾ قيل: جثاة على الركب من الهول. وقيل: الجثي جمع جثوة، وهي الجماعة، كما قال: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ (^٢) ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ (^٣).
﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِءْيًا (٧٤)﴾
قوله: ﴿آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ الحال فيه غير منتقلة، وهو دليل على جوازها؛ لأن آيات القرآن دائمة البيان. وقوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بسبب الذين آمنوا كقوله - تعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ﴾ (^٤) أي: عن إخوانهم؛ لأنهم لو قالوه لهم لقال: ما متم وما قتلتم.
﴿نَدِيًّا﴾ أي: مجلسا يجتمع فيه الأكابر. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ رد لقولهم: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا﴾ ومعنى الكلام: أنهم تفاخروا بجمال المجلس وجمال من يحضر فيه من الأكابر، ولم يغن عنهم ذلك من الله شيئا ولهذا قال: ﴿مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِءْيًا﴾ أي:
أحسن صورا وهيئة.
﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)﴾ ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ﴾
_________________
(١) ينظر البيت في: مقامات الحريري (ص: ٣٧٧).
(٢) سورة النمل، الآية (٨٣).
(٣) سورة الزمر، الآية (٧٣).
(٤) سورة آل عمران، الآية (١٦٨).
[ ١ / ٥٢٢ ]
﴿الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا (٧٨)﴾
قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ ظاهره أمر، ومعناه الخبر، كأنه قال: من كان في (١١٦ /ب) الضلالة مد له الرحمن واستدرجه بالنعمة والنقمة، وهذا كقوله ﷺ: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستح فاصنع ما شئت" (^١) أي: صنعت ما شئت. قوله: ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ﴾ حينئذ ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضْعَفُ﴾ ناصرا وأقل عددا، وهو أيضا ردّ على قولهم: ﴿أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِءْيًا﴾.
﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ المراد به الصلوات الخمس. وقيل: المراد سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، والأحسن أن يراد جميع الأعمال الصالحة، ويدخل فيه الصلاة والتسبيح؛ لأنه جمع معرف باللام فيقتضي العموم (^٢). روي أن خباب بن الأرت (^٣) ﵁ عمل للعاص بن وائل السهمي فماطله بالأجرة، فلما ألحّ عليه قال: والله لا أعطيك شيئا حتى تكفر بمحمد، فقال: والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث فقال: وإني لمبعوث بعد الموت؟! قال: نعم، قال: فسيكون لي هناك مال وأعطيك هناك، فنزلت هذه الآية ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ (^٤).
وقوله: ﴿أَطَّلَعَ﴾ دخلت فيه همزة الاستفهام على ألف الوصل، فسقطت ألف الوصل، كقوله: ﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ (^٥) ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ (^٦) وجاء في الخبر أن "من
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه (٦١٢٠)، وأحمد في مسنده (١٢٢، ٤/ ١٢١)، وأبو داود رقم (٤٧٩٦)، وابن ماجه رقم (٤١٨٣)، وابن حبان في صحيحه (٢/ ٦٠٧)، عن أبي مسعود الأنصاري ﵁.
(٢) تقدم ذكر ذلك في سورة الكهف، الآية (٤٦).
(٣) هو خباب بن الأرت بن جندلة بن خزيمة من بني سعد، شهد بدرا مع النبي ﷺ وكان من السابقين الأولين، وأسلم قديما وكان من المستضعفين، أسلم سادس ستة وهو أول من أظهر إسلامه وعذب عذابا شديدا لأجل ذلك. مات سنة ٣٧ وهو ابن ٧٣ سنة وهو أول من صلى عليه وقبره علي بن أبي طالب ﵁ حين منصرفه من صفين. تنظر ترجمته في: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني (٢/ ٢٥٨).
(٤) رواه البخاري في صحيحه رقم (١٩٨٥)، ومسلم رقم (٢٧٩٥).
(٥) سورة سبأ، الآية (٨).
(٦) سورة الصافات، الآية (١٥٣).
[ ١ / ٥٢٣ ]
قال: اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك وحملة عرشك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك وأنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإنني لا أثق إلا بعفوك ومغفرتك، فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد" كتب ذلك في كتاب وطبع عليه بطابع ولا يفتح إلى يوم القيامة وكان ممن اتخذ عند الله عهدا " (^١).
﴿كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْدًا (٨٠) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا (٨٧) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩)﴾
عبّر عن كتابة الحفظة بكتابته بنفسه فقال: ﴿سَنَكْتُبُ﴾ و﴿وَنَمُدُّ﴾ يجوز أن يكون مستقبلا لعطفه على نكتب، ويجوز أن يكون غير معطوف عليه، وكذلك إذا وجدت مع أحد الفعلين ظرفا أو مجرورا وشبههما، فقلت: أعطيت زيدا يوم الجمعة درهما وعمرا دينارا يجوز أن يكون إعطاء عمرو يوم الجمعة وأن لا يكون. ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ من المال والولد ﴿وَيَأْتِينا فَرْدًا﴾ مجرّدا عما كان يباهي به. ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً﴾ طلبا للعز بهم، وقد قال الله - تعالى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (^٢) (١١٧ /ب) وزادها هنا أن الذي قصدوه حصل نقيضه، وهو أنهم طلبوا العزة بعبادتهم لها، ويأتوا شفعاء لهم يوم القيامة فجاءوا بالضد من ذلك وصاروا أعداء لمن عبدهم وأنكروا عبادتهم.
الأز والهز: التحريك، أي: نزجهم إلى المعاصي إزجاجا. ﴿إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ﴾ أيام أعمارهم ونحصيها عليهم. وقيل: المراد: عدد الأنفاس. الوفد: الركبان، ويبعثون يوم القيامة ركبانا، كما يؤتى بالوفد الكرام، ويساق المجرمون سوق المجرم إذا قيد لسلطانه.
_________________
(١) رواه أبو داود رقم (٥٠٦٩)، والترمذي رقم (٣٥٠١)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٢٣)، وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الترمذي رقم (٦٩٣).
(٢) سورة فاطر، الآية (١٠).
[ ١ / ٥٢٤ ]
وقيل: الورد: العطاش. ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ﴾ حتى يأذن الله، كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ (^١) وقوله: ﴿إِلاّ مَنِ اتَّخَذَ﴾ يجوز أن يكون المراد: لا يملك الشفاعة إلا من اتخذ، فمن اتخذ هو الشافع، ويجوز أن يراد: لا يملك الشفاعة إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهدا، وهو الإقرار بالشهادتين والإيمان بما جاء به الأنبياء فيكون من اتخذ مشفوعا فيه لا شافعا. والإد: هو الشيء المنكر.
﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾
﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ تسقط، وتندك الجبال لعظم الجريمة التي أتوها، وهي ادعاؤهم للرحمن ولدا. فهذه الآية دليل على أن من ملك ولدا عتق عليه (^٢)، ولا يملك الأب ابنه، لقوله - تعالى - هاهنا: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا﴾ فلولا أن الولادة تنافي العبودية لصار مثل قولك: زيد لا يصلح أن يكون إماما للجامع؛ لأنه لا يحفظ التنبيه. ويجوز الإخبار عن كل بالمفرد؛ كقوله: ﴿إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ﴾ ويخبر عنها بالجمع؛ كقوله: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ (^٣).
قوله: ﴿فَرْدًا﴾ يشير إلى انفراده عما كان يستكثر به من المال والولد؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ (^٤) وقوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ مفسر بما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال:" إن الله إذا أحبّ عبدا قال: يا جبريل إني أحب فلانا فأحببه. فيحبه جبريل، ثم ينادي في الملائكة: إن الله يحب فلانا فأحبوه. فتحبه الملائكة، ثم يوضع له القبول في الأرض " (^٥).
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٢٥٥).
(٢) تقدم ذلك في تفسير سورة البقرة، الآية (١١٦).
(٣) سورة النمل، الآية (٨٧).
(٤) سورة الأنعام، الآية (٩٤).
(٥) رواه البخاري رقم (٦٠٤٠)، ومسلم رقم (٢٦٣٧) عن أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٥٢٥ ]
واللدّ: جمع ألدّ؛ كقوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ﴾ (^١).
وقوله: ﴿هَلْ تُحِسُّ﴾ قرئ ﴿هَلْ تُحِسُّ﴾ وهي لغة في أحسّ (^٢)، وفيها ردّ على من زعم أن الإحساس رباعيّ فلا يقال: المحسوسات؛ لأنها لا تكون إلا من الثلاثي، وهذه القراءة تردّ عليه. والركز: الصوت الخفي، وهو استدلال بانتفاء الأذى على الأعلى، والله أعلم.
***
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٢٠٤).
(٢) قرأ عامة القراء «تحسّ» من أحسّ، وقرأ أبو جعفر وأبو حيوة وابن أبي عبلة «تحسّ»، وقرأ بعضهم «تحسّ» من حسّه، أي: شعر به، ومنه الحواس الخمسة. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٢٢١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٥٣١)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٨).
[ ١ / ٥٢٦ ]