﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعًا حَسَنًا إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤) أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨)﴾
قوله: ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ﴾ أي: من عذابه. ﴿وَبَشِيرٌ﴾ بثوابه. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى انقضاء الأعمار ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أصله: وإن تتولوا. ﴿إِلَى اللهِ﴾ أي: إلى دار جزائه من جنة أو نار رجوعكم.
كانوا إذا رأوا هودا النبي ﷺ تغطوا بثيابهم، وجعلوا أصابعهم في آذانهم ﴿وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ (^١) ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: المضمرات ذوات الصدور. ويجوز إفراد "ذات" وجمعها كقوله: ﴿فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ (^٢) ﴿مُسْتَقَرَّها﴾ مكانها من أصلاب الآباء ﴿وَمُسْتَوْدَعَها﴾ مكانها من أرحام الأمهات. وقيل بالعكس (٨٠ /أ) وقيل: المستقر في الأرض، والمستودع في القبر. وقيل:
المستقر: دار الآخرة؛ كقوله: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ﴾ (^٣) ومثله في الأنعام:
﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ (^٤) يروى أن أول ما خلق الله جوهرة فنظر إليها فذابت ثم سلط عليها
_________________
(١) سورة نوح، الآية (٧).
(٢) سورة النمل، الآية (٦٠).
(٣) سورة غافر، الآية (٣٩).
(٤) سورة الأنعام، الآية (٩٨).
[ ١ / ٣٧٦ ]
الهواء فاضطربت أمواجها فحصل من الاضطراب زبد ودخان فخلق الأرض من الزبد والسماء من الدخان.
قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ ولا يتعلق بكون عرشه على الماء؛ إذ لا مناسبة للتعليل بذلك. والأمة: المدة؛ كقوله: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ (^١) ﴿لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾ استهزاء. وقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ تقدم الظرف على خبر ليس دليل على جواز تقديم خبر ﴿لَيْسَ﴾ عليها؛ لأن العامل متقدم على المعمول (^٢).
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١) فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣)﴾
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً﴾ الآيتين كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ (^٣).
وقوله: ﴿لَفَرِحٌ﴾ فعل أحد أبنية المبالغة وهي: فعول وفعال ومفعال وفعل وفعيل، ويجوز إعمال الثلاثة الأول، وأما الرابع فقد أجاز إعماله سيبويه وأبو عمر الجرمي، ومنعه الأكثرون وأما فعيل فلم ير إعماله إلا سيبويه وحده. وعلة المنع أن فعيلا مستعمل فيما هو
_________________
(١) سورة يوسف، الآية (٤٥).
(٢) ذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز تقديم خبر "ليس" عليها وإليه ذهب المبرد والزجاج وابن السراج والسيرافي والفارسي والجرجاني وأكثر المتأخرين ومنهم ابن مالك؛ لعدم تصرفه وذهب البصريون إلى جواز ذلك، وهو الذي اختاره المصنف هنا وعللوا بالعلة التي ذكرت هنا في هذه الآية. وينظر تفصيل المسألة في: أسرار العربية لابن الأنباري (ص: ١٤٠، ١٤١)، الإنصاف في مسائل الخلاف لابن الأنباري (١/ ١٥١) المسألة (١٨)، اللباب في علل البناء والإعراب للعكبري (١٦٩، ١/ ١٦٨)، همع الهوامع للسيوطي (١/ ٣٧٣).
(٣) سورة المعارج، الآية (٢١).
[ ١ / ٣٧٧ ]
خلقة، كالسمين والهزيل، أو صفة ثابتة، كالشريك والنبيل، فإذا نقلنا راحما إلى رحيم مبالغة فقد جعلنا وصفه بالرحمة كالخلقة. والأوصاف التي بهذه المثابة لا تعمل في المفاعيل، فنقل راحم إلى رحيم يعطي هذه المبالغة، فلو أعملناه لفاتت هذه المبالغة (^١). ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ هو الجنة. يقال: ضاق الشيء فهو ضائق، وإذا بالغت قلت ضيق، ولما ذكر الله ضيق صدر الكافر قال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ (^٢) وقال في نبيه ﷺ:
﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا﴾ فأتى بلفظة ﴿وَضائِقٌ﴾ التي هي أخف وقرنها بلعل؛ ليكون الذي هو فيه من الضيق كالمشكوك فيه. ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ لأن تقولوا. ﴿لَوْلا﴾ بمعنى هلا. استدل على فصاحة القرآن وبلاغته وإعجازه بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ ثم عجزهم ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ (^٣)، ثم عجزهم ﴿بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (^٤). قال فخر الدين ابن الخطيب (^٥): ثم عجّزهم بقصة من جملة آية؛ كقوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ (^٦) (٨٠ /ب).
﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ ﴿أَفَمَنْ﴾
_________________
(١) ينظر رأي سيبويه في إعمال "فعيل، وفعل" في الكتاب (٤/ ١٠٨) وتنظر المسألة والخلاف فقيها في: همع الهوامع للسيوطي (٥٩، ٣/ ٥٨).
(٢) سورة الأنعام، الآية (١٢٥).
(٣) سورة هود، الآية (١٣).
(٤) سورة البقرة، الآية (٢٣).
(٥) ينظر قوله في تفسيره مفاتيح الغيب (١٧/ ٢٠٤، ١/ ١٣٨) وهو محمد بن عمر بن الحسين بن علي القرشي التيمي البكري أبو المعالي وأبو عبد الله المعروف بالفخر الرازي ويقال له ابن خطيب الري أحد الفقهاء الشافعية المشاهير كان فريد عصره ومتكلم زمانه رزق الحظوة في تصانيفه التي بلغت نحوا من مائتي مصنف منها تفسير كبير، سماه مفاتيح الغيب والمحصول والمنتخب وتأسيس التقديس وغيرها. توفي سنة ٦٠٦ هـ. تنظر ترجمته في: البداية والنهاية لابن كثير (١٣/ ٥٥)، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (٣/ ٢١)، طبقات الشافعية للسبكي (٨/ ٨١).
(٦) سورة الطور، الآية (٣٤).
[ ١ / ٣٧٨ ]
﴿كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١٩) أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾
﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: فإن لم يجيبوكم، استجاب وأجاب بمعنى واحد، قال الشاعر [من الطويل]:
وداع دعا يا من يجيب إلى النّدى فلم يستجبه عند ذاك مجيب (^١)
أي: فلم يجبه. ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها﴾ أي: جزاء أعمالهم؛ كما جاء في الحديث:
"فأما الكافر فيطعم بجزاء ما عمل في الدنيا حتى يأتي إلى الآخرة وليس له حسنة" (^٢).
﴿لا يُبْخَسُونَ﴾ لا ينقصون. ﴿وَحَبِطَ﴾ أي: بطل.
﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: كمن ليس كذلك؛ لأن السياق يدل عليه؛ كقوله:
﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ الآية (^٣). ﴿وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ﴾ يعني: القرآن. ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهادُ﴾ يعني: الملائكة. ﴿يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ يعرضون أو يمنعون.
_________________
(١) البيت لكعب بن سعد الغنوي. ينظر في: الأصمعيات (ص: ٩٦)، تاج العروس (جوب)، جمهرة أشعار العرب (ص: ١٣٤)، خزانة الأدب للبغدادي (١٠/ ٤٣٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (١/ ١٣٠)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٣٣٠)، لسان العرب (جوب) ويروى الشطر الثاني منه: فلم يستجب عند النداء مجيب والندى: الغاية، وبعد ذهاب الصوت، والجود.
(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٥٨٥)، وعزاه لأبي الشيخ عن ميمون بن مهران.
(٣) سورة الزمر، الآية (٢٢).
[ ١ / ٣٧٩ ]
﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ لثقله عليهم، كما تفعل بمن غضبت عليه: ما أستطيع أن أسمع كلامك. ﴿وَضَلَّ﴾ وبطل. ﴿لا جَرَمَ﴾ بمعنى: حقا. الخبت: المكان المنخفض، ثم استعير للرجل المتواضع المتطامن من خشية الله.
﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ الأعمى والبصير في شبههما بالكافر والبصير والسميع في شبههما بالمؤمن، فهما مثلان لكل واحد.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاّ بَشَرًا مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨)﴾
﴿نُوحًا﴾ مصروف، وخرجه الزمخشري (^١) على الخلاف في هند؛ لأن كون الوسط عارض إحدى العلتين، وأكثر النحويين جزموا بصرفه. ﴿إِنِّي لَكُمْ﴾ تقديره: قائلا، وهذا الحال المضمر قد عمل في قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ فهو في موضع نصب بالمصدر، أي:
قائلا بهذا القول أن يعبدوا غير الله وعلله بقوله: ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ﴾ وصف اليوم بالألم، والمراد ألم من فيه، ومثله: ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (^٢). قرئ (بادئ) بالهمزة، و﴿بادِيَ﴾ بغير همزة (^٣)، فالمهموز من: بدأت الأمر إذا ابتدأته، وغير المهموز من البدو وهو الظهور، فالتقدير على الأول: اتبعك هؤلاء الأراذل بأول وهلة من غير تأمل ولا تثبت. وعلى الثاني: اتبعوك ظاهرا ولم يفكروا في باطن الأمر وعاقبته.
_________________
(١) ينظر: الكشاف للزمخشري (١/ ١٤٥) عند قوله - تعالى: اِهْبِطُوا مِصْرًا [سورة البقرة: ٦١] قال: "ويحتمل أن يريد العلم وإنما صرفه مع اجتماع السببين فيه وهما التعريف والتأنيث لسكون وسطه؛ كقوله:" ونوحا ولوطا "وفيهما العجمة والتعريف".
(٢) سورة الأنعام، الآية (١٥).
(٣) قرأ جمهور العشرة "بادى الرأي"، وقرأ الدوري عن أبي عمرو "بادئ الرأي". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٢١٥)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٨٦)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٣٣٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٩١)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٣٢)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٢٦٥)، مجمع البيان للطبرسي (٥/ ١٥٣)، معاني القرآن للفراء (٢/ ١١).
[ ١ / ٣٨٠ ]
﴿وَما نَرى لَكُمْ﴾ لك ولمن آمن بك. ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني؛ كقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ (^١) وأمثلته كثيرة، وأتي ب ﴿عَلى﴾ في قوله ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أي:
ركبتها واستعليت عليها؛ كقولهم: فلان على البصرة، أي: واليها.
وقوله: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ تقديره: فعميتم عن تأملها (٨١ /أ) وفي الحديث: "يأتي فتية عميا بكما صما"، وعكسه ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ (^٢) ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ (^٣) أي: مبصرا بها. ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾ إذا تحمل الفعل ضميري مفعول جاز في ثانيها الاتصال والانفصال، ومنه: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾ و﴿إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ﴾ (^٤) و﴿زَوَّجْناكَها﴾ (^٥) ﴿وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ واو الحال.
﴿وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ (٣١) قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٣٢) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ (٣٥) وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾
_________________
(١) سورة الملك، الآية (٣٠).
(٢) سورة الإسراء، الآية (٥٩).
(٣) سورة النمل، الآية (١٣).
(٤) سورة محمد، الآية (٣٧).
(٥) سورة الأحزاب، الآية (٣٧).
[ ١ / ٣٨١ ]
﴿لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على التبليغ وعلل امتناعه من طرد فقراء المؤمنين بأنهم ﴿مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ ولكنهم قوم يجهلون فيجعلون الرفعة والمنزلة لأصحاب الحال. نصره بمعنى منعه، وأكثر ما يأتي معدى ب "من"، ونصره بمعنى قواه، وأكثر ما يعدى ب "على".
وقالت الكفار لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك. وقال هاهنا: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ﴾ ﴿وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾.
وطلبوا منه طرد المؤمنين ازدراء بهم. قال: ﴿وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي﴾ إن فعلت شيئا من ذلك ﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾.
﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ﴾ الفاء هاهنا عارية عن الترتيب والتعقيب؛ كقوله:
﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ (^١) ﴿إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ أي: لا يأتيكم بالتعذيب إلا الله، والأمر فيه معلق بمشيئة الله. وقد دخل الشرط على الشرط في قوله: ﴿نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ ومثله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ (^٢) وإذا قال الرجل لزوجته: أنت طالق إن ركبت إن لبست، فركبت ثم لبست لم تطلق، وإن عكست طلقت هذا هو الصحيح. وعند إمام الحرمين الطلاق معلق على كلا الأمرين سواء إن فعلت على ترتيب ما ذكر أو عكست (^٣) ﴿فَعَلَيَّ﴾ لا على غيري جزاء ﴿إِجْرامِي﴾. ابتأس: افتعل من البأس. ﴿الْفُلْكَ﴾ يجوز أن يراد المركب الذي أمر بصنعته، ويجوز أن يراد الجنس. ﴿بِأَعْيُنِنا﴾ أي: بمرأى منا وموافقا لما أوحينا إليك، فإنه أوحى إليه أن يصنعها على مثل جؤجؤ، أي: مثل صدر الطائر (^٤) ﴿وَلا تُخاطِبْنِي﴾ نجاة ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وعلل ذلك بكونه حكم ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾. وكان الملأ من كفار قومه إذا مروا به وهو يصنعها في فلاة من الأرض تضاحكوا من ذلك، فيقول لهم: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ﴾ لكن العاقبة الحسنى لنا. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ يهينه.
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية (١٣٦).
(٢) سورة الأحزاب، الآية (٥٠).
(٣) تقدم ذلك في تفسير سورة الأعراف، الآية (١٠٦).
(٤) رواه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٤)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤١٨) لابن أبي حاتم عن ابن عباس - ﵄. والجؤجؤ: عظام صدر الطائر. ينظر: لسان العرب (جأجأ).
[ ١ / ٣٨٢ ]
﴿حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ (٤٠) وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٤٤) وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٧)﴾
واستمر في صنعه (٨١ /ب) الفلك حتى جاء أمر الله، وكان من علامات مجيء العذاب لهم أن يفور الماء من التنور. وروي عن علي: ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ طلع الفجر. وهو غريب.
﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ فكل واحد من الزوجين قام به الازدواج، ومنه ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ (^١) ﴿وَأَهْلَكَ﴾ أي: واحمل أهلك، واحمل من آمن.
﴿بِسْمِ اللهِ﴾ يجوز أن يتعلق ب ﴿اِرْكَبُوا﴾ أي: اركبوا فيها متبركين باسم الله، ويجوز أن يكون خبرا لقوله: ﴿مَجْراها وَمُرْساها﴾. ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ﴾ زعم الزمخشري (^٢) أن السفينة كانت مطبقة، وأنها كانت تجرى بهم في الماء كجري السمكة في البحر، ولم أر هذا لغيره.
﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ﴾ يعني: الله - ﷿، ﴿لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاّ مَنْ﴾ ﵀، ويجوز أن يكون مفعولا، أي: لا معصوم، ك ﴿ماءٍ دافِقٍ﴾ (^٣) بمعنى مدفوق، و﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ (^٤) بمعنى مرضية. مثل الله - ﷾ - طاعة المخلوقات التي لا تعقل بمأمور
_________________
(١) سورة النجم، الآية (٤٥).
(٢) ينظر: الكشاف (٢/ ٣٩٦).
(٣) سورة الطارق، الآية (٦).
(٤) سورة الحاقة، الآية (٢١).
[ ١ / ٣٨٣ ]
مطيع بادر إلى الامتثال، فقال: ﴿يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ الآية. غاض الماء: يتعدى، تقول:
غضته، بضاد ساقطة، ومنه: ﴿وَغِيضَ الْماءُ﴾.
﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ فرغ من عذابهم. ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ من قوم نوح، أو:
الظالمين مطلقا. ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ﴾ يريد: أعظمهم حكمة، أو أعدلهم حكما.
﴿فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وكان عليك أن تعلم حين سمعت ﴿وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ أن في أهلك من يهلك، فلا تحتج عليّ بقولك: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾. وجعل هذا السؤال كالذنب الذي يستغفر منه؛ لأن مقامات الأنبياء في أدبهم مع الله في كل حركة وسكون ليس كمقام غيرهم.
﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٨) تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُفْتَرُونَ (٥٠) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)﴾
﴿اِهْبِطْ بِسَلامٍ﴾ أي: بسلامة ﴿وَبَرَكاتٍ﴾. وقوله: ﴿وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ وقف تام (^١)؛ لأن الذي بعده ليس لهم من السلام والبركات شيء، وهو قوله: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾.
﴿تِلْكَ﴾ القصة ﴿مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ﴾ لم تكن ﴿تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ﴾ فإتيانك بها على ما يوافق الكتب المنزلة، مع أنك لم تحاضر العلماء دليل على أن ذلك من الله ﴿إِنَّ الْعاقِبَةَ﴾
_________________
(١) ينظر: منار الهدى في بيان الوقف والابتدا للأشموني (ص: ١٨٦).
[ ١ / ٣٨٤ ]
الحسنى للمتقين. ﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا﴾.
﴿ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ قرئ بالرفع والنصب والجر، وقد ذكر في الأعراف (^١).
﴿مُفْتَرُونَ﴾ كاذبون على الله. ﴿عَلَيْهِ﴾ أي: على التبليغ، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ﴿اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ (٨٢ /أ) ثم دوموا على التوبة. ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ﴾ أي: المطر. ﴿مِدْرارًا﴾ من الدر. ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً﴾ في الأجساد والأموال. ولما كان المتولي قد يذهب عنك وهو مستمع لما تقول بعد ذهابه أخبر عن هؤلاء أنهم تولوا وقد ولوا هودا الدبر. قوله: ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ كذب منهم وجحود لأن يكون ما يأتي به آية، وصرحوا بالعصيان وأنهم لا يتركون آلهتهم عن قول هود. ﴿إِنْ نَقُولُ﴾ في شأنك ﴿إِلاَّ﴾ أن آلهتنا أصابتك بسوء وخبل في عقلك، لسبّك إياها، فصرح هود بأنه لا يعبأ بتلك الآلهة ولا بمن عبدها، كما قال نوح: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ﴾ (^٢) ثم علل كونه بأنه لا يعبأ بهم بقوله: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ﴾ وأن التعليل والأخذ بالناصية كناية عن القدرة عليها.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أصلها: تتولوا. وجواب الشرط محذوف، تقديره: لم يضرني توليتكم فقد قضيت ما عليّ ﴿وَيَسْتَخْلِفُ﴾ كلام مستأنف، وليس معطوفا على جواب الشرط، وكذلك: ﴿وَلا تَضُرُّونَهُ﴾ للإتيان بهما مرفوعين.
﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)﴾ ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾
_________________
(١) قرأ الكسائي وأبو جعفر بالجر "من إله غيره" على النعت أو البدل من "إله"، وقرأ باقي العشرة بالرفع "من إله غيره" على النعت أو البدل من موضع "إله"؛ لأن من مزيدة فيه، وقرأ عيسى بن عمر "غيره" بالنصب على الاستثناء. تنظر في: إتحاف فضلاء البشر للبنا (١/ ٢٥٧)، البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٢٣٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٢٨٧)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٨٤)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٢٧٥)، مفاتيح الغيب للرازي (١٨/ ١٠).
(٢) سورة يونس، الآية (٧١).
[ ١ / ٣٨٥ ]
﴿وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨) وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾
﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾ عذابنا. مما أجراه - سبحانه - أنه إذا أراد إهلاك قوم أذن لنبيهم ومن معه من المؤمنين أن يخرجوا عنهم، فبذلك نجوا. والغليظ حقيقة في الأجسام مستعار في المعاني ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ لأن من كذب نبيّا لكونه بشرا، فقد كذب سائر المرسلين، ومثله:
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ (^١)، ﴿كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ (^٢) واستفتاح الجملتين بلفظة ﴿أَلا﴾ دليل على أنه أمر يهتم بالإصغاء إليه، والخوف من حلول مثله بمن عصا وقوله: ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ يحترز به عن عاد الثانية؛ كقوله: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الْأُولى﴾ (^٣) وفي تسميتهم ثمود وجوه؛ قيل: مأخوذ من الثمد وهو الماء القليل. وقيل: هو اسم أبيهم وأمهم، فإن قلنا بالأول أو الآخر لم ينصرف، وإن قلنا بالثاني انصرف.
﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ﴾ أنشأ أباكم. ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ﴾ أطال أعماركم. وقيل: جعلكم عمارها، مأخوذ من العمرى، وهي أن يجعل الدار أو الفرس للمعمر مدة عمره، فإذا مات رجعت إلى المعمر أو إلى ورثته إن كان قد مات. ﴿كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا﴾ نرجو فيك التقدم والرياسة، فلما ادعيت النبوة أخلفت ما كنا نؤمله. وقيل: مرجو أي: مؤخر والتقدير: إنك لم تكن من ذوي الرياسة والرفعة بل أنت من آحاد الخلق ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني (٨٢ /ب) ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي﴾ فمن يمنعني؟
_________________
(١) سورة الشعراء، الآية (١٠٥).
(٢) سورة الشعراء، الآية (١٢٣).
(٣) سورة النجم، الآية (٥٠).
[ ١ / ٣٨٦ ]
﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ مني. ﴿لَكُمْ آيَةً﴾ نصب على الحال، والعامل فيها ﴿هذِهِ﴾ كأنه يقول: الناقة لله، والأرض له، فذروا ناقته تأكل في أرضه. ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ بعقر. ﴿ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ فقد وعدناهم بعذاب قريب، والثلاثة في حد القرب. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ﴾ الذي لا يطاق رد ما أراد. ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب ومنه: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ﴾ (^١) ﴿الصَّيْحَةُ﴾ صاح بهم جبريل. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ من قولهم: غنى بالمكان، إذا أقام به، والمغاني: المنازل، ثم استفتح الجملتين ب ﴿أَلا﴾ التي للتنبيه، كما فعل بقوم هود. ﴿بِالْبُشْرى﴾ بالولد لإبراهيم، وبشارته بإهلاك قوم لوط.
ومن آداب الضيافة: الإسراع بالطعام؛ لقوله: ﴿فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ﴾. ومن آدابها: ألا يظهر للضيف أنه يذبح له أو يهتم به؛ لقوله: ﴿فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ (^٢) ومنها:
أنه يتخير أجود ما عنده؛ لقوله: ﴿بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾.
﴿فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦) وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)﴾
_________________
(١) سورة ص، الآية (٢٣).
(٢) سورة الذاريات، الآية (٢٦).
[ ١ / ٣٨٧ ]
وكان الضيف ملائكة فلم يمدوا أيديهم إلى الطعام فارتاب بهم إبراهيم وكانوا إذا لم يأكل الرجل من طعامهم خافوا منه الغدر. يقال: أنكرت الشيء ونكرته. ﴿وَأَوْجَسَ﴾ أضمر.
وكانت امرأة إبراهيم قائمة على الضيفان تخدمهم بنفسها. ﴿فَضَحِكَتْ﴾ تعجبا من غفلة قوم لوط والعذاب قد أظلهم.
وقيل: ضحكت أي: حاضت ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ﴾ وأنه يعيش حتى يأتي منه ولد يسمى يعقوب، وفيه دليل على أن الذبيح إسحاق؛ لأن الذبيح هو المبشّر به؛ لقوله: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (^١) ولم تبشر إلا بإسحاق، ومن ذكر أنه إسماعيل قال: لو كان الذبيح إسحاق لما شك إبراهيم في أنه لا ينذبح؛ لأن الله قد بشّره بأن يولد من إسحاق ولد اسمه يعقوب، فكان يعلم أنه لا يموت حتى يرزق الولد (^٢).
_________________
(١) سورة الصافات، الآية (١٠٢، ١٠١).
(٢) هذا خلاف ما ذهب إليه الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ١٨ - ١٩) حيث ذهب إلى أن الذبيح هو إسماعيل ﵇ وقال: "وهو الصحيح المقطوع به". ثم أورد كثيرا من الأقوال والآثار التي تدلل على ذلك، ومنها ما ذكره محمد بن إسحاق قال: سمعت محمد بن كعب القرظي وهو يقول: إن الذي أمر الله - تعالى - إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل، وإنا لنجد ذلك في كتاب الله - تعالى؛ وذلك لأن الله - تعالى - حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم فقال تعالى: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ ويقول الله - تعالى: فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ يقول: بابن وابن ابن فلم يكن ليأمره بذبح إسحاق وله فيه من الموعد بما وعده، وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل، قال ابن إسحاق: سمعته يقول ذلك كثيرا. وقال ابن إسحاق عن بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي أنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز ﵁ وهو خليفة إذ كان معه بالشام فقال له عمر إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه وإني لأراه كما قلت ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام كان يهوديّا فأسلم وحسن إسلامه وكان يرى أنه من علمائهم فسأله عمر بن عبد العزيز ﵁ عن ذلك قال محمد بن كعب وأنا عند عمر بن عبد العزيز فقال له عمر: أي ابني إبراهيم أمر بذبحه فقال: إسماعيل والله يا أمير المؤمنين، وإن يهود لتعلم بذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه والفضل الذي ذكر الله - تعالى - منه لصبره لما أمر به فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق لأن إسحاق أبوهم والله أعلم أيهما كان، وكل قد كان طاهرا طيبا مطيعا لله - ﷿ -. وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل - ﵀ - سألت أبي عن الذبيح هل هو إسماعيل أو إسحاق فقال: إسماعيل، ذكره في كتاب الزهد وقال ابن أبي حاتم: وسمعت أبي يقول: الصحيح أن الذبيح إسماعيل ﵊. قال: وروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة وأبي الطفيل وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير -
[ ١ / ٣٨٨ ]
وقيل: الوراء ولد الولد (^١).
﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ نصب ﴿شَيْخًا﴾ على الحال، و﴿بَعْلِي﴾ هو الخبر، وليس بمحط الفائدة لأن العجب إنما هو من ولادتها وهي عجوز وزوجها شيخ، فقالت لها الملائكة: إنما يعجب من خرق العوائد من لم ينشأ في بيوت الأنبياء وأنت من بيت النبوة، فلا تعجبوا من تعلق قدرة الله بذلك. ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ أهل إبراهيم.
﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى﴾ (٨٣ /أ) شرع ﴿يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ وقال:
﴿إِنَّ فِيها لُوطًا﴾ الآيات (^٢) ﴿مِنَ الْغابِرِينَ﴾ الباقين في العذاب. ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ ظهر على وجهه المساءة لما رأى من حسن الأضياف، ولما علم من جرأة قومه على طلب الفاحشة.
﴿هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أي: شديد ﴿هؤُلاءِ بَناتِي﴾ حقيقة، فتزوجوهن أو: بناتي أهل ملتي وشريعتي، وكل نبي فهو أبو أمته. وقرئ " ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ وهو أب لهم" (^٣).
﴿مِنْ حَقٍّ﴾ من طلب. ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ لدفعتكم بقوتي أو بركني الشديد، وفي الحديث: "يرحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد" (^٤).
قالوا: فما بعث الله نبيّا بعد ذلك إلا في منعة من عشيرته، كما قال في قصة شعيب: ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ وقال لهم: ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ﴾.
_________________
(١) = والحسن ومجاهد والشعبي ومحمد بن كعب القرظي وأبي جعفر محمد بن علي وأبي صالح - ﵃ - أنهم قالوا الذبيح إسماعيل ". ثم قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى: " وقد تقدم أن من الناس من ذهب إلى أنه ذبح إسحاق، وليس ما ذهبوا إليه بمذهب، ولا لازم، بل هو بعيد جدا، والذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل أثبت وأصح وأقوى، والله أعلم ".
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٢/ ٧٤ - ٧٥).
(٣) سورة العنكبوت، الآية (٣٢).
(٤) سورة الأحزاب، الآية (٦) وقرأ بها أبي بن كعب وابن عباس. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٢١٢)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٢٦٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٨١)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٣٥).
(٥) رواه البخاري رقم (٣٢٠٧)، ومسلم رقم (١٥١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:" يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم أتاني الداعي لأجبته ".
[ ١ / ٣٨٩ ]
قال قوم: من قرأ ﴿إِلاَّ امْرَأَتَكَ﴾ بالرفع فهو فاعل يلتفت، ومن قرأ ﴿إِلاَّ امْرَأَتَكَ﴾ بالنصب (^١) فهو مستثنى من قوله: ﴿فَأَسْرِ﴾ ولم يسر بها، وعلى الأول قد سرى بها لكنها التفتت، فلزم اختلاف القراءتين المتواترتين والواقعة واحدة، والصواب أن الاستثناء على كل حال من ﴿وَلا يَلْتَفِتْ﴾ والاستثناء من النهي يجوز فيه الرفع على البدل، والنصب على الاستثناء (^٢). ولما همّ الكفار بمدّ أيديهم إلى الملائكة أضياف لوط طمس الله أعينهم حتى صار موضع العينين لحما مساويا لحم الوجه، فقالوا: يا لوط عندك أسحر الناس، لتبصرن غدا ما نصنع بك. فقال لوط للملائكة: متى تهلكون؟ قالوا: الصبح، قال لوط: أريد أعجل من ذلك ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ فرفع جبريل مدائنهم حتى سمعت الملائكة صياح كلابهم، ثم أتبعها الحجارة. وقيل: بل إنما رمى بالحجارة من كان في البلاد من قوم لوط.
﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣) وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾
_________________
(١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو" إلا امرأتك "بالرفع، وقرأ باقي العشرة" إلا امرأتك "بالنصب. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٢٤٨)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٩٠)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٣٤٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ١٢١)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٣٨)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٢٨٤)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٤)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٩٠).
(٢) ينظر: شرح شذور الذهب لابن هشام (٣٤٣:١).
[ ١ / ٣٩٠ ]
﴿سِجِّيلٍ﴾ اسم السماء الأولى. ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلّمة بما يدل على أنها ليست من حجارة الدنيا. ﴿وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ الكفار.
وقيل: بمن فعل مثل قوم لوط.
﴿مَدْيَنَ﴾ ابن إبراهيم كان قد نزل بذلك المكان فسمي به، وبعث شعيب إليهم وإلى أصحاب الأيكة فعذبت مدين بالرجفة، وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة، وهي سحابة أظلتهم أووا إلى ظلّها من شدة الحر، فأمطرت عليهم نارا، ولا تعطوا الكيل والوزن ناقصا، وكان شعيب كثير الصلاة فاستهزءوا به، وقالوا: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا﴾؟! وتهكموا بكونه (٨٣ /ب) حليما رشيدا.
﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني. تقول: خالفت زيدا إلى كذا، أي: فعلت مثل فعله بعد تركه له و"ما" في ﴿مَا اسْتَطَعْتُ﴾ مصدرية، ولو أظهر المصدر لكان إما مضافا إلى زمن أو حال، أي: مدة استطاعتي، أو حالة استطاعتي. وقيل: التوفيق عزيز، ولم يأت في القرآن إلا هاهنا.
فإن قيل: قوله: ﴿إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما﴾ (^١).
وقوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاّ إِحْسانًا وَتَوْفِيقًا﴾ (^٢) في الآيتين ذكر التوفيق، قلنا:
ليس هو التوفيق المشار إليه هاهنا؛ فإن المراد هاهنا هداية القلب إلى الصواب وتيسيره عليه، وفي الآيتين يريد الوفاق بين المتخاصمين، وتقدم المجرورين في "عليه وإليه" دليل الاختصاص. ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسبنكم. ﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ أي: وما قريتهم بل هي قرية يمرون عليها في أسفارهم. ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ (^٣)، ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ (^٤).
﴿وَدُودٌ﴾ مبالغة في واد. وقيل: مودود بمعنى محبوب.
﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وَإِنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (٩١)﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ﴾
_________________
(١) سورة النساء، الآية (٣٥).
(٢) سورة النساء، الآية (٦٢).
(٣) سورة الفرقان، الآية (٤٠).
(٤) سورة الصافات، الآية (١٣٧).
[ ١ / ٣٩١ ]
﴿رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦)﴾
قولهم: ﴿ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ رد قبيح كما تقول لمن تكلم بما لا يعجبك: لا أدري ما تقول. ﴿وَإِنّا لَنَراكَ فِينا﴾ ضعيف الفهم والعقل. ونبذتم جناب الله وراء ظهوركم، وهو معنى قوله: ﴿ظِهْرِيًّا﴾ وكسر الظاء من تغيرات النسب؛ لقوله في النسب إلى البصرة:
بصري ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ على قدرتكم وتمكنكم. ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ في الإبلاغ على مكانتي وقدرتي.
وقوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ﴾ الآية إنصاف من العارف؛ كقوله: ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (^١).
يقال في المكان: بعد يبعد، وفي الهلاك: بعد بكسر العين يبعد بفتحها، ومصدرهما:
البعد، بضم الباء، قال الشاعر [من الطويل]:
يقولون لا تبعد وهم يدفنونه وما البعد إلا ما تجنّ الصفائح (^٢)
﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾
_________________
(١) سورة سبأ، الآية (٢٤).
(٢) ينظر البيت في: تاج العروس للزبيدي (بعد)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٢٧٣)، لسان العرب (بعد) ويروى: ولا بعد إلا ما تواري الصفائح. ولا تبعد: كلمة جارية على لسانهم عند المصيبة تدل على شدة الجزع والصفائح: أحجار عراض يسقف بها القبر، والمعنى: البعد الحقيقي هو ما يستره القبر كناية عن الموت.
[ ١ / ٣٩٢ ]
﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ ما يأمرهم به. ﴿وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ﴾ وما شأنه وطريقه. وصفة أمره بنفي الرشاد مجاز؛ لأن الرشيد هو فاعل الرشد لا فعله. ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ يتقدمهم وهم وراءه؛ كقوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ (^١) وقوله: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ﴾ أتى فيه بالفعل الماضي؛ لأن أحوال القيامة جاء أكثرها بلفظ الماضي؛ لأنها عند الله محققة الثبوت (٨٤ /أ) ومنه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ﴾ ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ (^٢) ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ (^٣) ﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ﴾ (^٤).
﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ (^٥) وأمثلته كثيرة. وقال عمرو بن معدي كرب [من الوافر]:
بأني قد لقيت الغول تسعى بشهب كالصّحيفة صحصحان
فأضربها فأقتلها فخرّت صريعا لليدين وللجران (^٦)
﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ بئس العطاء المعطى. ﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ. ﴿مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خبر بعد خبر، ويجوز أن يكون ﴿ذلِكَ﴾ منصوبا بفعل مضمر يفسره ﴿نَقُصُّهُ﴾ من باب: زيدا ضربته. ﴿فَما أَغْنَتْ﴾ ما نافية، ويجوز أن تكون استفهامية، ومثله ﴿ما﴾
_________________
(١) سورة النمل، الآية (٨٣).
(٢) سورة الزمر، الآيتان (٦٩، ٦٨).
(٣) سورة الأعراف، الآية (٤٤).
(٤) سورة الأعراف، الآية (٤٨).
(٥) سورة النحل، الآية (١).
(٦) وينسب البيت لتأبط شرّا. ينظر في: الأغاني للأصفهاني (١٠/ ١٤٠)، البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٢٨٩)، تفسير القرطبي (١٤/ ٢٨٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤٦٠/ ٥)، روح المعاني للألوسي (٧/ ٢٢٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٦٠١) ويروي: بسهب كالصحيفة صحصحان، والغول: أنثى الشياطين، وتهوي: تسقط، والسهب: الفضاء المستوي، والصحيفة: الكتاب، والصحصحان: المستوي من الأرض، والجران: مقدم عظم العنق من الحلق إلى اللبة، وقبل هذين البيتين يقول الشاعر: فمن ينكر وجود الغول إني أخبر عن يقين بل عيان والمعنى: يا من تنكر وجود الشياطين إني أخبر عن يقين أني لقيتها تسرع في مكان متسع مستو أي: فجعلت أضربها بلا خوف فسقطت مطروحة على يديها وعنقها. (وعدل عن الماضي إلى المضارع ليحكي الحال الماضية كأنها موجودة الآن مشاهدة فيتعجب منها وتعلم شجاعته).
[ ١ / ٣٩٣ ]
﴿أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ﴾ (^١) ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ (^٢) ﴿تَتْبِيبٍ﴾ تخسير ﴿وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِي تَبابٍ﴾ (^٣).
الكاف في كذلك يجوز أن تكون في موضع رفع على الابتداء، و﴿أَخْذُ﴾ خبره. ويجوز أن تكون نعت مصدر محذوف، أي: نأخذهم أخذا مثل ذلك.
﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)﴾
﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ أي: ظالم أهلها. ﴿النّاسُ﴾ مفعول لم يسم فاعله ب ﴿مَجْمُوعٌ﴾. جعل الزفير والشهيق صادرين من أهل النار وفي قوله: ﴿سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾ (^٤) جعله من فعل جهنم، والأمران ثابتان بالاثنين. ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ كناية عن الدوام.
وقيل: المراد: سماوات الجنة وأرضها. وقرئ ﴿سُعِدُوا﴾ بضم السين (^٥) مثل قولهم:
مسعود، وهو قليل، والأكثر في سعد أنه لا يتعدى.
وقوله: ﴿إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ أي: من وقت طوافهم بين جهنم ومياه الحميم، ومنه قوله:
﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ (^٦) وفي الجنة مدة الزيادة. وقيل: ﴿إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ من تأخير
_________________
(١) سورة المسد، الآية (٢).
(٢) سورة القمر، الآية (٥).
(٣) سورة غافر، الآية (٣٧).
(٤) سورة الملك، الآية (٧).
(٥) قرأ حمزة والكسائي وحفص بن عاصم وخلف "سعدوا"، وقرأ باقي العشرة "سعدوا". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٢٦٤)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٩٠)، حجة أبي زرعة (ص: ٣٤٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ١٣١)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٣٩)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٩٠).
(٦) سورة الرحمن، الآية (٤٤).
[ ١ / ٣٩٤ ]
العذاب بعد النفخة إلى الاستقرار في النار. وفي أهل الجنة من وقت النفخة إلى الاستقرار في الجنة. ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ غير مقطوع.
﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ﴾ بطلان عبادة ﴿هؤُلاءِ﴾ ولا حجة لهم فيها إلا اتباع الآباء.
﴿وَإِنّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من الجزاء، ونقص يتعدى ومنه ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾، ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ (^١).
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣) وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥) فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦)﴾
﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فمن مصدّق ومن مكذّب كما فعل قومك. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٨٤ /ب) في تأخير العذاب إلى البعث لفرغ من حسابهم.
﴿فَاسْتَقِمْ﴾ أي: فدم على ما أنت عليه من الاستقامة. ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ ثم لا تخلصون من العذاب.
﴿طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أوله وآخره. ﴿وَزُلَفًا﴾ وقربا ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ قيل:
نزلت في نبهان التمّار، جاءته امرأة تشترى تمرا فقال لها: في البيت أجود من هذا، فذهب بها إلى البيت ونال منها ما ينال الرجل من امرأته إلا الجماع، ثم جاء فشكى إلى رسول الله ﷺ، فنزلت هذه الآية (^٢). وفي الحديث الصحيح: "مثل الصلوات الخمس، كمثل نهر على
_________________
(١) سورة التوبة، الآية (٤).
(٢) رواه الترمذي رقم (٣١١٥) وقال: حسن صحيح، والطبري في تفسيره (١٢/ ١٣٧) والصحابي هو أبو اليسر بن عمرو الأنصاري. وأما ما ذكره المصنف عن نبهان التمار هنا فقد ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة في تمييز الصحابة (٦/ ٤١٨) في ترجمة نبهان التمار وقال: ذكر مقاتل بن سليمان في تفسيره عن الضحاك عن ابن عباس في قوله - تعالى: -
[ ١ / ٣٩٥ ]
باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، أترون ذلك يبقي من درنه شيئا؟ قالوا: لا، قال: كذلك الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا" (^١).
﴿فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: الصابرين. وقيل: أعم من ذلك والصبر داخل فيه. ﴿فَلَوْلا﴾ فهلا، والمعنى: فلم يكن من القرون من قبلكم أولو بقية إلا قليلا.
﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (١١٧) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾
﴿أُتْرِفُوا﴾ نعموا، واللام في ﴿لِيُهْلِكَ﴾ لام الجحود، والواو في ﴿وَأَهْلُها﴾ واو الحال. ﴿وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قيل: للرحمة. وقيل: خلقهم لما هم عاملون، فإن كل موجود حادث فهو بقدرة الله. ﴿وَكُلاًّ﴾ مفعول ﴿نَقُصُّ﴾. و﴿ما نُثَبِّتُ﴾ بدل من ﴿وَكُلاًّ﴾ و﴿وَجاءَكَ فِي هذِهِ﴾ السورة ﴿الْحَقُّ﴾. ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ على تمكنكم.
_________________
(١) = وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ الآية قال: هو نبهان التمار أتته امرأة حسناء جميلة تبتاع منه تمرا فضرب عجيزتها فقالت: والله ما حفظت غيبة أخيك، ولا نلت حاجتك فسقط في يده فذهب إلى النبي ﷺ فأعلمه فقال له: إياك أن تكون امرأة غاز، فذهب يبكي ثلاثة أيام يصوم النهار ويقوم الليل، فأنزل الله - ﷿ - في اليوم الرابع هذه الآية فأرسل إليه فأخبره فحمد الله وأثنى عليه وشكره وقال: يا رسول الله هذه توبتي، فكيف لي بأن يقبل شكري فأنزل الله - ﷿: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ وهكذا أخرجه عبد الغني بن سعيد الثقفي في تفسيره عن موسى بن عبد الرحمن عن بن جريج عن عطاء عن ابن عباس مطولا قال الحافظ ابن حجر: "ومقاتل متروك والضحاك لم يسمع من ابن عباس وعبد الغني وموسى هالكان وأورد هذه القصة الثعلبي والمهدوي ومكي والماوردي في تفسيرهم بغير سند لكن ذكر قتادة بعض هذا مختصرا وورد تسمية صاحب القصة في نزول الآية الثانية لأبي اليسر وغيره".
(٢) رواه أحمد في المسند (٣١٧، ٣/ ٣٠٥)، ومسلم رقم (٦٦٨) عن جابر بن عبد الله - ﵄.
[ ١ / ٣٩٦ ]
﴿وَلِلّهِ﴾ علم ما غاب في السماوات والأرض ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ وقرئ ﴿يُرْجَعُ﴾ (^١). ويجوز أن يكون خبرا بمعنى الأمر؛ كقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ (^٢) ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ﴾ (^٣).
***
_________________
(١) قرأ جمهور القراء ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر عنه وأبو جعفر ويعقوب "يرجع"، وقرأ نافع وحفص عن عاصم "يرجع". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٢٧٥) الحجة لابن خالويه (ص: ١٩١)، حجة أبي زرعة (ص: ٣٥٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ١٤٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٤٠)، النشر لابن الجزري (٢٠٩، ٢/ ٢٠٨).
(٢) سورة البقرة، الآية (٢٢٨).
(٣) سورة البقرة، الآية (٢٣٣).
[ ١ / ٣٩٧ ]