﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣) إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦) لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ (٧) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨) اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ (٩) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠) قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وَإِنّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢)﴾
قوله: ﴿تِلْكَ﴾ أي: هذه ﴿الْقَصَصِ﴾ بالفتح: المصدر، وبكسر القاف: جمع قصة.
﴿بِما أَوْحَيْنا﴾ أي: بإيحائنا. ﴿لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ عن معالم الشريعة.
اذكر ﴿إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ﴾ فإذ مفعول لا ظرف. ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ نظرية. إذا بعد العهد بالعامل أعيد ذكره؛ كقوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرابًا وَعِظامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ (^١) وقيل:
إنما أعاد ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ لأنه ذكرها أولا مقترنا بالرؤية من غير قيد، وذكرها ثانيا مقيدة بكونها ساجدة ويكون السجود له. الرؤيا: ما يرى في النوم (٨٥ /أ) والرؤية بالعين، وقد قيل في قوله: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ﴾ (^٢) أنها رؤية عين، قال الشاعر [من الطويل]:
مضى الليل والفضل الذي لك لا يمضي ورؤياك أحلى في فؤادي من الغمض (^٣)
_________________
(١) سورة المؤمنون، الآية (٣٥).
(٢) سورة الإسراء، الآية (٦٠).
(٣) ينظر البيت في: روح المعاني للألوسي (١٢/ ١٧٩)، لسان العرب (رأى).
[ ١ / ٣٩٨ ]
أي: ورؤيتك. ومثل ذلك الاصطفاء بإسجاد النيرين والكواكب ﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾.
﴿الْأَحادِيثِ﴾ جمع أحدوثة، كالأضاحيك. ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ ينتفع باجتماعنا في مصالحه وكنا أحق بمحبته. ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لفي بعد عن الحق والإنصاف. ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ ليس فيها قوت ولا أنيس ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ كأن أباهم كانت قصوده منصرفة إلى يوسف وأخيه، فإذا هلك يوسف خلا قلبه من الموانع التي تشغله عنهم.
والغيابة: ما يخفي فيه موضع الشيء الغائب. ﴿لا تَأْمَنّا﴾ في موضع نصب على الحال.
وأكدوا نصحهم له وحفظهم بأن واللام. «(نرتع)» من رتع البهائم، قرئ «(نرتع)» بغير ياء مجزوم بجواب الأمر، وهو من الرعي. وقرئ ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ بالياء فيهما؛ لأن يوسف كان أصغر سنّا فهو أحق بنسبة الرتع واللعب إليه، وقرئ «(نرتع ويلعب)» (^١) لأنهم أقوياء قادرون على الرعي، ويوسف يلعب.
﴿قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنّا إِذًا لَخاسِرُونَ (١٤) فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) قالُوا يا أَبانا إِنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ (١٧) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨)﴾
﴿أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ فاعل ﴿لَيَحْزُنُنِي﴾ والواو في ﴿وَأَنْتُمْ﴾ واو الحال، وكذلك الواو في ﴿وَنَحْنُ﴾ قيل: الواو في ﴿وَأَجْمَعُوا﴾ زائدة. وقيل: هي أصل، والزائدة في قوله:
﴿وَأَوْحَيْنا﴾ وجواب ﴿لَمّا﴾ محذوف، أي: لما كان ذلك جرى ما لا يقدر قدره من الخطب الذي يعظم شرحه، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (^٢) ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾
_________________
(١) قرأ نافع وأبو جعفر «يرتع ويلعب»، وقرأ أبو عمرو وابن عامر «نرتع ونلعب»، وقرأ ابن كثير "نرتع ونلعب" وقرأ باقي العشرة «يرتع ويلعب». تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٢٨٥)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٩٣)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٣٥٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ١٥٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٤٥)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٣٠٦)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٩٣).
(٢) سورة الصافات، الآيتان (١٠٤، ١٠٣).
[ ١ / ٣٩٩ ]
﴿بِأَمْرِهِمْ﴾ هو قوله لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ (^١).
﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أنه يوسف. قيل: أوحي إلى يوسف وهو في السجن، وهو صبي بعد [إلقائه في الجب] وإنما جاءوا عشاء؛ لأن التلبس في الظلمة يروج أكثر من رواجه في النهار، ويظهر من صفحات وجه المعتذر صدقه أو كذبه.
ويحكى أن رجلا وامرأة تحاكما إلى شريح القاضي (^٢) فشكت حالها وبكت، فقال بعض من حضر مجلسه: أظنها كاذبة، أما تراها تبكي؟ فقال: قد جاء إخوة يوسف عشاء يبكون وكانوا ظلمة (^٣).
﴿بِمُؤْمِنٍ﴾ بمصدق. ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي: مكذوب عليه. ﴿سَوَّلَتْ﴾ سهّلت. ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ مبتدأ وصفة، والخبر محذوف، تقديره: أولى بي. وقيل: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ خبر، والتقدير: فالواجب صبر جميل.
استعان (٨٥ /ب) يتعدى بنفسه ومنه قوله: ﴿الْمُسْتَعانُ﴾ ومنه: "اللهم إنا نستعينك" (^٤).
﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ (٢٠) وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾
_________________
(١) سورة يوسف، الآية (٨٩).
(٢) هو الفقيه أبو أمية شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي قاضي الكوفة. يقال: له صحبة ولم يصح بل هو ممن أسلم في حياة النبي ﷺ وانتقل من اليمن زمن الصديق. وصح أن عمر ولاه قضاء الكوفة فقيل: أقام على قضائها ستين سنة، وقد قضى بالبصرة سنة وفد زمن معاوية إلى دمشق وكان يقال له: قاضي المصرين. توفي سنة ٧٨ هـ. تنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء للذهبي (٤/ ١٠٠).
(٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥١٢) ونسبه لابن المنذر عن الشعبي ﵁.
(٤) رواه البيهقي في سننه (٢/ ٢١٠) في حديث القنوت. ولفظه: "اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع ونترك من يكفرك اللهم إياك نعبد ولك نصلى ونسجد وإليك نسعى ونحفد ونرجو رحمتك ونخشى عذابك - ونخاف عذابك - الجد إن عذابك بالكافرين ملحق". وقال البيهقي: هذا مرسل وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ صحيحا موصولا.
[ ١ / ٤٠٠ ]
الوارد: الذي يتقدم فيحصل الماء للرفقة. ﴿فَأَدْلى دَلْوَهُ﴾ أرسلها ودلاها. أخرجها فتعلق يوسف بالحبل فانسحب، فلما رأوا حسنه البديع، ووجهه الجميل اغتبطوا به، وخافوا أن يشاركهم الركب فيه، فقالوا: هذه بضاعة أعطاناها بعض أهل الماء لبيعها لهم.
﴿يا بُشْرى﴾ كأنه قال: يا قوم بشراي. وقيل: يا بشرى (^١) تعالي فهذا وقتك. ﴿وَشَرَوْهُ﴾ أي: باعوه ﴿بِثَمَنٍ﴾ ذي ﴿بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ قيل: كانت اثنين وعشرين، خص كل واحد من الإخوة درهمان. وقيل: دراهم قليلة؛ لأن القليل يعد والكثير يوزن، عبّر عن قلتها بعددها.
﴿وَكانُوا فِيهِ﴾ المجرور متعلق بمحذوف، التقدير: وكانوا زاهدين فيه من الزاهدين؛ لأن الألف واللام هاهنا موصولة، ولا يعمل ما بعد الصلة فيما قبلها، لا تقول: أنا زيدا الذي ضرب، ومثله: ﴿قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ﴾ (^٢) ﴿الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ﴾ هو العزيز. ﴿مَثْواهُ﴾ موضع إقامته. ﴿أَنْ يَنْفَعَنا﴾ فاعل ﴿عَسى﴾ وهي هاهنا تامة، بخلاف قوله: ﴿فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ﴾ (^٣) فهي هناك ناقصة. ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ فعلنا ذلك. وقيل: التقدير: وفعلنا ذلك لنعلمه. وقيل: لنكرمه ونعلمه من تأويل الأحاديث.
﴿وَاللهُ غالِبٌ عَلى﴾ أمر يوسف، أراد إخوته إهلاكه فسهل له أسباب العزّ والرفعة. وقيل:
الهاء في ﴿أَمْرِهِ﴾ تعود إلى الله - تعالى. ﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ قويت قواه، وهو جمع شد، وشدّ النهار: وسطه؛ لأن ضوء الشمس فيه أقوى. قال عنترة [من الكامل]:
عهدي به شدّ النهار كأنّما خضب البنان ورأسه بالعظلم (^٤)
﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: ومثل ذلك الجزاء نجزي من أحسن عبادة الله ونشأ في
_________________
(١) قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وابن كثير "يا بشراي"، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي "يا بشرى"، وقرأ ورش عن نافع "يا بشراي". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٢٩١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ١٦٥)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٤٦)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٤٥٢).
(٢) سورة الشعراء، الآية (١٦٨).
(٣) سورة المائدة، الآية (٥٢).
(٤) ينظر البيت في: تاج العروس للزبيدي (شدد)، تفسير القرطبي (٧/ ١٢٠)، جمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي (ص: ٢٢٧)، روح المعاني للألوسي (٨/ ٥٥)، فتح القدير للشوكاني (٣/ ٢١)، لسان العرب (شدد). والعظلم: صبغ أحمر. ينظر: لسان العرب (عظلم).
[ ١ / ٤٠١ ]
الطهارة والعفة، وكذلك قال الله - تعالى - في حق موسى في سورة القصص (^١).
﴿وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ (٢٧) فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (٢٩)﴾
﴿وَراوَدَتْهُ﴾ مفاعلة من واحد؛ لأنه لم يشاركها في المراودة، وقالت: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ﴾ لما كانت الأبواب جمعا ضعّف الفعل في قوله: ﴿وَغَلَّقَتِ﴾ لا تقول:
غلقت الباب، ومثله: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ (^٢).
﴿هَيْتَ﴾ تعال فأقبل. واللام في ﴿لَكَ﴾ لبيان من (٨٦ /أ) هيئت له، كأنها قالت: تعال، والحديث لك، ومثله: ﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾ (^٣) فإن معنى أف: تضجرت، أي:
تضجرت والحديث لكم ﴿مَعاذَ اللهِ﴾ مصدر لا يذكر فعله.
﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ يعني: العزيز سيدي ﴿أَحْسَنَ مَثْوايَ﴾ مقامي. وقيل: الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ عائد إلى الله تعالى. ﴿وَهَمَّ بِها﴾ خطر بباله خاطر ثم صرفه عنه الله - ﷿ - ولم يزد يوسف على الهمّ، وما حكي أنها راودته حتى قعد منها مقعد الرجل من المرأة فانشق الحائط وخرج منها كفّ مكتوب عليها ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا﴾ (^٤) فقام هاربا فلاطفته حتى عاد لما كان عليه، فانشق الحائط وبان منه صورة يعقوب أبيه عاضّا على إبهامه، يقول: تزني وأنت مكتوب في ديوان المخلصين فقام هاربا ثم أدركته فلاطفته،
_________________
(١) سورة القصص، الآية (١٤).
(٢) سورة البقرة، الآية (٤٩).
(٣) سورة الأنبياء، الآية (٦٧).
(٤) سورة الإسراء، الآية (٣٢).
[ ١ / ٤٠٢ ]
فقال الله: يا جبريل أدرك يوسف، فنزل جبريل فخفقه بجناحه خفقة ذهبت بها الشهوة من نفسه حتى إن أولاد يعقوب كل منهم رزق اثني عشر ولدا إلا يوسف فإنه لم يرزق إلا أحد عشر لتلك الخفقة - فهذه حكاية نعوذ بالله منها، فإنها لو حكيت عن أفجر الفجار لكان حقيقا بألاّ نسلم عليه بعد أن ظهرت له المعجزات بانشقاق الحائط وتلاوة القرآن ثم يعود.
ويرد هذه الحكاية أن الله - تعالى - برّأه بقوله: ﴿كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ﴾ (^١) ولو نظر إليها بشهوة لكان حراما عليه، فكيف وهو يرى الآيات ثم يأتي لمواقعتها، ثم يجلس مجلس الرجل من المرأة؟!
وبرّأه الشاهد بقوله: ﴿إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ أو: من دبر، وبرّأه العزيز بقوله:
﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ وبرّأه النسوة بقولهن: ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ وبرّأ هو نفسه بقوله:
﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ ولو حدّق إليها مستحسنا لها لكان ذلك خيانة بالغيب، وبرأته امرأة العزيز بقولها: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ثم إن الله سبحانه لم يذكر عن نبي معصية إلا وأعقبها بذكر توبته واستغفاره ومغفرته له، ولم يعقب ذكر يوسف بشيء من ذلك. وزعم بعضهم أن قوله: ﴿وَهَمَّ بِها﴾ متعلق بقوله: ﴿لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ والتقدير: لولا أن رأي برهان ربه لهمّ بها، فما همّ يوسف. وهذا فاسد؛ لأن جواب «لو» لا يتقدم عليها.
قرئ ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ و﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ فمن قرأ بالكسر فهو من قوله: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ﴾ (^٢) ومن قرأ ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ (٨٦ /ب) بالفتح (^٣) فهو من قولهم: ﴿إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ﴾ (^٤) ﴿وَأَلْفَيا﴾ وجدا. استعملت الحياء والحفز بقولها: ﴿ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ ولم تذكر نفسها ولا يوسف، ولولا تورطها وافتضاحها برؤية
_________________
(١) سورة يوسف، الآية (٢٤).
(٢) سورة النساء، الآية (١٤٦).
(٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب "المخلصين"، وقرأ باقي العشرة "المخلصين". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٢٩٦)، حجة ابن خالويه (ص: ١٩٤)، حجة أبي زرعة (ص: ٣٥٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ١٧٠)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٤٨)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٣١٢)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٩٥).
(٤) سورة ص، الآية (٤٦).
[ ١ / ٤٠٣ ]
العزيز على تلك الحالة لما احتاجت إلى مثل هذا الكلام، واضطر يوسف إلى أن يدفع عن نفسه ما عرّضت به من قذفه، فقال: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ ﴿شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها﴾ قيل:
هو رجل كان في صحبة العزيز. وقيل: صبي كان في المهد أنطقه الله ببراءته. وهذا فاسد؛ لأنه ورد في الحديث أنه لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم، وصاحب الأخدود، وصاحب جريج (^١)، وهذا ليس واحدا منها. الخاطئ فاعل الخطيئة، وهو العاصي، يقال:
منه خطأ يخطأ فهو خاطئ، مثل: ضحك يضحك فهو ضاحك، وأما أخطأ يخطئ فهو المضاد للعمد.
﴿وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾
﴿قَدْ شَغَفَها﴾ قد خرق حبّه حجاب قلبها، والشغف: جلدة رقيقة تغشى القلب.
﴿إِنّا لَنَراها﴾ لنعلمها. ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ قيل: قلن هذا القول لتريهم إياه، فلذلك سمي مكرا. ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ﴾ ما يتكأ عليه. ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ أعظمنه. وقيل: حضن لما هالهن من جماله. وقال الشاعر [من الطويل]:
خف الله واستر ذا الجمال ببرقع فإن لحت حاضت في الخدور العواتق (^٢)
وهذا بعيد، فإنه لا يقال: حضنه. ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ أبنّها. وقيل: جرحنها، وهو
_________________
(١) رواه البخاري برقم (٦٤٨٩، ٣٤٣٦، ٢٤٨٢)، ومسلم برقم (٢٥٥٠) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) البيت للمتنبي، ينظر في: روح المعاني للألوسي (١٢/ ٢٢٩)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٤٦٥)، قرى الضيف لابن أبي الدنيا (١/ ١٠٨)، الوساطة بين المتنبي وخصومه لأبي الحسن الجرجاني (ص: ١٥٢).
[ ١ / ٤٠٤ ]
الأصح. وقد احتج بعض من فضل الملك على البشر بأن هؤلاء النسوة لما عظّموا يوسف جعلوه ملكا، فدل على أن الملك أشرف وأفضل، وليس بحجة؛ لأن النسوة إنما رجحن يوسف من حيث الجمال والصورة، ونحن لا ندّعي أن البشر أحسن من الملائكة، بل ندعي أنه أفضل، والنسوة في بعد بعيد عن ذلك. ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾ فاستمسك بعصام التقوى.
﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ﴾ قدم اللام الموطئة للقسم على الشرط، فجاء الجواب للمتقدّم. ﴿مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ الأذلاء. يجوز أن يكون ﴿أَحَبُّ﴾ من باب ما لا مشاركة فيه؛ كقوله - تعالى:
﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ (^١) ولا خير لأهل النار في مستقر ولا مقيل! ويجوز أن تكون من باب المشاركة، وتكون الإشارة بالمحبة إلى ما تقتضيه البشرية من الميل (٨٧ /أ) إلى مستحسنات الصور، وإن كانت العصمة الإلهية حافظة للنبي من ذلك.
﴿مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ من المقدمين على خلاف أمر الله غافلين عما توعد به من العقاب. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعائه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بإخلاصه.
﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ (٣٥) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وَعَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٣٨) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ (٣٩) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١) وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢) وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٤٣)﴾
_________________
(١) سورة الفرقان، الآية (٢٤).
[ ١ / ٤٠٥ ]
﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ﴾ فاعل "بدا" بداء، وقوله: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ تفسير لذلك البداء. قيل: تفعّل الفتيان المنامين، ولم يكونا رأيا شيئا، فنفذت الكلمة النبوية.
وقيل: بل رأيا ما قصه الله - ﷿. ﴿أَعْصِرُ﴾ عنبا يصير بعد مدة ﴿خَمْرًا﴾ من تسمية الشيء بما يؤول إليه. قال المفسرون: وبعض العرب يسمي العنب خمرا. قلت: فيه نظر؛ لأن المنقول عن العرب أنهم أطلقوا على العنب اسم الخمر، ولم يقولوا هو مجاز عن أصل الوضع، ولا هو حقيقة، ونحن قد قلنا: إن تسميته خمرا مجاز عن تسمية الشيء بما يؤول إليه. ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قيل: في عبارة الرؤيا، يعبرها على أحسن وجه. وقيل: ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إلى أهل السجن، كان يذكرهم بالله ويعظهم ويزور مريضهم. وكان يوسف ﵇ يحدّث أهل السجن بما يبعثه أهلهم إليهم من المأكل والملابس وغيرها، ثم إن يوسف دعاهم إلى الله وأقام الدلالة على وحدانيته قبل أن يشرح لهما ما اقتضته رؤياهما تقديما للدعاء إلى الله وإقامة حجج الوحدانية على ما طلباه من تفسير المنامين.
قوله: ﴿ما كانَ لَنا﴾ في معنى ما ينبغي؛ كقوله: ﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ (^١).
﴿أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ وهو الذي رأى نفسه يعصر العنب، والآخر هو الذي حمل الخبز على رأسه وأكلت الطير منه ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ فرغ ممّا قصصته عليكم وأنه كائن لا محالة. ﴿وَقالَ﴾ يوسف ﴿لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ﴾ وهو الساقي ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ سيدك. ﴿فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ﴾ أي: أنسى يوسف ذكر ربه، أي: رب يوسف، ومن قال:
أنساه الشيطان يعني: الساقي ذكر ربه، أي: تذكير سيده ﴿فَلَبِثَ﴾ يوسف ﴿فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ قيل: البضع من الثلاثة إلى العشرة. وقيل: إلى التسعة، فلما أراد الله تخليص يوسف هيّأ سببه، فأرى الملك في المنام سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف مهازيل، ورأى سبع سنبلات خضر قد التفت عليها سبع سنابل يابسات، فقال: ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ﴾ (٨٧ /ب) يقال: عبر الرؤيا مخففا يعبرها فهو عابر، ومنه الحديث: "الرؤيا لأول عابر" (^٢).ودخلت اللام في قوله: ﴿لِلرُّءْيا﴾ لتقدم المفعول؛
_________________
(١) سورة مريم، الآية (٣٥).
(٢) رواه ابن ماجه رقم (٣٩١٥)، وأبو يعلى الموصلي في مسنده رقم (٤١٣١)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٩١)، عن أنس وفي سنده يزيد بن أبان الرقاشي، وهو ضعيف وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٣/ ٢١٦)، والألباني في ضعيف ابن ماجه (٨٤٩).
[ ١ / ٤٠٦ ]
كقوله: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (^١).
﴿قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (٤٤) وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاّ قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاّ قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ (٥١) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (٥٢)﴾
﴿قالُوا﴾ هذا ﴿أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾. ﴿الَّذِي نَجا مِنْهُما﴾ يعني: الساقي ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ بعد زمن طويل. ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ فأرسلوه؛ فقال له الرسول: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ الكثير الصدق، أو: الكثير التصديق؛ قال الله تعالى في مريم: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ (^٢) وقال في حقها: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها﴾ (^٣) ﴿إِلَى النّاسِ﴾ الملك وأصحابه ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ صدقك ويقيمون عذرك.
﴿سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ اجتهادا؛ فأي شيء حصد ﴿فَذَرُوهُ﴾ فاتركوه ﴿فِي سُنْبُلِهِ﴾ ليكون أكثر بقاء. ﴿إِلاّ قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ﴾ سنين ذوات قحط ﴿شِدادٌ﴾ على الناس، يؤكل فيهن ما ادخرتم من الزرع في السنبل.
﴿يُغاثُ النّاسُ﴾ من الغوث، أي: يغيثهم الله، أو: من الغيث، يمطرون. ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ من السمسم الشيرج (^٤) ومن الزيتون الزيت وغير ذلك. ﴿وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية (١٥٤).
(٢) سورة المائدة، الآية (٧٦).
(٣) سورة التحريم، الآية (١٢).
(٤) الشّيرج: الدّهن الأبيض، وهو دهن السمسم، ويقال للعصير أو النبيذ قبل أن يتغيّر: شيرج أيضا وهو تعريب شيره ينظر: لسان العرب (سلط)، المغرب في ترتيب المعرب لأبي الفتح ناصر الدين بن عبد السيد بن علي المطرزي (١/ ٤٣٧) ط. مكتبة أسامة بن زيد - حلب - الطبعة الأولى، ١٩٧٩ - -
[ ١ / ٤٠٧ ]
بيوسف، ﴿فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ﴾ توقف عند الخروج، وقال للرسول: ارجع إلى سيدك، وقل له: ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ اللاّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ وأراد بذلك أنه كان قد حبس على تهمة، وكثر القول من النسوة وغيرهن في تهمته مما هو بريء منه؛ فأراد يوسف ألا يخرج إلا بعد أن يكشف الحق وتظهر البراءة؛ فسأل العزيز النسوة فقلن: ﴿حاشَ لِلّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ فقالت امرأة العزيز: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ أي: ثبت واستقر؛ قال الشاعر يصف بعيرا [من الطويل]:
فحصحص في صمّ الصّفا ثفناته (^١)
وإن يوسف ﴿لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ في قوله: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ ثم اختلف الناس في قائل ﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ فقال قوم: هو من قول يوسف، والتقدير: ذلك التوقف عن الخروج لما طلبني الملك أول مرة ﴿لِيَعْلَمَ﴾ الملك ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ وقال بعض المفسرين تفريعا على هذا: لما قال: ﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ قال له جبريل: ولا حين هممت بها يا يوسف (^٢). وقال قوم: هو من قول امرأة العزيز؛ فإنها لما قالت: ﴿أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ قالت: ﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ أي: يوسف ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ (٨٨ /أ) في حال غيبته لما ذكر، وعلى هذا يكون الكلام متصلا بعضه ببعض، وعلى القول الأول انقطع كلام امرأة العزيز.
﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾
_________________
(١) = تحقيق: محمود فاخوري وعبد الحميد مختار.
(٢) هذا صدر بيت لحميد بن ثور، وعجزه: وناء بسلمى نوأة ثم صمها. ينظر في: تاج العروس للزبيدي (حصحص)، روح المعاني للألوسي (١٢/ ٢٥٩)، غريب الحديث لابن سلام (٤/ ٣٠٢)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٤٧٩)، لسان العرب (حصحص - صمم) والصم: الصلبة. والثفنات: كل شيء ولي الأرض من البعير إذا برك وهي الركبتان والفخذان وغيرهما، وناء: قام متثاقلا بسلمى محبوبته، نوأة: نهضة واحدة لم يتردد، ثم صمم على السير.
(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ٢)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥٤٨) لابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس - ﵄.
[ ١ / ٤٠٨ ]
﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ﴾ إلا من رحم ربي. في المثل:
"يستدل على الرجل بكلامه وبشعره"، ومن هذا قوله: ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا﴾ جعل العلة في مكانته عنده أنه علم من فصاحة كلامه وحسن إيراده أنه حقيق بالمكانة، فعجل يوسف والتمس النيابة في تدبير أمر الأوقات؛ فيقال: إنه أخر إجابته مدة، والحق أن يوسف علم من نفسه الكفاية والأمانة، وأنه متعين لتدبير ما يطرأ على الناس من الشدة، وعلل ذلك بكونه حفيظا عليما، وإذا تم الوصفان تعين للولاية، ومن علم التعيين للولاية وجب عليه، ويجوز للمسلم قبول الولاية من الكافر لما يترتب عليه من المصلحة (^١).
ومثل ذلك التمكين ﴿بَوَّأْنا﴾ جعلناها مباءة ينزل منها حيث يشاء.
﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٧) وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (٦٠) قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنّا لَفاعِلُونَ (٦١) وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢) فَلَمّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ (٦٣) قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (٦٤) وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥)﴾
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوي (٢٠/ ٥٦ - ٥٧): "ومن هذا الباب تولي يوسف الصديق على خزائن الأرض لملك مصر، بل ومساءلته أن يجعله على خزائن الأرض، وكان هو وقومه كفارا كما قال - تعالى: وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّا جاءَكُمْ بِهِ الآية، وقال - تعالى - عنه: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ (٣٩) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ الآية. ومعلوم أنه مع كفرهم لابد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال، وصرفها على حاشية الملك، وأهل بيته وجنده ورعيته، ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم، ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد، وهو ما يراه من دين الله فإن القوم لم يستجيبوا له، لكن فعل الممكن من العدل والإحسان، ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته مما لم يمكن أن يناله بدون ذلك، وهذا كله داخل في قوله: فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ.
[ ١ / ٤٠٩ ]
﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ﴾ أكبر وأعظم مما حصل له من الولاية. ﴿وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾ في طلب الميرة؛ لأن بلادهم أصابها من القحط ما أصاب الناس. ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ ولم يعرفوه؛ لأن يوسف كان يتفحص عنهم ويترقبهم، وكانوا يظنون بيوسف أنه هلك، واستعبده من اشتراه؛ ولأن زيّ المملكة يورث في القلوب أبهة تمنع من استيفاء النظر. والجهاز بفتح الجيم: ما يتجهز به. ﴿بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ وكان بنيامين، وكان شقيق يوسف دون بقية إخوته، روي أنه كان أنزلهم وأضافهم، وإنما مدح نفسه بأنه ﴿خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ ليرغبهم في إحضار أخيهم ولعل الله كان قد أوحى إليه بذلك ليضاعف ليعقوب الثواب على البلاء.
﴿وَقالَ لِفِتْيانِهِ﴾ لأتباعه. وفي الحديث: "لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي، بل يقل: فتاي وفتاتي» (^١) ومنه ﴿فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ﴾ (^٢) ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ﴾ (^٣) وإنما رد البضاعة لعلمه بفاقة أبيه وفاقة العائلة، ولما يعلم من دين أبيه وإخوته إذا رأوا البضاعة قد أعيدت إليهم أن يظنوا ذلك غلطا فيعودوا لإعطائها، ولهذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها﴾ و﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ بتقدير: إن لا يحضر الأخ.
﴿ما نَبْغِي﴾ ما نافية، والبغي: تجاوز الحد، ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ استفهامية، أي:
أيّ شيء نطلب؟ ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنا﴾ معطوف على مضمر. ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا﴾ يطلق لنا الكيل (٨٨ /ب) ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنا﴾ ﴿وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ لبنيامين، وكان يوسف لا يعطي كل رجل أكثر من حمل بعير.
﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨) وَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)﴾ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ﴾
_________________
(١) رواه مسلم رقم (٢٢٤٩)، وأبو داود رقم (٤٩٧٥)، عن أبي هريرة ﵁.
(٢) سورة النساء، الآية (٢٥).
(٣) سورة النور، الآية (٣٣).
[ ١ / ٤١٠ ]
﴿لَسارِقُونَ (٧٠) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ (٧١) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنّا سارِقِينَ (٧٣) قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (٧٤) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ (٧٥)﴾
﴿مَوْثِقًا﴾ عهدا يتوثق به ﴿إِلاّ أَنْ يُحاطَ﴾ إلا أن تهلكوا، ومنه: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ (^١) ﴿مُتَفَرِّقَةٍ﴾ قيل: خاف عليهم العين؛ لأنهم كانوا حسان الصور والملبس ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ لا أتوكل إلا عليه، ولا يتوكل المتوكلون إلا عليه.
﴿إِلاّ حاجَةً﴾ أي: ليس يدفع عنهم تفرقهم في الأبواب من مقدورهم شيئا، لكنه يقضي عنهم ما وجب عليهم من طاعة الأب ﴿لِما عَلَّمْناهُ﴾ لتعليمنا إياه.
﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ فلا يلحقك بأس، وكانوا يكرهون بنيامين بعض الكراهة؛ لأنه خصيص بيوسف، ويسمعونه ما يكرهه. ﴿السِّقايَةَ﴾ صاع من فضة كان يكتال به ﴿الْعِيرُ﴾ القافلة وكانوا جمالا. وعن مجاهد: كانوا حميرا (^٢). وقد احتج على جواز الجعالة بقوله:
﴿وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ (^٣) وكان حمل البعير قدرا معلوما عندهم، فصحّ جعله عوضا في الجعالة ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ﴾ علق العلم ب ﴿ما﴾ النافية، كما علق باللام في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ﴾ (^٤) وإنما احتجوا بعلمهم بأنهم لم يجيئوا مفسدين ولا
_________________
(١) سورة الكهف، الآية (٤٢).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ١٨)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥٥٩) ونسبه لابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن مجاهد ﵁.
(٣) الجعالة: هي أن يجعل جعلا لمن يعمل له عملا من رد آبق أو ضالة أو بناء أو خياطة وسائر ما يستأجر عليه من الأعمال. وقد اختلف العلماء في منعه وجوازه فقال مالك: يجوز ذلك في اليسير بشرطين: أحدهما: أن لا يضرب لذلك أجلا. والثاني: أن يكون الثمن معلوما. وقال أبو حنيفة: لا يجوز. وللشافعي قولان وعمدة من أجازه قوله تعالى: وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ وإجماع الجمهور على جوازه في الإباق والسؤال. وما جاء في الأثر من أخذ الثمن على الرقية بأم القرآن. وعمدة من منعه الغرر الذي فيه قياسا على سائر الإجارات ولا خلاف في مذهب مالك أن الجعل لا يستحق شيء منه إلا بتمام العمل وأنه ليس بعقد لازم. ينظر تفصيل ذلك في: بداية المجتهد لابن رشد (١/ ١٠٠١)، المغني لابن قدامة (٦/ ٣٧٥).
(٤) سورة البقرة، الآية (١٠٢).
[ ١ / ٤١١ ]
سارقين؛ لأنهم كانوا أول من جعل الكمام على أفواه الإبل لئلا تأكل من زرع الناس ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ أي: يؤخذ بجريرته ويسترقّ، وقوله: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ أي: لا جزاء له غيره. وقيل: تقديره: جزاؤه مأخوذ من هذه الجملة ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ فبدأ بتفتيش أوعيتهم واحدا واحدا، وجعل رحل بنيامين آخرا، فلما وصل إليه قال: ما أظن هذا سرق شيئا؛ ليبعد الظن عن نفسه، قالوا: لابد من تفتيشه.
﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (٧٧) قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنّا إِذًا لَظالِمُونَ (٧٩) فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٠) اِرْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (٨١) وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنّا لَصادِقُونَ (٨٢) قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٦) يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧) فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾
﴿كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ هيأنا له سببا يأخذ به أخاه، فإن إخوته أقروا أن جزاء السارق استرقاقه، فلما وجد الصاع في رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم حياء.
قوله: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنون يوسف، وكان يخبئ شيئا من الخبز يطعمه للمساكين. وقيل: كانت سارة عمته قد أخذت يوسف من يعقوب وربته عندها، فطلبه
[ ١ / ٤١٢ ]
يعقوب، فأخذت حياصة كانت لإسحاق جده، فشدتها بين أثوابه وردته إلى يعقوب، ثم قالت: فقدت الحياصة. فوجدها في ثياب يوسف (^١) فعدوا ذلك سرقة منه، ثم استعطفوا يوسف وقالوا: ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ﴾ (٨٩ /أ) ﴿قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ﴾ غير السارق، فإن أخذنا غيره إنا لظالمون. ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا﴾ من رد يوسف أخاهم إليهم انفردوا يتشاورون سرّا فيما يصنعون ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ﴾ أرض مصر. ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي: أهلها؛ كقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ﴾ الآية (^٢) وقيل: اسأل القرية بعينها؛ فسينطقها الله وتخبرك، وليس ذلك ببعيد من الأنبياء.
قال يعقوب بناء على غلبة الظن: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ بل سهلت وزينت ﴿عَسَى﴾ هاهنا ناقصة وفي قوله: ﴿عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ (^٣) تامة لا خبر لها. وأعرض يعقوب عن بنيه إعراض المتألم والكاره لما جرى ﴿وَقالَ يا أَسَفى﴾ قيل: نادى الأسف وقال: تعال يا أسف فهذا وقتك. وقيل: المنادى محذوف، والتقدير: يا قوم أسفا على يوسف.
﴿كَظِيمٌ﴾ كاظم غيظه وأصل الكظام: ما تشدّ به القربة فيمنع ما فيها من الخروج والسيلان ﴿تَاللهِ﴾ ما يقسم بالتاء إلا فيما يتعجب منه. ﴿تَفْتَؤُا﴾ أي: لا تزال. البثّ هو الألم؛ لأنه سبب الشكوى والبث. ويقال: إن ملك الموت زار يعقوب فقال له يعقوب هل: قبضت روح يوسف؟ فقال: لا، فهو معنى قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿فَتَحَسَّسُوا﴾ اطلبوا بحواسكم كلها. ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾ من رحمته وتنفيسه الكربات. ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أي: على يوسف. ﴿مُزْجاةٍ﴾ مسوقة يدفعها قوم إلى قوم أي: ليست بمرغوب فيها. ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ برد أخينا؛ لأن الصدقة كانت محرمة على الأنبياء.
﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (٨٩)﴾
﴿قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ﴾
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ٢٩) وفيه أنه أخذ منطقة إسحاق، والمنطقة والنطاق والمنطق: كل ما شد به وسطه غيره. والحياصة من حاص الثوب يحوصه حوصا وحياصة: خاطه. ينظر: لسان العرب (حوص - نطق).
(٢) سورة الطلاق، الآية (٨).
(٣) سورة الحجرات، الآية (١١).
[ ١ / ٤١٣ ]
﴿يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ (٩١) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (٩٢) اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) وَلَمّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٩٦) قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنّا كُنّا خاطِئِينَ (٩٧) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨) فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾
ولطف بإخوته بقوله: ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ يعني:
حملكم الشباب، وهوى النفس والحسد الذي يحمل على مثل ما فعلتم.
قوله: ﴿وَهذا أَخِي﴾ فيه إشارة إلى ما كانوا يعتمدونه معه من الإغلاظ في القول.
﴿مَنْ يَتَّقِ﴾ قرئ بإشباع كسرة القاف (^١) فتولدت منها الياء ﴿أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي:
أجره، وضع الظاهر موضع المضمر. ﴿قالُوا تَاللهِ﴾ تعجبا من انتقال يوسف عما كان عليه من الحال حين باعوه بثمن بخس إلى مملكة مصر. ﴿لا تَثْرِيبَ﴾ لا لوم، و﴿الْيَوْمَ﴾ متعلق ب" تثريب "ووقف بعضهم على قوله: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ وابتدأ ﴿الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ وهو بعيد (^٢) ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ (٨٩ /ب) وكان القميص من حرير الجنة لا يلبسه
_________________
(١) قرأ الجمهور" يتق "، وقرأ قنبل عن ابن كثير" يتقى "في الوصل والوقف. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٣٤٢)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٩٨)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٣٦٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٢١٢)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٥١)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٩٧).
(٢) ينظر: منار الهدى في بيان الوقف والابتداء للأشموني (ص: ١٩٧).
[ ١ / ٤١٤ ]
مبتلى إلا عوفي (^١). ﴿وَلَمّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ من العريش قال يعقوب: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ﴾ تنسبوني إلى الفند والهرم. ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ﴾ أي: في بعدك عن الصواب.
﴿فَارْتَدَّ﴾ فعاد ﴿بَصِيرًا﴾ قال لهم: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ﴾ وإنما أخر يعقوب الاستغفار إلى وقت السحر. وقيل: إلى ليلة الجمعة، دعا وقال:" اللهم اغفر لي شدة أسفي على يوسف، واغفر لبني ما جنوه عليّ وعليه، فأوحى الله - تعالى - إليه أن قد استجيب دعاؤك " (^٢).
﴿آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ ضمهما، وكان يوسف قد خرج للقاء أبيه فتلقاه في الطريق، ودخل يعقوب عليه وأراد بأبويه: أباه وخالته، وقال لهم: ﴿اُدْخُلُوا مِصْرَ﴾ فدل على أنه كان خارجا من مصر، وكان السجود للإنسان تحية من كان قبلنا ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ الآية. وجعل الانتقال من البدو إلى الحضر نعمة تشبه الخلاص من السجن.
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ (١٠١) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٢/ ٥٠٣).
(٢) ينظر: الكشاف للزمخشري (٢/ ٥٠٤).
[ ١ / ٤١٥ ]
﴿مِنَ الْمُلْكِ﴾ من للتبعيض. ﴿فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبتدئهما على غير مثال سبق ﴿أَنْتَ وَلِيِّي﴾ متولي أمري، وأنا متوليك. ﴿ذلِكَ﴾ يجوز أن يكون في موضع نصب بفعل دل عليه ﴿نُوحِيهِ﴾ من باب: زيدا ضربته. ﴿وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ فهم من مغرم مثقلون ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ وكم ﴿وَهُمْ عَنْها﴾ عن الاعتبار بها ﴿مُعْرِضُونَ﴾. ﴿وَما يُؤْمِنُ﴾ وما يصدق ﴿أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ معه غيره. قال الحسن:" ما بعث الله نبيّا من البادية ولا من النساء ولا من الجن " (^١)؛لقوله: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ فاعترض عليه بأن الجن يسمون رجالا؛ قال الله ﷾:
﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ (^٢) أرسلناهم بالبينات والزبر فاستمر قومهم على تكذيبهم ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ وظن الرسل أن قومهم الذين آمنوا قد كذبوهم وشكوا فيما وعدوهم، أو ظن قومهم المؤمنون بالرسل أن الرسل كذبوهم فيما وعدوهم به من النصر.
***
_________________
(١) ذكره الماوردي في النكت والعيون (٢/ ٣١٢)، والقرطبي في تفسيره (٩/ ٢٣٣).
(٢) سورة الجن، الآية (٦).
[ ١ / ٤١٦ ]