﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (١) أَكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (٢) إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾
قوله - تعالى: ﴿الْحَكِيمِ﴾ المحكم، قال الأعشى (^١) [من الكامل]:
وقصيدة تأتي الملوك حكيمة قد قلتها ليقال من ذا قالها (^٢)
تعجب الكفار أن يبعث إليهم بشر مثلهم، وتعجبهم هو العجب؛ لكون الرسول منهم، يعلمون صدقه وأمانته يكون أقرب إلى الإيمان به. ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ هو ما قدموه من الأعمال الصالحة، والصدق وصف له بالكرم والشرف؛ كقوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ (^٣).
﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ في مقدار ﴿سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ إذ لا أيام قبل خلق السماوات والأرض، فإن اليوم إنما هو دورة الشمس ولا شمس، فلا يوم.
﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استولى، قال الشاعر [من الرجز]:
قد استوى بشر على العراق من غير قهر ودم مهراق (^٤)
_________________
(١) هو ميمون بن قيس بن جندل، أبو بصير، يقال له: أعشى قيس، وأعشى بكر بن وائل، والأعشى الكبير، من شعراء الجاهلية وأحد أصحاب المعلقات السبع المشهورة، سمي: صنّاجة العرب، أدرك الإسلام ولم يسلم ومات سنة ٧ هـ. تنظر ترجمته في: الأغاني للأصفهاني (١٢/ ٥)، الشعر والشعراء لابن قتيبة (ص: ٢٦٣)، طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي (ص: ٦٥).
(٢) تقدم تخريجه في سورة آل عمران، الآية (٥٨).
(٣) سورة القمر، الآية (٥٥).
(٤) تقدم تخريج الشعر والتعليق على هذه المسألة في سورة الأعراف، الآية (٥٤).
[ ١ / ٣٥٥ ]
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ فيه دليل على أن المفرد المعرف بالألف واللام يعم. لا يستطيع أحد الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ (^١) ﴿ذلِكُمُ﴾ الموصوف بهذه الصفات الله فعبدوه فذلوا له واخضعوا ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ نصب على المصدر.
﴿يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ﴾ عند إعادته ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بالعدل ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ما يشاء. (٧٥ /ب) الحميم: الماء الحار، قال الشاعر يصف امرأة تغتسل بماء حار [من المتقارب]:
كأنّ الحميم على متنها إذا اغترفته بأطساسها
جمان يجول على فضّة جلته حدائد دوّاسها (^٢)
﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ بسبب كفرهم. الضياء أقوى من النور؛ لقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ ولقوله: ﴿فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ (^٣) وهو أبلغ من أن يقول ضوءهم.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦) إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (٧)﴾
﴿وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ أي: في منازل ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ وكانت العرب لا تقرأ ولا تكتب، فلو كلفوا معرفة الشهور الشمسية أو الرومية لم يعرفوا ذلك، ولم يحفظوه، فجعل لهم رؤية الهلال ثم زيادة نوره شيئا فشيئا، حتى يكمل ثم يعود ينقص قليلا قليلا
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٢٥٥).
(٢) ينظر البيتان في: النكت والعيون للماوردي (٣/ ٧٢) ويروى البيت الثاني: جمان يحل على وجنة علته حدائد دواسها ومتنها: ظهرها، والأطساس: جمع" طس "وهو وعاء من نحاس لغسل الأيدي. والجمان: اللؤلؤ الصغار. وقيل: حب يتخذ من الفضة أمثال اللؤلؤ. ينظر: لسان العرب (جمن - طسس).
(٣) سورة البقرة، الآية (١٧).
[ ١ / ٣٥٦ ]
حتى يستتر فيعلمون انتهاء الشهور وتوسطها بالقمر.
﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ بالطول والقصر وأن كل واحد منها يخلف الآخر عند ذهابه؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً﴾ (^١) ﴿وَما خَلَقَ اللهُ فِي السَّماواتِ﴾ من الشمس والقمر والكواكب والأفلاك ﴿وَالْأَرْضِ﴾ من العشب والنبات والجبال والبحار والأنهار.
﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ لا يطمعون في ثواب الجنة. وقيل: ﴿لا يَرْجُونَ﴾ لا يخافون قال الشاعر يصف جاني العسل [من الطويل]:
إذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها (^٢)
أي: لم يخف، والدّبر: الزنابير.
﴿أُولئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِدًا أَوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣)﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ﴾
_________________
(١) سورة الفرقان، الآية (٦٢).
(٢) هذا صدر بيت لأبي ذؤيب يصف عسّالا يجتني عسلا، وعجزه: وحالفها في بيت نوب عواسل ينظر في: تاج العروس للزبيدي (نوب)، تفسير القرطبي (١١/ ٢٤٩)، روح المعاني للألوسي (٢٠/ ١٣٧)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٢٧٤)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٤١)، لسان العرب (نوب)، النكت والعيون للماوردي (٢/ ١٨١) والدبر: ذكر النحل، ولم يرج: لم يخف، وحالفها: لازمها، ويروى: خالفها أي: خالف مرادها أو جاء خلفها بعد خروجها، والنوب: نوع من النحل، وعواسل: كثير العسل، ويروى: عوامل أي: تعمل العسل.
[ ١ / ٣٥٧ ]
﴿كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾
﴿وَاطْمَأَنُّوا﴾ سكنت نفوسهم إليها. ﴿عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ عن تدبرها والعمل بما فيها ﴿تَجْرِي﴾ من تحت أشجارها أنهار كعادة البساتين، أو: من تحت غرفهم؛ لقوله: ﴿لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ (^١).
قيل: كان إذا أعجبهم شيء في الجنة، وأرادوا حصوله لهم قالوا: ﴿سُبْحانَكَ اللهُمَّ﴾ (^٢) ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ يحيي بعضهم بعضا بالسلام. وقيل: الملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم. وقيل: يسلم الله عليهم لقوله - تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (^٣).
﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ لكنا لا نعجل للناس استعجالهم بالشر ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا﴾ على حسب اختلاف أحواله: مضطجعا أو قاعدا (٧٦ /أ) أو قائما. ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ فاحذروا يا أهل مكة أن تفعلوا مثل فعلهم، فيحل بكم ما حل بهم.
﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ليظهر للعباد ما انطوت عليه سرائركم.
قوله: ﴿ما يَكُونُ لِي﴾ أي: يحرم عليّ؛ كقوله: ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ (^٤) تقدم قول الرماني أن قوله: ﴿إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ جملة حالية معترضة بين الفعل ومفعوله، أي: إني أخاف عاصيا ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (^٥) والقياس: عذاب يوم عظيم، لكن عظم اليوم يحسب بما يقع فيه من العظائم، فكل ما عظم به اليوم عظم العذاب.
_________________
(١) سورة الزمر، الآية (٢٠).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١١/ ٨٩ - ٩٠).
(٣) سورة يس، الآية (٥٨).
(٤) سورة آل عمران، الآية (١٦١).
(٥) تقدم في سورة الأنعام، الآية (١٥).
[ ١ / ٣٥٨ ]
قرئ ﴿وَلا أَدْراكُمْ بِهِ﴾ عطفا على ﴿ما تَلَوْتُهُ﴾ وكذلك قراءة من قرأ (ولا أدرأكم) (^١). لكنه في الأول نفي الدراية، وفي الثاني إثبات لها لكن انقلب بدخول "لو" فصار الأول المنفي إثباتا؛ فإنه تلاه عليهم. والثاني المثبت نفيا؛ لأن المراد: ولا أدراكم به على لسان غيري، ولم يدرهم به على لسان غيره.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (١٨) وَما كانَ النّاسُ إِلاّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩) وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠) وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (٢١)﴾
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ في المفترين ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ﴾ وقوله: ﴿كَذِبًا﴾ يجوز أن يكون مصدرا، كقولك: قعد جلوسا، ويجوز أن يكون مفعولا ل ﴿اِفْتَرى﴾ اقتطع كذبا.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ﴾ إن تركوه ﴿وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ إن عبدوه.
﴿وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ﴾ ويلزم من نفي علم الله بالشيء نفيه، لأنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض.
وقد ادعى فرعون مثل هذا حماقة منه بقوله: ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ (^٢) فيقال له: لا يلزم من عدم علمك بالشيء عدمه.
_________________
(١) قرأ ابن كثير بخلف عن البزي "ولأدراكم به" وقرأ باقي العشرة وهو الوجه الثاني عن البزي "ولا أدراكم به" ورواها الفراء "ولا أدرأتكم به"، وقرأ الحسن "ولا أدرأكم". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ١٣٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ١٤)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٢٤)، الكشاف للزمخشري (٢/ ١٨٤)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٨٢).
(٢) سورة القصص، الآية (٣٨).
[ ١ / ٣٥٩ ]
الهاء في ﴿سُبْحانَهُ﴾ في موضع خفض بالإضافة ولو ظهر ذلك المضمر مجرورا لكان في موضعه قولان: نصب أو رفع؛ لأن معنى قوله: سبحان الله: نزهت الله، أو: تنزه الله، ويترجح الثاني بقوله: ﴿﷾﴾ فيعطف عليه الفعل الماضي.
﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ على الحق ﴿فَاخْتَلَفُوا﴾ فبعث الله النبيين. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ﴾ بتأخير العذاب لعجل لهم وفرغ منهم. ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ ولولا بمعنى هلا، أي: لو نزلت الآية لآمنا. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ فقال الله - تعالى: لا تحلفوا، فإن إيمانكم بتقدير نزول الآية عبث، فيجوز أن يقلّب الله الأفئدة والأبصار (٧٦ /ب) فلا تؤمنوا. ثم حقق هذا بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ﴾ الآية (^١) ﴿إِذا لَهُمْ مَكْرٌ﴾ فاجأهم المكر.
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧)﴾
من قرأ ﴿يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (^٢) فمعناه: يفرقكم. وقوله: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ ليس كونهم في الفلك علة ليسيركم ولا لينشركم، لكن ﴿حَتّى﴾ دخلت على هذه الجملة
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية (١١١).
(٢) قرأ بها ابن عامر وحده، وقرأ الباقون "يسيركم". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ١٣٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ١٦)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٢٥)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٣٣٨).
[ ١ / ٣٦٠ ]
إلى آخرها، فكأنه قال: هو الذي يسيركم في البر والبحر، حتى وقعت هذه الجملة، والفلك هاهنا مفرد، وصيغة إفراده وجمعه سواء.
﴿وَجَرَيْنَ﴾ أضمر الفلك جمعا. وجواب إذا: ﴿جاءَتْها رِيحٌ﴾ أو ﴿دَعَوُا اللهَ﴾ ﴿إِذا هُمْ يَبْغُونَ﴾ إذا للمفاجأة. وعن بعضهم: ثلاث من كن فيه كن عليه: النكث والمكر والبغي (^١) والبغي بقوله: ﴿إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ والمكر بقوله: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ (^٢)، والنكث بقوله: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ (^٣).
﴿فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيجازيكم عليه. مثل الدنيا في سرعة إقبالها وزينتها وبهجتها بهذه الجملة، ولم يشبه الدنيا بالماء وحده كما ظنه بعضهم وقال: الدنيا تشبه الماء من وجهين: أحدهما: لو قبضت بكفك على الماء لم تجد منه شيئا. والثاني: أنك إن أخذت منه أكثر من الحاجة أضر بك. ﴿أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها﴾ كأنها حسنت نفسها بما تريد.
﴿دارِ السَّلامِ﴾ الجنة، والسلام اسم من أسماء الله - تعالى - كأنه قال: دار الله. وقيل:
هي دار تحييهم الملائكة فيها بالسلام ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ﴾ الآية (^٤).
وقيل: دار السلامة. والزيادة: النظر إلى وجه الله. وقيل: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (^٥).
المعنى: والذين كسبوا السيئات جزاء. وقيل: التقدير: والذين كسبوا السيئات لهم جزاء سيئة. من قرأ (قطعا) بسكون الطاء ف "مظلم" صفته، ومن قرأ (قطعا) بفتحها (^٦)، فهو حال من ﴿اللَّيْلِ﴾.
_________________
(١) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٥٣) لأبي الشيخ عن مكحول.
(٢) سورة فاطر، الآية (٤٣).
(٣) سورة الفتح، الآية (١٠).
(٤) سورة الرعد، الآية (٢٣).
(٥) سورة السجدة، الآية (١٧).
(٦) قرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب "قطعا"، وقرأ باقي العشرة "قطعا". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ١٥)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٨١)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٣٣٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٢٥)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٢٥)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٢٣٤)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٨٢).
[ ١ / ٣٦١ ]
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٢٩) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣١) فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٣٤)﴾
﴿مَكانَكُمْ﴾ أي: الزموا مكانكم ﴿فَزَيَّلْنا﴾ فرقنا، وأنكرت الأصنام عبادتهم لها بقوله: ﴿ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ﴾ لأنهم كانوا لا يعقلون، وهو معنى قوله: ﴿إِنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ﴾. من قرأ (تبلو) بالباء بواحدة، فمعناه: تخبر، ومن قرأ بتاء باثنتين (^١) من فوق، ففيه وجهان: أحدهما: تتلو كتاب عملها. والثاني: تتلو، أي: تتبع، ﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ (^٢) أي: تبعها. ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ بالمطر، ومن الأرض بالنبات. ﴿يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ﴾ يقدر على إبقائهما وأخذهما.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ﴾ ومضى الكلام في توحيد السمع وجمع الأبصار، وفي إخراج الحي (٧٧ /أ) من الميت والميت من الحي (^٣).
﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ عذاب الله في تشريككم معه في الإلهية من لم يفعل شيئا من هذه الأمور ﴿فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ فمن أين صرفتم عن الإقرار بالوحدانية.
﴿كَذلِكَ﴾ أي: حقت كلمة ربك حقّا مثل ذلك، والكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف. من قرأ ﴿أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ بفتح الهمزة، فهو: إما بدل وإما منصوب
_________________
(١) قرأ حمزة والكسائي وخلف "تتلو" وقرأ باقي العشرة "تبلو". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ١٥٣)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٨١)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٣٣١)، الدر المصون للسمين (٤/ ٢٩) السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٢٥)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٢٣٥)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٨٣).
(٢) سورة الشمس، الآية (٢).
(٣) تقدم في تفسير سورة آل عمران، الآية (٢٧).
[ ١ / ٣٦٢ ]
أو مجرور على حذف حرف الجر. ومن كسر الهمزة (^١) فهو كلام مستأنف، وفيه معنى التعليل. وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ وهم لا يعترفون بأن الله يعيد الخلق؛ لأنهم اعترفوا بأن الله بدأ الخلق، ومن لازم ذلك جواز إعادته. وقد قيل: كل موضع أمر الله نبيه بالسؤال عن أمر، ثم أجاب عنه، فإنه يكون في غاية الظهور. الإفك: القلب.
﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٣٦) وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾
هدى تتعدى بإلى وباللام وبنفسها، وهاهنا عداها باللام وب "إلى".
﴿يَهْدِي﴾ أصله: يهتدي، أدغمت التاء في الدال؛ لقرب مخرجيهما، ومن كسر الهاء من (يهدي) فقد أتبعها بكسرة الدال، ومن كسر الياء أيضا فقد أتبعها بكسرة الهاء (^٢)، ومثل هذه اللغات في يتخطف.
_________________
(١) قرأ بها ابن أبي عبلة، وعبد الله بن مسعود. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ١٥٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٣٠) معاني القراء للفراء (١/ ٤٦٤).
(٢) في هذه الآية قراءات كثيرة؛ فقرأ أبو عمرو وقالون بخلف عنه "لا يهدى" بفتح الياء، واختلاس فتحة الهاء مع تشديد الدال، وقرأ أبو جعفر وقالون "لا يهدّي" بفتح الياء وإسكان الهاء مع تشديد الدال، وقرأ ابن كثير وابن عامر وورش "لا يهدّى" فتح الياء والهاء وتشديد الدال، وقرأ شعبة "لا يهدّي" بكسر الياء والهاء وتشديد الدال وقرأ حفص عن عاصم ويعقوب "لا يهدّي" بفتح الياء وبكسر الهاء وتشديد الدال، وقرأ الباقون "لا يهدي" بفتح الياء وإسكان الهاء وكسر الدال بلا تشديد. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ١٥٦)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٨١)، حجة أبي زرعة (ص: ٣٣١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٣١)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٢٦)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٣٤٦)، مجمع البيان للطبرسي (٥/ ١٠٨)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٨٣).
[ ١ / ٣٦٣ ]
﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ﴾ حال ﴿أَنْ يُهْدى﴾ أو زمن أن يهدى. ﴿فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ جملتان. ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ في العقائد، أما الأحكام الشرعية فأكثر أدلتها ظنون. ﴿وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ﴾ افتراء ﴿وَلكِنْ﴾ كان ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لا سبب ريب فيه، بل أتقولون افتراه، تحداهم بالقرآن كله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ الآية (^١)، ثم تحداهم بعشر سور في سورة هود (^٢)، ثم تحداهم بسورة واحدة في هذه السورة وقيل: تحداهم أيضا بقصة أو حديث مستقل أقصر من السورة كقوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ (^٣) ولم يأتهم عاقبته ﴿عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ يجوز أن يكون اسم كان وخبرها الاستفهام المتقدم، ويجوز أن يكون فاعلا وكان تامة، و﴿كَيْفَ﴾ نصب على الحال. ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ الآية لا وجه لقول من زعم أنها منسوخة، فإن كون عمله له وعملهم لهم أمر ثابت لم يتغير حكمه، ومن تخيل نسخها جعل قوله: ﴿وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ يدل على أنه أهملهم ولا يقاتلهم، لكن سورة يونس مكية، ولم يشرع القتال قبل الهجرة، فكيف تكون منسوخة؟! فإن قيل: لم جعل مع فقد السمع عدم العقل، وجعل مع عدم البصر نفسه؟ قلنا: المراد بعدم البصر في البصر عدم البصيرة والمعنى أن (٧٧ /ب) الأصم قد يحدس ويحرز ما يتكلم به من سمع صوته، والأعمى يفعل مثل ذلك إذا كان الأعمى والأصم باقي العقل.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا وَلكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾
وقوله: ﴿أَفَأَنْتَ﴾ إنكار على الفاعل، والتقدير: لا تستطيع أنت أن تحول هذين إلى كمال السمع والبصر، بل القادر على ذلك هو الله وحده؛ لأن الفعل ممكن في نفسه، ولو كان المراد إنكار الفعل لقال: أفتسمع الصم، أفتهدي العمي؟
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية (٨٨).
(٢) الآية (١٣) في قوله - تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
(٣) سورة الطور، الآية (٣٤).
[ ١ / ٣٦٤ ]
﴿شَيْئًا﴾ يجوز أن يكون مفعولا به، وأن يكون مصدرا. فإن قيل: كيف يستقصرون مدة لبثهم في القبور؟ وأين عذاب القبر وأيام الشدائد طوال؟ فالجواب: أن في قوله:
﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه روي أن العذاب يرفع فيما بين النفختين، فإذا نفخ في الصور قاموا وفي أعينهم طعم النوم، فيقولون: يا ويلتنا من بعثنا من مرقدنا هذا؟ فأشاروا بقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ إلى ما بين النفختين.
الوجه الثاني: أراد: كأن لم يلبثوا في الدنيا. والثالث: كأن لم يلبثوا في القبور، قالوا: ولا دليل على عظم أمر القيامة أدل من هذا؛ لأنه جعل التعذيب في القبور كأيام النعيم التي تستقصر، ولأن عذاب القبر عرض، ومنه قوله: ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥) النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (^١) فجعل دخول النار في يوم القيامة. وفي الحديث: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، ويقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله" (^٢).
﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ جملة حالية. قوله تعالى: ﴿يَتَعارَفُونَ﴾ ثانية. ويجوز أن يتعلق ب ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ كأن التعارف ينقضي ويعود تناكرا؛ لشدة الأمر عليهم.
وقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ مقدر فيه القول، والتقدير: قائلين: قد خسروا.
﴿وَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلاّ ما شاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتًا أَوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)﴾
﴿وَما﴾ في قوله: ﴿وَإِمّا نُرِيَنَّكَ﴾ زائدة، فالمعنى: إن أريناك فيهم ما يسرك فجيدا، وإن توفيناك قبل ذلك لم يفوتونا ﴿فَإِلَيْنا﴾ يرجعون ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾ قوله: ﴿ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ﴾ يريد
_________________
(١) سورة غافر، الآية (٤٦).
(٢) رواه البخاري رقم (١٣٧٩)، ومسلم رقم (٢٨٦٦) عن ابن عمر - ﵄.
[ ١ / ٣٦٥ ]
بالشهادة: العلم، ويريد بالعلم: المجازاة؛ لقوله: ﴿ثُمَّ﴾ وهي تقتضي الترتيب والمهلة، وعلم الله ليس زمانيّا ولا متأخرا عن شيء ﴿فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما:
جاء في الدنيا وأظهر المعجزة، فكذبوا وأذن له في الدعاء عليهم ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ في إهلاكهم. والثاني: فإذا جاء رسولهم في موقف القيامة فشهد عليهم بما عاملوه به من التكذيب؛ كقوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (^١) قضي بينهم بشهادة نبيهم. ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي﴾ دفع ضرر ولا جلب نفع. ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ (٨٧ /أ) أن يملكني. وكان بعض المتأخرين يقف على قوله: ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً﴾ ويقول: انتهى جواب إذا، ويستحيل أن يكون قوله: ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ جوابا؛ لاستحالة تقدم العذاب عند فرض مجيئه؛ لقوله: ﴿إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ﴾ فيقال له: وكذلك يستحيل تأخيره بعد مجيء الأجل المذكور. فإنه لو تأخر لم يكن الذي جاء أجلا (^٢).
البيات: هو الإغارة على العدو ليلا وهم غافلون. ﴿أَوْ نَهارًا﴾ وهم ينظرون، ومثله قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أَوْ هُمْ قائِلُونَ﴾ من القيلولة. وقوله:
﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتًا﴾ الآيتين (^٣).
أي شيء يستعجل منه المجرمون؟ ولا شيء من الخير في مجيء العذاب فلا وجه لاستعجاله، وقد أنكر عليهم أنهم يؤمنون عند نزول العذاب الذي استعجلوه بقوله:
﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ﴾ الآية، و(ثم) مجاز، استعير التباعد في الرتبة للتباعد في الزمان؛ كقوله:
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ (^٤). ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (^٥) ﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ (^٦) وقول الشاعر [من الطويل]:
ولا يكشف الغمّاء إلا ابن حرّة يرى غمرات الموت ثمّ يزورها (^٧)
_________________
(١) سورة النحل، الآية (٨٤).
(٢) ينظر: منار الهدى في الوقف والابتدا للأشموني (ص: ١٧٧).
(٣) سورة الأعراف، الآيتان (٩٧، ٤).
(٤) سورة البقرة، الآية (٧٤).
(٥) سورة الأنعام، الآية (١).
(٦) سورة الجاثية، الآية (٨).
(٧) البيت لجعفر بن علبة الحارثي ينظر في: تاج العروس للزبيدي (غمى)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٩٩)، ديوان الحماسة (١/ ١٠)، روح المعاني للألوسي (٢١/ ١٣٦)، الكشاف -
[ ١ / ٣٦٦ ]
﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٥٤) أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦) يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾
﴿ظَلَمُوا﴾ أي: كفروا. ﴿لافْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: لبذلته للفدية، ولكنه لا يقبل لقوله في آية أخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ (^١) ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ﴾ أي: أخفوها؛ حذارا من الشماتة.
وقيل: أسروا، أي: أظهروا.
قوله: ﴿فَبِذلِكَ﴾ توكيد لقوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ وقد استشكلت قراءة حمزة في قوله: (فلتفرحوا) بتاء معجمة (^٢)، باثنتين من فوق. وجاء مثلها في الحديث: "لتأخذوا مصافكم" (^٣).
_________________
(١) = للزمخشري (٤/ ٢٨٦، ٣/ ٥١٥) والغماء: الشديدة من شدائد الدهر، ويكنى بها عن الداهية. وابن حرة: كريم، وغمرات الموت: شدائده وأهواله، ويزورها: يلاقيها برغبة.
(٢) سورة المائدة، الآية (٣٦).
(٣) وقرأ بها عثمان بن عفان وأبي وأنس والحسن وأبو رجاء ويعقوب ورويت عن ابن عامر، وقال ابن مجاهد: ولم يذكر عنه في "فليفرحوا" شيء. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ١٧٢)، الحجة للقراء السبعة لابن خالويه (ص: ١٨٢)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٣٣٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٤٥ - ٤٦)، فتح القدير للشوكاني (٢/ ٤٥٤)، الكشاف للزمخشري (٢/ ١٩٤)، المحتسب لابن جني (١/ ٣١٣)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٨٥).
(٤) ذكره الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار التي في الكشاف (٢/ ١٢٧) وقال: غريب. وروى الترمذي في سننه رقم (٣٢٣٥) عن معاذ بن جبل قال: «أبطأ عنا رسول الله ﷺ في صلاة الفجر حتى كادت الشمس أن تطلع قال: ثم خرج وأقيمت الصلاة فصلى بنا صلاة تجوز بها فلما سلم قال: كما أنتم على مصافكم. فثبت القوم على مصافهم ثم أقبل عليهم بوجهه فقال: إني منبئكم بطئي عنكم الغداة إني قمت من الليل فتوضأت ثم صليت ما شاء الله، وإني رأيت ربي - ﷿ - في منامي -
[ ١ / ٣٦٧ ]
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٦٠) وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦١) أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) أَلا إِنَّ لِلّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ (٦٦) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧) قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩)﴾
﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا﴾ هو ما جعلوا لله بزعمهم ﴿مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا﴾ (^١) وذلك مما لم يقم به البرهان. ﴿وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ﴾ كقوله: ﴿فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (^٢) ﴿وَما تَتْلُوا مِنْهُ﴾ أي: من الشأن أو من القرآن أو يكون إضمارا له قبل ذكره،
_________________
(١) = فرأيته في أحسن صورة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري. قالها ثلاثا قال: فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي فتجلى لي كل شيء وعرفت فقال: يا محمد. قلت: لبيك رب. قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات. قال: ما هن؟ قلت: مشي الأقدام إلى الحسنات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء حين الكريهات. قال: فيم؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة بالليل والناس نيام، قال: سل قل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة قوم فتوفني غير مفتون، أسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقرب إلى حبك. قال رسول الله ﷺ: إنها حق فادرسوها ثم تعلموها ". وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٢) سورة الأنعام، الآية (١٣٦).
(٣) سورة الصافات، الآية (٨٧).
[ ١ / ٣٦٨ ]
وتفخيما لشأنه، والوقف عند قوله: ﴿وَلا فِي السَّماءِ﴾ (^١) وإلا لزم أن يكون الذي يعزب عن علم الله لا يغيب إلا في كتاب مبين، وهو كلام فاسد، فإذا وقفنا على قوله: ﴿وَلا فِي السَّماءِ﴾ ويكون ﴿وَلا أَصْغَرَ﴾ ﴿وَلا أَكْبَرَ﴾ مستأنف، فمن فتحهما فهما مثل قولك: لا رجل في الدار، ومن رفعهما (^٢) فهما كقوله: لا رجل في الدار (٧٨ /ب) وكقول الشاعر [من مجزوء الكامل]:
من صدّ عن نيرانها فأنا ابن قيس لا براح (^٣)
﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في الآخرة ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما خلفوه، والبشرى في الدنيا: الرؤية الصالحة يراها المؤمن أو ترى له. الوقف على قوله: ﴿قَوْلُهُمْ﴾ (^٤) ولا تكون إن مكسورة بعد القول لفساد المعنى، وإنما" إن "كسرت لابتداء كلام. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ﴾ في عقائدهم ﴿إِلاَّ الظَّنَّ﴾ والخرص: الكذب، وأصله من خرص النخل والكرم، وهو أن يحرز ما عليه من التمر عند تقدير جفافه، وذلك الحرز لا بد أن يخطئ ولو بقدح.
قوله: ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ فيه؛ كقوله: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ (^٥) أي: مبصرا بها. ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ والملك ينافي الولادة، وقد بين ذلك فيما سبق.
﴿إِنْ عِنْدَكُمْ﴾ ما عندكم من حجة بهذا.
﴿مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي﴾
_________________
(١) ينظر: منار الهدى في بيان الوقف والابتداء للأشموني (ص: ١٧٧).
(٢) قرأ حمزة" ولا أصغر من ذلك ولا أكبر "بالرفع، وقرأ الباقون" بالنصب. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ١٧٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٤٨)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٢٨)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٣٥٥).
(٣) البيت لسعد بن مالك، ينظر في: الإنصاف لابن الأنباري (١/ ٣٤٢)، خزانة الأدب للبغدادي (١/ ٤٦٧)، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي (ص: ٥٠٩)، شرح شواهد المغني (ص: ٥٨٢)، شرح المفصل لابن يعيش (١/ ١٠٩)، لسان العرب (برح).
(٤) ينظر: منار الهدى في بيان الوقف والابتداء للأشموني (ص: ١٧٨).
(٥) سورة الإسراء، الآية (٥٩).
[ ١ / ٣٦٩ ]
﴿بِآياتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ (٧٧) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠)﴾
﴿مَتاعٌ فِي الدُّنْيا﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هو متاع. ﴿وَاتْلُ﴾ أي: اقرأ. وقد أتى بالفعل الماضي في جواب كان، وإنما جوز ذلك دخول الشرط على كان (^١).
﴿مَقامِي﴾ بمعنى قيامي، والتقدير: إن شق عليكم ذلك مني فاجتهدوا على قتلي، فإنني قد توكلت على الله لا على غيره. ومن قرأ ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ بقطع الهمزة، فمعناه: اعزموا.
و﴿أَمْرَكُمْ﴾ منصوب مفعول معه، ومن قرأ (فاجمعوا) بألف الوصل وفتح الميم (^٢)، ﴿وَشُرَكاءَكُمْ﴾ مفعول، وجواب الشرط في قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ محذوف، تقديره: فإن
_________________
(١) وذلك في قوله - تعالى: إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ ومن قواعد النحو: إذا وقع خبر كان وأخواتها جملة فعلية، فالأكثر أن يكون فعلها مضارعا، وقد يجيء ماضيا بعد "كان وأمسى وأضحى وظل وبات وصار" والأكثر فيه إن كان ماضيا أن يقترن ب "قد"، وقد وقع مجرّدا منها، وكثر ذلك فخبرا عن فعل الشرط، ومنه قوله - تعالى: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ [المائدة: ١١٦]، وقوله تعالى: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ [الأنعام: ٣٥]، وقوله تعالى في هذه الآية التي في سورة يونس.
(٢) قرأ العامة "فأجمعوا" بهمزة القطع وكسر الميم، ويروى عن نافع "فاجمعوا" بهمزة الوصل وفتح الميم. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ١٧٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٥٣)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٢٨)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٣٥٩).
[ ١ / ٣٧٠ ]
توليتم فقد ظلمتم؛ لأنني ما سألتكم من أجر على التبليغ. ﴿وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ﴾ جعلناه ومن معه يخلفون الهالكين. ﴿لِيُؤْمِنُوا﴾ هي لام الجحود مؤكدة لنفي إيمانهم. ﴿مُبِينٌ﴾ بمعنى ظاهر ومظهر، يقال: بان الأمر وبين وأبان. ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ﴾ أي: عن الحق وبسببه كقوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ﴾ (^١).
وكقوله: ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾ (^٢) أي: عنهم، والتقدير: أتقولون للحق لما جاءكم إنه سحر، والهمزة في (آلسحر) همزة إنكار.
﴿لِتَلْفِتَنا﴾ أي: لتصرفنا. ﴿الْكِبْرِياءُ﴾ الرياسة. من قرأ (السّحر) مقصورا، ف ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ﴾ مبتدأ و﴿السِّحْرُ﴾ خبر. ومن قرأ (آلسحر) ممدودا (^٣) فهي همزة إنكار دخلت على لام التعريف، فمدت؛ كقوله: ﴿آلْآنَ﴾ (^٤) ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ (^٥) والخبر محذوف، والتقدير: آلسحر هو؟
﴿فَلَمّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّء الِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾
_________________
(١) سورة الأحقاف، الآية (١١).
(٢) سورة آل عمران، الآية (١٦٨).
(٣) قرأ أبو عمرو وأبو جعفر "آلسحر" على الاستفهام، وقرأ باقي العشرة "السحر" على الخبر. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ١٨٢)، حجة ابن خالويه (ص: ١٨٣)، حجة أبي زرعة (ص: ٣٣٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٥٨)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٢٨)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٣٦٢)، النشر لابن الجزري (١/ ٣٨٧).
(٤) سورة يونس، الآية (٩١).
(٥) سورة يونس، الآية (٥٩).
[ ١ / ٣٧١ ]
وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ يدل على أن السحر حق؛ لأنه وعد بإبطاله بسين الاستقبال ولو كان باطلا لاستحال إبطاله؛ لأنه تحصيل الحاصل. (٧٩ /أ) وقد سحر رسول الله ﷺ (^١). ومذهب الشافعي أن من قتل بسحر يقتل غالبا يجب عليه القصاص (^٢).
وقوله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾ (^٣) لا يدل على أن السحر كله تخييل بل ذلك الشيء فعلوه بين يدي فرعون تخييل.
﴿إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ يدل على أن السحر إفساد ﴿إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ويظهر ويعلى. أراد بفرعون: هو ومن بايعه وأعانه، ولهذا قال ﴿وَمَلائِهِمْ﴾ بالجمع.
قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ﴾ مثل قولك: إن كنت ابني فأطعني، وهو تهديد لعزم المخاطب، وبعث همته على التوكل على الله لا على غيره؛ لتقديم المجرور على الفعل العامل فيه. ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي: لا تهلكنا بأيديهم فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق لما سلطنا عليهم، فيفتتنوا بذلك. وقوله: ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ هذه لام العاقبة؛ كقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (^٤) ويجوز أن تكون لام كي، فإن الله خالق الخير والشر ومسببهما.
﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ﴾ امسخها، ويوجد في آخر العمران بظاهر قرافة مصر صورة دراهم ودنانير منقوشة، وهي حجر، وصورة نخل وراء جبلها وهو حجر خفاف يشدونه على قبورهم. ﴿فَلا يُؤْمِنُوا﴾ الآية، هذه الآية تدل على أن فرعون في النار، لأنه أخبر أنه أجاب دعاءه، ومن دعائه: أنهم لا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، فقد قال: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ﴾ (^٥).
_________________
(١) حديث سحر النبي ﷺ ثابت رواه البخاري رقم (٥٧٦٦)، ومسلم رقم (٢١٨٩) عن عائشة - ﵂.
(٢) ينظر: الأم للشافعي (١/ ٤٢٦).
(٣) سورة طه، الآية (٦٦).
(٤) سورة القصص، آية (٨).
(٥) سورة غافر، الآية (٨٥).
[ ١ / ٣٧٢ ]
حكى الزمخشري (^١) أن جبريل ﵇ أتاه بفتيا: ما قول الأمير في عبد لرجل أنعم عليه مولاه بأنواع من النعم، فجعله ملكا، فأنكر ذلك العبد مولاه وادعى الربوبية؟ فأفتى فيها فرعون فقال: يستحق هذا العبد أن يغرق في البحر. فلما أراد الله أن يطبق عليه وعلى قومه البحر وإهلاكهم جاءه جبريل بالورقة، وقال: أنت العبد الذي استفتى فيه.
﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٩) وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (٩٢) وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣) فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧) فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨)﴾
﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ أي: أتؤمن الآن وقد عصيت قبل.
﴿نُنَجِّيكَ﴾ نلقيك على نجوة مكان مرتفع من الأرض؛ لأن بني إسرائيل قالوا: ما غرق فرعون. لما ثبت في قلوبهم من الرعب منه. فألقاه البحر على مكان مرتفع، وكان عليه درع من ذهب، فرآه بنو إسرائيل وعرفوه، وأيقنوا بموته. وقيل: أراد بالبدن: الدرع. بوّأه:
اتخذ له مباءة، وهي مكان يرجع إليه. ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ (٧٩ /ب) أي: مبوأ كريما شريفا.
﴿فَإِنْ كُنْتَ﴾ أيها السامع لهذا الكلام، كقول الخطيب: "يا ابن آدم عندك ما يكفيك، وتطلب ما يطغيك" (^٢).لا يريد شخصا معينا، بل كل سامع، وكذلك قوله: ﴿فَلا﴾
_________________
(١) ينظر: الكشاف للزمخشري (٢/ ٣٦٨).
(٢) ورد ذلك في حديث رواه البيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٢٩٤) رقم (١٠٣٦٠)، والطبراني في المعجم الأوسط (٨/ ٣٦١) رقم (٨٨٧٥) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "ابن آدم عندك ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك، ابن آدم لا بقليل تقنع ولا من كثير تشبع، ابن آدم إذا أصبحت معافى في -
[ ١ / ٣٧٣ ]
﴿تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ الآية.
﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ هم قوم علم الله أنهم لا يؤمنون ﴿وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ﴾ فهلا، أي: لم تكن قرية آمنت عند نزول العذاب. ﴿فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ روي أنهم لما رأوا العذاب اعتزلهم يونس ومن معه من المؤمنين، ورأوا دخانا قد أحاط بالمدينة التجأوا إلى شيخ لهم، فقال لهم: قولوا بأجمعكم: يا حي حين لا حي، ويا حي محيي الموتى، ويا حي يا قيوم، ويا حي لا إله إلا أنت. فقالوها وكرروها فرفع عنهم العذاب (^١).
﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠) قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣) قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩)﴾
﴿أَفَأَنْتَ﴾ دخلت همزة الإنكار على فاعل الفعل، ولو أنكر الفعل نفسه لقال: أفتكره الناس، ولدخلت همزة الإنكار على الفعل. ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: بقضائه ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ أي: العذاب.
_________________
(١) = جسدك آمنا في سربك عندك قوت يومك فعلى الدنيا العفاء". وقال الشيخ الألباني في ضعيف الجامع رقم (٥٠): موضوع.
(٢) رواه الإمام أحمد في الزهد (١/ ٣٤)، والطبري في تفسيره (١١/ ١٧٢)، وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٩٣) لابن المنذر وابن أبي حاتم.
[ ١ / ٣٧٤ ]
﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الآيات ﴿وَما تُغْنِي﴾ يجوز أن تكون "ما" نافية وأن تكون استفهاما بمعنى الإنكار. قوله: ﴿ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ أي: لا يملك ذلك، بل هو سبب، والله المسبب المالك. وقيل: ما لا ينفعك إن عبدته، ولا يضرك إن تركته.
قوله: ﴿وَاصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ﴾ منسوخ بآية السيف.
***
[ ١ / ٣٧٥ ]