الحمد لله الذي جعل كتابه المبين كافلا ببيان الأحكام، شاملا لما شرعه لعباده من الحلال والحرام، مرجعا للأعلام عند تفاوت الأفهام وتباين الأقدام وتخالف الكلام، قاطعا للخصام، شافيا للسقام؛ فهو العروة الوثقى التي من تمسك بها فاز بدرك الحق القويم، والجادة الواضحة التي من سلكها فقد هدي إلى الصراط المستقيم، فأي عبارة تبلغ أدنى ما يستحقه كلام الحكيم من التعظيم، وأي لفظ يقوم ببعض ما يليق به من التكريم والتفخيم.
والصلاة والسلام على من نزل إليه الروح الأمين بكلام رب العالمين محمد سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله المطهرين وصحبه المكرمين.
وبعد ،
فإنّ شرف العلوم على قدر شرف المعلوم، وإنّ علم كتاب الله - تعالى - أمتن العلوم حبالا، وأرسخها جبالا، وأجملها آثارا، وأسطعها أنوارا، وهو العلم الذي جعل للشرع قواما، وصارت كلّ العلوم له خدّاما.
وإنّ من أجلّ علوم القرآن ما يؤدي إلى فهم معانيه، ويكشف عن مقاصده ومراميه، ويبين للناس بعض أسراره، ويظهر شيئا من وجوه إعرابه وأنواره.
من أجل ذلك عقدنا العزم وشحذنا الهمم - مستعينين بالله تعالى - على تحقيق هذا السفر العظيم في تفسير الذكر الحكيم، للعلامة الشيخ أبي الحسن علم الدين السخاوي - رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
وقد بدأنا العمل في هذا الكتاب منذ ما يزيد على تسع سنوات، كان يتخللها بعض الفتور أحيانا، وبعض الانشغال في أعمال أخرى، حتى يسر الله - تعالى - إتمامه، وها هو يخرج بفضل الله تعالى في صورة - إن شاء الله تعالى - مرضية لائقة بموضوعه وبمصنفه؛ ليكون إضافة جديدة مفيدة للمكتبة العربية والإسلامية، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وقبل أن نتحدث عن المصنف وتفسيره وقيمته ومنهجه في التفسير نقدم موجزا عن فضل التفسير ومكانته ومراتب المفسرين فنقول وبالله التوفيق:
يقول الله - ﷿: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
قال أبو العالية ﵀: الحكمة: الفهم في القرآن. وقال قتادة: الحكمة: القرآن
[ ١ / ٨ ]
والفقه فيه. وقال غيره: الحكمة: تفسير القرآن (^١).
وذكر علي بن أبي طالب ﵁ جابر بن عبد الله فوصفه بالعلم، فقال له رجل: جعلت فداك، تصف جابرا بالعلم وأنت أنت؟ فقال: إنه كان يعرف تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ (^٢).
وقال الشعبي: رحل مسروق إلى البصرة في تفسير آية، فقيل له: إن الذي يفسرها رحل إلى الشام، فتجهز ورحل إليه حتى علم تفسيرها (^٣).
وقال إياس بن معاوية: مثل الذين يقرؤون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلا وليس عندهم مصباح فتداخلتهم روعة لا يدرون ما في الكتاب، ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرأوا ما في الكتاب (^٤).
وقال مجاهد: أحب الخلق إلى الله أعلمهم بما أنزل. وقال الحسن: والله ما أنزل الله آية إلا أحب أن يعلم فيمن أنزلت وما يعني بها (^٥).
وقال الحسن: أهلكتهم العجمة، يقرأ أحدهم الآية فيعيى بوجوهها حتى يفتري عليّ فيها. وكان ابن عباس يبدأ في مجلسه بالقرآن ثم بالتفسير ثم بالحديث.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: ما من شيء إلا وعلمه في القرآن ولكن رأي الرجل يعجز عنه (^٦).