بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾
سورة التين سورة مكية، امتن الله فيها على عباده أن خلقهم في أحسن صورة وأفضلها، مؤكدًا بهذا نعم الله عليهم، ومؤكدًا ومدللًا أن من خلق هذه الخلق وسواها قادر على بعث الإنسان بعد موته، كما أنه بحكمته وعدله خلق هذا الكمال في الإنسان، ولم يتركه هملًا فلا يكلفه ولا يجازيه على عمله، فاقتضت حكمته سبحانه أن يبعثهم ويجازيهم على أعمالهم وابتدأت السورة بالقسم بالبقاع المقدسة والأماكن المشرفة، التي خصها الله تعالى بإنزال الوحي فيها على أنبيائه ورسله على أنه تعالى كرم الإنسان فخلقه في أجمل صورة وأبدع شكل قال تعالى:
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾.
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ أقسم الله تعالى بهذه الأشياء الأربعة: التين، والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين يعني: مكة.
[ ١٢٧ ]
﴿وَالتِّينِ﴾ هو الثمر المعروف الذي يأكله الناس.
﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ الذي يعصرون منه الزيت، وأقسم الله بهما لبركتهما وعظيم منفعتهما، ولأنهما يكثران في فلسطين.
﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ أقسم الله به لأنه الجبل الذي كلم الله عنده موسى - ﷺ - وهو طور سيناء ذو الشجر الكثير، الحسن المبارك، سمي "سينين" و"سيناء" الحسنة ولكونه مباركًا.
﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ أقسم الله بالبلد الأمين وهو مكة، لأنها أحب البقاع إلى الله، وأشرف البقاع عند الله ﷿ وهي البلد التي يأمن فيها من دخلها على نفسه وماله كأنما يقسم الله تعالى بهذه المواضع الثلاثة، لأنها مهابط وحي الله تعالى على موسى وعيسى ومحمد ﵈ وفيها أنزلت الكتب السماوية الثلاثة.
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هذا هو المقسم عليه، أقسم الله تعالى أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، خلقه مديد القامة يتناول مأكولة بيده، وخلقه عالمًا متعلمًا مدبرًا حكيمًا.
﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ هذه الردة التي ذكرها الله ﷿ تعني أن الله تعالى يرد الإنسان أسفل سافلين خلقة، يرد إلى أرذل العمر، وهو الهرم والضعف بعد الشباب والفتوة.
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ هذا استثناء من قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ يعني: إلا المؤمنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم لا يردون إلى أسفل السافلين، لأنهم متمسكون بإيمانهم وأعمالهم، فيبقون عليها إلى أن يموتوا.
﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ﴾ أي ثواب وجزاء.
[ ١٢٨ ]
﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غير مقطوع، ولا ممنون به أيضًا، بل لذات متوافرة وأفراح متواترة، ونعم متكاثرة.
﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ أي: أي شيء يكذبك أيها الإنسان بيوم الجزاء بعد هذا البيان وهذا الإيضاح، والاستفهام للتقريع والتوبيخ وإلزام الحجة.
﴿بِالدِّينِ﴾ أي: بما أمر الله به من الدين.
﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ هذا الاستفهام للتقرير، يقرر الله ﷿ أنه أحكم الحاكمين قضاء وعدلًا لا يجور ولا يظلم أحدًا وفيه وعيد شديد للكفار.
وفي هذا تقرير لمضمون السورة، من إثبات النبوة، والتوحيد والمعاد وحكمه بتضمن نصره لرسوله على من كذبه، وجحد ما جاء به، بالحجة والقدرة والظهور عليه، وحكمه بين عباده في الدنيا بشرعه، وأمره، وحكمه بينهم في الآخرة بثوابه وعقابه، وإن أحكم الحاكمين لا يليق به تعطيل هذه الأحكام بعدما ظهرت حكمته في خلق الإنسان في أحسن تقويم، ونقله في أطوار التخليق حالًا بعد حال، إلى أكمل الأحوال، فكيف يليق بأحكم الحاكمين، أن لا يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته؟ وهل ذلك إلا قدح في حكمه وحكمته، فسبحانه وتعالى من حكيم.
[ ١٢٩ ]