بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾.
سورة الضحى سورة مكية، تتناول شخصية النبي - ﷺ - وما حباه الله من الفضل والإنعام في الدنيا والآخرة، ليشكر الله على تلك النعم الجليلة.
وسبب نزولها أن النبي - ﷺ - كان يقوم من الليل يصلي لله ﷿ ويناجيه وفي ليلة مرض - ﷺ - فلم يقم لصلاة الليل ليلتين أو ثلاثًا واحتبس عنه الوحي، فأتته امرأة مشركة من قومه هي أم جميل امرأة أبي لهب، فقالت: يا محمد: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، لم يقربك ليلتين أو ثلاثًا فأنزل الله هذه السورة، وكلها نجاء له من ربه، وتسرية وتسلية وتطمئن، وقد أقسم ﷿ في هذه السورة بالضحى، والليل إذا سجى، على إنعامه على رسوله - ﷺ - وإكرامه له وإعطائه ما يرضيه وذلك متضمن لتصديقه له، فهو قسم على صحة نبوته، وعلى جزائه في الآخرة، فهو قسم على النبوة والمعاد، وأقسم بآيتين عظيمتين من آياته دالة على ربوبيته، وحكمته ورحمته، وهما الليل والنهار، وتأمل مطابقة هذا القسم وهو نور الضحى الذي يوافي بعد الظلام للمقسم عليه، وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه، وكذلك فإن فالق ظلمة الليل عن ضوء
[ ١٢١ ]
النهار، هو الذي فلق ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنبوة، وكذلك فإنه سبحانه اقتضت رحمته أن لا يترك عباده في ظلمة الليل سرمدًا، بل هداهم بضوء النهار إلى مصالحهم ومعايشهم لا يليق به أن يتركهم في ظلمة الجهل والغي، بل يهديهم بنور الوحي والنبوة إلى مصالح دنياهم وآخرتهم قال تعالى:
﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾.
﴿وَالضُّحَى﴾ أقسم الله ﷿ بالضحى هو أول النهار، وهو اسم لوقت ارتفاع الشمس.
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ وأقسم كذلك بالليل إذا سجى، أي: الليل إذا غطى الأرض وسدل عليها ظلامه.
﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ جواب القسم، أي: ما تركك وأهملك وما قطعت قطع المودع، ولم يقطع عنك الوحي، بل أنت في عنايته ورعايته سبحانه.
﴿وَمَا قَلَى﴾ أي: وما أبغضك.
﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ هذه الجملة مؤكدة باللام، لام الابتداء وما زال - ﷺ - يصعد في درج المعالي في الدنيا، ويمكن له الله دينه وينصره على أعدائه، ويسدد له أحواله ثم في الآخرة الجنة خير لك من الدنيا، هذا مع ما قد أوتي في الدنيا من شرف النبوة، والآخرة باقية والدنيا فانية.
[ ١٢٢ ]
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾.
﴿وَلَسَوْفَ﴾ اللام هذه أيضًا للتوكيد، وهي موطئة للقسم.
﴿يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ أي: يعطيك ما يرضيك فترضى، الفتح في الدين، والثواب والحوض والشفاعة لأمته في الآخرة فترضى، ثم امتن عليه بما يعلمه من أحواله الخاصة، وشرع في تعداد ما أفاضه الله عليه من النعم فقال سبحانه.
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ الاستفهام هنا للتقرير، يعني قد وجدك الله تعالى يتيمًا فآواك يتيمًا من الأب، ويتيمًا من الأم فإن أباه - ﷺ - توفي قبل أن يولد فضمك إلى من يكفلك ويرعاك.
﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾.
﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ أي: غير عالم، لم تكن تدري القرآن ولا الشرائع، فهداك لذلك.
﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا﴾ أي: وجدك فقيرًا ذا عيال لا تملك شيئًا.
﴿فَأَغْنَى﴾ أي: أغناك وأغنى بك بما أعطاك من الرزق، وفي مقابل هذه النعم، عليك بشكرها وأداء حقها، فهو سبحانه قرر بنعم ثلاث وأتبعهن بوصايا ثلاث، كل واحدة من الوصايا شكر النعمة التي قوبلت بها فإحداهن ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ هذا في مقابلة: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾ فلا تتسلط على اليتيم بالظلم لضعفه بل ادفع إليه حقه واذكر يتمك.
﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ هذا في مقابل ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ لا تنهر السائل إذا سألك فقد كنت فقيرًا، فإما أن تطعمه وإما أن ترده ردًا لينًا ويدخل في هذا السائل للعلم والسائل للمال.
[ ١٢٣ ]
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ فقابلها بقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾.
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ نعمة الله تعالى على الرسول - ﷺ - التي ذكرت في هذه الآيات ثلاث نعم: وأمره الله سبحانه بالتحدث بنعم الله عليه وإظهارها بينهم، والتحدث بنعمة الله شكر.
والفرق بين التحدث بنعم الله والفخر بها: أن المتحدث بالنعمة مخبر عن صفات وليها ومحض جوده، وإحسانه فهو مثن عليه بإظهارها والتحدث بها شاكر له، ناشر لجميع ما أولاه، مقصوده بذلك إظهار صفات الله ومدحه والثناء عليه، وبعث النفس على الطلب منه دون غيره، وعلى محبته ورجائه فيكون راغبًا إلى الله بإظهار نعمه ونشرها والتحدث بها وأما الفخر بالنعم فهو أن يستطيل بها على الناس، ويريهم أنه أعز منهم وأكبر فيركب أعناقهم ويستعبد قلوبهم ويستميلها إليه بالتعظيم والخدمة، وكذلك كسر قلوبهم والتفاخر بأنه هو المستحق لها دونهم.
[ ١٢٤ ]