بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى * كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.
سورة اقرأ سورة مكية، وهذه الآيات أول ما نزل على الرسول ﵊، من القرآن الكريم، نزلت عليه وهو يتعبد في غار حراء حيث كان يقضي الأيام والليالي متعبدًا لله ﷿ منعزلًا عن الناس فجاءه جبريل فقال له: اقرأ فقال: ما أنا بقارئ فعل ذلك ثلاث مرات ثم قال له:
﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.
﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أي: اقرأ يا محمد.
﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ قيل معناه مبتدئًا باسم ربك، وقيل: مستعينًا باسم ربك.
﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ أي: خلق كل شيء، وفي هذا تذكير بالنعمة.
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ خص الله تعالى خلق الإنسان تكريمًا
[ ١٣١ ]
للإنسان وتشريفًا له لما أودعه من عجائبه وآياته الدالة على ربوبيته وقدرته وعلمه وحكمته وكمال رحمته، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه.
﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ اسم جمع علقة، كشجر اسم جمع شجرة، والعلق: عبارة عن دم جامد معلق في رحم المرأة، وهذا هو المنشأ الذي به الحياة يبدأ نطفة ثم يحول بقدرة الله إلى علقة.
﴿اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ أي: من كرمه وجوده وإحسانه أن يمكنك من القراءة وأنت أمي، وقد دل على كمال كرمه أنه علم العباد ما لم يعلموا.
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ لأن التعليم بالقلم أكثر ما يعتمد الشرع، وهو الأكثر نفعًا والأطول بقاء، فما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة.
﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي: علمه بالقلم من الأمور ما لم يعلم منها، فدل على كمال كرمه، بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم.
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى * كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾.
﴿كَلَّا﴾ بمعنى حقًا.
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ كل إنسان من بني آدم إذا رأى نفسه استغنى، فإنه يطغى ويتكبر ويتمرد، من الطغيان وهو مجاوزة الحد.
[ ١٣٢ ]
﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ أي: من أجل أن رأى نفسه غنيًا، وأصبح ذا ثروة ومال أشر وبطر، ثم توعده وتهدده بقوله:
﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ أي: المرجع، أي: مهما طغيت أيها الإنسان وعلوت واستكبرت واستغنيت فإن مرجعك إلى الله ﷿ بعد الموت.
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى﴾ تعجب من حال هذه الرجل الذي ينهى عبدًا إذا صلى، أي: أخبرني عن حال هذا الرجل.
﴿عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ الذي ينهى، هو أبو جهل، قيل له: إن محمدًا يصلي عند الكعبة أمام الناس، يفتن الناس ويصدهم عن أصنامهم وآلهتهم، فمر به ذات يوم وهو ساجد فنهى النبي ﵊ وقال: لقد نهيتك فلماذا تفعل؟ فانتهره النبي ﵊ فرجع ثم قيل لأبي جهل: إنه- أي: محمدًا - ﷺ - ما زال يصلي فقال: والله لئن رأيته لأطأن عنقه بقدمي، ولأعفرن وجهه بالتراب، فلما رآه ذات يوم ساجدًا تحت الكعبة وأقبل عليه يريد أن يبر بيمينه وقسمه، لما أقبل عليه وجد بينه وبينه خندقًا من النار وأهوال عظيمة، فنكص على عقبيه وعجز أن يصل إلى رسول الله - ﷺ -.
﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾.
﴿أَرَأَيْتَ﴾ يعني: أخبرني أيها المخاطب إن كان هذا الساجد محمد - ﷺ - على الهدى فكيف تنهاه عنه.
﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ أي: أو أمر غيره بالإخلاص والتوحيد والعمل الصالح الذي تتقي به النار.
﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ﴾ أي: الناهي بالحق.
[ ١٣٣ ]
﴿وَتَوَلَّى﴾ عن الأمر، أما يخاف الله ويخشى عقابه.
﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى﴾ يعني يرى المنهي وهو الساجد محمد - ﷺ - الآمر بالتقوى، ويرى هذا العبد الطاغية الذي ينهى عبدًا إذا صلى.
﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾.
﴿كَلَّا﴾ هذه بمعنى حقًا، ويحتمل أن تكون للردع والزجر، والله لئن لم ينه لنسفعًا بالناصية.
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ عما هو فيه من الضلال.
﴿لَنَسْفَعًا﴾ أي: لنأخذن بشدة.
﴿بِالنَّاصِيَةِ﴾ الناصية: شعر مقدم الرأس، نأخذها بشدة ويجر بها إلى النار.
﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي: صاحبها.
﴿كَاذِبَةٍ﴾ أي: أنها موصوفة بالكذب في قولها.
﴿خَاطِئَةٍ﴾ أي: مرتكبة للخطأ عمدًا في فعلها.
﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ يعني: إن كان صادقًا وعنده قوة، وعنده قدرة فليدعُ ناديه، والنادي هو مجتمع القوم ومجلسهم، قيل: إن أبا جهل قال لرسول الله - ﷺ - أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا وقومًا وعشيرة! فنزلت.
﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ الزبانية ملائكة النار الغلاظ الشداد.
﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.
﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ﴾ أي: لا تطع هذا الذي ينهاك عن الصلاة.
﴿وَاسْجُدْ﴾ أي: صلِّ لله واسجد ولا تبالِ به غير مكترث به.
﴿وَاقْتَرِبْ﴾ أي: اقترب من الله ﷿ بالطاعة والعبادة.
[ ١٣٤ ]