بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾.
سورة المسد سورة مكية، فيها صور مما لاقاه النبي - ﷺ - حين قام بأمر الدعوة من الأذى والمشقة، فإنه - ﷺ - قام بالدعوة إلى الله خير قيام، وبذل في سبيلها الغالي والنفيس، ولما أنزل الله تعالى، ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صعد النبي - ﷺ - الصفا فنادى: «يا صباحاه» فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: مالك؟ قال: «أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني» قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهب: تبًا لك ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله ﷿ هذه السورة التي تحدث فيها عن هلاك "أبي لهب" عدو الله ورسوله قال تعالى:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ وهذا رد على أبي لهب حين جمعهم النبي - ﷺ - ليدعوهم إلى الله فبشر وأنذر، والمعنى: هلكت يداه وخسرت وخابت، والتباب الخسار.
﴿وَتَبَّ﴾ أي: وهلك هو.
﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ﴾.
﴿مَا﴾ للنفي أي: لم يدفع عنه.
[ ١٧٣ ]
﴿مَالُهُ﴾ أي: ما جمع من مال ولا ما كسب من ربح وجاه ما حل به من التباب والخسران.
﴿وَمَا كَسَبَ﴾ قيل المعنى: وما كسب من الولد أو من مال.
﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ أي: سوف يعذب في النار الملتهبة ويجد حرها ويذوقه، تحرق جلده، وهي ذات اشتعال وتوقد، وهي نار جهنم تحيط به من كل جانب.
﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ يعني: كذلك امرأته معه، وهي امرأة من أشراف قريش، لكن لم يغنِ عنها شرفها شيئًا؛ لكونها شاركت زوجها في العداء والإثم، والبقاء على الكفر، وهي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان.
﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾.
﴿حَمَّالَةَ﴾ صيغة مبالغة أي: تحمله بكثرة.
﴿الْحَطَبِ﴾ وذكروا أنها كانت تحمل الحطب الذي فيه الشوك وتضعه في طريق النبي - ﷺ - من أجل أذى الرسول - ﷺ -.
﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ المسد: الليف الذي تفتل منه الجبال؛ كانت لها قلادة فاخرة من جوهر، فقالت: واللات والعزى لأنفقنها في عداوة محمد، فيكون جزاؤها أن يجعل في عنقها ذلك الحبل يوم القيامة مكان قلادتها جزاء وفاقًا.
[ ١٧٤ ]