بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾.
سورة الناس سورة مدنية، فيها الاستجارة والاحتماء برب الأرباب من شر أعدى الأعداء إبليس وأعوانه من شياطين الإنس والجن، فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين من الجن يزين له الكفر والفسوق والعصيان، فعلى المسلم أن يدافع تلك الشياطين، وذلك بالالتجاء والاعتصام بالله سبحانه ليحفظه ويقيه شرهم، ومن ذلك قراءة هذه السورة العظيمة وفي الحديث أن النبي - ﷺ -: «كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذتين » وقد ذكر الله في هذه السورة ربوبيته للناس، وملكه لهم، وإلهيته لهم، فإضافة الربوبية المتضمنة لخلقهم وتدبيرهم وتربيتهم وإصلاحهم، وجلب مصالحهم، وما يحتاجون إليه، ودفع الشر عنهم وحفظهم مما يفسدهم، وأما إضافة الملك فهو ملكهم المتصرف فيهم، وهم عبيده ومماليكه وهو المتصرف لهم، المدبر لهم كما يشاء، النافذ القدرة فيهم، والإضافة الثالثة فهو إلههم الحق، ومعبودهم الذي لا إله سواه، ولا معبود لهم غيره قال تعالى:
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾
﴿قُلْ﴾ أي يا محمد - ﷺ - وأمته معنية بهذا الخطاب.
[ ١٨١ ]
﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ أي: التجئ واعتصم، وأعوذ برب الناس وهو الذي رباهم بنعمه وهو الله ﷿.
﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ أي: الملك الذي له السلطة العليا في الناس، والتصرف الكامل وهو الله ﷿.
﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ أي: مألوههم ومعبودهم الحق الذي يتوجهون إليه بأنواع العبادة، فالمعبود حقًا الذي تألهه القلوب وتحبه وتعظمه.
وهذه ثلاث صفات من صفات الرب ﷿: الربوبية، والملك والإلهية فهو رب كل شيء ومليكه وإلهه، وجميع الأشياء مخلوقة ومملوكة له، فأمر سبحانه المتعوذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات.
﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾.
﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ هو الشيطان.
﴿الْخَنَّاسِ﴾ الذي يخنس وينهزم ويولي ويدبر عند ذكر الله ﷿، وخنس: أي كف وأقصر.
﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ وسوسته هي الدعاء إلى طاعته بإيحاء خفي يصل إلى القلب من غير سماع صوت ويلقي أحاديث السوء في النفوس ثم بين سبحانه الذي يوسوس بأنه ضربان: جني أو إنسي.
﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾.
﴿الْجِنَّةِ﴾ أي: الجن.
والوساوس تكون من الجن، وتكون من بني آدم، أما وسوسة الجني فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، وأما وسوسة بني آدم فما يوحي بعضهم
[ ١٨٢ ]
إلى بعض من الشر ويزينونه في قلوبهم.
والمعنى: من شر الوسواس، ومن شر الناس، كأنه أمر أن يستعيذ من الجن والإنس، والسورة تتضمن الاستعاذة من العيوب التي أصلها كلها الوسوسة.
وقد جاءت الاستعاذة في هاتين السورتين باسم الرب والملك والإله، وجاءت الربوبية فيها مضافة إلى الخلق وإلى الناس، ولا بد من أن يكون ما وصف به نفسه في هاتين السورتين يناسب الاستعاذة المطلوبة، ويقتضي دفع الشر المستعاذ منه أعظم مناسبة وأبينها.
وقد جاء في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله - ﷺ - إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ونفث فيهما وقرأ "قل هو الله أحد" و"المعوذتين" ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ برأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاثًا" رواه أهل السنن.
[ ١٨٣ ]