بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ * قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ * فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ * فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾.
سورة عبس سورة مكية نزلت بمكة، فإن الله ﷿ لما بعث نبينا محمدًا - ﷺ - بالهدى ودين الحق، وأمره بتبليغه ودعوة الناس إليه والقيام بأمره، صدع صلوات ربي وسلامه عليه بالدعوة ودعا الناس إلى الإسلام وتحمل في سبيل ذلك الأذى والمشقة فصبر عليها، وفي بداية دعوته، ورغبة في تبليغ هذا الدين، حرص على دعوة كبراء القوم ورؤسائهم، ومن له كلمة عندهم طمعًا في إسلامهم وتأثر الناس بهم، فأعرض عن رجل أعمى فقير جاء إليه ليعلمه الدين، وظهرت الكراهة في
[ ٣٣ ]
وجه النبي - ﷺ - حين سأله، ومع أن الأعمى لم يكن يرى عبوس النبي - ﷺ - وإعراضه إلا أن الله ﷿ أنزل في ذلك آيات تتلى، حث ذكر الموقف وسطره في كتابه العظيم قال تعالى:
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾.
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ الضمير يعود إلى رسول الله - ﷺ -.
﴿عَبَسَ﴾ أي: كلح في وجهه وقطب؛ يعني استنكر الشيء بوجهه.
﴿وَتَوَلَّى﴾ أي: أعرض في بدنه.
﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ الأعمى هو عبد الله بن عمرو بن أم مكتوم ﵁ وسبب نزولها أنه جاء إلى النبي - ﷺ - قبل الهجرة وهو في مكة يسأل ويتعلم منه، وكان عنده قوم من عظماء قريش يطمع النبي - ﷺ - في إسلامهم ومن المعلوم أن العظماء والأشراف إذا أسلموا كان ذلك سببًا لإسلام من تحتهم، وكان طمع النبي - ﷺ - فيهم شديدًا فجاء هذا الأعمى يسأل النبي - ﷺ - وذكروا أنه كان يقول: علمني مما علمك الله ويستقرئ النبي - ﷺ - ويلح عليه، فكان النبي ﵊ يعرض عنه وعبس في وجهه، وأصغى إلى عظماء قريش رجاء وطمعا في إسلامهم، وود النبي - ﷺ - أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة كبراء القوم.
[ ٣٤ ]
﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: يا محمد أي شيء يريبك أن يتزكى هذا الرجل الأعمى ويقوى إيمانه.
﴿لَعَلَّهُ﴾ أي لعل ابن أم مكتوم.
وقد جاءت الآية: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ بصيغة الحكاية عن أحد آخر غائب غير المخاطب، وفي هذه أسلوب رفيع في تعلم الأدب وحسن المعاتبة، وهو تلطف في حق النبي - ﷺ - وإجلالًا له، وفي الآيات بيان حقيقة هذه الدعوة وكرامتها وعظمتها واستغنائها عن كل أحد وعن كل سند والعجب أن هذا في مكة، والدعوة مطاردة، والمسلمون قلة، ومع ذلك كانت المعاتبة للنبي - ﷺ -.
﴿يَزَّكَّى﴾ أي: يتطهر من الذنوب والأخلاق التي لا تليق بأمثاله، فإذا كان هذا هو المرجو منه فإنه أحق أن يلتفت إليه.
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ يعني: وما يدريك لعله يذكر، أي: يتعظ فتنفعه الموعظة، فإنه ﵁ أرجى من هؤلاء أن يتعظ ويتذكر.
﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ أي: استغنى بماله لكثرته، واستغنى بجاهه لقوته عن الإيمان بالله، وهم العظماء الذين عند النبي - ﷺ -.
﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أي: تتعرض وتطلب إقباله عليك وتقبل عليه.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكى هذا المستغني، لأنه ليس عليك إلا البلاغ.
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ أي: وصل إليك مسرعًا في المجيء، طالبًا منك أن ترشده إلى الخير، وتعظه بمواعظ الله.
[ ٣٥ ]
﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي يخاف الله ﷿ بقلبه لعلمه بعظمته تعالى:
﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ أي: تلهى وتنشغل عنه برؤساء القوم لعلهم يهتدون.
﴿كَلَّا﴾ يعني لا تفعل مثل هذا، وهذه هي أول مرة يقال في القرآن للنبي - ﷺ - كلا.
﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ أي: الآيات القرآنية التي أنزلها الله على رسوله - ﷺ - تذكر الإنسان بما ينفعه وتحثه عليه.
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: فمن شاء ذكر ما نزل من الموعظة فاتعظ وعمل به ومن شاء لم يتعظ ولم يعمل
﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ أي: أن هذا الذكر الذي تضمنته هذه الآيات.
﴿فِي صُحُفٍ﴾ معظمة مكرمة عند الله، والصحف جمع صحائف، والصحائف جمع صحيفة، وهي ما يكتب فيه القول.
﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ رفيعة القدر والرتبة عند الله.
﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ أي: منزهة لا يمسها إلا المطهرون، مصونة عن الشياطين والكفار.
﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ السفرة الكتبة، وهم الملائكة السفراء بين الله وبين عباده.
﴿كِرَامٍ﴾ أي: كرام على ربهم، كرام في أخلاقهم، كرام في خلقتهم لأنهم على أحسن خلقة وعلى أحسن خلق، كثيرو الخير والبركة.
﴿بَرَرَةٍ﴾ جمع بر، وهو كثير الفضل والإحسان.
[ ٣٦ ]
ولما ذكر الله ﷿ في الآيات السابقة أنه جعل هذا القرآن العظيم محفوظًا ومنزهًا عن التحريف والتبديل، وأن السفراء في إيصال هذا الكتاب هم الرسل الكرام الأقوياء الأتقياء، ولم يجعل للشياطين عليهم سبيلًا وهذا مما يوجب الإيمان به وتلقيه بالقبول.
ذكر سبحانه بعد هذا البيان قبح جريمة الكافر وإفراطه في الكفر والعصيان مع كثرة إحسان الله إليه، وبدأ بذكر ضعف الإنسان ومبدئه ومهانته، ليعرف قدره ويطيع ربه ويصرف العبادة لمستحقها، وأن لا يتكبر ويتجبر.
﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ * فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾.
﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾.
﴿قُتِلَ﴾ أي: لعن، وأهلك.
﴿الْإِنْسَانُ﴾ المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة.
﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ ﴿ما﴾ استفهامية أي: ما الذي أكفره وأهلكه، أو ما أشد كفره ومعاندته للحق؟
﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ استفهام تقرير لما يأتي بعده.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة، فحمل وهو ماء مهين فكيف يتكبر؟
[ ٣٧ ]
﴿فَقَدَّرَهُ﴾ أي جعله مقدرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة أو قدر أجله، ورزقه، وعمله وشقي أو سعيد.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أي: سهل خروجه من بطن أمه أو يسر له الطريق إلى تحصيل الخير أو الشر.
﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ﴾ الموت مفارقة الروح للبدن.
﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سترًا عليه وإكرامًا واحترامًا.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ﴾ أي: إذا شاء الله ﷿.
﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بعثه وأحياه يوم النشور ليجازيه على عمله.
﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ ﴿كَلَّا﴾ كلمة ردع وزجر ﴿لَمَّا﴾ هنا بمعنى "لم" بل أخل به بعضهم بالكفر وبعضهم بالعصيان وما قضى ما أمره الله إلا القليل.
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ أي فلينظر إلى طعامه من أين جاء؟ ومن جاء به؟ وهل أحد خلقه سوى الله ﷿؟
وبعد أن ذكر سبحانه البعث والحساب والجزاء، أعاد الإنسان ليتذكر ويتأمل فضل الله عليه، وفي هذا إظهار العظمة لله ﷿ وبيان بعض نعمه على عباده، وأنه المنعم المتفضل نعمه لا تعد ولا تحصى ثم أرشد سبحانه الإنسان إلى النظر والتفكر في طعامه وكيف وصل إليه! وفي هذا استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة على إحياء الأجسام بعدما كانت عظامًا بالية وترابًا متمزقًا قال تعالى:
[ ٣٨ ]
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب، أنزلناه من السماء على الأرض.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض.
﴿حَبًّا﴾ كالبر والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ وهو معروف، وهو أدم وعصيره أدم.
﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القت المعروف الذي تأكله الدواب.
﴿وَزَيْتُونًا﴾ الشجرة المعروفة.
﴿وَنَخْلًا﴾ النخل المعروف، يؤكل بلحًا وبسرًا ورطبًا وتمرًا ونيئًا ومطبوخًا ويعتصر منه زيت وخل، وخص هذه الأربعة لكثرة فوائدها ومنافعها.
﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ حدائق جمع حديقة، والغلب كثيرة الأشجار.
﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يتفكه به الإنسان من أنواع الفواكه، كالتين والعنب والخوخ والرمان وغير ذلك.
﴿وَأَبًّا﴾ الأب: الكلأ؛ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ يعني: أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم بها أودكم، وتتمتعون أيضًا بالتفكه بهذه النعم، وذلك مدعاة إلى النظر في هذا النعيم، وأنه من الواجب شكر المنعم، وبذل الجهد في الإنابة إليه، والإقبال على طاعته، والتصديق بأخباره ثم ذكر الله خاتمة المتاع.
[ ٣٩ ]
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾.
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ يعني: صيحة يوم القيامة التي تصخ الآذان أي: تصمها فلا تسمع، وهذا هو النفخ في الصور.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ في ذلك اليوم يفر من أعز الناس إليه، وأشفقهم لديه، وأحبهم إليه، لهول ذلك اليوم، يفر من أخيه شقيقه، أو أبيه أو أمه.
﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا والجدات، يفر من هؤلاء كلهم.
﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾ زوجته.
﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه والفرار منهم لا يكون إلا لهول عظيم وخطب فظيع.
وقد بدأ بالأخ ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه، ثم بالصحابة والبنين لأنهم أحب.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ﴾ كل إنسان في ذلك اليوم مشتغل بنفسه لا ينظر إلى غيره، فحينئذ ينقسم الخلق إلى فريقين: سعداء وأشقياء، فأما السعداء فهم كما ذكر سبحانه.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني يوم القيامة.
﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأن وجوه المؤمنين تسفر عما في قلوبهم من السرور والانشراح والبهجة مما عرفوا من نجاتهم وفوزهم بالنعيم.
[ ٤٠ ]
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني متبسمة، وهذا من كمال سرورهم.
﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بشرت بالخير.
﴿وَوُجُوهٌ﴾ أي: وجوه الأشقياء، وهذا هو حال الفريق الثاني.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني يوم القيامة.
﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ أي: يغشاها ظلمة وسواد.
﴿أُولَئِكَ﴾ الذين هذا وصفهم.
﴿هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ أي: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، والفجرة هم الفاسقون الكاذبون.
* * *
[ ٤١ ]