سبق شرحهما.
قال القرطبي: إنما وصف نفسه بالرحمن الرحيم بعد قوله: رب العالمين؛ ليكون من باب قرن الترغيب بعد الترهيب؛ كما قال تعالى (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ) وقوله تعالى (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) فالرب فيه ترهيب، والرحمن الرحيم ترغيب. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ- (ولو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من رحمته أحد).
(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) أي: هو ﷾ المالك للجزاء والحساب المتصرف في يوم الدين الذي يُدان كل عاملٍ بما عمل (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ). (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا).
وسمي يوم الدين لأن الناس يُدانون به (يعني يُجزون به).
• يوم الدين: أي يوم الجزاء، والدين في القرآن يطلق على معنيين:
الأول: بمعنى الجزاء كما في هذه الآية، وكما قال تعالى (إنا لمدينون) أي: لمجزيون، وكما قال تعالى (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق) أي: جزاء أعمالهم، وقال تعالى (فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ. تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أي: غير مجزيين بأعمالكم ومحاسبين عليها، وقال تعالى (وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ) أي: إن الجزاء على الأعمال لواقع حقيقة.
والثاني: العمل، كما في قوله تعالى (لكم دينكم ولي الدين) وقوله (ورضيت لكم الإسلام دينًا).
• ومثل هذه الآية: قوله تعالى (وله الملك يوم ينفخ في الصور). وقوله تعالى (الملك يومئذ لله يحكم بينهم). وقال سبحانه (الملك يومئذ الحق للرحمن). وقال تعالى (يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار).
• تخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئًا ولا يتكلم أحد إلا بإذنه كما قال تعالى (يوم يقوم الروح والملائكة صفًا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابًا).
• مالك يوم الدين: جاء في قراءة (ملِك) وقد اختلف العلماء أيهما أبلغ مالك أو ملك.
قال الشوكاني: فقيل: إن ملِك أعمّ وأبلغ، إذ كل ملك مالك، وليس كل مالك ملك، ولأن أمر الملك نافذ على المالك في
ملكه حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك، قاله أبو عبيد والمبرد ورجحه الزمخشري.
[ ١ / ٢٣ ]
وقيل: مالك أبلغ لأنه يكون مالكًا للناس وغيرهم … ثم قال الشوكاني: والحق أن لكل واحد من الوصفين نوع أخصية لا يوجد في الآخر، فالمالك يقدر على ما لا يقدر عليه الملك من التصرفات بما هو مالك له بالبيع والهبة والعتق ونحوها، والملِك يقدر على ما لا يقدر عليه المالك من التصرفات العائدة إلى تدبير الملك وحياطته ورعاية مصالح الرعاية، فالمالك أقوى من الملك في بعض الأمور، والملك أقوى من المالك في بعض الأمور، والفرق بين الوصفين بالنسبة إلى الرب سبحانه أن الملك صفة لذاته والمالك صفة لفعله.
وقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: وفي الجمع بين القراءتين فائدة عظيمة، وهي أن ملكه جل وعلا ملك حقيقي، لأن من الخلق من يكون ملكًا، ولكن ليس بمالك، يسمى ملكًا اسمًا وليس له من التدبير شيء، ومن الناس من يكون مالكًا ولا يكون ملكًا كعامة الناس، ولكن الرب جل وعلا مالك ملك.