١ - فيه وجوب الإخلاص في عبادة الله.
فإن قال قائل كيف أتخلص من طلب العوض والثناء؟
فالجواب: علمه بأنه عبد محض والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضا ولا أجرة إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته.
ومعرفته أن الناس ليس بيدهم نفع ولا ضر، قال الفضيل: (من عرف الناس استراح) يريد -والله أعلم- أنهم لا ينفعون ولا يضرون.
٢ - الحذر من الرياء، وقد قال -ﷺ- (قال تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمِل عملًا أشرك معي غيري تركته وشركه) رواه مسلم.
٣ - يجب على المسلم أن يطلب العون من الله في جميع أموره.
وقد كان رسول الله -ﷺ- يقول (رب أعني ولا تعن علي) رواه الترمذي.
وعلم معاذ فقال له (لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) رواه أبو داود.
٤ - يجب على المسلم أن يحذر من أي أمر يعوقه عن الهداية.
قال ابن القيم: " ولينظر إلى الشبهات والشهوات التي تعوقه عن سيره على هذا الصراط، فإنها الكلاليب التي بجنبتي ذاك الصراط، تخطفه وتعوقه عن المرور عليه ".
٥ - نستفيد أن من أسباب الهداية دعاء الله بذلك، لأن الله أمرنا بذلك بقوله: (اهدنا الصراط).
وكان -ﷺ- يقول (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك)، وهو الرسول -ﷺ- الذي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
٦ - دليل على أنه يستحب للداعي أن يقدم بين دعائه ثناء على الله بالتوحيد والثناء على الله.
قال ابن القيم: ولما كان طالب الهداية إلى الصراط المستقيم أجل المطالب، ونيله أشرف المواهب، علم الله عباده كيفية سؤاله، وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه وتمجيده، ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم، توسلٌ إليه بأسمائه وصفاته، وتوسل إليه بعبوديته، وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء ".
[ ١ / ٣٣ ]
٧ - فيه أن الطريق الحق المستقيم واحد لا غير كما قال تعالى (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه).
قال ابن القيم: وذكر الصراط المستقيم منفردًا، لأنه صراط واحد، وأما طرق أهل الغضب والضلال فإنه سبحانه يجمعها ويفردها كقوله (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه. ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) فوحد لفظ الصراط وسبيله، وجمع
السبل المخالفة له. وقال ابن مسعود (خط لنا رسول الله -ﷺ- خطًا، وقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن يساره، وقال: هذه سبل، وعلى كل سبيل شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) ".
٨ - قال ابن القيم: فمن هدي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم، الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه، هدي هناك إلى الصراط المستقيم، الموصل إلى جنته ودار ثوابه، وعلى قدر ثبوت العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذه الصراط يكون سيره على ذاك الصراط.
٩ - يجب على المسلم أن يفعل الأسباب التي تعينه على السير على الصراط المستقيم.
١٠ - دليل على أن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: قوم علموا بالحق وعملوا به وهؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالهداية، وقسم علموا الحق ولم يعملوا به وهو المغضوب عليهم، وقسم لم يهتدوا إلى الحق لا علمًا ولا عملًا وهم النصارى.
١١ - أن نعمة الدين أعظم من نعمة الدنيا.
١٢ - عظم ذنب من أوتي علمًا ولم يعمل به، لأنه يستحق الغضب.
فالعلم يطلب من أجل العمل.
[ ١ / ٣٤ ]
وقد ذم الله اليهود لأنهم لم يعملوا بعلمهم وشبههم بالحمار يحمل أسفارًا.
قال تعالى (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا).
قال ابن كثير: يقول تعالى ذامًا لليهود الذين أعطوا التوراة وحملوها للعمل ثم لم يعملوا بها: مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارًا، أي كمثل الحمار إذا حمل كتبًا لا يدري ما فيها، فهو يحملها حملًا حسيًا ولا يدري ما عليه، وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الذي أوتوه حفظوه لفظًا ولم يتفهموه ولا عملوا بمقتضاه، بل أولوه وحرفوه وبدلوه فهم أسوأ حالًا من الحمير، لأن الحمار لا فهم له، وهؤلاء لهم فهم لم يستعملوه.
ومن لم يعمل بعلمه فإنه سيكون حجة عليه.
كما جاء في الحديث (لن تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع وذكر منها .. وعن علمه ماذا عمل به).
وقال بعض السلف: (من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم).
والذي يعمل بعلمه يثبت علمه.