(الم) هذه تسمى الحروف المقطعة، اختلف العلماء في الحروف المقطعة التي وردت في أوائل بعض السور على أقوال كثيرة:
فقيل: لها معنى، واختلف في معناها: فبعض العلماء: قال هي أسماء للسور، وبعضهم قال: هي أسماء لله، وبعضهم قال غير ذلك.
وقيل: هي حروف هجائية ليس لها معنى، ورجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين وقال: وحجة هذا القول: أن القرآن نزل بلغة العرب، وهذه الحروف ليس لها معنى في اللغة العربية.
وأما الحكمة منها: فأرجح الأقوال أنها إشارة إلى إعجاز القرآن العظيم، ورجح هذا القول ابن كثير في تفسيره فقال: وقال آخرون إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين، وإليه ذهب الشيخ أبو العباس بن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية. …
وقد رجح هذا الشيخ الشنقيطي في أضواء البينان حيث قال بعد أن ذكر الخلاف: أما القول الذي يدل استقراء القرآن على رجحانه فهو: أن الحروف المقطعة ذكرت في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله … ثم قال ﵀: ووجه استقراء القرآن لهذا القول: أن السور التي افتتحت بالحروف المقطعة يذكر فيها دائمًا عقب الحروف المقطعة الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وأنه حق، قال تعالى في البقرة (الم ذلك الكتاب لا ريب فيه)، وقال في آل عمران (ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق)، وقال في الأعراف (المص كتاب أنزل إليك)، وقال في يونس (الر تلك آيات الكتاب الحكيم)، وقال في هود (الر كتاب أحكمت آياته ..)، وقال في يوسف (الر تلك آيات الكتاب المبين. إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا).
ثم ذكر ﵀ بقية السور.
[ ١ / ٤١ ]
ورجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀ فقال بعدما رجح هذا القول: أن هذا القرآن لم يأت بكلمات، أو بحروف خارجة عن نطاق البشر، وإنما هي من الحروف التي لا تعدو ما يتكلم به البشر، ومع ذلك فقد أعجزهم
• وأما قول من قال إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور، فهذا ضعيف، لأن الفصل حاصل بدونها.
• وقول من قال: بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين إذا تواصوا بالإعراض عن القرآن إذا تلي عليهم، وهذا ضعيف، لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها.
• عدد هذه الحروف المقطعة (١٤) حرفًا يجمعها قولهم: نص حكيم قاطع له سر.
• افتتح الله ﷿ (٢٩) سورة بالحروف المقطعة.
(ذَلِكَ الْكِتَابُ) يخبر تعالى أن هذا الكتاب وهو القرآن العظيم لا شك أنه أنزل من عند الله كما قال تعالى في سورة السجدة (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
• قال الرازي: واتفقوا على أن المراد من الكتاب القرآن قال تعالى (كِتَابٌ أنزلناه إِلَيْكَ).
• قوله تعالى (ذَلِكَ الْكِتَابُ) أي هذا الكتاب، و(ذلك) تستعمل بمعنى (هذا) كقوله تعالى (ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) أي هذا، وقال بعض العلماء: استعمل ذلك، لما تفيده الإشارة بلام البعد عن علو المنزلة وارتفاع القدر والشأن.