(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) أي أبتدئ بتسمية الله وذكرهِ قبل كل شيء، مستعينًا به جل وعلا في جميع أموري، طالبًا منه وحده العون، فإنه الرب المعبود ذو الفضل والجود، واسع الرحمة كثير التفضل والإحسان، الذي وسعت رحمته كل شيء، وعمَّ فضله جميع الأنام.
• يستحب للمسلم أن يبدأ قراءة القرآن بالبسملة.
• (الله) علم على ذاته ﵎، وكل الأسماء الحسنة تضاف إليه كما قال تعالى (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى).
وقال -ﷺ- (إن لله تسعةً وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة) متفق عليه.
ولذلك تقول: الرحمن من أسماء الله، ولا تقول الله من أسماء الرحمن.
• ومعنى (الله) أي: المألوه المعبود الذي تعبده الخلائق، وتتأله له محبة وتعظيمًا وخضوعًا له، وفزعًا إليه في الحوائج والنوائب، لما له من صفات الألوهية، وهي صفات الكمال.
• (الله) لا يعرف أحد تسمى به لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وهو مختص بالله لفظًا ومعنى.
لفظًا: أي أن هذا اللفظ لا يصح أن يسمى به أحد.
ومعنى: أي أن الصفة التي تضمنها هذا الاسم وهي الإلهية لا يصلح شيء منها للمخلوق.
• قال بعض العلماء: إنه الاسم الأعظم.
لأنه يوصف بجميع الصفات، هذا دليل نظري على أن لفظ الجلالة (الله) هو الاسم الأعظم، أي أن هذه الأسماء جميعًا ترجع إليه لفظًا ومعنى.
• معنى ترجع إليه لفظًا: أي أن أسماء الله تأتي بعده ولا يأتي بعد شيء منها كما سبق في الآيات الحديث.
• ومعنى ترجع إليه معنىً: أي أن هذا الاسم يتضمن صفة الإلهية وهي أوسع الصفات، وهذه الصفة ترجع إليها جميع الصفات.
وقد اختلف العلماء ما هو الاسم الأعظم الذي ورد فيه الحديث (لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى).
[ ١ / ٨ ]
القول الأول: هو الله.
للعلة التي سبقت وهي أن جميع الأسماء ترجع إليه.
ولأنه الاسم الذي تكرر في الأحاديث الواردة ومنها: أن رجلًا قال (اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد فقال -ﷺ-: لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى) رواه أبو داود.
وكحديث أنس قال (كنت جالسًا مع النبي -ﷺ- في المسجد ورجل يصلي فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات … فقال رسول الله -ﷺ-: دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب) رواه أبو داود.
ولأن هذا الاسم ما أطلق على غير الله.
القول الثاني: إن اسم الله الأعظم: الحي القيوم.
واستدل لهذا القول ببعض الأحاديث التي فيها مقال مثل حديث (اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وفاتحة آل عمران (ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم) وهما عند أبي داود.
وهذان القولان أقوى الأقوال، والأول أقوى من الثاني.
• قوله (الله) اختلف هل هو مشتق أم غير مشتق والراجح أنه مشتق.
قال الشيخ حافظ حكمي ﵀: واختلفوا في اشتقاقه على أقوال أقواها أنه مشتق من أله يأله إلاهة، فأصل الاسم الإله، ومن أقوى الأدلة عليه قوله تعالى (وهو الله في السماوات وفي الأرض) مع قوله ﷿ (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) ومعناه ذو الألوهية التي لا تنبغي إلا له.
• فائدة: والأسماء المشتقة أبلغ من الأسماء الجامدة، لأن الأسماء المشتقة تتضمن أوصافًا، بخلاف الأسماء الجامدة، فكل أسماء الله مشتقة.
• قوله (الرحمن الرحيم) اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والرحمن أشد مبالغة من الرحيم.
[ ١ / ٩ ]
لكن ما الفرق بينهما:
قيل: الرحمن: ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا وللمؤمنين في الآخرة، والرحيم ذو الرحمة الخاصة للمؤمنين يوم القيامة.
واستدلوا بقوله تعالى (وكان بالمؤمنين رحيمًا).
وقيل: الرحمن يدل على الصفة العائدة على الله من الرحمة، والرحيم يدل على تعلقها بالمرحوم، فالرحمن دال على أن الرحمة صفته، والرحيم دال على أنه يرحم خلقه برحمته، وهذا أصح وهو اختيار ابن القيم.
إذن: الرحمن تدل على الوصف، والرحيم تدل على الفعل، أي: على أنه يرحم.
ومما يضعف القول الأول قوله تعالى (إن الله بالناس لرؤوف رحيم).
• … (الرحمن) على وزن فعلان، وهو ذو الرحمة الواسعة. (والرحيم) الموصل رحمته لمن يشاء من عباده.
• … (الرحمن) مختص بالله لا يسمى به غيره ولا يعرف أحد تسمى به، قال ابن كثير: ولما تجهرم مسيلمة الكذاب وتسمى برحمن اليمامة كساه الله جلباب الكذب وشهر به فلا يقال إلا مسيلمة الكذاب فصار يضرب به المثل في الكذب.
• والفرق بين الرحمن والله: الله مختص بالله لفظًا ومعنى، وأما الرحمن مختص بالله لفظًا لا معنى، فإن المخلوق يوصف بالرحمة.
• وقد قسّم العلماء - ﵏ - الرحمة إلى قسمين:
عامة - وخاصة.
فأما العامة: فهي الشاملة لجميع الخلق (المؤمن والكافر والبر والفاجر)، فكل الخلق تحت رحمة الله ﷿.
[ ١ / ١٠ ]
وأما الرحمة الخاصة: فهي التي تختص بالمؤمنين.
والفرق بينهما: أن الرحمة الخاصة تتصل برحمة الآخرة، فيكون لله على المؤمنين رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة.
وأما الرحمة العامة: فلا أثر لها إلا في الدنيا، ولذلك الكفار في الآخرة يعاملون بالعدل ولا يعاملون بالرحمة
• قال الشيخ ابن عثيمين: وذكر هذين الاسمين الكريمين في البسملة التي تتقدم فعل العبد وقوله، إشارة إلى أن الله إذا لم يرحمك فلن تستفيد لا من هذا الفعل ولا من هذا القول، ولهذا قال النبي -ﷺ-: (لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته).