ولما كان طالب الصراط المستقيم طالب أمر أكثر الناس عنه ناكبون، مريدًا لسلوك طريق مرافقُه في غاية القلة والعزة، والنفوس مجبولة على وحشة التفرد، وعلى الأنس بالرفيق، نبه ﷾ على الرفيق في هذه الطريق، ليزول عن الطالب للهداية وسلوك الصراط وحشة تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه، وليعلم أن رفيقه في هذا الصراط: هم الذين أنعم الله عليهم، فلا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له، فإنهم هم الأقل قدرًا وإن كانوا هم الأكثرين عددًا.
[ ١ / ٣٠ ]
(غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلَا الضَّآلِّينَ) أي: اهدنا ودلنا على الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم (غير) صراط (المغضوب عليهم) الذين عرفوا الحق وتركوه كاليهود ونحوهم و(لا) صراط (الضالين) الذين تركوا الحق على جهل وضلالة كالنصارى ونحوهم.
• المغضوب عليهم: هم اليهود، والضالون: هم النصارى، كما في الحديث من قوله -ﷺ- (اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون) رواه الترمذي.
• ينبغي على المسلم أن يحذر من سلوك طريق اليهود والنصارى، لأن الله حذر منهما، فيجب على المسلم أن يحذر كل الحذر.
قال ابن تيمية ﵀: ولما أمرنا الله ﷾، أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، المغايرين للمغضوب عليهم وللضالين، كان ذلك مما يبين أن العبد يخاف عليه أن ينحرف إلى هذين الطريقين، وقد وقع ذلك كما أخبر به -ﷺ- حيث قال: لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ وهو حديث صحيح.
• ومن الأمور التي وقعت فيها ناس من هذه الأمة مشابهة لليهود والنصارى: كتم العلم، والبخل بالعلم والمال، وقسوة القلب (ولا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) وغيرها كثير. …
• وصف اليهود بالغضب والنصارى بالضلال: فإن الغضب إنما خص به اليهود، وإن شاركهم النصارى فيه، لأنهم يعرفون الحق وينكرونه ويأتون الباطل عمدًا فكان الغضب أخص صفاتهم، والنصارى جهلة لا يعرفون الحق فكان الضلال أخص صفاتهم. …
وقال ابن القيم: ولكن تارك العمل بالحق بعد معرفته به أولى بوصف الغضب وأحق به، ومن ههنا كان اليهود أحق به، والجاهل بالحق أحق باسم الضلال، ومن هنا وصف النصارى به.
[ ١ / ٣١ ]
• فإن قيل: لم قدم المغضوب عليهم على الضالين؟
وأما تقديم المغضوب عليهم على الضالين فلوجوه:
أحدها: أنهم متقدمون عليهم بالزمان.
الثاني: أنهم كانوا الذين يلون النبي -ﷺ- من أهل الكتابين فإنهم كانوا جيرانه في المدينة، والنصارى كانت ديارهم نائية عنه، ولهذا تجد خطاب اليهود والكلام معهم في القرآن الكريم أكثر من خطاب النصارى كما في سورة (البقرة والمائدة وآل عمران) .. وغيرها من السور.
الثالث: أن اليهود أغلظ كفرًا من النصارى، ولهذا كان الغضب أخص بهم واللعنة والعقوبة،
فإن كفرهم عن عناد وبغي كما تقدم، فالتحذير من سبيلهم، والبعد منها أحق وأهم بالتقديم، وليس عقوبة من جهل كعقوبة من علم.
• قوله تعالى (أنعمت عليهم) ولم يقل: المنعم عليهم كما قال: المغضوب عليهم.
أولًا: أن هذا جاء على الطريقة المعهودة في القرآن، وهي أن أفعال الإحسان والرحمة والجود تضاف إلى الله ﷾، بخلاف الشر فإنه لا يضاف إلى الله تأدبًا.
ونظير هذا قول إبراهيم الخليل (الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين) فنسب الخلق والهداية والإحسان بالطعام والسقي إلى الله، ولما جاء إلى ذكر المرض قال (وإذا مرضت) ولم يقل: أمرضني.
ومثل قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدًا).
ثانيًا: أن النعمة بالهداية إلى الصراط: لله وحده، وهو المنعم بالهداية دون أن يشركه أحد في نعمته، فاقتضى اختصاصه بها أن يضاف إليه بوصف الإفراد فيقال: أنعمت عليهم، أي أنت وحدك المنعم المحسن المتفضل بهذه النعمة. [ذكره ابن القيم].
• ذكر الله تعالى انقسام الناس وأنهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام، المنعم عليهم - وهم من عرف الحق واتبعه - والمغضوب عليهم - وهم من عرفه واتبع هواه - والضالين - وهم من جهله - فالناس لا يخرجون عن هذه الأقسام الثلاثة.
• يجب بغض ومعاداة اليهود والنصارى.
[ ١ / ٣٢ ]