أحدها: الفرض، قال تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص) (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام) (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا).
وثانيها: الحجة والبرهان، قال تعالى (فَأْتُواْ بكتابكم إِن كُنتُمْ صادقين) أي برهانكم.
[ ١ / ٤٣ ]
وثالثها: الأجل، قال تعالى (وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ) أي أجل.
ورابعها: بمعنى مكاتبة السيد عبده، قال تعالى (والذين يَبْتَغُونَ الكتاب مِمَّا مَلَكَتْ أيمانكم).
(لا رَيْبَ فِيهِ) الريب هو الشك مع القلق فهو أخص من الشك.
فالقرآن لا شك ولا ريب أنه موحى من عند الله، كما قال تعالى (تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين).
والقرآن لا شك أنه يبعث على عدم الريب والشك.
والقرآن لا شك ولا ريب أنه واقع موقعه.
والقرآن لا يتضمن أمورًا تبعث على الريب والشك.
والقرآن لا يوجد فيه متناقضات.
والقرآن لا ريب فيه وإن ارتاب فيه المرتابون.
• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (لا رَيْبَ فِيهِ) واختلف العلماء في معنى هذه الآية على ثلاثة أقوال.
أحدها: أن ظاهرها النفي، ومعناها النهي، وتقديرها: لا ينبغي لأحد أن يرتاب به لإتقانه وإحكامه.
ومثله (ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء) أي: ما ينبغي لنا.
والثاني: أن معناها: لا ريب فيه أنه هدىً للمتقين.
والثالث: أن معناها: لا ريب فيه أنه من عند الله، قاله مقاتل في آخرين.
• قال السعدي: لا ريب فيه: ونفي الريب عنه يستلزم ضده، إذ ضد الريب والشك اليقين، فهذا الكتاب مشتمل على علم اليقين، المزيل للشك والريب، وهذه قاعدة مفيدة: أن النفي المقصود به المدح، لا بد أن يكون متضمنًا لضده، وهو الكمال، لأن النفي عدم، والعدم المحض لا مدح فيه.
فيه دليل على أنه لا ينبغي للمسلم أن يرتاب في هذا الكتاب، لأن كل ما فيه من منهج الله محفوظ منذ لحظة نزوله إلى قيام الساعة.
[ ١ / ٤٤ ]
هذا التنويه بهذا القرآن في كماله وعدم تناقضاته يستوجب حمد الله تعالى (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا).
(هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) أي هاد للمؤمنين والمؤمنات الذين اتقوا عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فالقرآن هاد لمن اتبعه وعمل بما فيه لكل خير وسعادة في الدنيا والآخرة.
• فالقرآن العظيم يُطلق هداه على الهدى العام، ويطلق هداه على الهدى الخاص.
فالهدى العام معناه بيان الطريق وإيضاح المحجة البيضاء، وبيان الحق من الباطل، والنافع من الضار، ومنه (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ) أي: بينا الحق على لسان نبينا صالح، ومنه قوله تعالى (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ).
وأما الهدى الخاص فمعناه توفيق الله لعبده حتى يهتدي إلى ما يرضي ربه، ويكون سبب دخوله الجنة، ومنه قوله (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي).
وخصهم المتقين بالذكر لأنهم هم المنتفعون بآيات الله، كما قال تعالى (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) فخصهم بالإنذار لأنهم المنتفعون به، وإلا فالإنذار للجميع. (الشنقيطي).
• وقال ﵀: قوله تعالى (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) خصص في هدى هذا الكتاب بالمتقين، وقد جاء في آية أخرى ما يدل على أن هداه عام لجميع الناس، وهي قوله تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ) الآية.