إحداهما: أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في عمل الطاعات.
والثانية: أنه لا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول.
وكان -ﷺ- يعلم أصحابه في خطبته أن يقول: الحمد لله نستعينه.
وأمر معاذًا أن يقول دبر كل صلاة (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادك).
وينبغي الاعتناء بهذا الدعاء لثلاثة أمور: لأنه وصية، ولأن النبي -ﷺ- قال لمعاذ فيه: إني أحبك، ولأنه دعاء جامع شامل.
وفي دعاء القنوت (اللهم إنا نستعينك ..).
وقال موسى لقوم (استعينوا بالله واصبروا).
ولما بشر -ﷺ- عثمان بالجنة على بلوى تصيبه قال: الله المستعان.
ومن كلام بعض العارفين: يا رب عجبت لمن يعرفك يرجو غيرك، عجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك.
وكتب الحسن الى عمر بن عبد العزيز: لا تستعن بغير الله فيكلك الله إليه.
• أتى بضمير الجمع في قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) والحكمة كما قال ابن القيم: الإتيان بضمير الجمع في الموضع أحسن وأفخم، فإن المقام مقام عبودية وافتقار إلى الرب تعالى، وإقرار بالفاقة إلى عبوديته واستعانته وهدايته، فأتى به بصيغة ضمير الجمع أي نحن معاشر عبيدك مقرون لك بالعبودية، وهذا كما يقول العبد للملك المعظم شأنه: نحن عبيدك ومماليكك وتحت طاعتك ولا نخالف أمرك، فيكون هذا أحسن وأعظم موقعًا عند الملك من أن يقول: أنا عبدك ومملوكك.
قال الشيخ السعدي: وذكر الاستعانة بعد العبادة مع دخولها فيها، لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى، فإنه إن لم يعنه الله، لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر واجتناب النواهي.
• وقال ابن تيمية: وكثير ما يقرن الناس بين الرياء والعجب، فالرياء من باب الإشراك بالخلق، والعجب من باب الإشراك بالنفس، وهذا حال المستكبر، فالمرائي لا يحقق قوله (إياك نعبد) والمعجب لا يحقق قوله (إياك نستعين) فمن حقق قوله (إياك نعبد) خرج عن الرياء، ومن حقق قوله (وإياك نستعين) خرج عن الإعجاب.
[ ١ / ٢٧ ]
(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) أي دلنا وأرشدنا، ووفقنا إلى الصراط المستقيم، وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله وإلى جنته.
• اختلف في المراد بالصراط المستقيم: فقيل: هو الإسلام. وقيل: هو القرآن. وقيل: محمد -ﷺ- وصاحباه.
قال ابن كثير: وكل هذه الأقوال صحيحة وهي متلازمة.
وقال الشوكاني: وجميع ما روي في تفسير هذه الآية يصدق بعضه بعضًا، فإن من اتبع الإسلام أو القرآن أو النبي فقد اتبع الحق.
قال ابن جرير: وإنما وصفه الله بالاستقامة، لأنه صواب لا خطأ فيه، وقد زعم بعض أهل الغباء أنه سماه مستقيمًا لاستقامته بأهله إلى الجنة، وذلك تأويلٌ لتأويل جميع أهل التفسير خلاف، وكفى بإجماع جميعهم على خلافه دليلًا على خطئه. …
• الهداية هي: معرفة الحق والعمل به، فلا يكفي معرفة الحق دون العمل به، فالكثير من الناس يعرفون الحق ولا يعملون به، واليهود يعرفون صدق محمد -ﷺ- ولم يتبعوه.
• قال ابن كثير: فإن قيل: فكيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها وهو متصف بذلك؟
فالجواب: أن المراد الثبات والاستمرار على الأعمال المعينة.
وفيما قاله ﵀ قصور، فإن الهداية أعم من ذلك.
قال ابن القيم: فإن المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم.
وما لا نريد فعله تهاونًا وكسلًا مثل ما نريده أو أكثر منه أو دونه، وما لا نقدر عليه - مما نريده - كذلك، وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمر يفوته الحصر.
[ ١ / ٢٨ ]
وأيضًا للهداية مرتبة أخرى وهي الهداية يوم القيامة إلى طريق الجنة وهو الصراط الموصل إليها. [مدارج السالكين: ١/]
ومن ذلك الهداية إلى العلم والتعلم، فكم من الناس لا يسلكون طريق العلم وطلبه، وكم من الناس سلكوا هذا الطريق ولم يستمروا عليه.
وكم ممن تعلم ولم يفوق، بل يقال له: ليتك ثم ليتك ما علمتَ.
وكم من الناس من ينشغل بالمفضول عن الفاضل، وينشغل بالمباحات والإكثار منها.
وأيضًا نحتاج للهداية في الأمور المستقبلية، فالمسلم بحاجة إلى سؤال الهداية في كل لحظة، فالأمور والعوارض والقضايا الدينية والدنيوية تمر عليه كل ساعة، فهو بحاجة إلى معرفة الحق فيها.
وأيضًا المسلم بحاجة للهداية عند احتضاره وفي قبره قال تعالى (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة).
وأيضا بعد موته في يوم القيامة ثم إلى منزله في الجنة قال تعالى (والذين قتلوا في سبيل الله سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم) أي سيهديهم إلى الجنة وإلى أماكنهم فيها ".
• فيه دليل على استحباب سؤال الله الهداية دائمًا وأبدًا، فإن المسلم محتاج لها.
قال ابن تيمية: أنفع الدعاء وأعظمه وأحكمه دعاء الفاتحة [اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين]، فإنه إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته وترك معصيته، فلم يصبه شر لا في الدنيا ولا في الآخرة.
وقال ﵀ في موضع آخر: ورأس هذه الأدعية وأفضلها قوله [اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين] فهذا الدعاء أفضل الأدعية وأوجبها على الخلق، فإنه يجمع صلاح العبد في الدين والدنيا والآخرة.
وكان رسول الله -ﷺ- يقول (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى) رواه مسلم.
[ ١ / ٢٩ ]
وكان يقول في صلاة الليل (… اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) رواه مسلم
وعلم الحسن أن يقول في دعاء قنوت الوتر (اللهم اهدني فيمن هديت) رواه أبو داود.
وجاء أعرابي للرسول -ﷺ- فقال (يا رسول الله علمني كلامًا؟ .. الحديث وفيه ثم قال الأعرابي هؤلاء لربي فما لي؟ قال: قل اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني). رواه مسلم
وعن أبي مالك قال (كان رسول الله -ﷺ- يقول: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني). رواه مسلم
وعن علي. قال: قال لي رسول الله -ﷺ- (قل اللهم اهدني وسددني). رواه مسلم
(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» المعنى: أي اهدنا ووفقنا للصراط المستقيم الذي هو: صراط الذين أنعمت عليهم، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين- هؤلاء المنعم عليهم هم المذكورون في قوله تعالى (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا).
• وفي ذكر الله ﵎ المنعم عليهم -وهم من سبق ذكرهم في الآية السابقة من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين-