قالوا: يا رسول الله هذا شرّ صاحب! قال: «فو الّذي نفسي بيده إنّها لنفوسكم التي بين جنوبكم!». انتهى.
الإعراب: ﴿يَخْدَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب معطوف على لفظ الجلالة.
﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿يَخْدَعُونَ..﴾. إلخ: بدل اشتمال من جملة:
﴿يَقُولُ..﴾. إلخ؛ لأنّ قولهم كذا مشتمل على الخداع، وتحتمل أن تكون مستأنفة جوابا لسؤال مقدّر، وهو: ما بالهم قالوا: آمنا، وما هم بمؤمنين؟ فقيل: ﴿يُخادِعُونَ اللهَ﴾. وجوز أبو البقاء اعتبارها حالا من فاعل: ﴿يَقُولُ﴾ المستتر، أو من الضمير المستتر ب (مؤمنين) ﴿وَما:﴾ الواو واو الحال. (ما) نافية. ﴿يُخادِعُونَ:﴾ فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿إِلاّ﴾ حرف حصر لا محل له.
﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير، فتكون حالا متداخلة على قول أبي البقاء، وغير متداخلة على الوجهين المعتبرين في الجملة السابقة، ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ إعرابها كإعراب ما قبلها، وهي معطوفة عليها، فهي في محل نصب حال مثلها، وقيل: مستأنفة لا محل لها، ولا وجه له، وحذف مفعول الفعل للعلم به، التقدير: وما يشعرون: أن وبال خداعهم راجع على أنفسهم. هذا؛ ولا تنس: أنّه روعي لفظ (من) بإرجاع فاعل يقول إليها، وروعي معناها بإرجاع الضّمير بقوله: (وهم لا يشعرون).
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾
الشرح: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:﴾ أي: شكّ، ونفاق، فهو يمرض قلوبهم، أي: يضعفها، وذلك بضعف الإيمان فيها، والمرض: حقيقة فيما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفعاله، وقد يؤدّي إلى الموت، والمرض هنا: عبارة مستعارة للفساد الذي في عقائدهم، وذلك إما أن يكون شكّا، ونفاقا، وإما جحدا، وتكذيبا، والمعنى: قلوبهم مرضى لخلوّها من الإيمان، والعصمة، والتوفيق، والرّعاية، والتأييد من الله.
﴿فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضًا:﴾ قيل: هو دعاء عليهم، ويكون معنى الكلام: زادهم الله شكّا، ونفاقا جزاء على كفرهم، وخبثهم. وعلى هذا يكون في الآية دليل على جواز الدّعاء على المنافقين، والطرد لهم من رحمة الله؛ لأنهم شر خلق الله، وقيل: هو إخبار من الله تعالى عن زيادة مرضهم، أي: فزادهم الله مرضا إلى مرضهم، كما قال في سورة (التوبة) رقم [١٢٥]: ﴿فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ وقال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: بأن طبع الله على قلوبهم لعلمه
[ ١ / ٤٧ ]
تعالى بأنه لا يؤثر فيها التذكير، والإنذار، وقيل: زادهم كفرا بزيادة التكاليف الشّرعية؛ لأنهم كانوا كلما ازدادت التكاليف بنزول الوحي؛ يزدادون كفرا. انتهى نقلا من أبي السعود.
هذا وزاد، يزيد: ضد نقص، ينقص، يكون لازما، كقولك: زاد المال درهما، ويكون متعديا لمفعولين، كما في الآية الكريمة، وقولك: زاد الله خالدا خيرا؛ بمعنى: جزاه الله خيرا، وأما قولك: زاد المال درهما، والبر مدّا، فدرهما، ومدّا تمييز، ومثله قل في: نقص، فمن المتعدّي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ الآية رقم [٤] من سورة (التوبة)، ومن اللازم قوله تعالى في سورة ق رقم [٤]: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾.
﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ أي: موجع، مثل السّميع، بمعنى: المسمع، وآلم: إذا أوجع.
والإيلام: الإيجاع، والألم: الوجع، والتألّم: التوجّع. هذا وقال المرحوم سليمان الجمل:
مؤلم بفتح اللام على طريق الإسناد المجازي، حيث أسند الألم للعذاب، وهو في الحقيقة إنما يسند إلى الشخص المعذّب، يقال: ألم، من باب: طرب، فهو أليم: كوجع، فهو وجيع، أي:
متألّم ومتوجّع، ولا يقال: إنّه بكسر اللام اسم فاعل على طريق الإسناد الحقيقي، كسميع بمعنى:
مسمع لخلوّه من دعوى المبالغة الحاصلة على كونه بفتح اللام؛ حيث يقتضي: أن العذاب لشدّة إيلامه للمعذبين، صار هو كأنه مؤلم، أي: معذب، فهو على حد: جدّ جدّه. انتهى. هذا؛ وعذاب: اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر: تعذيب؛ لأنه من: عذّب، يعذّب بتشديد الذال فيهما، وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، ومثله عطاء، وسلام، وثبات؛ لأعطى، وسلم، وأثبت، هذا والعذاب كل ما شقّ على الإنسان، ومنعه عن مراده، وهو كالنّكال وزنا ومعنى.
تنبيه: وحكمة كفّه ﷺ عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم ما ثبت في الصحيحين:
أنه ﷺ قال لعمر﵁-: «أكره أن يتحدّث العرب: أنّ محمدا يقتل أصحابه».
وفي رواية ثانية: «معاذ الله أن يتحدث الناس أنّي أقتل أصحابي!». والنبي ﷺ لم يقتلهم لمصلحة، وهي تأليف القلوب عليه لئلا تنفر منه، علما بأن أقرباء بعض المنافقين جاءوا للنّبيّ ﷺ يستأذنونه بقتل ذويهم، الذين ظهر منهم إيذاء له ﷺ، وذلك مثل عبد الله﵁- ابن عبد الله بن أبيّ ابن سلول، الذي جاءه يستأذنه في قتل أبيه حينما تكلّم كلاما مسيئا للنبيّ ﷺ، وقد كان ﷺ يعطي المال من أسلم حديثا تألّفا لهم مع علمه بضعف إيمانهم، ولكن جاء التّهديد، والوعيد من الله لهم على العموم، مثل قوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٦٠]:
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلًا﴾ قال قتادة: معناه: إذا هم أعلنوا النفاق.
هذا وزيادة النفاق في قلوبهم كانت تحصل من نزول القرآن آية بعد آية، فكانوا كلّما كفروا بآياته؛ ازدادوا كفرا، ونفاقا، والمؤمنون بعكس ذلك، كانوا كلما تليت عليهم آيات القرآن؛ ازدادوا إيمانا، ويقينا. انظر الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال).
[ ١ / ٤٨ ]