الإعراب: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿مَرَضٌ:﴾ مبتدأ مؤخّر، هذا؛ ويجيز الأخفش اعتباره فاعلا بالجار والمجرور من غير اعتماد على نفي، أو استفهام، وهو ممّا ينفرد به، والتقدير عنده: ثبت، أو استقر في قلوبهم مرض، فهو في الحقيقة فاعل بمتعلق الجار والمجرور. والجملة على الاعتبارين بمنزلة التوكيد لقوله تعالى: ﴿وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أو هي تعليل لعدم إيمانهم. (زادهم):
فعل ماض، والهاء مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مَرَضًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها بالفاء العاطفة على الوجهين المعتبرين فيها. (﴿لَهُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والميم في الجميع حرف دال على جماعة الذكور. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، وقيل فيه ما رأيته في سابقه عن الأخفش. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة عذاب، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَلِيمٌ﴾ أو بمحذوف صفة ثانية ل ﴿عَذابٌ﴾ وقال أبو البقاء: صفة: ﴿أَلِيمٌ﴾. و(ما) تحتمل الموصولة، والمصدرية، فعلى الأول مبنية على السكون في محل جر بالباء، ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، ﴿يَكْذِبُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان) وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ: صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير بسبب الذي كانوا يكذبونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكونهم يكذبون، وعلى هذا القول بأن ل (كان) مصدرا، وهو الصحيح عند بعضهم للتّصريح به في قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٢٢٣] من كتابنا فتح رب البرية: [الطويل]
ببذل وحلم ساد في قومه الفتى وكونك إيّاه عليك يسير
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ:﴾ لهؤلاء المنافقين، والقائل هو الله، ﷿، أو الرسول ﷺ، أو بعض المؤمنين، وهذا شروع في تعديد بعض قبائحهم. ﴿لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن جرير -رحمه الله تعالى-: أهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم ربهم، وركوبهم ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكّهم في دينه، وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم مقيمون عليه من الشّكّ، والرّيب، ومظاهرتهم أهل التكذيب بالله، وكتبه، ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا، كالذي حصل منهم، كمودتهم لقريش، ومصافاتهم لقبائل اليهود؛ الذين كانوا يسكنون المدينة: بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، فذلك إفساد المنافقين في الأرض.
وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون في الأرض، قال تعالى في سورة (فاطر) رقم [٨]:
﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ وقال تعالى في سورة (الكهف) رقم [١٠٣ - ١٠٤]: ﴿قُلْ﴾
[ ١ / ٤٩ ]
﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ فالمنافق لمّا كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين، وغرّهم بقوله الذي لا حقيقة له، ووالى الكافرين على المؤمنين، ولو أنه استمرّ على حاله الأول؛ لكان شرّه أخفّ، وخذ ما يلي:
فقد قال رسول الله ﷺ: «إنّي لا أخاف على أمّتي مؤمنا، ولا كافرا، أمّا المؤمن فيحجزه إيمانه، وأمّا الكافر فيقمعه كفره، ولكن أخاف على أمّتي كلّ منافق عليم اللّسان». أخرجه الطّبرانيّ عن عليّ﵁-، وكرم الله وجهه.
﴿قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ أي: نريد أن نداري الفريقين من المؤمنين، والكافرين، ونصطلح مع هؤلاء، وهؤلاء. وقال ابن عباس﵄-: أي نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. انتهى. وخذ قوله تعالى في بيان حقيقتهم: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ﴾ رقم [١٤٣] من سورة (النساء).
هذا و(﴿الْأَرْضِ﴾) مؤنثة، وهي اسم جنس، وكان حق الواحدة أن يقال: أرضة، ولكنهم لم يقولوا، والجمع: أرضات لأنهم قد يجمعون المؤنث الذي ليس فيه هاء التأنيث بالألف، والتاء، لقولهم: عرسات، ثم قالوا: أرضون، فجمعوا بالواو والنون، والمؤنث لا يجمع بالواو، والنون إلا أن يكون منقوصا كثبة، وظبة، ولكنهم جعلوا الواو والنون عوضا عن حذفهم الألف، والتاء، وتركوا فتحة الراء على حالها، وربما سكنت، وقد تجمع على أروض.
وزعم أبو الخطاب: أنّهم يقولون: أرض، وأراض، مثل: أهل، وأهال، والأراضي أيضا على غير قياس، كأنّهم جمعوا أرضا، وكل ما سفل فهو أرض، وأرض أريضة؛ أي: زكية بينة الأراضة، وقد أرضت بالضم؛ أي: زكت، قال أبو عمرو: نزلنا أرضا أريضة، أي: معجبة للعين. ويقال: لا أرض لك! كما يقال: لا أمّ لك! والأرض أسفل قوائم الدّابة، قال حميد بن ثور الهلالي يصف فرسا: [الرجز]
ولم يقلّب أرضها البيطار ولا لحبليه بها حبار
والأرض: النّفضة، والرّعدة، قال ابن عباس﵄وقد زلزلت الأرض:
زلزلت الأرض أم بي أرض؟ أي: نفضة، ورعدة. وقال ذو الرّمّة يصف صائدا: [البسيط]
إذا توجّس ركزا من سنابكها أو كان صاحب أرض أو به الموم
والأرض: الزّكام. وقد آرضه الله إيراضا؛ أي: أزكمه، فهو مزكوم. والأرضة بالتّحريك:
دويبة تأكل الخشب، يقال: أرضت الخشبة، تؤرض أرضا-بالتسكين-فهي مأروضة: إذا أكلتها. انتهى صحاح الجوهري بحروفه.
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِذا﴾): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قِيلَ:﴾ فعل
[ ١ / ٥٠ ]