الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿بِالْهُدى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضّلالة، التقدير: مستبدلة بالهدى، وعلامة الجر كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف، (ما): نافية. ﴿رَبِحَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، حرف لا محل له. ﴿تِجارَتُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها مثلها، وقال الجمل: معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. هذا؛ وقال النّسفي: وقيل: ﴿الَّذِينَ﴾ صفة ﴿أُولئِكَ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿فَما رَبِحَتْ..﴾.
إلخ: في محل رفع خبر ﴿أُولئِكَ﴾. وعليه: فالفاء زائدة. وقيل: الجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، وتكون الفاء زائدة أيضا. ومثل هذه الآية في إعرابها الآية رقم [٨٦] الآتية.
(ما): نافية. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق.
﴿مُهْتَدِينَ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، وهو أقوى من اعتبار الحالية فيها.
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اِسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧)﴾
الشرح: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا:﴾ قال ابن عباس﵄نزلت في المنافقين، يقول: مثلهم في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة في مفازة، فاستدفأ، ورأى ما حوله، فاتّقى ممّا يخاف، فبينما هو كذلك؛ إذ طفئت ناره، فبقي في ظلمة حائرا متخوّفا، فكذلك حال المنافقين أظهروا كلمة الإيمان، فأمنوا بها على أنفسهم، وأموالهم، وأولادهم، وناكحوا المسلمين، وقاسموهم في الغنائم، فذلك نورهم، فلمّا ماتوا عادوا إلى الظّلمة، الخوف. انتهى. خازن بحروفه.
هذا وربنا ذكر لنا في سورة (الحديد) رقم [١٣] حال المنافقين يوم القيامة حينما يطفأ نورهم، وينادون المؤمنين: ﴿اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ انظر شرح هذه الآية فإنّه جيد، والحمد لله! هذا؛ وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: لما جاء بحقيقة حالهم؛ عقّبها بضرب المثل زيادة في التوضيح، والتقرير، فإنه أوقع في القلب، وأقمع للخصم الألد، لأنه يريك المتخيّل محققا، والمعقول محسوسا، ولأمر ما أكثر الله في كتبه الأمثال، وفشت في كلام الأنبياء، والحكماء.
هذا ولفظ ﴿الَّذِي﴾ مفرد، ومراد به الجمع، قيل: المعنى: كمثل الذين استوقدوا، ولذلك قال: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ..﴾. إلخ، فحمل أول الكلام على الواحد، وآخره على الجمع، ومثل
[ ١ / ٦١ ]
هذه الآية قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٦٩]: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا﴾ وبه قيل في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الآية رقم [٣٣] من سورة (الزمر)، ومثل هذه الآيات قول الأشهب بن زميلة النهشلي، وهو الشاهد رقم [٣٤٦] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]
وإنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد
هذا؛ و﴿اِسْتَوْقَدَ﴾ بمعنى: أوقد، مثل: استجاب بمعنى: أجاب، فالسين والتاء زائدتان، قاله الأخفش، ومنه قول كعب بن سعد الغنوي من قصيدة يرثي فيها أخاه شبيبا، ومن أبياتها، وهو الشاهد رقم [٧٢٧] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]
وداع دعا يا من يجيب إلى النّدا فلم يستجبه عند ذاك مجيب
أي: يجبه عند ذاك مجيب، هذا والمثل-بفتح الميم، والثاء-بمعنى: مثل، ومثيل، وشبه، وشبيه. ومثل: اسم متوغل في الإبهام لا يتعرف بإضافته إلى الضمير وغيره من المعارف، ولذلك نعتت به النكرة في قوله تعالى حكاية عن قول فرعون وقومه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ الآية رقم [٤٧] من سورة المؤمنون. ويوصف به المفرد، والمثنى، والجمع تذكيرا وتأنيثا، كما في الآية الكريمة. وتستعمل على ثلاثة أوجه: الأول: بمعنى الشبيه، كما في الآية الكريمة، والثاني: بمعنى نفس الشيء، وذاته، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رقم [١١] من سورة (الشورى)، والثالث: زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ الآية رقم [١٣٧] من سورة (البقرة) أي: بما آمنتم.
وأما المثل في مثل قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ الآية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم) على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام؛ فهو القول السائر بين الناس، والذي فيه غرابة من بعض الوجوه. والمثل بمضربه؛ أي: هو الحالة الأصلية التي ورد الكلام فيها، وما أكثر الأمثال في اللغة العربية، علما بأن الأمثال لا تغيّر، تذكيرا، وتأنيثا، إفرادا، وتثنية، وجمعا، بل ينظر فيها دائما إلى مورد المثل، أي: أصله، مثل (الصّيف ضيّعت اللّبن) فإنه يضرب لكل من أفرط في تحصيل شيء في أوانه، ثم طلبه بعد فواته.
﴿نارًا:﴾ أصله: نور، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وهي من المؤنث المجازي، وقد تذكر، وتصغيرها: نويرة، والجمع: أنور، ونيران، ونيرة، ويكنى بها عن جهنم، التي سيعذب الله بها الكافرين والفاسقين، كما أنّها تستعار للشدّة، والضيق، والبلاء، قال الشاعر: [الطويل]
وألقى على قيس من النّار جذوة شديدا عليها حرّها وتلهابها
[ ١ / ٦٢ ]
فهي مستعارة في هذا البيت لشدة النكاية التي أذاقها قبيلة قيس. والفعل: نار، ينور، يستعمل لازما ومتعديا إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون.
﴿أَضاءَتْ:﴾ أنارت، وأشرقت، كذلك يستعمل متعديا كما في هذه الآية، ولازما كما في الآية رقم [٢٠] الآتية. وأصل الفعل: «أضوأ» يقال في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علّة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى الضاد، ثم يقال: تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا، والمصدر:
«الضوء» بفتح الضّاد وضمّها، وكذا الاسم منه، كما يأتي المصدر، والاسم أيضا: «ضياء».
﴿حَوْلَهُ:﴾ ظرف مكان، وهو لا يتصرف، فهو ملازم للظرفية أبدا، يقال: قعد حوله وحواله، وحوليه، وحواليه، ولا تقل: حواليه بكسر اللام، وقعد بحياله، وحياله؛ أي: بإزائه، وإزاءه، وقيل للعام: حول؛ لأنه يدور، ثم يرجع كما بدأ.
﴿ظُلُماتٍ:﴾ جمع: ظلمة، وقد جمعت باعتبار تعدد معانيها؛ إذ المراد: ظلمة الكفر، وظلمة النّفاق، وظلمة يوم القيامة. أو المراد: ظلمة شديدة، كأنها ظلمات متراكمة. انتهى بيضاوي بتصرف. هذا؛ والظلمات تستعار من ظلمة الليل الحقيقية لكل ما ذكر، والجامع بينهما عدم الاهتداء في كلّ منهما، كما أنّ النور يستعار من نور النّهار، أو من نور المصباح المضيء للإيمان، والإسلام، والجامع بينهما الاهتداء في كلّ منهما.
الإعراب: ﴿مَثَلُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كَمَثَلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، وجوز أبو البقاء اعتبار الكاف اسما على أنها خبر المبتدأ، وأرى: أنه لا وجه له هنا على اعتبار المثل بمعنى القصّة، والحكاية، وهذا يناقض ما ذكرته في الشرح، وتكون الكاف مضافا، و(مثل) مضافا إليه، هذا واعتبار الكاف اسما واقع في العربية كثيرا، انظر الشاهد رقم [٣٢٦] من كتابنا فتح القريب المجيب تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، و(مثل) مضاف، و﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة.
﴿اِسْتَوْقَدَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود على ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿نارًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿مَثَلُهُمْ..﴾. إلخ: في محل نصب حال من واو الجماعة في الآية السابقة، والرابط الضمير فقط، هذا؛ إن أردت اتصال الكلام بسابقه، أو هي مستأنفة لا محل لها؛ إن أردت انقطاع الكلام من سابقة، ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني.
﴿أَضاءَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى ﴿نارًا﴾ تقديره:
[ ١ / ٦٣ ]