هي. ﴿ما حَوْلَهُ:﴾ ﴿ما:﴾ اسم موصول أو نكرة موصوفة، مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وهذا على اعتبار الفعل قبلها متعديا، وأما على اعتباره لازما؛ فهي زائدة، والمعتمد الأول، قال الشاعر: [الطويل]
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم دجى اللّيل حتّى نظّم الجزع ثاقبة
﴿حَوْلَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (﴿ما﴾) على اعتبارها موصولة، أو بمحذوف صفتها على اعتبارها نكرة موصوفة، أي: مكانا حوله، ومتعلق بالفعل قبله على اعتبار (﴿ما﴾) زائدة، وجملة: ﴿أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ:﴾ ابتدائية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، وعلى اعتبارها متعلقة بالجواب. ﴿ذَهَبَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِنُورِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ جواب (لمّا) لا محل لها، هذا وقيل: الجواب محذوف، التقدير: فلما أضاءت ما حوله؛ خمدت، فبقوا خابطين في ظلام متحيّرين. وعليه فجملة: ﴿ذَهَبَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها، أو هي بدل من جملة التمثيل على سبيل البيان.
انتهى كشاف. و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.
﴿وَتَرَكَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿تَرَكَهُمْ﴾): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾) تقديره:
هو، والهاء مفعول به أول، والميم في كلّ ما تقدم حرف دالّ على جماعة الذكور. ﴿فِي ظُلُماتٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ في محل نصب مفعول به ثان؛ لأن (﴿تَرَكَهُمْ﴾) بمعنى: صيّرهم، هذا ويجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف مفعول به ثان، التقدير: وتركهم متحيرين في ظلمات، وتكون الجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، وأرى جواز اعتبارها من تعدد المفعول الثاني ل: (ترك). ومثل الآية الكريمة قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٢١] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الرجز]
لا تتركنّي فيهمو شطيرا إنّي إذن أهلك أو أطيرا
وجملة: (﴿تَرَكَهُمْ..﴾.) الخ: معطوفة على جملة: ﴿ذَهَبَ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها، ومفعول (﴿يُبْصِرُونَ﴾) محذوف للتعميم، أو للاختصار.
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾
الشرح: ﴿صُمٌّ:﴾ جمع أصم، هو فاقد السّمع، والصّمم في كلام العرب: الانسداد، يقال: قناة صماء: إذا لم تكن مجوّفة، وصممت القارورة: إذا سددتها. فالأصم من انسدت خروق مسامعه. ﴿بُكْمٌ﴾ جمع: أبكم، وهو الذي لا ينطق، ولا يفهم، فإذا فهم؛ فهو الأخرس، وقيل: الأخرس والأبكم واحد، وهو الذي لا يقدر على النطق لعاهة في لسانه. ﴿عُمْيٌ:﴾
[ ١ / ٦٤ ]
جمع: أعمى، وهو فاقد البصر، وتعامى الرّجل: أرى ذلك من نفسه، وعمي عليه الأمر: إذا التبس، ومنه قوله تعالى في سورة (القصص) رقم [٦٦]: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ﴾ هذا ولم يكن المنافقون والكافرون صمّا، ولا بكما، ولا عميا، وإنّما المراد أنّهم صمّ عن الحقّ، فلا يسمعونه سماع قبول، وأنّهم بكم؛ أي: خرس عن الحقّ، والهدى، فلا ينطقون به، وأنّهم عمي عن طريق الهدى، والنور، فلا يبصرونه. وقال الزمخشري، وتبعه النّسفي، والبيضاويّ: كانت حواسّهم سليمة، ولكن لمّا سدّوا عن الإصاخة إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم، وأن ينظروا، ويتبصّروا بعيونهم؛ جعلوا كأنما ماتت مشاعرهم، وانتفت قواهم، كقول قعنب ابن أمّ صاحب، وهو الشاهد رقم [١١٧٦] من كتابنا فتح القريب، والشاهد رقم [١٦٤] من كتابنا فتح رب البرية: [البسيط]
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا منّي وما يسمعوا من صالح دفنوا
صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذّنوا
وقال آخر: [الطويل]
أصمّ عن الشّيء الّذي لا أريده وأسمع خلق الله حين أريد
هذا وفي قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ تشبيه بليغ؛ لأنه حذف منه وجه الشبه، وأداة التشبيه، فأصبح بليغا.
﴿فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ أي: عن غيّهم، وضلالهم إلى الحقّ الذي باعوه، وإلى الهدى الّذي ضيّعوه، وعن الضلالة التي استبدلوها بالهدى، والنّور. هذا؛ والفعل: رجع، يرجع يستعمل لازما، وهو كثير كما في هذه الآية، ومتعدّيا، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ الآية رقم [٨٣] من سورة (التوبة)، وقوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [٣١]: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ معناه: يتلاومون فيما بينهم.
الإعراب: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ يجوز أن تكون هذه الأسماء أخبارا متعددة لمبتدإ محذوف، وأن تكون أخبارا لمبتدآت محذوفة، والجملة الاسمية الواحدة، أو الجمل المتعددة في محل نصب حال من واو الجماعة في الآية السابقة، والرابط: الضمير فقط، وهو المبتدأ المقدّر ب «هو» والاستئناف ممكن، فلا يكون لها محلّ من الإعراب.
﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وسبب. (هم): ضمير منفصل مبني على السّكون في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية المنفية: ﴿لا يَرْجِعُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها.
[ ١ / ٦٥ ]