(الله): مبتدأ. ﴿مُحِيطٌ:﴾ خبره. ﴿بِالْكافِرِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿مُحِيطٌ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وقال الزمخشري: معترضة، وكأنه يعني بذلك: أنّ جملة: ﴿يَجْعَلُونَ..﴾. إلخ، وجملة:
(﴿يَكادُ..﴾.) الخ شيء واحد؛ لأنهما من قصّة واحدة. انتهى. جمل.
﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾
الشرح: ﴿يَكادُ..﴾. إلخ: أي: يقرب، يقال: كاد الفعل، ولم يفعل، فهو يدل على وقوع مقاربة الفعل بعدها، ولذا لم تدخل عليه «أن» لأنها تخلص الفعل للاستقبال، وإذا دخل عليها حرف نفي دل على أن الفعل بعدها وقع، كما في قوله تعالى في الآية رقم [٧١] الآتية: ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ،﴾ وإذا لم يدخل عليها حرف النفي، لم يكن الفعل بعدها واقعا، ولكنه قارب الوقوع، والفعل منها واوي العين، ف (كاد) أصله: كود بكسر الواو كخوف، فتحركت الواو، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فصار: يكاد بوزن: يخاف، ومصدره: الكود، وهذا في «كاد» الناقصة، وأما «كاد» التامة، فهي يائية العين المفتوحة في الماضي، كباع، المكسورة العين في المضارع ك «يبيع»، ومصدره: الكيد، ك «البيع»، فهو من الباب الثاني، بخلاف الناقص فإنه من الباب الرابع، ولذا جاء المضارع في القرآن مختلفا، فمن الأول قوله تعالى في سورة (النّور) رقم [٣٥]: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ ومن الثاني قوله تعالى في آخر سورة (الطّارق): ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ومعنى الأول: المقاربة، ومعنى الثاني: المكر، والأول ناقص التصرف، ويحتاج إلى مرفوع، ومنصوب، والثاني تامّ التصرف، ويكتفي بالفاعل، وينصب المفعول به.
فائدة: قد تأتي «كاد» بمعنى: أراد، قاله محبّ الدين الخطيب، شارح شواهد الكشاف، وجعل منه قول الراقدة الأودي، والبيت: [البسيط]
فإن تجمّع أسباب وأعمدة وساكن بلغوا الأمر الّذي كادوا
أي: الّذي أرادوا، ومنه قول الآخر: [الكامل]
كدنا وكدت، وتلك خير إرادة لو عاد من زمن الصّبابة ما مضى
أي: أردنا، وأردت، دليله: «تلك خير إرادة». هذا وقد شاع على الألسن أنّ نفي كاد إثبات، وإثباتها نفي، ولذا ألغز المعريّ بقوله: [الطويل]
أنحويّ هذا العصر ما هي لفظة جرت في لساني جرهم وثمود
إذا استعملت في صورة الجحد أثبتت وإن أثبتت قامت مقام جحود
[ ١ / ٦٩ ]
فأجابه الشّيخ جمال الدين محمد بن مالك صاحب الألفية بقوله: [الطويل]
نعم هي كاد المرء أن يرد الحمى فتأتي لإثبات بنفي ورود
وفي عكسها ما كاد أن يرد الحمى فخذ نمها فالعلم غير بعيد
وقد اتفقت كلمة النحاة على أن (كاد) كسائر الأفعال، وكلامهم متقارب المعنى في هذا الشأن، ومتشابه، انظر الشاهد رقم [١١٢٧] من كتابنا فتح القريب المجيب، والأشموني، وغيرهما، وها أنا ذا أسوق لك ما ذكره السّيوطي رحمه الله تعالى في كتابه: (همع الهوامع) لتكون على بصيرة من أمرك، قال رحمه الله تعالى: والتحقيق: أنها كسائر الأفعال نفيها نفي، وإثباتها إثبات، إلا أن معناها المقاربة لا وقوع الفعل، فنفيها نفي لمقاربة الفعل، ويلزم منع نفي الفعل ضرورة أن من لم يقارب الفعل لم يقع منه الفعل، وإثباتها إثبات لمقاربة الفعل، ولا يلزم من مقاربته وقوعه، فقولك: «كاد زيد يقوم» معناه: قارب القيام، ولم يقم، ومنه قوله تعالى في سورة (النور) رقم [٣٥] ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أي: يقارب الإضاءة إلا أنه لم يضيء، وقولك: «لم يكد زيد يقوم» معناه لم يقارب القيام، فضلا عن أن يصدر منه، ومنه قوله تعالى في سورة (النّور) رقم [٤٠]: ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ أي: لم يقارب أن يراها، فضلا عن أن يرى، وقوله تعالى في سورة إبراهيم، على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [١٧]: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: لا يقارب إساغته، فضلا عن أن يسيغه، وعلى هذا الزجاجي. وغيره، وذهب قوم، منهم ابن جني إلى أنّ نفيها يدلّ على وقوع الفعل ببطء كما في الآية: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ رقم [٧١] من سورة (البقرة)، فإنّهم فعلوا بعد بطء، والجواب: أنّها محمولة على وقتين؛ أي: فذبحوها بعد تكرار الأمر عليهم بذبحها، وما كادوا يذبحونها قبل ذلك، ولا قاربوا الذّبح، بل أنكروا أشدّ الإنكار، بدليل ما حكى الله عنهم:
﴿قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾.
وقال ابن هشام في مغنيه: فالجواب: أنه إخبار عن حالهم في أول الأمر، فإنهم كانوا أولا بعداء عن ذبحها بدليل ما يتلى علينا من تعنّتهم، وتكرار سؤالهم. انتهى.
وقوله مشابه لقول السّيوطي المتقدّم.
﴿يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ:﴾ يأخذها بسرعة، وخطف، يخطف من باب: فهم، وعلم. قال تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٠]: ﴿إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ،﴾ ومجيئه من باب: ضرب، يضرب لغة، وقد قرئ بها. و﴿كُلَّما،﴾ (كلّ) هي هنا ظرف، وكذلك في كلّ موضع كان لها جواب، وهذا يعني: أنها متضمنة معنى الشرط، وهذا هو المشهور، و(ما) مصدرية، والزمان محذوف. وقيل: هي هنا نكرة موصوفة ومعناها الوقت ﴿أَضاءَ لَهُمْ:﴾ انظر الآية رقم [١٧].
﴿مَشَوْا:﴾ انظر إعلال مثله في الآية رقم [١٤]. ﴿قامُوا:﴾ وقفوا عن المشي بسبب الظلمة التي
[ ١ / ٧٠ ]
تحيط بهم. ﴿شاءَ:﴾ أصله: شئ على فعل بكسر العين بدليل قولك: شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومفعوله محذوف، التقدير: ولو شاء الله إذهاب سمعهم، وأبصارهم، وكثر حذف مفعوله، ومفعول «أراد» حتى كاد لا ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل قوله تعالى في سورة الأنبياء رقم [١٧] ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ وقال الشاعر الخزيمي: [الطويل]
فلو شئت أن أبكي دما لبكيته عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع
وينبغي أن تعلم: أنّه يكثر حذف مفعول هذين الفعلين بعد «لو». (سمعهم): بمعنى:
أسماعهم بقرينة: (﴿أَبْصارَهُمْ﴾) وانظر الآية رقم [٧] ﴿شَيْءٍ:﴾ هو في اللغة عبارة عن كل موجود، إمّا حسّا كالأجسام، وإمّا حكما كالأقوال، نحو قلت شيئا، وجمع الشيء: أشياء، غير منصرف، واختلف في علته اختلافا كثيرا، والأقرب ما حكي عن الخليل-رحمه الله تعالى-: إنّ وزنه: شياء، وزان: حمراء، فاستثقل وجود همزتين في تقدير الاجتماع، فنقلت الأولى إلى أول الكلمة، فبقيت وزن: لفعاء، كما قلبوا أدؤرا، فقالوا: أدر وشبهه، وجمع الأشياء: أشايا.
هذا وقال الخازن-رحمه الله تعالى-: وهذا مثل آخر ضربه الله للمنافقين، ووجه التمثيل:
أنّ الله﷿شبههم في كفرهم ونفاقهم بقوم كانوا في مفازة في ليلة مظلمة، أصابهم مطر فيه ظلمات، وهي: ظلمة الليل، وظلمة المطر، وظلمة السّحاب، من صفة تلك الظلمات: أنّ الساري لا يمكنه المشي فيها، ورعد من صفته أن يضم سامعوه أصابعهم إلى آذانهم من هوله، وبرق من صفته أن يخطف أبصارهم، ويعميها من شدته، فهذا مثل ضربه الله تعالى للقرآن، وصنيع الكافرين، والمنافقين معه.
فالمطر هو القرآن؛ لأنه حياة القلوب، كما أن المطر حياة الأرض، والظلمات في القرآن من ذكر الكفر، والشرك، والنفاق. والرّعد ما خوفوا به من الوعيد، وذكر النار، والبرق ما فيه من الهدى، والبيان، والوعد، وذكر الجنة، فالكافرون والمنافقون يسدون آذانهم عند قراءة القرآن، وسماعه مخافة أن تميل قلوبهم إليه؛ لأن الإيمان به عندهم كفر، والكفر موت، وقيل غير ذلك. انتهى. وفي البيضاوي، والقرطبي ما يشبهه.
الإعراب: يكاد فعل مضارع ناقص. البرق: اسمه. يخطف: فعل مضارع، والفاعل يعود إلى البرق. أبصارهم: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب خبر يكاد، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وهي عند الزمخشري بمنزلة البدل من جملة (﴿يَجْعَلُونَ..﴾.) إلخ.
﴿كُلَّما:﴾ (كلّ): ظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. (ما): مصدرية توقيتية. ﴿أَضاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى
[ ١ / ٧١ ]