﴿الْبَرْقُ﴾ والفعل إما متعدّ، والمفعول محذوف، بمعنى: كلّما نوّر لهم طريقهم، وإمّا لازم بمعنى:
كلّما لمع لهم مشوا في موضع نوره. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) والفعل ﴿أَضاءَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كلّ) إليه، التقدير: كلّ وقت إضاءة الطريق لهم، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل (كلّ)، انظر مبحث: «كلّما» في كتابنا فتح القريب المجيب، وقيل: (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى: وقت أيضا، والمدرسون يقولون: أداة شرط غير جازمة، ولا يعرفون هذا الإعراب والتفصيل.
﴿مَشَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب ﴿كُلَّما﴾ لا محل لها، و﴿كُلَّما﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا:﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [١١]، و(﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله، هذا وذكر مع ﴿أَضاءَ﴾ ﴿كُلَّما﴾ وهي مفيدة للتكرار، ومع ﴿أَظْلَمَ﴾ (﴿إِذا﴾) لشدّة حرصهم على وجود ما همهم به معقود من إمكان المشي، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها، ولا كذلك التوقف في الظلمة. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَذَهَبَ:﴾
اللام: واقعة في جواب (﴿لَوْ﴾)، (ذهب): فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعل. ﴿بِسَمْعِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، (﴿أَبْصارَهُمْ﴾): معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور، وجملة: ﴿لَذَهَبَ..﴾. إلخ جواب (﴿لَوْ﴾) لا محل لها، و(﴿لَوْ﴾) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، وقيل: مستأنف، ولا محل له على الاعتبارين.
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، لأنه اسم فاعل بمعنى قادر، فهو صيغة مبالغة، و﴿كُلِّ﴾ مضاف و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾
خبر ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية تعليلية، أو مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين.
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾
الشرح: لما ذكر الله تعالى الأصناف الثلاثة: المؤمنين، والكافرين، والمنافقين، وذكر ما تميّزوا به من سعادة، أو شقاوة، أو إيمان، أو نفاق، وضرب الأمثال، ووضح طرق الضّلال؛ أعقبه هنا بذكر الأدلة والبراهين على وحدانية ربّ العالمين، وعرّف الناس بنعمه؛ ليشكروه عليها، وأقبل عليهم بالخطاب: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ وهو خطاب لجميع الفئات ممتنّا عليهم بما خلق، ورزق. انتهى صفوة التفاسير.
[ ١ / ٧٢ ]
هذا؛ ونقل عن علقمة بن قيس﵁قوله: ما في القرآن: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ فهو خطاب لأهل مكة، وما فيه: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو خطاب لأهل المدينة. انتهى.
ولكن إذا علمت أنّ تعاليم القرآن وأحكامه صالحة لكلّ زمان ومكان إلى يوم القيامة؛ علمت أنّ النّداءين لا يتقيّدان بزمان، ولا بمكان. كيف لا وقد علمت: أن سورة (البقرة) مدنيّة، وأيضا سورة (النّساء) وسورة (المائدة) وفيهنّ من لفظ: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ الكثير؟!.
فائدة: النداء على سبع مراتب: نداء مدح، ونداء ذمّ، ونداء تنبيه، ونداء إضافة، ونداء نسبة، ونداء تسمية، ونداء تضيّف، فالأول كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ،﴾ ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ،﴾ والثاني كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا،﴾ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا،﴾ والثالث كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ،﴾ ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ،﴾ والرابع كقوله تعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ،﴾ والخامس كقوله تعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ،﴾ ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ،﴾ والسادس كقوله تعالى: ﴿يا نُوحُ،﴾ ﴿يا إِبْراهِيمُ،﴾ والسّابع كقوله تعالى:
﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ﴾.
فائدة: وفي السمين ما نصّه: وإذا ورد «لعلّ» في كلام الله تعالى، فللناس فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن «لعلّ» على بابها من الترجي، والإطماع، ولكن بالنسبة إلى المخاطبين، أي: لعلكم تتقون على رجائكم، وطمعكم. وكذلك قال سيبويه في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ أي: اذهبا على رجائكما. والثاني: أنّها للتقليل؛ أي: اعبدوا ربكم لكي تتقوا، وبه قال قطرب، والطّبريّ، وغيرهما. والثالث: أنّها للتعرّض للشيء، كأنه قيل: افعلوا ذلك متعرّضين لأن تتقوا. انتهى.
جمل. وقريب منه في القرطبيّ.
هذا ولا تنس ما ذكرته من القول: والترجّي في هذه الآية وأمثالها إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأنّ الله تعالى لا يحصل منه ترجّ ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ذكرت هذا فيما صدر لنا كثيرا، وهذا أشمل، وأخصر، والله ولي التوفيق. والترجّي في هذه الآية، ونحوها إطماع من ربّ كريم، فيجري مجرى وعده المحتوم وفاؤه، وأصل ﴿تَتَّقُونَ:﴾ توتقيون، فأبدل من الواو تاء، ثم أدغمت التاء في التاء، وسكنت الياء بعد حذف ضمّتها، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، فصار: «تَتَّقُونَ»، ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو.
الإعراب: (﴿يا﴾): حرف نداء ينوب مناب: أدعو، أو أنادي. (﴿أَيُّهَا﴾): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (يا) و«ها»: حرف تنبيه لا محل له من الإعراب، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة، لأنه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿النّاسُ:﴾ بعضهم يعرب هذا وأمثاله: نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل: أنّ الاسم الواقع بعد أي، واسم الإشارة، إن كان مشتقا؛ فهو نعت، وإن كان جامدا كما هنا؛ فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع، أعني: (أيّ) منصوب محلاّ، وكذا التابع، أعني: ﴿النّاسُ﴾ فهو
[ ١ / ٧٣ ]
منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية، وإنما أتبعت ضمة البناء مع أنّها لا تتبع؛ لأنها وإن كانت ضمة بناء، لكنها عارضة، فأشبهت ضمة الإعراب، فلذا جاز إتباعها. أفاده العلامة الصبّان؛ لأنه قال: والمتّجه وفاقا لبعضهم أن ضمة التابع إتباع لا إعراب، ولا بناء، وقيل: إن رفع التابع المذكور إعراب، واستشكل بعدم المقتضي للرفع، وأجيب بأنّ العامل يقدر من لفظ عامل المتبوع مبنيّا للمجهول، نحو يدعى. وهو مع ما فيه من التكلف يؤدي إلى قطع المتبوع، وقيل: إنّ رفع التابع المذكور بناء؛ لأن المنادى في الحقيقة هو المحلّى بال، ولكن لمّا لم يمكن إدخال حرف النداء عليه؛ توصلوا إلى ندائه ب «أيّ» أي مع قرنها بحرف التنبيه، وردّه بعضهم بأنّ المراعى في الإعراب اللفظ، وأن الأول منادى، والثاني تابع، والإعراب الشائع الآن أن تقول: مرفوع تبعا للفظ.
﴿اُعْبُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف هي الفارقة بين واو العلّة، وواو الضمير، هذا هو الإعراب المتعارف عليه، والمشهور بين الناس، والأصل أن يقال في مثل ذلك: فعل أمر مبني على سكون مقدّر على آخره، منع من ظهوره إرادة التخلص من التقاء الساكنين، وحرّك بالضمة لمناسبة واو الجماعة، وما أجدرك أن تلاحظ هذا في كل فعل أمر مسند إلى واو الجماعة، أو إلى الألف الاثنين، مثل: اعبدا، قد حرك بالفتحة لمناسبة ألف الاثنين، أو إلى ياء المخاطبة مثل: اعبدي، وقد حرّك بالكسرة لمناسبة ياء المخاطبة.
﴿رَبَّكُمُ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة أو بدل من ﴿رَبَّكُمُ،﴾ أو هو منصوب على المدح بفعل محذوف؛ التقدير: أمدح الذي، أو هو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الذي، وهذان الوجهان على القطع. والإتباع هنا أقوى، بخلافه في الآية رقم [٣]، وفي الآية التالية.
﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.
﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب معطوف على الكاف، التقدير: وخلق الذين. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، أي: الذين وجدوا من قبلكم. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه، والميم في كل ما تقدم حرف دال على جماعة الذكور. ﴿تَتَّقُونَ:﴾ فعل مضارع، والواو فاعله، والمفعول محذوف، التقدير: لعلكم تتقون الكفر، أو المعاصي، أو تتقون الله. وهو الأولى، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لعلّ) والجملة الاسمية محتملة للتعليل، والحالية؛ أي: لتتقوا الله، وتخافوا عقابه، أو حال كونكم متقين الله، أو متعرضين للتقوى، وفي المغني لابن هشام: هي
[ ١ / ٧٤ ]