الضمير بدل ظاهر من مضمر، وقيل: في محل نصب بدل من ﴿ما﴾ والأول أولى لقربه، وجوز أن يكون المصدر في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الوصل: وقيل: مفعول لأجله على حذف المضاف، التقدير: كراهة أن يوصل، أو التقدير: لئلا يوصل: ومثل ذلك قول عمرو بن كلثوم في معلقته المشهورة رقم [٩٧] وهو الشاهد رقم [٤٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]
نزلتم منزل الأضياف منّا فعجّلنا القرى أن تشتمونا
وجملة: (﴿يَقْطَعُونَ..﴾.) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وجملة: (﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾): معطوفة أيضا. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْخاسِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع إلخ، هذا ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ ثانيا، و﴿الْخاسِرُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية هذه في محل رفع المبتدأ الأول، وعلى الوجهين فالجملة مستأنفة لا محل لها.
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام المراد به التعجب من كفرهم، وذلك من قبل العباد، والمراد به التوبيخ والتقريع من جهة الله تعالى، ولذلك أتبعه بالبرهان القاطع على سفاهتهم؛ حيث كفروا به، وعبدوا من لا يستحق العبادة ﴿وَكُنْتُمْ أَمْواتًا..﴾. إلخ: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: واختلف أهل التأويل في ترتيب هاتين الموتتين، والحياتين، وكم من موتة وحياة للإنسان؟
فقال ابن عباس، وابن مسعود﵃-: أي: كنتم أمواتا معدومين قبل أن تخلقوا، فأحياكم؛ أي: خلقكم، ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم، ثم يحييكم يوم القيامة. قال ابن عطية: وهذا القول هو المراد بالآية، وهو الذي لا محيد للكفار عنه لإقرارهم بهما، وإذا أذعنت نفوس الكفار لكونهم أمواتا معدومين، ثمّ للإحياء في الدنيا، ثم للإماتة فيها؛ قوي عليهم لزوم الإحياء الآخر، وجاء جحدهم له لا حجّة عليها.
وقيل: كنتم أمواتا؛ أي نطفا في أصلاب الرجال، وأرحام النّساء، ثم نقلكم من الأرحام، فأحياكم، ثم يميتكم من هذه الحياة، ثمّ يحييكم في القبر للمسألة، ثم يميتكم في القبر، ثم يحييكم حياة النشر إلى الحشر، وهي الحياة التي ليس بعدها موت، فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتات، وثلاث إحياءات، انتهى. هذا؛ وقال تعالى في سورة (غافر) رقم [١١]: ﴿قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ..﴾. إلخ، انظر شرحها هناك، وقال تعالى في سورة الجاثية رقم [٢٦]: ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾.
[ ١ / ٨٩ ]
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيحاسبكم على ما تعملون، من صغير، وكبير، وانظر الآية رقم [١٨].
هذا؛ وقد عطف سبحانه الإحياء الأول بالفاء على «الموت» وعطف البواقي ب ﴿ثُمَّ﴾ لأن الإحياء الأول قد تعقب الموت بلا تراخ، وأما الموت فقد تراخى عن الحياة، والحياة الثانية كذلك تتراخى عن الموت، وكذلك الرّجوع إليه سبحانه يتراخى عن الإحياء بسبب طول يوم القيامة.
تنبيه: جاء في مغني اللّبيب ما نصّه: وتستعمل «كيف» على وجهين: أحدهما: أن تكون شرطا، فيقتضي فعلين متفقي اللفظ والمعنى غير مجزومين، نحو كيف تصنع أصنع، ولا يجوز:
كيف تجلس أذهب، باتّفاق، ولا: كيف تجلس أجلس بالجزم عند البصريين إلا قطربا لمخالفتها لأدوات الشرط بوجوب موافقة جوابها لشرطها كما مرّ، وقيل: يجوز مطلقا، وإليه ذهب قطرب، والكوفيون، وقيل: يجوز بشرط اقترانها ب «ما» قالوا: ومن ورودها شرطا قوله تعالى: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ،﴾ وقوله تعالى: ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ،﴾ وقوله: ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ،﴾ وجوابها في ذلك كله محذوف لدلالة ما قبله عليه، وهذا يشكل على إطلاقهم أنّ جوابها يجب مماثلته لشرطها.
وقد استدرك بعض المعلّقين على المغني، فقال: أجاب بعضهم بأنّه يمكن أن يقدر الجواب موافقا للشرط بأن يقدر الجواب فعل مشيئة متعلق بالفعل السابق، وهو دال عليه؛ لأن الفعل الاختياري يستلزم المشيئة، والأصل: كيف يشاء أمرا يشاء التصوير في الأرحام، كيف يشاء أمرا يشاء الإنفاق. كيف يشاء أمرا يشاء بسطه، غاية الأمر: أنّ متعلق الفعلين مختلف، وهذا جواب بعيد؛ لأنهم قالوا: لدلالة ما قبله عليه؛ لأن المتبادر: أنه دال على الجواب، وعلى دفع الإشكال، فيكون ما قبلها دالاّ على متعلق جوابها، لا على نفس جوابها، وقد علمت دفع هذا بأن الفعل الاختياري وهو الفعل الواقع قبلها يستلزم المشيئة، وهو الجواب المحذوف. انتهى.
الإعراب: ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال، عامله الفعل بعده، وصاحبه: واو الجماعة. ﴿تَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وجملة: (﴿كُنْتُمْ أَمْواتًا﴾) في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير، و«قد» مقدّرة قبل الفعل الماضي الناقص لتقربه من الحال.
(أحياكم): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿يُمِيتُكُمْ:﴾ معطوفة أيضا.
﴿يُحْيِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله) والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا، فهي في محل نصب حال أيضا. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾
فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة معطوفة على ما قبلها.
[ ١ / ٩٠ ]