متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿قالُوا..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب عن سؤال مقدر، فكأن قائلا قال: ماذا قالت الملائكة؟ قيل: ﴿قالُوا..﴾. إلخ، ﴿يُفْسِدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ وهو العائد. ﴿فِيها﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وجملة: (﴿يَسْفِكُ الدِّماءَ﴾): معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿وَنَحْنُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿نَحْنُ﴾): ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿نُسَبِّحُ﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو فقط، وإن اعتبرتها حالا من فاعل (﴿تَجْعَلُ﴾) فالرابط: الواو، والضمير، والمعنى عليه أقوى. ﴿بِحَمْدِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿نُسَبِّحُ﴾ أي: متلبسين بحمدك، فهي حال متداخلة.
وجملة: (﴿نُقَدِّسُ لَكَ﴾): معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، واللام زائدة، وعليه فالكاف في محل نصب مفعول به، والأصل: «نقدسك» وقيل: ليست زائدة، فهي جارة للكاف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (﴿نُقَدِّسُ﴾) على أنّهما في محل نصب مفعول به. ﴿قالَ:﴾
فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّكَ﴾. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها.
﴿أَعْلَمُ:﴾ خبر (إنّ)، واعتبره أبو البقاء اسما بمعنى: عالم، كما جوز اعتباره فعلا مضارعا، فاعله مستتر تقديره: أنا، والجملة الفعلية خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ: لا محل لها مثل جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ، ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ل ﴿أَعْلَمُ﴾ على الاعتبارين المذكورين فيه. ﴿لا:﴾ نافية.
﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، أو صفة ﴿ما﴾ إن كانت نكرة موصوفة، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا لا تعلمونه.
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١)﴾
الشرح: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها:﴾ تعليم الله لآدم ذلك بإلهام علمه ضرورة، ويحتمل أن يكون ذلك بواسطة جبريل ﵇، قال ابن عطاء: لو لم يكشف لآدم علم تلك الأسماء؛ لكان أعجز من الملائكة في الإخبار عنها، وهذا واضح. وكنيته في الجنّة أبو محمد، وفي الأرض أبو البشر. و﴿آدَمَ﴾ اسم علم أعجمي مشتق من الأدمة بمعنى السّمرة، أو من أديم الأرض، أي: من وجهها وترابها، أو من الأدمة بمعنى الألفة، قال سعيد بن جبير﵁-: إنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض، وإنما سمي إنسانا لأنه نسي، وأصله «أأدم»
[ ١ / ٩٧ ]
بهمزتين، قلبت الثانية مدّا، مجانسا لحركة الأولى، كما قلبت في إيمان، فإنّ أصله ب: «إئمان» وكما قلبت في أومن، فإنّ أصله: «أؤمن»، ﴿الْأَسْماءَ:﴾ جمع: اسم، انظر اشتقاقه في البسملة.
هذا واختلف أهل التأويل في معنى الأسماء التي علمها الله لآدم ﵇، فقال ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، ومجاهد، وابن جبير﵃ أجمعين-: علمه أسماء الأشياء كلها: جليلها، وحقيرها، لذا قيل: والمراد بالأسماء أسماء الأشياء، والأجناس التي خلقها، مثل: هذا فرس، وهذا بعير، وهذا باب، وهذا ثوب. وقيل: المراد بالأسماء:
اللغات، مثل العربية، والتركية، أقول: وكل ذلك صحيح، علّمه كل شيء حتى القصعة، والقصيعة، والمغرفة إلخ، وبالجملة فقد علمه أسماء الأجناس، وعرّفه منافعها، هذا كذا، وهو يصلح لكذا، وعلمه جميع اللغات، ولقّنها بنيه؛ لكنهم تفرقوا، فحفظ بعضهم العربيّة ونسي غيرها، وبعضهم التركية ونسي غيرها إلخ.
﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ:﴾ عرض الأسماء، ومعلوم: أنّ من الأسماء أسماء من يعقل، وأسماء من لا يعقل، فغلب العقلاء على غيرهم، وجمعهم هذا الجمع، هذا وقرئ: («عرضهنّ») و(«عرضها») فيكون من تغليب غير العقلاء على العقلاء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: إني لم أخلق خلقا إلا كنتم أفضل منه، وأعلم. ﴿فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ﴾ أي: أخبروني. هذا؛ والنبأ:
الخبر وزنا ومعنى، ويقال: النبأ أخصّ من الخبر؛ لأنّ النبأ لا يطلق إلا على كلّ ما له شأن وخطر من الأخبار، وقال الراغب: النبأ: خبر ذو فائدة، يحصل به علم، أو غلبة ظن، لا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمّن هذه الأشياء الثلاثة، وحقه أن يتعرّى عن الكذب، كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الرسول ﷺ. هذا؛ وقد يجيء الفعل من نبأ غير مضمن معنى أعلم، فلذلك يعدى لواحد بنفسه، وللآخر بحرف الجر، وانظر الآية [٣] من سورة التحريم.
أما صفة خلق آدم ﵇، فقد قال وهب بن منبه: لمّا أراد الله أن يخلق آدم؛ أوحى الله إلى الأرض: إني خالق منك خليقة، منهم من يطيعني، ومنهم من يعصيني، فمن أطاعني؛ أدخلته الجنة، ومن عصاني؛ أدخلته النار، قالت الأرض: أتخلق مني خلقا يكون للنار فيه نصيب؟ قال: نعم. فبكت الأرض، فانفجرت منها العيون إلى يوم القيامة، فبعث الله إليها جبريل ﵇ ليأتيه بقبضة منها، من أحمرها، وأسودها، وأبيضها، وطيّبها، وخبيثها، فلما أتاها ليقبض منها؛ قالت: أعوذ بعزة الله الذي أرسلك إليّ أن لا تأخذ مني شيئا يكون للنار فيه نصيب، فرجع جبريل ﵇ إلى ربّه، وقال: يا رب استعاذت بك منّي، فكرهت أن أقدم عليها. فقال الله لميكائيل ﵇: انطلق، فائتني بقبضة من الأرض، فلما أتاها ليقبض منها؛ قالت له مثل ما قالت لجبريل، فرجع إلى ربه، فقال له ما قالت له، فقال لعزرائيل ﵇: انطلق فائتني بقبضة من الأرض، فلما أتاها؛ قالت له الأرض: أعوذ بعزة الله الذي
[ ١ / ٩٨ ]
أرسلك أن لا تأخذ مني شيئا، يكون للنار فيه نصيب. فقال: وأنا أعوذ بعزّته أن أعصي له أمرا، وقبض منها قبضة من جميع بقاعها: من عذبها، ومالحها، وحلوها، ومرّها، وطيّبها، وخبيثها، وصعد بها إلى السماء، فسأله ربّه، ﷿، وهو أعلم بما صنع، فأخبره بما قالت، وبما ردّ عليها، فقال الله﷿-: وعزّتي، وجلالي لأخلقنّ ممّا جئت به خلقا، ولأسلطنّك على قبض أرواحهم لقلّة رحمتك، ثمّ جعل الله تلك القبضة، نصفها في الجنّة، ونصفها في النّار، ثم تركها ما شاء الله، ثمّ أخرجها، فعجنها بيده لكيلا يتكبّر إبليس عنه، فعجنها طينا لازبا، قال تعالى في سورة الصافات رقم [١١]: ﴿إِنّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ وقال تعالى في سورة المؤمنون رقم [١٢]: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ فكان جسدا من طين أربعين سنة، ثمّ كان حمأ مسنونا مدّة؛ أي: طينا منتنا، قال تعالى في سورة الرحمن رقم [١٤]: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ﴾. ثم كان جسدا ملقى على باب الجنة مدّة، فكانت الملائكة يعجبون من صفة صورته، لأنّهم لم يكونوا رأوا مثله.
وكان إبليس يمرّ عليه، ويقول: لأمر ما خلق هذا، ونظر إليه؛ فإذا هو أجوف. فقال: هذا خلق لا يتمالك، ودخل من فمه، وخرج من دبره، وقال للملائكة: إن فضّل هذا عليكم ماذا تصنعون؟ فقالوا: نطيع الله، ولا نعصيه، فقال إبليس في نفسه: لئن فضّل عليّ؛ لأعصينّه، ولئن فضّلت عليه؛ لأهلكنّه.
فلما أراد الله تعالى أن ينفخ فيه الروح؛ أمرها أن تدخل في جسده، فنظرت فرأت مدخلا ضيقا، فقالت: يا ربّ! كيف أدخل هذا الجسد، قال الله ﷿: ادخليه كرها، وستخرجين منه كرها، فدخلت في يافوخه، فوصلت إلى عينيه، فجعل ينظر إلى سائر جسده طينا، فسارت إلى أن وصلت إلى منخريه، فعطس، فلما بلغت لسانه: قال: الحمد لله ربّ العالمين، وهي أول كلمة قالها، فناداه الله تعالى: رحمك الله يا أبا محمد! ولهذا خلقتك، ولما بلغت جوفه؛ اشتهى الطّعام، ولما بلغت الركبتين همّ ليقوم، فلم يقدر، كما قال تعالى في سورة الأنبياء رقم [٣٧]:
﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ فلما بلغت الساقين، والقدمين، استوى قائما بشرا سويّا، لحما، ودما، وعظما، وعروقا، وعصبا، وأحشاء، وكسي لباسا من ظفر، يزداد جسده جمالا وحسنا كل يوم، وجعل في جسده تسعة أبواب: سبعة في رأسه، وهي الأذنان يسمع بهما، والعينان يبصر بهما، والمنخران يشم بهما، والفم فيه اللسان يتكلم به، والأسنان يطحن بها ما يأكله، ويجد لذة المطعومات بها، وبابين في أسفله، وهما القبل، والدبر، يخرج منهما ثفل طعامه، وشرابه، وجعل عقله في دماغه، وفكره، وصرامته في قلبه، وشرهه في كليته، وغضبه في كبده، ورغبته في رئته، وضحكه في طحاله، وفرحه، وحزنه في وجهه.
فسبحان من جعله يسمع بعظم، ويبصر بشحم، وينطق بلحم، ويعرف بدم، وركب فيه الشهوة، وحجزه بالحياء.
[ ١ / ٩٩ ]